أنت هنا

قراءة كتاب دروس التفكيك

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دروس التفكيك

دروس التفكيك

كتاب " دروس التفكيك " ، تأليف د. حسام نايل ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 7

(1)

في الكلام عن «ما بلاغة النص؟»

حين يوضع سؤال بهذا النحو- ما بلاغة النص؟- نتوقع التأدية إلى حدّ. «والحدُّ معنويته الحصر، والحصر لا خروج له عن مقرّه»(2). لكنّ عبارة تضيف «البلاغة» إلى «النص» في سؤال عن الحد- وهو سؤال يهيئ حتمًا إلى مسألة الماهية- ستنطوي على درجة كبيرة من الخطورة لأنها تثير مجالين كاملين مختلفين إلى حد التناقض، بما يجعلنا أمام مشكلة، تمثل بحد ذاتها مدخلاً منهجيًا ملائمًا من النوع الذي يحفز كلامًا نظريًا يثق بنفسه. وعلامة هذه الثقة وضمانتها الاقتدار الأرشيفي الهائل في نظرية البلاغة ونظرية النص على السواء؛ فكل الأوراق في النظريتين شبه مرتبة ويمكن لأيّ باحث سحبها واللعب بها مدفوعًا بالرغبة في عمل توليفة جديدة: حدّ جديد. وما من شيء أيسر من التكنوقراط النظري (النقدي) الذي يستند إلى أسس ومبادئ ومعايير تصنيفية واضحة متميزة.

لو تجنبنا نظام الأرشيف المستقر الثابت المنطوي على حججه وأدلته البرهانية والتفتنا إلى النموذج الذي يعمل بمقتضاه السؤال عن بلاغة النص لأصبح نموذج السؤال- وليس موضوعه- هو الإشكال الحق. إن عامل الأرشيف لا يستطيع سوى الاشتغال بمقتضى نظام الأرشيف، وهذا معناه انقياد طوعي أو جبري لسنن وقواعد وأعراف متبعة تنطوي في ذاتها على سلطتها المرجعية؛ ذلك أنها تحيل إلى نفسها باستمرار ولا تستمد قوتها إلا من هذه الإحالة الذاتية التي يخضع لها عامل الأرشيف. وبهذه الطريقة يصبح- أو يكون- كل نظام أرشيفي وراثة وتوريثًا: انحدار المعنى والحضور والحقيقة في خط تصاعدي مستقيم، قد ينعطف أحيانًا لكنه لا ينعطف إلا من أجل تأكيد صلابة هذا الانحدار واستمراره ورسوخه (توزيعة الإرث). ولعلها مصادفة قد تكون سعيدة أن نموذج السؤال الذي أناقشه هو نفسه النموذج الذي ينبني وفقًا له- وبمقتضاه- أيُّ نظام أرشيفي خاص بالمعنى والحضور والحقيقة. فهذا النموذج يَتَقَوَّمُ به النظامُ كافلاً إياه وضامنًا إياه وجاعلاً إياه يدور حول نفسه مؤكدًا نفسَه، ويدور حوله كل شيء في النظام الأرشيفي، كما يؤسس بالدرجة نفسها أيَّ تفصيل مهما كان تافهًا في هذا النظام. وللوهلة الأولى يبدو نموذج سؤالنا- على الأقل بشكل احتمالي- من النوع الذي يقلب الأمور رأسًا على عقب لكنه إنما يفعل ذلك- لو فعله- من أجل إنشاء نظام جديد، ولن تكون هذه الجدة سوى إعادة تنظيم لمقولات المعنى والحضور والحقيقة. إن ما يقلب الأمور رأسًا على عقب ويخرج بها عن مجرد إعادة التنظيم أن يصبح نموذج السؤال- ذلك النموذج الذي يُقِيمُ أسسَ المعنى والحضور والحقيقة- في وَضْعٍ إشكالي مُحْرِج.

