أنت هنا

قراءة كتاب دروس التفكيك

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دروس التفكيك

دروس التفكيك

كتاب " دروس التفكيك " ، تأليف د. حسام نايل ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 10

قال: حتى معنى ما حدث موضع سؤال. مجرد ما حدث على المستوى الحسي العياني الفيزيقي أقصد، من غير بحث عن حافز أو سبب أو غاية. مجرد ما حدث هو وحده الحقيقي. أما معناه، فما معناه؟ (رامة والتنين، ص17).

وبوجه عام، فأيُّ كلام عن المعنى ومن ثمَّ عن الحضور والحقيقة- سواء على المستوى الفيزيقي أو الميتافيزيقي للإنسان- لن ينكشف بحال إلا في نطاق اللغة، ذلك أنه ما من سبيل آخر وما من شيء آخر يَخُصُّ نفسَه بهذه الكيفية في الانكشاف إلا الأدب: لغة الأدب؛ النفق السري المعتَّم عليه مع أنه الذي فيه ينكشف حدُّ الإنسان فيقف أمام نفسه شاهدًا على نفسه.

ولذا كله، سيكون درس هذه التجربة الأنطولغوية درسًا لوضعها الأنطوبلاغي، ومن هنا فالاكتفاء بفكرة تقليدية عن التحليل البلاغي سيُعد تنازلاً عن أسئلة رئيسية يثيرها النص: أسئلة المعنى وأسئلة الوجود، التي تتدرج بشكل حتمي ومخصوص إلى تساؤل خطير عن حقيقة الحق وكيفية انبنائها. ومن ثمَّ، يتعلق الاقتراح الضروري واللازم لدراسة هذا النص بابتداع درس جديد يرى أن النظر الحق إلى نصوص الأدب لا بد أن يكون نظرًا إلى وضعها الأنطوبلاغي، وسينشغل درس هذا الوضع الأنطوبلاغي- أولاً- بفحص نظام المعنى وكيف ينبني هذا النظام، ثم- ثانيًا- بكيف يتبدّى فيه وجود الموجود فينكشف شاهدًا على نفسه. ولا ريب في أن هذا النوع من الدرس سيتورط ضمنًا في مناقشة حول الميتافيزيقا وما تثيره هذه المناقشة بخصوص المعنى الواحد الكلي والحضور وحقيقة الحق وما يتصل بذلك من نقاش حول الإنسان والله. ويدرك نص ثلاثية الخرّاط هذا التورط حين يصرح بأن التجربة الحِبية الجسدية بين ميخائيل ورامة قد حوَّلها ميخائيل «إلى آفاق ميتافيزيقية لا شأن لها بها»(14)؛ لكنه التصريح السلبي الذي يسعى- ما وسعه السعي- إلى الإيجاب: تصريح برأسيْن.

إن تجربة اللغة لَهي تجربة حضور عدم ما بمعنى محدد. وعبر اضطلاع اللغة بهذه التجربة الجوهرية المزدوجة يفضح النص- ويُعَرِّي- سلسلة كاملة من إحلالات تبادلية تَتَقَوَّمُ بشَبه بنيوي بين تجربة التبادل الجسدي الشهواني (أيْ فعل الشبق والتهتك الشَهَوي من حيث هو ذروة حضور فيزيقي لحدّ الإنسان) وتجربة الكتابة بما هي- بمعنى ما- بديل رمزي للوطء (أيْ فعل الفن من حيث هو حضور حدّ الإنسان في نطاق اللغة وحدها) وتجربة الإيمان (أيْ خبرة الدين الحميمة من حيث هي حضور بديهي ميتافيزيقي لحدّ الإنسان بالنظر إلى الله):

قال: في فعل الشبق الحق ليست هناك نتيجة محسوبة، مقننة، معروفة سلفًا، مألوفة ومكررة حتى الغثيان أو مجرد الملل. هذا فعل- مثل كل خلق- قائم على الغرر، والجدة، والدهش، والكشف- في كل مرّة- الضرب في المجهول، المخاطرة بدق العنق في الظلام، الظلام هناك، تحت، أو السطوع الباهر. قانون الاحتمال، والصدفة، وحده هو الذي يحكمه- إن كان ثمّ قانون.

سأل نفسه مستدركًا: مثل فعل الفن. مثل خبرة الدين الحميمة؟

ثم يواصل ميخائيل في هذا الحوار ذاته مع رامة:

قال لها: في هذا الكشف المتجدد- في هذه المخاطرة- كل مرّة- بكل شيء عنصر لعله مطلق، عنصر من الرسوخ والدوام. مقلق أيضًا إلى آخر حدّ. كيف أقول هذا؟ يعني أن السر لا يُسبر أبدًا حتى نهايته، يعني كل مرّة هناك- لا بد أن يكون هناك- جديد في هذا العالم الواحد. ليس عابرًا، ليس مجرد إشباع. هذه العَرَضية، هذه الاحتمالات، هذه الصدف، لعلها هي الشيء الوحيد المستمر، الدائم (يقين العطش، ص ص 118- 119).

