أنت هنا

قراءة كتاب دروس التفكيك

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دروس التفكيك

دروس التفكيك

كتاب " دروس التفكيك " ، تأليف د. حسام نايل ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 8

وبتعبير آخر: لا يؤدي الفرض الأولي المتعلق بالثنائي المتعارض (ذات وموضوع) الذي ينطوي عليه نموذج السؤال سوى إلى تأكيد حضور الذات من خلال رفع جدلي وتسوية للاختلاف يضيفان كلاهما الموضوعَ إلى الذات أثناء تعارضٍ يُحَوِّلُ الموضوعَ نفسَه إلى مرتبة ثانوية بطريقة تضمن تهيئةَ عملية رفع جدلي وتسوية تبغي الوصولَ بالذات- لا بالموضوع- إلى حقيقتها وحضورها عبر عملية المعرفة. وقد مهَّد الناقد الفرنسي رولان بارت إلى التوصل إلى مثل هذه النتيجة حين أشار صراحةً إلى أن الوصف الموضوعي لشيء ليس سوى الواصف بعد إضافة الموصوف إليه، وما هذه الإضافة إلا قيمة تؤكـد الإنسـانَ بحـد ذاتـه أكثـر مـن كونها قيمة تؤكد الموضوعَ بحد ذاته(5). وذلك على خلاف ليفي شتروس الذي يَغْذو بافتراضاته المنهجية التي يطورها عن دي سوسير هذا الرفعَ الجدلي دون قدرة منه على لمْحه، وبخاصة حين يزعم أن النشاطات الانعكاسية التي يوفرها الدرسُ البنيوي للأسطورة تعود بها إلى أصلها. إلا أن هذا النشاط الانعكاسي نفسه ليس سوى تأكيد حضور الذات التي تقوم بهذا النشاط، وعودة بها إلى بيتها. هكذا يدعم شتروس مركزية الحضارة الغربية حين يزعم العودة إلى المجتمعات البدائية(6).

وعلى هذا إجمالاً لن تفضي إثارة سؤال عن ماهية بلاغة النص سوى إلى بلاغة الدارس الذي يسأل بعد إضافة النص موضوع الدرس إليه. والحق أن هذا لا يثبت ولا ينفي شيئًا بخصوص النص نفسه. لقد أشرتُ إلى رغبةٍ في حضورٍ ينطوي عليها نموذجُ السؤال، وهي رغبةٌ ذات طبيعة امتثالية تتحرك على مستويين يبدأ أولهما من امتثال الذات نفسَها في حضورها التأويلي المتضمَّن في علامة الاستفهام ثم امتثالِ موضوعَها الذي لن يكون سوى جهدها المبذول إزاء الموضوع، وذلك من أجل الظفر أخيرًا بالذات التي تسأل. إن وَضْعَ حدٍّ لبلاغة النص- نص ثلاثية إدوار الخرّاط على الأخص- لن يكون إلا حدًّا لبلاغة القارئ بعد أن حوَّلَ النصَّ إلى حسابه الخاص؛ بما يجعل من النص في النهاية محلاً يضطلع بحضور الذات القارئة وحقيقتها ومعنى هذه الحقيقة بدلاً من اضطلاعه بحضور النص ومعناه وحقيقته، وآنئذٍ نكون أمام بلاغة قارئ يتطابق مع ذاته في مجال وجوده المثبَت، أيْ: في النص الذي يصبح مسرح لعبة إعلان عن حضوره. ولا يعني هذا الكلام أن هناك على المستوى الأنطولوجي بلاغتين إحداهما للقارئ والأخرى للنص، بل إن تصور بلاغتين ما هو إلا نتيجة متضمَّنة في الرفع الجدلي (المثالي) للثنائي المتعارض: ذات وموضوع، قارئ ونص.

إن القارئ يستعير نصًا من ذات أخرى كي يكني به عن نفسه في عملية من الاستعارة والكناية تدعم مفهوم الهوية الواضحة المتميزة عبر إخضاع وتملك مجازيين. ولا تُهَيِّئُ هذه اللعبةُ البلاغيةُ سوى نوع شديد الغرابة من الحضور هو الحضور المستعار: الحضور دون شيء حاضر.