ولا يتعلق الإشكال الذي أقصده بتحديد الماهية وإنما يتعلق بتقليد بنيوي قارّ في نموذج السؤال، يشتغل ضمنه السؤال مثلما يعززه السؤال في آنٍ معًا. ويشتغل هذا التقليد البنيوي القارّ في السؤال على النحو الآتي: يوجد جوهر الشيء (جوهر المعروف) منفصلاً عن وعي الذات العارفة، ويجعله نموذج السؤال متصلاً بهذا الوعي، بكيفية ينطوي بها هذا التقليد على تغذية متضاعفة لحضور الذات العارفة. ذلك أن هذه الذات حاضرة تأويليًا- منذ البداية- في علامة الاستفهام ويُضَاعِفُ من حضورها السؤالُ عن الماهية، أضف إلى هذا أن أية إجابة محتملة ستُظهر جوهرَ الشيء من خلال تمثيله لغويًا أمام الذات بطريقة تضمن ليس حضور الشيء وحده وإنما أيضًا- وبالدرجة الأولى- حضورَ الذات التي تَمتثل حضورَها ثانيةً من خلال حضور الشيء حضورًا تمثيليًا. ويغذو امتثالَ حضور الذات هذا، حضورُ الذات التأويلي الذي تنطوي عليه علامة الاستفهام منذ البدء. إذن، عبر ذلك التقليد البنيوي القارّ في السؤال- الذي يؤسس أية معرفة- تؤكد الذاتُ نفسَها وتظفر بذاتها في عملية تأكيد متضاعف لحضورها وحقيقتها ومعنى هذا الحضور. وبعبارة أخرى: يشتغل منطق السؤال عن الحدِّ والماهية بنيويًا ضمن ثنائية ذات وموضوع، التي لا تؤكد حقيقة الموضوع وحضوره ومعناه إلا من أجل التعالي(3) بحقيقة الذات وحضورها ومعنى هذا الحضور، من خلال جَعْلِ حضور الموضوع مستمدًا من حضور الذات. ويتم هذا التعالي بحقيقة الذات وحضورها ومعناها عبر اشتقاق يُعْلِي طرفًا من الثنائي ويُدْني الآخرَ محولاً إياه إلى مرتبة ثانوية. وما هذا التعالي إلا رفع جدلي متنبأ به ومتضمَّنٌ إمكانه سلفًا في علامة استفهام تنطوي منذ البدء على حضور الذات تأويليًا؛ تلك الذات التي تسأل والتي تريد أن تعرف. هذا الرفع الجدلي هو نفسه إمكان وجود معرفة، يضمن هذا الإمكانَ ويكفله. إنها في النهاية عملية تأكيد حقيقة الإنسان ومعناه وحضوره إلى هذا المعنى على الدوام، تدعم فكرًا يُجَهِّزُ الحضورَ الصريح ويُجَهِّزُه الحضورُ التأويلي بالتبادل. ويضمن التقليدُ البنيويُّ القارُّ في سؤال الماهية هذه الكبرياء ويدعمها في كل خطوة.

إن إثارة سؤال عن الماهية وأية أسئلة مشابهة لَهي الإثارة التي تبغي نقلَ المعنى والحضور والحقيقة من المستوى التأويلي إلى مستوى آخر معلن وصريح وله طبيعة تأكيدية جازمة. ولذا سيهدد وضعُ النموذج وضعًا إشكاليًا إمكانَ السؤال نفسه مثلما يهدد نظامَ أرشيف المعنى والحضور والحقيقة الذي يعمل بمقتضى هذا السؤال أولاً والذي يدعم ثانيًا إمكان تكرار السؤال نفسه والأسئلة المشابهة. وكما توجد تهيئةٌ متبادلةٌ بين نموذج السؤال ونظام الأرشيف يوجد أيضًا تهديدٌ متبادلٌ.

تعود صياغة ذلك التأكيد- المشار إليه أعلاه- إلى لحظة بدء أساسية في نظرية المعرفة يضطلع بها ديكارت الذي افتتح في الزمن الحديث هذا الإثباتَ المضاعَفَ لحقيقة الذات وحضورها ومعناها وللفكر الذي يصوغ هذا الحضورَ ويصوغ ذاتًا تفكر ضمن ثنائية ذات وموضوع، وضمنها فقط(4). ومن الجلي الواضح أن مقررات نظرية الأدب المستندة إلى صياغة دي سوسير بوجه خاص وما قبله بوجه عام- وتطويراتها المتعلقة بالدرس الأدبي- قد أسستْ نفسَها بالنظر إلى هذا الافتتاح، على الأقل في الحدود المعمول بها في قراءة النصوص.

