أنت هنا

قراءة كتاب فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي

فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي

كتاب " فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي " ، تأليق د. صلاح فليفل الجابري ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 1

مقدمة

حاولنا في هذا الكتاب تقديم فهم لطبيعة انبثاق المشكلة في بعديها التاريخي والعلمي أولاً، وإيضاح الحل العلمي المقدم والمستند إلى المعطيات العلمية، وفحص ما إذا كان يشكل في حقيقته إجابة حاسمة عن طبيعة العملية العقلية المنتجة للفكر، وما إذا كان يقدم تصوراً واقعياً عن طبيعة الإنسان، وأوضحنا أن الحل الذي يؤمن بأن الإنسان لديه عقل جوهري يعلو على الطبيعة ويتفاعل معها في الوقت نفسه، لا يستند إلى التأمل العقلي فحسب، وإنما يستند، كالحل المادي، إلى معطيات علوم مختلفة، وإذا كنا لا ندعي إثبات تفوق أحد الافتراضين على أحدهما، فإننا نرى أنهما متكاملان وليس بمتناقضين بالضرورة. وهذه هي دلالة دعم المعطيات العلمية لكلا الحلين من زوايا مختلفة.

ثانياً: إن اقتراباً من الحل العلمي شهدته الفلسفة الإسلامية المتأخرة، على يد صدر الدين الشيرازي، في نظرية «الحركة الجوهرية»، وهذه النظرية قدمت تصوراً عن وجود النفس وكيفية تطورها انسجم مع معطيات العلم الحديث، حيث تصور الشيرازي بأن النفس مادية الحدوث، أي أنها في بداية وجودها في الجسم، تتخذ خصائص المادة، ولكنها تتطور عبر حركة جوهرية تنقلها نوعياً من التصاقها بخصائص المادة في مرحلة الطفولة إلى تجردها واتصافها بالخصائص العقلية والروحية المفارقة للمادة، وهو بذلك فتح باب فهم العلاقة المترابطة والتفاعلية بين البعدين المادي والروحي أو الدماغي والعقلي، وأن أحدهما يساهم في تطور الآخر، كما أثبتت بحوث عالم الأعصاب المشهور جون أكلس. وهذه النظرية تفسر لنا شدة ترابط العملية العقلية بالعمليات الدماغية، التي قد توهم باْن العقل منبثق نوعياً عن الدماغ، كما تفسر التفاوت بالقدرة العقلية بين الحيوانات ذات الجهاز العصبي البسيط والكائنات ذات الدماغ الأكثر تعقيداً، ذلك أن التفاعل متبادل والتطور متبادل أيضاً، إذن، نحن نتوافر على فهم دقيق لطبيعة الإنسان لا يحصره في بعده المادي ولا في بعده الروحي فقط، وإنما يجعل شخصية الإنسان الفكرية والروحية حاصل حركة جوهرية للمادة، أي هناك حركة للمادة صانعة للجواهر وليس للأعراض فحسب.

يعتقد العلماء أنه من الممكن تحديد مفهوم العقل لدى الإنسان البدائي، عن طريق معرفة عقائد البدائيين المعاصرين، مثل، سكان استراليا الأصليين، والهنود الأمازونيين، وقبائل الأسكيمو(وهم أناس معاصرون ولكن حياتهم ذات طراز بدائي منشأً وسلوكاً)، إذ يؤمن هؤلاء بأرواح البشر والحيوانات، وأن هذه الأرواح تسكن الأجسام في الحياة وتغادرها نحو اللاجسمية بعد الموت(1).

والحقيقة أن هذا الاعتقاد ليس مقصوراً على هؤلاء الأقوام والقبائل، بل يشاركهم في هذا الاعتقاد معظم سكان الكرة الأرضية منذ العصور الغابرة وحتى عصرنا الراهن، إذ رسّخت جميع الأديان هذا الاعتقاد وبنت عليه أسسها، وأن الرجوع إلى موقف الإنسان البدائي لا يتعدى أحد الهدفين الآتيين:

الهدف الأول من هذا التأصيل هو إثبات الجذور الإنسانية الأولى لهذا الاعتقاد الذي رافق البشرية منذ نشوئها وحتى العصر الراهن، مما يدفعنا إلى القول بأنه اعتقاد فطري يعبّر عن جوهر الإنسانية.

