المجموعة الشعرية "ليلا على سفر" للشاعر السويدي توماس ترانسترومر، التي ترجمها وتحقق منها إلى العربية الكاتب العراقي علي ناصر كنانة - غيل رامسي، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2003، نقرأ من أجوائها:
أبريل والصمت
أنت هنا
قراءة كتاب ليلا على سفر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

ليلا على سفر
الصفحة رقم: 6
رابعاً: الإلتزام الجمالي··
يكاد يكون توماس ترانسترومر الوحيد أو واحداً من شعراء قلائل في العالم عاشوا ستينيات القرن العشرين الملتهبة دون أن تلتهب قصائدهم· فقد نأى ترانسترومر بشعره عن انفعالات المدِّ السياسي الستيني الذي اجتاح العالم وثقافته آنذاك· فلم يكتب شعراً خطابياً، وابتعدَ شخصياً عن أي نشاط سياسي، منهمكاً في الاشتغال الجمالي على قصيدته، وهو انهماك لم يتجاهل ما يدور في العالم بل كان في الصميم منه ولكن من خلال كينونته الشعرية· وقد أُتهِّمَ ترانسترومر وقتها بالانعزالية إلاّ أنه كان يدرك بأن أجندة الشاعر هي غير أجندة السياسي، فلكلّ منهما استراتيجية مختلفة، وأسلوب تعبيري مختلف حتى لو تلاقت الخطوط·
لقد حرصَ ترانسترومر أن يكون التزامه التزاماً جمالياً: حيث يستطيع الشاعر ترويض الفكرة في فضاء القصيدة وليس العكس حين يتم تغليب الفكرة (الأيديولوجية أو السياسية) على البُعد الجمالي للقصيدة· ففي قصيدة ترانسترومر تكتسب الأفكارُ حياةً أخرى مستقاةً من العالم الشعري، ومنقّاةً من حدّةٍ وظائفيةٍ تحيل النص إلى مناطق خطابية أخرى، وتودي به إلى فخ اللاشعرية·
***
ولابدّ في هذا السياق من التطرّق إلى إعلان الشاعر في قصائده عن لغة جديدة تمثّل خصوصيته في وعي اللغة، فقد سئمَ من الكلّمات التي لا تأتي باللغة:
سائماً جميع الذين يعبِّرون بكلّمات، كلّماتٍ وليستْ لغةً
أرحلُ إلى الجزيرةِ المغطّاة بالجليد·
البرّي لا كلّماتَ لديه·
الصفحاتُ غير المكتوبة تتمدّدُ في جميع الجهات!
أصطدمُ بأثرِ ظلفِ يحمورٍ على الثلج·
لغةٌ وليستْ كلّمات·(1)
والشاعر بذلك يبحث عن الصورة في اللغة: في أن نرى اللغة دون الحاجة لقولها في كلّمات· فالكلّمات لديه مفردات مرئية بل وتكاد تُلمس· فالصور والكلّمات تفيض على النص:
موجةٌ جائشةٌ تتدحرجُ في النص كلّهِ، تتبعُهُا
موجةٌ جائشةٌ، ثمّ أخرى···(2)
وغالباً ما يدعو ترانسترومر إلى لغة جديدة متغيّرة لأن:
كلّ مشكلّةٍ تصرخُ بلغتها·(3)
ولأن:
اللغة تسير في تناغمٍ مع الجلاّدين
يجب أن نأتي بلغةٍ أخرى·(4)
والقارئ لشعر توماس ترانسترومر لا يجد عناءً كبيراً في تلمّس أن شعره اشتغالٌ جمالي ودأب حقيقي للإتيان بلغةٍ أخرى·