أنت هنا

قراءة كتاب دروس التفكيك

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دروس التفكيك

دروس التفكيك

كتاب " دروس التفكيك " ، تأليف د. حسام نايل ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 9

إن سؤالاً عن ماهية شيء «لا يقل عن كونه «اقتحام» موجود يُسمَّى الإنسان- للموجود في جملته. وهذا «الاقتحام» أو «الغزو» يتم بصورة «يتفتح» فيها الموجود على ما هو عليه وبما هو عليه. وهذا الاقتحام الذي ينشأ عنه التفتح هو قبل كل شيء، ووفقًا لطريقته الخاصة، ما يُسْلِمُ الموجودَ لنفسه»(9).

وهذا الإسلام- إسلام الموجود لنفسه- لا يحدث إلا في نطاق اللغة، ما دام الإنسان هو ما ينكشف وجوده لنفسه في كل مرّة ينطق أو يكتب فيها، وعملية الانكشاف تلك هي الوجود الذي يَتَقَوَّمُ به كلُّ موجود إنساني: النَفَسُ الذي يتيح الكلام. اللغة هي شهادة الموجود على وجوده وانكشافه أمام نفسه. وعندئذٍ، تصبح «مغامرة الحياة مع المستحيل الذي هو الوجود في اللغة، لا تنفك عن الذهاب أبعد وبوجه آخر؛ ذلك إذن هو الانجذاب إلى موضع آخر، والمعجزة الاستبدالية التي تجعل ممكنًا تقاطع قراءة وكتابة»(10)، وليس هذا التقاطع رفعًا جدليًا ولا تسوية اختلافٍ وإنما هو لقاء بالآخر، الآخر الميت الذي لا يتحرك، ذلكم هو العلامات المكتوبة على سطحِ صفحةٍ، لقاء هو مبادلة وتبادل وتهريب، لعبة لا تنفك أن تكون جدلية باستمرار دون رفع أو تسوية. لكن هذه المغامرة مع المستحيل تنطوي أيضًا على الآخر بأصالة، على آخرية الآخر، أعني أننا حين نلتقي بالوجود في اللغة من حيث هي مسكن الوجود ومقرّه نلتقي في الآن نفسه بوجه الغرابة، بغرابة الغريب، بالغريب على الإطلاق، ذلكم هو لقاؤنا بالعدم: العدم من حيث هو الأصل في السلب والنفي والغياب(11)، وليس بمقدورنا تفادي هذا اللقاء أو اجتنابه على الإطلاق. تنطوي اللغة إذن على تقاطع مزدوج رئيسي؛ ما يُسعف درسَنا الحالي بافتراضٍ يرى اللغةَ توترًا بين الوجود والعدم أو بدلية من الوجود والعدم؛ لا طرف فيها يسبق الآخر، كَلَّا، ولا علو لطرف على الآخر، إنما الطرفان- الوجود والعدم- يجذِّر أحدُهما الآخرَ تجذيرًا يجعلنا أمام توتر أو بدلية لا تقبل حلاً أو رفعًا أو حسمًا أو تسوية أبدًا.

لندققْ افتراضنا فنقول إن اللغة من حيث هي وحدة متوترة من الوجود والعدم مسكن الإنسان. وهذا التوتر أو التبادل مشعورٌ به ويدمغ نفسَه على كل نطق وكلام وكتابة. تشي اللغة شعوريًا بتجربة حضور عدم ما، وتشي منطقيًا بتجربة إثبات سالب. ذلكم هو محلُّ حدِّ الإنسان، المحل الذي يفضح المنطقَ والتعقل والاحتراس، ويفضح عمومًا حسابية الحساب، فيُهيج اللعبَ والجنون والموت والشهوة والاعتباط في المشاعر وشدة الهوى والانحلال. إنه حدٌّ غير متطابق، ومنذ زمن بعيد كان الجاحظ يلمح هذا اللاتطابق وحضور العدم: «قالت الفلاسفة لا يستكمل الإنسان حدّ الإنسانية إلا بالموت لأن حدّ الإنسانية أنه حدّ ناطق ميت»(12).

وفي هذا الحد الغريب الذي يكتبه الجاحظ إيماءة خفية إلى أن اللغة- والجاحظ هو رجل اللغة والكتابة في حضارتنا العربية- تضطلع بتجربة وجود جوهرية مثلما تضطلع في الآن نفسه بتجربة عدم جوهرية. إنه حدٌّ غريب لا يجعل المحدود متطابقًا مع نفسه، ويكشف عن موضع اختلاف رئيسي فيه.

