أنت هنا

قراءة كتاب يا أيها الإنسان - قراءة تأملية في عالمية الخطاب القرآني

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يا أيها الإنسان - قراءة تأملية في عالمية الخطاب القرآني

يا أيها الإنسان - قراءة تأملية في عالمية الخطاب القرآني

أحمدُ الله الَّذي خلقَ الإنسان، علَّمَهُ البيان، والّذي رفعَ السَّماء، ووضعَ الميزان، وأصلِّي وأسلِّمُ على رسولِ الله حاملِ الوَحْي، وقائدِ الخَلْق إلى الحقّ، والمثلِ الأعلى للخليقة الَّذي اجتمعَتْ فيه كَمالات النَّفس والخلُق، وعلى آلهِ الأطهار، وأصحابِه ال

تقييمك:
4.66665
Average: 4.7 (3 votes)
دار النشر: دار المأمون
الصفحة رقم: 5

(4) احذر عدوّك الأخطر

في كتاب ربّك العزيز تحذيرٌ لك من عدوّ خبيث ماكر خَفيّ لا يُرى بالعين المجردة، ولا يُرى بالمِجْهر الدَّقيق، وإنّما تُرى آثارُ أفعالِه، فكأنّه الزّلزال الذي يضرب، ثمّ يتوارى، وكأنّه الثعبان الذي يلدغ، ثمّ ينسلّ انسلالاً، وكأنّه "الفيروس" الذي يفتكُ بالجسم، ويورثه الدَّاءَ العُضال.
إنَّ ربّك الحقَّ يحذّرك من الشَّيْطان عدوّك الأخطر الذي فتنَ أبويك، وأخرجَهما من الجنّة، والذي أضلَّ خلائق كثيرين عن الجادّة.
إنّه عدوّك الظاهر الجليّ الذي يُوغرُ صدورَ الناس بعضهم على بعض، ويزيّن لهم الخطيئة والشّر، إنّه العدوّ الذي حذّر منه يعقوبُ ( ابنه يوسف، فنهاه أن يُعْلِمَ إخوته برؤياه، خشية أن يفتن الشيطانُ إخوته، ويملأ نفوسَهم بالحقد عليه:
(قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) يوسف:5
ومن أجل ذلك دعاك ربّك الحكيمُ أنت وعباده إلى قول الأحسن، وفعل الأحسن، واختيار الأحسن من الكلام حتى لا يُفْسد الشَّيْطانُ ما بينكم من مودة؛ لأنّه متربّص بكم ينْزَغ بينكم، ويشعل نارَ الكراهية في قلوبكم بسبب كلمة خشنة، أو ردّ قبيح، أو جدل عقيم، والكلمةُ الطيبة تقطع على الشَّيْطان الطريق، وتسدُّ عليه الثغرات، وتأسو جِراح القلوب، وتندّي جفافَها، وتحفظ حرَمَ الأخوة آمناً من نزغاته ونفثاته:
(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) الإسراء:53
ومن أجل ذلك يعرضُ عليك ربُّك الخبير مشهداً من مشاهد يوم القيامة؛ لترى فعل الشَّيْطان بمَنْ أطاعه، واتّبع خطواته، وترى هذا الظالمَ الذي يعضّ على يديه من الندم الشديد؛ لأنه لم يسلكْ طريقَ الرَّسول، بل سلكَ طريق صاحبه الذي صدّه عن طريق الرَّسول، وزيّن له الضّلال، وأعانَ عليه الشَّيْطان ذلك العدوّ الذي يقودُ إلى الانهزام والخذلان:
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)) الفرقان: 27-29
وربُّك العزيز يكشفُ لك أنَّ الشَّيْطان أمكرُ الماكرين يُغْري الإنسان، ويزيّن له الفِعالَ المنكرة، فيصوّر القبيح جميلاً، والخبيث طيّباً، والباطل حقّاً، والهدى ضلالاً، حتى إذا صدّقه الإنسان واتّبعه تخلّى عنه وخذلَه، وأعلن أنّه برئ من جريمة إغوائه، وأنّه يخاف عذاب الله وانتقامه، وهو كذّاب، فلو خافَ اللهَ لامتثل أمره، وما عصاه. ثمّ ماذا؟
ثمَّ يصير الشَّيْطان والإنسان الضَّال إلى النار الحامية المؤبّدة؛ لأنّها بيت كلّ ظالم فاجر:
(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (17)) الحشر: 16-17
أرأيتَ ما يفعل الشَّيْطان بِمَنْ يفتحُ له قلبه، ويثقُ بنصحه ووعده؟
إنّه يذكّر بقول العرب إذا دَعَوا على واحد منهم: باعَك الله في الإعراب؟ فقيل لأهل البادية: ما تفعلون بالعبد إذا بِيْع فيكم؟ قالوا: نُعْرِي جِلْدَهُ، ونُطيلُ كدَّهُ، ونُجيعُ كَبِدَهُ!