والهدف الثاني هو أن يرام من ذلك التأصيل إثبات فرضية كون هذا الاعتقاد يعبّر عن طفولة الإنسانية وبدائية عقليتها، وبالتالي فهو يعبّر عن مرحلة القصور الذهني وخرافية الفكر ما قبل العلمي.

ونحن نعمل بالمقصد الأول لأسباب عديدة، أهمها: أن هذا الاعتقاد ما زال قائماً، ولم يستطع العلم أن يشكل بديلاً معقولاً عنه، ولم يختف عند أكثر المجتمعات تقدماً من الناحية العلمية. فضلاً عن أن النظريات المادية بشأنه لم تكن حاسمة، أو على الأقل، لم تكن متفوقة على النظريات الثنائية. أخيراً أقول: إن المسألة مازالت جدلية ولم تبلغ مرحلة الحسم (العلمي والفلسفي على حد سواء)، بدليل أنها لا تزال محل نقاشات علمية وفلسفية في عصر التقانة والمعلوماتية.

فقد كشفت الدراسات التاريخية لحضارة بلاد ما بين النهرين (العراق القديم) وجود دلائل على الاعتقاد بالحياة بعد الموت. إذ توجد (في مقبرة أور الملكية جثث عائلة وحاشية الملك وأتباع الملك مع حليّهم وتجهيزاتهم الكاملة)(2)، بل أن النظام الإبستمولوجي لتلك الحضارة (السومرية والبابلية والآشورية) مشبع بمضامين غيبية تؤطرها آليات العرافة والسحر والتنجيم، على الرغم من عدم غياب الملاحظة والاستقراء البسيطين، اللذين ارتبطا، في أكثر الأحيان، بالحسابات الفلكية والأغراض العملية اليومية في الزراعة ومقومات الحياة الأخرى. وبالرغم من ذلك فإن الإطار العام بقي غيبياً كما نستطيع أن نحدده في « الألواح البابلية»(3).

ذلك ما نجده أيضاً في الحضارة الفرعونية (مصر القديمة)، حيث شغلت عقيدة الحياة بعد الموت حيزاً كبيراً من ذهنية إنسان هذه الحضارة. وعلى الرغم من التقدم العلمي في مجالات العلوم الهندسية والرياضية والطبيعية(4)، إلا أن البعد الغيبي والإطار الديني كان المعلم البارز الذي أطّر هذه الحضارة ومنحها مضمونها الروحي العميق.

في حين جاءت النظريات المادية الواحدية (النفسية - جسمية) متأخرة جداً. إذ طُرحت بداياتها من لدن الفلاسفة والعلماء اليونانيين، مثل ديموقريطس (470-361ق.م)، وتبعه بعد حين كل من (Epicurs)أبيقور (341-270ق.م)، والطبيب أبقراط (Hypocrites). إذ تبنّى هؤلاء وجهة النظر المادية عن العالم التي تستبعد الأرواح اللاجسمية.

وقد تهاوت هذه النزعة المادية تحت تأثير أفلاطون وأتباعه باستثناء لوقريطس (Lucretius)، كما أن التقليد الأبقراطي أُدخلت عليه تعديلات من لدن جالن (Galen) وتلامذته وتم تجريده من أسسه الفلسفية(5).

يعد أفلاطون الخصم المؤثر والبارز للأحادية (النفس - جسمية)، وللمادية القديمة، بصورة عامة، ومن ضمنها وجهة النظر الذرية عن العالم. إذ كانت فلسفته أول نظام فلسفي أصيل، قائم على الثنائية (النفس - جسمية). ففي محاورتي قراطيلوس (Cruatylus)، وفيدون (Phaedo)، يجعل أفلاطون معلمه سقراط يعيد الكشف عن الاعتقاد الأورفي بأن الإنسان متكون من نفس وجسد، وأن النفس ذات طبيعة لامادية وأزلية، والنفس تحيي الجسد وهي أسمى منه، كما أنها تنفصل عنه بالموت. ويمكن للنفس أن تعرف الحقائق المطلقة، وتتمتع بالجمال المطلق، بعد انفصالها عن الجسد بالموت(6).

وليس بخاف على أحد تأثر هذه النظرية بالعقائد الشرقية، ولاسيما القائلة بتناسخ الأرواح، مثل، الديانة الهندية القديمة(7). والتي تحررت من إطارها التناسخي في العقائد الدينية السماوية اللاحقة.

الصفحات