أنت هنا

قراءة كتاب دروس التفكيك

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دروس التفكيك

دروس التفكيك

كتاب " دروس التفكيك " ، تأليف د. حسام نايل ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 5

(6)

ينبني نص ثلاثية إدوار الخراط (رامة والتنين، الزمن الآخر، يقين العطش) وفق تجربة عشق بين ميخائيل ورامة. وعبر هذه التجربة تتوفر طاقة النص بكاملها وتلتف وتدور حول سؤال المعنى، ومن ثمَّ وبالضرورة حول سؤال الحضور، وأخيرًا حول سؤال الحقيقة سواء كانت حقيقة الموجود أم حقيقة الوجود بأسره، وفي اللحظة نفسها يُثار سؤال النص بما هو سؤال تجربة الكتابة في الأساس. وتفترض تجربة العشق اضطرارًا هذا الثنائي: الذات العاشقة (الرجل ميخائيل) والآخر المعشوق (المرأة رامة). وبحكم هذا الاضطرار ستظل تلك الأسئلة التي تثيرها الذات العاشقة مشدودة على الدوام بقضاء وقدر بنيوي صارم إلى هذا الآخر المعشوق.

لكنّ تجربة العشق التي تفترض اضطرارًا تلك البنية الثنائية لا تنكشف لنا إطلاقًا إلا من خلال الذات العاشقة: الرجل ميخائيل. وهو انكشاف مخصوص بكينونته في الذاكرة، فمن خلال الذات العاشقة العاكفة على قراءة سجل الذكريات المنقوش في داخلها الأليف تنكشف تجربة العشق بأسْرِها- قراءة تعيد نقش الرموز: كتابة تقرأ ما هو منقوش في داخلية الموجود وتُعِيدُ كتابتَه. وبذلك يضعنا النص أمام اضطرار هو بعينه المستحيل: نشوء أسئلة المعنى والحضور والحقيقة من تقاطع القراءة والكتابة الذي يُنتج النصَّ أولاً وأخيرًا من حيث هو بنيـ(ـة)ـات إعاد(ة)ات كتابة.

ويَنتج عن ذلك افتراض نظري مؤداه أن بنيات المكتوب هي نفسها بنيات وجود الموجود. وهذا معناه أنه في اللحظة التي ينشأ فيها درسٌ لبنيات المكتوب ينشأ بالضرورة وبحكم الاضطرار درسٌ لوجود الموجود. هذه الضرورة هي ما أطلقتُ عليه وصف الاشتغال الأنطوبلاغي. وهو وصف فرضته تجربة النص من حيث كونها تجربة كينونة في الذاكرة لم يكن لها أن تظهر أو تعرض نفسَها إلا من خلال تجربة الكتابة.

ثم قاد هذا الاضطرارُ الدرسَ إلى ادّعاء أنه ما من وجود يظهر إلا في نطاق اللغة؛ فاللغة سواء كانت منطوقة أم مكتوبة هي مسكن الوجود ومقرّه. ومن هنا جاء وصفي بنيات النص عمومًا بأنها بنيات أنطولغوية على الأصالة. لكن هذه البنيات تضع نفسَها بكيفيات مخصوصة في قلب إشكال ميتافيزيقي يتعلق بـ كينونة الواحد، ثمَّ لا تكتفي بالإعلان عن الرغبة في الصيرورة إلى كينونة الواحد بل تجهد بكل وُسعها من أجل إنفاذ هذه الرغبة وإنجازها عبر لحظات الذروة في التجربة العشقية: التبادل الجسدي الشهواني بين العاشقين.

وعليه، يقصد النص بما هو تجربة كتابة إلى اصطناع بنيات تمضي بالذات العاشقة والآخر المعشوق نحو إنجاز كينونة الواحد، وهذا معناه اضطرار المكتوب إلى الاضطلاع بهذا العبء، وهو إذ يضطلع به يصطنع لنفسه قانونًا يُراوح به بين بنيات حرفية وبنيات مجازية مراوحةً تكفل له هذا القصدَ. وعلى نحو أدق: إن قانون النص الذي يدعيه لنفسه هو أن بنيات الكتابة- سواء كانت حرفية أم مجازية- تنوب عن بنية تجربة التبادل الجسدي الشهواني وتقدر على أن تكررها إلى مالانهاية تكرارًا يُكَرِّرُ حضورَ كينونة الواحد على وجه التحديد، ذلك الذي يضمن تماميةَ المعنى وفورية الحضور كما يضمن في الآن نفسه وحدةَ نظام الحقيقة من حيث كونه نظام حقيقة الحق الأثير: كينونة الواحد.

وسؤال درسنا إذن هو: كيف تشرع بنياتُ النص بما هي بنيات كتابة في النهوض بعبء الصيرورة إلى كينونة الواحد؟ وكيف ينبني من ثمَّ أثناء هذه الرحلة المعنى والحضور ونظام الحقيقة بكامله؟ وبكلام آخر: كيف تستنُّ بنياتُ الكتابة القوانينَ التي تكفل إنفاذَ قصدها؟

ولم يكن قصدي أثناء الدرس إلا جَعْل تمفصلات النص البنيوية- تلك التي تمثل النقطةَ العُليا المعلِنة عن قصد البنية النصية من حيث هي بنية كتابة- تشرع في الظهور، وهي نفسها التمفصلات التي تشي بلحظات انقطاع داخل البنية، تجعل البنيةَ تحيد عن قصدها الذاتي الذي اشترعته لنفسها بحكم حركتها الذاتية؛ ما يُومِئ بغرابة إلى نوع من الضلال الذي يقود البنيةَ ويصممها منذ البدء حتى الختام.

لعلي بذلك أكون قد هيأت القارئ لوجهة نظري التفكيكية العامة التي ستحكم ممارستي مع نص ثلاثية إدوار الخرّاط، والتي تقتضى اختيارات ومسئولية شخصية محددة. أيْ: تقتضي إخلاصًا مزدوجًا، بالمعنى الذي أسلفتُ ذكْره.

الصفحات