طريق النص: تفكيك الأصل

وعلى هذا إجمالاً، سيكون درسنا لنص ثلاثية الخرّاط درسًا لبنيات اللغة بهذا المعنى السابق لها- معنى أنها مَحَلُّ انكشاف وجود الموجود الناطق وعدمه في آنٍ معًا. هو درس لبنيات اللغة والدلالة من حيث هي محل انكشاف وجودي بلاغي (أنطوبلاغي) للموجود الناطق والكاتب في آنٍ معًا. والفرضية الأبعد من هذا- التي نعمل بمقتضاها- مفادها أن نصوص الأدب هي التي تكتب حدَّ الإنسان؛ بمعنى أنها موضع انكشافه أمام نفسه وفي الوقت ذاته موضع شهادته على نفسه.

لكن هذا الدرس لن يكون تجريديًا وإنما درس تجريبي يلتفت إلى أنظمة المعنى التي لن تكون أنظمة مجردة بل أنظمة مشتقة من تجربة النص الرئيسية: التجربة الحِبية الجسدية (العِشقية) بين ميخائيل ورامة بوصفها التجربة التي تنكشف أساسًا- ومنذ البدء- في نطاق اللغة وبنياتها الدلالية. هو درس لأنظمة المعنى التي تسائل تجربة الوجود والعدم (الكائن الحي الميت) من خلال تجربة العشق، وتسائل- بدايةً ونهايةً- مشروعية الإنسان من خلال حكاية ذات أبعاد كونية إلهية:

كل شيء هنا والآن موضع السؤال. ليس الحب فقط بل وجودي نفسه، ومشروعيته كإنسان. كرجل. الحقيقة والخداع. الأمانة والخيانة. كل شيء. الحرية والقهر الإنساني والإلهي معًا. أنت معي الآن، لا تنظرين إليَّ، كأنك لست معي. ولكنك هنا- كالكون كله- فيك حقًا قبس من كيان متعدٍ متسامٍ إلهي. هناك بيننا حكاية كونية، إلهية (رامة والتنين، ص 114).

والأكبر من هذا أن صياغة أنظمة المعنى في هذا النص تسائل بوجه عام فكرة أن يوجد- منذ البدء- نظام للمعنى:

قلت: «لماذا دائمًا دائمًا يا رب أبحث عن معنى هذا العالم، هذا الحب، هذا الوجود- وهذا الوجد- كلها بلا معنى، طبعًا» (يقين العطش، ص204).

من الحق أن النص ينبني لغويًا وفق التجربة الحِبية الجسدية ويدور فيها وحولها إلا أن هذا «الحب ليس هو- وحده- أبدًا»، فهو دائمًا كما يرى ميخائيل: «شيء آخر. بل تتجسد فيه دائمًا أشياء كثيرة أخرى، ملتبسة، من معاني الحياة نفسها، بل الوجود. تركيبات داخلية مكنونة- طبعًا- ولكن أيضًا ميثولوجية، وثيولوجية»(13). ومع ذلك، ومع التسليم بتلك الارتباطات والتجسيدات الملتبسة الغريبة فهي دومًا محل سؤال النص:

لم يكن يستطيع، حتى في هذا الخدر المتوفز الذي يشيعه وجودها معه، في هذه الدوامة البطيئة من الاختلاط والفوضى الداخلية، لم يكن يستطيع أن ينسى وهو يقول لنفسه ها هي ذي الآن بين ذراعيك، معك، وحدك، ماذا تريد؟ لم ينس أن كل شيء ربما كان قد جاء بالصدفة البحتة، أنه مقبول، فقط، على علاته، كما تقبل الأشياء التي تأتي هدرًا، ومجانًا، لماذا الحب منصهر عنده بمعنى وجوده نفسه؟ وجوده الفيزيقي، وقامته في العالم، وموقع قدميه على كل هذه الأرض؟ (رامة والتنين، ص71).

هكذا ترتبط التجربة الحِبية الجسدية بين ميخائيل ورامة- وهي تجربة تنكشف في نطاق اللغة ومن خلالها أساسًا- ارتباطًا جوهريًا بالموجود وبمعنى وجود هذا الموجود، بما يجعل منها تجربة أنطولغوية. وعبرها يُصاغ سؤال المعنى: المعنى عمومًا وما تثيره هذه العمومية من أسئلة تتعلق بالحضور وبالحقيقة، وكما سأوضح لاحقًا بحقيقة الحق، وأولاً وقبل ذلك معنى ما حدث بين ميخايئل ورامة على وجه الخصوص:

الصفحات