ذاكرة الماء محنة الجنون العاري؛ لا شيء في هذا الأفق، لا شيء أبدا، سوى الكتابة وتوسّد رماد هذه الأرض التي صارت تتضاءل و تزداد بعدا كل يوم. وهل للماء ذاكـــرة؟
هذا النصّ يجهد نفسه للإجابة عن بعض مستحيلاته بدون أن تخسر الكتابة شرطها.
أنت هنا
قراءة كتاب ذاكرة الماء
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ذاكرة الماء
"بلاد ميكي هذه. يصادرونك حتى في أدنى حقوقك. البلاد الوحيدة في العالم، التي يخافون فيها عليك من نفسك!؟
بدأنا نتعود من جديد على حياة الصعلكة. الحصول على ورقة تافهة، كان يحتاج إلى وساطات كبيرة لم نكن مؤهلين لها. اقتنعت مريم أن نعيش مع بعض، وطز فيهم وفي قوانينهم. كانت تكره الأوراق الإدارية كرهاً شديداً.
الحمد لله، جاءت منهم، ولم تأتِ منّا. ستسافر قريباً إلى دمشق، ونرى ماذا نفعل.
قالتها، ونحن نقطع الطريق المؤدّي إلى قاعة المحاضرات عيسات إيدير. عند البوابة، أعدنا قراءة عنوان المحاضرة الذي كان يملأ اللوح الخشبي القديم. الإنسان العربي بين الحقّ والواجب.
بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان.
قالت مريم، وهي تسحب باتجاهها الباب الخشنة لفتحها.
ـ هيا يا سيدي، لندخل لنرى وضعية هذا القرد المسكين الذي اسمه الإنسان العربي.
عندما دخلنا إلى القاعة، بل لم نتخطّ العتبات الأولى، ارتشقت عيناها بعيني أحد المحاضرين من الذين كانت المنصة تعجّ بهم. مدّت يدها إلى فمها. عرفت أنها كانت تريد أن تتقيأ. أسندتها بذراعي وتدحْرجنا باتجاه دورة المياه.
عندما تقيأت بدأت تبكي وتغسل عينيها، ثم تبكي، وتغسل وجهها.
لم أكن أعرف السبب بدقّة.
ـ واش مريم؟! من محاضرة إلى مندبة؟!
قالت وهي تحاول أن تحبس شهقتها.
ـ أتعرف. إنه الرجل الذي استنطقني، وعرّاني مرّات عديدة عند بوابة المعتقل. ها هو ذا يتحول بقدرة قادر إلى عضو في لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان.
ـ ربما ليس هو.
قلتها وأنا لست متيقناً مما قلت.
ـ الله لا يمكن أن يكون مجنوناً ليخلق أربعين شبهاً لهذا المخلوق. واحدٌ كافٍ لأداء المهمّة الوسخة Un seul suffi pour faire le sal bouleau.
غرابة في مخلوق هذه البلاد. هو الشخص الوحيد والأوحد الذي يصلّي الفجر، ويزني الظهر، ويسرق في العصر، وفي العشاء يستغفر ربه ويصير وديعاً بين فخذي زوجته. ولا يشعر مطلقاُ بأي حرج ولا بأي تناقض أبداً. يمشي وفي داخله شخصان: واحد ميطافيزي والآخر عقلاني بينهما زجاج شفاف لا ينكسر. كلّ واحد يقبل بالآخر ولكلّ وظيفته الخاصة.
ـ لكن ما العلاقة؟!
ـ هذا الرجل الذي تراه أمامك على المنصة. كان صديق زوجي، الحميم. كان مناضلاً يسارياً. لكن سنوات السجن والاعتقال علمته كيف يكون وديعاً. باع أصدقاءه واحداً واحداً وفضح كلّ تنظيمهم السرّي. ثم بدأ يستمتع بتعذيبهم. يقول دائماً. أعدائي لكم، أمّا أصدقائي فأنا أعرف نقاط ضعفهم.هناك وجوه تنطفئ داخل الذاكرة بسرعة. وهناك وجوه لا ننساها أبداً. وجوه الناس الذين نحبهم لأوّل مرّة بصدق ويؤذوننا بعمق. الأشياء العادية وحدها تُنسى.
اليوم لم يبدأ بخير. شعرت بثقله منذ الصباحات الأولى.عندما استرجعت بعض قواها، كانت قد امتلأت بالأشياء الغامضة والخوف. قالت أنا لا أعلم، إذا كان عليّ أن أفرح أم أحزن في ظروف مثل هذه. الناس في هذه البلاد ينسون كلّ شيء بسرعة قاسية وقياسية.أرأيت كيف كانوا يصفقون عليه وهو يتباكى على وضعية الإنسان العربي؟.
قلت و أنا أبحث عن لغتي الضائعة:
ـ أوف. تعرفين هؤلاء الناس لا يتحركون إلاّ بجماعاتهم التي تتقاضى مرتباتها مقابل القيام بمهمّة التصفيق!؟
دعوتها إلى مطعم صغير في زاوية الشارع الكبير، متخصّص في البيتزا الإيطالية، لتنسى همومها، وما كدنا نجلس في المقعد الخلفي، حتى دخل علينا رجل يشبه الشرطي، أو العسكري، ولكنه لم يكن كذلك. كان خليطاً من هذا وذاك.
طلب أوراقي.
طلب أوراقها.
ركب نظارتين. حاول أن يقرأ بصعوبة كبيرة.
ثم سألنا كمن يكمش طريدة فجأة في مصيدته.
ـ متزوجان.
ـ نعم.
ـ الدفتر العائلي.
ـ ما عَنْدَنَاشْ.