أنت هنا

قراءة كتاب خلود

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
خلود

خلود

راوية "خلود" للكاتب الفلسطيني سمير الجندي، يسجل من خلالها العلاقات الإنسانيةً، والهموم الشخصية، وواقع تعيشه مدينة القدس حيثُ تتصارع حولها الأحلام والأماني، ونزعات الخير والشر، وبقاء الحياة والوجود بين الأنا والآخر , 

تقييمك:
4
Average: 4 (2 votes)
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 7
4
 
خرجت ممسكا بيد والدتي وباليد الأخرى يد أختي، وبدورها تمسك يد أخي، وتحمل أمي بيدها الأخرى أخي الرضيع، خرجنا جميعاً لاكتشاف المجهول، ولمعرفة مصير بيتنا بعد خمسة أيام من القصف المتواصل، وكان أبو زهير ممسكا بيد زوجته التي تلبس ثوبا مطرزاً بألوان الأرض المغتصبة، كان أبو زهير مطرقاً لا يتكلم، ويسير جنبا إلى جنب مع زوجته، التي تمسك بيدها الأخرى زهير، و بدوره يمسك بيد أخته سهام، يسير أبو زهير وطربوشه الأحمر فوق رأسه وقد عرّاه من شاشته البيضاء، أنا لم أعرف لماذا عرّاه، ولكنه رجع إلى اللون الأحمر سلخه عن لون الشاشة البيضاء، ولما سألته قال بأنه لم يعد يحب اللون الأبيض، فهو اللون المفضل عند من هرب من أرض المعركة... صحيح أنني لا أميز بين الألوان، لكن اللون الأبيض هو لون الذل والعار، هو لون الجبناء الانهزاميين، هو لون الضعفاء مسلوبي الإرادة... الذين هربوا رافعين الراية البيضاء فوق رؤوسهم!!!
 
    أكمل مسيره مطرقاً رأسه كأنه يصغي لكل صوت، فهو خبير في تمييز الأصوات، لأول مرة في حياتي أراه متجهما وحزينا هكذا...
 
سرنا باتجاه بيتنا، كان يبتعد عنا كلما اقتربنا منه، طالت المسافة، قبل أن نصل إليه، كان وحيدا... مازال في مكانه، تثرثر جدرانه بكل ما حصل في غيابنا، ثقوب بأشكال سريالية من اثر الرصاص، زجاج ينتشر على أرضيته الحجرية، نوافذه انتُزعت من مكانها انتزاعاً، بقية باب يستند إلى حلق متهالك، لم نطل المكوث، تركنا البيت لم نأخذ بيدنا سوى تنكة زيت الزيتون، فقد قالت أمي بأنها مليئة ولا بد من أخذها معنا وهي كل ما نملك، ولم يستطع حملها إلا أبو زهير، خرجنا مشيعين البيت بنظرة طبعت في ذاكرتنا.
 
 لم نعرف وجهتنا، لم تتفوه أمي بكلمة ، لازمت الصمت ... لكنها عندما خرجنا من الحارة قالت:
 
- ها هي قصتنا تتكرر يا بني، أخذت تعيد شريط ذكرياتها ، رجعت إلى طفولتها عندما تركت بيتها مع من بقي على قيد الحياة من أبناء أسرتها في قرية زكريا، وبعد أن جاءهم خبر استشهاد والدها في معركة سكة الحديد في يافا في العام تسعة وثلاثين وتسع مائة وألف على يد الإنجليزي المحتل، أخذت تقلب الأمور وتزنها بميزانها الخاص، تُرى أيكون مصيركم  مثل مصيري؟
 
 لقد تشردت وعاشت برد الشتاء القارص، وحر الصيف اللافح في خيمة تقاسمت عذابها، وبؤسها، مع أطفال في مثل سنها، وشيوخ دَفنوا أبناءهم، فتحجرت دموعهم في مآقيها، ونسوة جف حليب أثدائهن حزنا على أزواجهن الذين فُقدوا للأبد، أو استشهدوا،كانت آنذاك طفلة في الخامسة من عمرها، ولكنها تذكر تماما تلك المعاناة التي حُفرت في بؤرة ذاكرتها ونُقشت نقشا في مخيلتها، وها هي الأحداث تعيد نفسها فتتكرر المعاناة ويزداد الألم بعد أن اتسع الجرح حتى لم يعد بالإمكان التآمه...

الصفحات