لم يسائل ديكارت أبدًا الذاتَ التي تفكر وإنما بدأ بها من حيث هي إثبات محض مستبعدًا الذاتَ المنطويةَ على اختلاط الفكر وتَشَوُّشِه (أو الذات وهي في حال الجنون)، وقد تَوَلَّدَ عن هذا الإثبات طريقةٌ في البرهنة تقوم على إدراك الذات وجودَها المفكِّر، أيْ إدراك نفسها حال كونها موضوعَ نفسها ثم لاحقًا إدراك وجود العالم، أيْ إثباته حال كونه ما يواجِه الذاتَ المفكِّرة وفي اللحظة نفسها حال كونه مجالَ وجودها المثبَت. وبعبارة أخرى: تجعل الذات الديكارتية من نفسها موضوعَ نفسها (انفصال) كي تتطابق مع نفسها (اتصال) فيتحقق لنفسها إثباتُها، أيْ حقيقتها وحضورها إلى معنى وجودها، ثم تجعل من العالم موضوعًا أمامها تثبته باستمرار كي يتأكد لها إثباتُ نفسها باستمرار. إنه انفصال متضاعِف من أجل اتصال متضاعِف: إثبات الذات المفكِّرة العاقلة- بدايةً ونهايةً- ونفي الاعتباط والجنون، نفي اختلاط المشاعر وتَشوُّشِها. ولا يصبح الشك (أيْ: لحظة الاختلاط والتشوُّش المقننة) سوى مرحلة حضور الذات تأويليًا (بمعنى: الإثبات التأويلي عبر إثارة أسئلة)، يتم عبورها سريعًا من أجل حضور معلن وصريح وله طبيعة تأكيدية جازمة. وعلى هذا النحو، يولد الكوجيتو الديكارتي ذاتًا تسعى على الدوام إلى امتلاك ذاتها والتطابق مع نفسها (أيْ: امتلاك حقيقتها وحضورها إلى معنى وجودها) عبر منطق ثنائي يتم عبوره بتسوية جدلية (المعرفة الواثقة في نفسها): الإعلان عن تمامية الذات بعد إضافة موضوعها إليها- ذلك الموضوع الذي ليس سوى نفسها- ثم تأكيد هذا الإعلان عن حقيقتها وحضورها من خلال استرداد العالم (مجال وجودها المثبَت). إنها عملية رفع وتسوية تسترد الذاتُ معها حقيقتَها التي تَحْضر بها إلى نفسها مثلما تسترد العالمَ الذي توجد فيه: رفع جدلي وتسوية للاختلاف لا غنى عنهما من أجل ذات مثبَتة دومًا وحاضرة أبدًا في حقيقة وجودها ومتوحِّدة في هذا الإثبات النقي الصافي.

حين تجعل الذاتُ من نفسها موضوعًا لنفسها تنفصل عنه من أجل امتلاكه أبديًا، وحين تجعل من العالم موضوعًا لها تنفصل عنه من أجل امتلاك نفسها فيه أبديًا، فما ثمة إلا مخايلة باتصال كامل وتواصلية مطلقة بديلاً عن الانفصال الكامل. أيْ: يوجد في هذا التقليد مخايلة بتمامية الذات وتطابقها الكامل مع نفسها؛ مخايلة بمعنى الوجود وحقيقته وبالحضور إليهما على نحو فوري مباشر؛ ما يجعلنا نقول إن الحقيقة والحضور إلى معنى هذه الحقيقة لا يعملان ولا يشتغلان إلا عبر مخايلة. ثمة إذن وضع مجازي استعاري يتورط فيه الإثبات المنطقي البرهاني ويشتغل على نحو رئيسي من خلاله. وبكيفية مماثلة، يصبح للسؤال عن ماهية بلاغة النص- وهو سؤال ذو نموذج نحوي يفتش عن الحدِّ والماهية ومن ثمَّ فهو منطقي وتعقلي وحدودي- طبيعةٌ مجازيةٌ استعاريةٌ في اللحظة ذاتها. وتقوم هذه الطبيعة بتأكيد الإعلان عن حضور الذات السائلة. إذن ينطوي نموذج السؤال على وجهين: أحدهما نحوي يبغي الانتهاء إلى حدٍّ وتقنين، والآخر بلاغي يبغي نقلَ حضور الذات السائلة من مستواها التأويلي المتضمَّن في علامة الاستفهام إلى مستوى صريح تام حاضر بذاته.

الصفحات