الوجود في اللغة: حضور وعدم

يقصد درسنا الحالي إلى هجر المؤديات التقليدية التي ينطوي عليها سؤال بلاغة النص لكنه الهجر الذي يلتفت إلى المهجور فيتركه كي يكشف نفسَه بنفسِه. ولهذا المسعى جانبان متلازمان تلازمًا أساسيًا:

يتعلق الجانب الأول منهما بطبيعة الوجه النحوي الذي ينطوي عليه نموذج السؤال، ذلك الوجه الذي يتغيّا وَضْعَ حدّ يأخذ نموذجه الأصلي من الصيغة اللغوية الآتية: «بلاغة النص هي كذا...». وتقتضي عبارة الهوية ألا تكون شيئًا آخر سوى نفسها، من خلال صيغة لغوية تحقق تناغمًا وانسجامًا أو تطابقًا. إنها صيغة تحقق وضوحًا وتميزًا يصلان مسعى هذا الدرس بنظرية الأدب ودراساته فيجعلانه مشتغلاً ضمن هذه الحدود فقط. وما من شك في أن هذا التحقيق يستدعي- كما أشرنا سابقًا- نظامًا أرشيفيًا كاملاً من القواعد والمعايير والأعراف، أضف إلى هذا ما ينطوي عليه هذا النظام من إشكاليات يُظَنُّ في الدرس الأدبي للنصوص- وهو هنا شاغلنا الأول- أنها محسومة. إن الصيغة اللغوية للإجابة- وهي صيغة يفترضها الوجه النحوي في السؤال حتمًا- تمضي وفق المنطق وتعتمد العقلَ وسيلة هذا المنطق؛ ما يعني أنها تمضي وفق ما ينطوي عليه هذا المعيار وتلك الوسيلة من ضرورة الاتساق وعدم التنافر أو التناقض أو التوتر. إذن، بغية السؤال وضع هوية لشيء يتطابق مع نفسه ويجتمع إليها ملتئمًا بنفسه ومتناغمًا معها دون أية تنافرات أو تناقضات أو توترات. أيْ: يخضع السؤالُ في وجهه النحوي- وما يفرضه هذا الوجه من إجابة- لتحديد أعلى هو المنطق والعقل، ولهذا السبب نفسه سينطوي السؤال على استبعاد النص نفسه، ذلك أن لحظة النص الحاسمة- وهو نص تجربة العشق بحق- هي الوجدان. أو على الأقل سيمثل المنطق معيارًا أعلى يُدْرِجُ الوجدانَ تحته بوصفه نوعًا جزئيًا يستمد أصولَه ومفاهيمه من هذا المعيار الأعلى. ولا بد أن يصطدم أيُّ سؤال عن بلاغة نصوص الأدب بهذه العقبة، ما دام أنه لا يقنع بالطرق الآمِنة.

ويتعلق الجانب الثاني بالوجه البلاغي في السؤال؛ أقصد حقيقة الإنسان وحضوره ومعناه، ذلك أن السؤال عن بلاغة النص كما أشرت سابقًا على صلة راسخة وعميقة بـ«الكينونة» ووضعها الأنطولوجي العام. فعبره ينكشف وجود الإنسان من حيث كونه حقيقة وحضورًا ومعنى؛ من حيث كونه قد حَدَّ نفسَه بكلامه. وقد نفهم من نص للنفري تلك الصلة العميقة بين الحُكْم- وكل سؤال عن الماهية سؤال عن الحُكْم- والوجود، حيث يقول في الشذرة رقم [7]: «والأسماء حدود للمعاني، والمعاني حدود للأحكام، والأحكام حدود للظهور، والظهور حدود للوجود، والوجود حدّ نفسه»(7). وما من كائن يستطيع الإبانة عن وجوده سوى الإنسان.

تقودنا إشارة النفري وملاحظتنا بخصوص احتمال الاختلاف الذي ينطوي عليه السؤال عن بلاغة النص إلى اضطرارين:

يتعلق الأول بإقامة جبرية- ومزدوجة في آنٍ- داخل مفهوميْ الحقيقة والحضور وخارجهما. داخليةٌ هي تَخَارُجٌ، مثل عابر السبيل الذي لا يمكن اعتباره دون اعتبار ما يكون بالنسبة إليه عابرًا. وهذه الإقامة المزدوجة هي التي يشتغل من خلالها النص- نص ثلاثية الخرّاط- بكامله، فيُهَيِّجُ أرشيفَ الحقيقة والحضور والمعنى، ولا يتم هذا التهييج- وليس له أن يتم- إلا في حدود اللغة. وعند هذه النقطة يتعلق الاضطرار الثاني- اضطرار هو مغامرة مع المستحيل- بأنه ما من وجود إلا وينكشف في اللغة، أيْ: في النطق والكلام والكتابة. ذلك أن اللغة هي التي تتحمل عبءَ الوجود ورهانَ الحقيقة والحضور والمعنى، فلا رهان خارجها. إن «الاسم»- حسب إشارة النفري- يبدأ سلسلة من الإحالات تجعل من الوجود حَدَّ نفسِه، وهذا معناه أنه لا يمكننا الكلام عن هذا الحدِّ إلا في نطاق اللغة. ووفق استبصارات هيدجر عن هولدرلن تكون اللغة هي ما يُسْلِمُ الموجودَ لنفسه، أيْ يمنحه وجوده، والرهان على هذا الوجود لا يكون إلا في حدود اللغة(8).

الصفحات