ففي تلك التجارب (البنيات) الثلاث ما من شيء محسوب، لأنها هي نفسها لا تقبل الحساب، ومن ثمَّ تنطوي على السرّ، بكيفية تصبح معها العلامات المكتوبة التي تنكشف عبرها هذه التجارب مغامرة مع الأسرار: أسرار الوجود التي تنكشف من خلال تقاطع القراءة والكتابة. وليس هذا فضًّا أو هتكًا للسرّ؛ ما دام يحفظ الانكشاف في كل مرّة سرّية السرّ. الفضُّ والهتك يتعلقان كلاهما بالمحاسبة وبالنظرة الحسابية التي تعقل الأمور وتحسب الأبعاد، وليس فعل التبادل الجسدي الشهواني- وكذلك فعل الكتابة وفعل الإيمان- قابلاً للحساب. كل منها شهادة تخص المرء وحده، وكل منها يحل محل الآخر ويقوم بدوره: ليس الوجود قابلاً للحساب بحالٍ، ولن يقبل حسابًا.

ذلكم هو رهان النص ورهان قراءة هذا النص، رهان لا يرضى بالمكسب ولا بالخسارة وإنما يظل رهانًا دائمًا: مغامرة. هو الرهان الذي ينطوي على وضعية من الحضور لافتة، تذكرنا بوضعية العلامة (عند دي سوسير)، فهاهنا الدال حاضر باستمرار وهناك المدلول غائب باستمرار وعندما يظهر إلى حيز الحضور يعود دالاً من جديد: الظهور إلى حيز الحضور الذي هو إشارة البدء في الغياب من جديد، وهكذا باستمرار. وتلك هي الوضعية نفسها التي تحكم خبرة التبادل الجسدي الشهواني بين ميخائيل ورامة، خبرة تبحث دومًا عن الكينونة واحدًا وعن وحدة الكينونة. وهي الوضعية التي تحكم البحث عن المعنى عبر الدال المكتوب والتي تحكم أيضًا فعل الإيمان بما هو رغبة في الالتحاق بكينونة الواحد بالمعنى الإشراقي للإيمان.

وتفرض هذه الإحلالات التبادلية بين هذه التجارب (البنيات) الثلاث في لحظة واحدة درسًا بلاغيًا ودرسًا أنطولوجيًا ودرسًا أنطولاهوتيًا. لكن المثير في ثلاثية الخرّاط أن أيَّ درس بلاغي لها سيتضمن على الفور- وبشكل تلقائي- الدرسين الآخرين، وهذا التضمن هو ما أطلقُ عليه الدرس الأنطوبلاغي. تلك هي مغامرة النص ومغامرة الحياة في آنٍ معًا، مغامرة تقاطع الكتابة والقراءة:

وقال: إلا أنني وضعت حياتي كلها، فيما أظن، في نقوش ورسوم. لا أملك، حقًا، إلا الورق والمساطر والصياغات، معادلات وتخطيطات، مساقط رأسية وأفقية وكلية، لا أمسك بيدي عجين الأسمنت ولا أنحت بأصابعي حجر الحياة بل أنقش فقط الرموز (الزمن الآخر، ص288).

هذا التضمن الذي أشرت إليه حالاً جوهري وإلا وقعنا في عدم الإنصات إلى النص نفسه وإلى طريقة حركتنا معه. لا بد من إخلاص مزدوج: يقبل التضاعف إلى ما لا عدد له.

إن سؤالاً ساذجًا عن ماهية بلاغة نص لا بد أن يثير- بحكم سذاجته على الأقل- نقاشًا يتعلق بالأساس الذي يُقِيمُ السؤالَ. وهو نقاش يفرضه نص ثلاثية الخرّاط وبخاصة أنه النص الذي يسائل طبيعة الأسئلة ويَخُصُّ منها أسئلةَ الماهية وصياغتها. إنها مساءلة قلقة تتعلق بأساسٍ مثلما تتعلق في اللحظة نفسها بمحاولة البدء في تحويل الأساس. ونصوص الأدب هي النصوص التي تناقش حسابية الحساب وتكشف عن المغامرة القائمة في أساس الحساب: مغامرة الحياة ومغامرة الوجود في نطاق اللغة. مغامرة تتعلق بالمستحيل. ولعل مناقشة ثلاثية الخرّاط- هذا النص المغامر- ستتكفل بإيضاح ضمني لعبارة غامضة يكتبها دَريدا وتنقلها عنه جايتري سبيـفاك: «عند تفكيـك الأصل، ليس أمام المرء اختيار»(15).

الصفحات