والواجب على العاقل أنْ يأخذ حذره من هذا العدوّ الذي يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، والذي قد أبان عداوتَه من زمن آدم، وقد بذل عمرَهُ ونفسَه في فساد البشر، والتحريش بينهم، والسَّعي الحثيث إلى إضلالهم بالخصومات والشَّحناء والفتن، وإتيانهم من قبل الشَّهوات حتى لَبَّسَ على عدد من الفقهاء والأدباء والفلاسفة وعامة الناس، ونشر البدعَ والشبهات فيهم.
وقد بذل الشَّيْطان الرّجيم جهوداً كبيرة في إغواء الناس المعاصرين، ولا سيما المرأة قلب المجتمع النابض، فأغراها بالتبرّج والسُّفور، وعرّض كرامتها وعفّتها للخدش، فلبسَتْ ثياباً لا تسترُ شيئاً، وزاحمَت الرجال في الأسواق، وذهبَت الغَيْرة من محارمها، فصارتْ بلا سياج كأنّها ريشةٌ في مهبّ الريح.
فأين غيرة الأزواج من أعرابيّ رأى مَنْ ينظر إلى زوجته، فطلّقها غَيْرة، فلمّا عُوتب في ذلك قال أبياتاً كأنّما قُطعتْ من بُرْد الحكمة:
وأتركُ حُبَّها من غير بُغْضٍ
وذاك لكثرة الشُّركاء فيهِ
إذا وقع الذّبابُ على طعامٍ
رفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ
وتجتنبُ الأسودُ ورودَ ماءٍ
إذا كان الكلابُ ولَغْنَ فيه!
وأين حياءُ النساء من عربية سقطَ خِمارُها عن وجهها، فالتقطته بيدها، وغطّتْ وجهَها بيدها الأخرى حتى قيل فيها:
سقطَ النَّصيفُ ولم تُرْدْ إسقاطَهُ
فتناولتْـهُ واتّقتنـا باليـدِ!
وأعلى من ذلك وأجلّ ما ذكره الله سبحانه في قصّة ابنتي شيخ :(مَدْين:فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) القصص:25
وفي الآية الكريمة من الأدب والعفّة ما بلغ بابنة الشيخ مبلغاً عجيباً في التحفّظ والتحرّز.
كما تعاونَ الشَّيْطان الرّجيم مع أعداء الأمّة على الإثم والعدوان في إغواء أبناء المسلمين وبناتهم، والنيل من قيمهم وثوابتهم عبرَ آلة إعلامية ضخمة، فزيّنوا للجيل الجديد سليلِ الأسود أنْ يكونَ رقيقاً للشهوات والجنس والعيش الرَّغيد، حتى تحوّلَ الشّبل إلى ظبي وديع جَفُول، وتحوّلت الحُرّة إلى دُمية هامدة خامدة.
فلا بدَّ من البراءة من الشَّيْطان وأتباعه، والتيّقنّ أنّ العداوةَ التي وقعتْ بين آدم ( وبين إبليس هي عداوة قائمة بين إبليس وبني آدم إلى أنْ يرثَ الله الأرض ومَنْ عليها، والتاريخ البشريّ يصدّق حقيقة انقسام الناس إلى فريق هدى ورشاد، وفريق ضلال وغواية، وعلى ذلك فإنّه لا التقاء بين الفريقين في الدنيا، ولا في الآخرة.
والواجب على العاقل أنْ يوطّن نفسَهُ على الصبر على المغريات والشهوات وسائر المفاتن التي يجلس الشَّيْطان على أبوابها ونوافذها، ثمَّ يدخل من خلالها إنْ أذِنَ له صاحبُ المَنْزل بالدخول، وما أكثرَ الذين يأذنون له بالدخول في عالمنا المعاصر!
ولك أن تتصوّر ماذا يفعل الشَّيْطان إذا دخل؟ انظر إلى بيوت جيرانك كم أفسد علاقاتٍ كانت متينةً بين الأزواج، وانظرْ إلى بيوت أقاربك كم قطّع أرحاماً كانت موصولة، وانظرْ في قريتك ومدينتك كم نشرَ فيها خلاعةً وجريمة ومصيبة، كم أحدث فيها محلّاً للأفلام الخليعة، والكتب الفاسدة، والمقاهي العابثة، والسَّهر الفاجر. كم وكم؟
وانظرْ إلى بلدك كم نزغَ بين إنسان وأخيه الإنسان، وفتنَ بين صاحب وصاحبه، فقتلَ هذا أباه، وسفكَ هذا دمَ شريكِه، وذبحَ هذا أخته، وحرقَ هذا خَصْمَهُ.
وانظرْ إلى عالَمِك المعاصر هذا كم فرعون من فراعنة هذا الزَّمن أغراه بقصف المدن الآمنة المطمئنة بالقنابل النووية، والأسلحة الكيماوية، وأغراه بتقتيل الأبرياء، وتشريد ملايين الناس، وتدمير مساكنهم، وتخريب ممتلكاتهم، وإهلاك حَرْثهم ونَسْلهم؟
فما الواجب إذن؟ الحذر منه؛ لأنّه عدوّك الأخطر!

الصفحات