أنت هنا

قراءة كتاب حرافة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حرافة

حرافة

كتاب " حرافة " ، تأليف بوعلام صنصال ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
إلى القارئ

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

أسمعُ على بابي طرقاً محيّراً. فباب شقتي لا يستجيب للطرق الخفيف مثل "دق دق"، بل للدويّ المهول مثل "بوم بوم". ومع أنها مصفّحة ومدرعة بالحديد إلا أن الأحداث تحملنا على التفكير في وقوع كل الاحتمالات.
فتحتُ وأنا أتوارى للاحتماء بالإطار، ونطق فيّ ردّ الفعل. "شكون؟ من الطارق؟" إنها ليست دورية الجيش ولا الوعّاظ المرشدون ولا المدافعون عن الحقيقة، ولا حتى الجارة الساكنة بشارع مارينغو، تلك الغولة الشمطاء الفجماء التي تأتي في كل مرة لاستقاء الأخبار، وهي تحمل قناعات أكل عليها الدهر وشرب؛ ولم يكن ما ننزعج منه حقاً، ولم يكن لحسن الحظ ساعي بريد الحي؛ موسى، الرجل الطيب الذي يسكن في منحدر فالي، وهو مرجع الحي أيضاً، فهو شخص ثرثار مهذار، يأتي كل يوم يزرع في مهب كل ريح نُذُر الخطر وحمى الفضول وتصفّح كل الأخبار، ولا يكاد يغيب إلا أوقات الاضطرابات والإضرابات، بل كانت فتاة في مقتبل العمر، وتلك هي المصيبة. أجابت: "أنا!" ولكني لا أعرف من تكون. كانت فتاة رقيقة ترتدي الثياب التي راج لبسها في حصة ستار أكاديمي. لقد كانت تحمل زادها ومتاعها وعليها صدرة تبدو عليها كالقناع، وكل ما عليها لائق ونظيف لولا الفوضى الضاربة أطنابها فيها. أما شعرها فكان يحمل آثاراً من جميع حضارات الإنسانية حتى آخر صرعة في موضة العصر.
أما المكياج فكان يغطي كل ملامحها، بينما عيناها السوداوان فكانتا تتقدان وبياضهما يشعّ حيوية، وحولهما سواد كحل تلفّه مساحة شاسعة خضراء اللون، ولم يكن ينقصها إلا سنبلة قمح أو شعير ليتهيأ للناظر أنها نازلة لتوّها من أقاصي الأرياف. أما رائحة العطر فيها فلا يضاهيها إلا سحاب تشرنوبل. إنها فضيحة متنقلة نجت من سخط الله بأعجوبة. كانت تحمل كيس سفر مثل الزوادة، التوى على جسد غضّ لبنت في السادسة عشرة أو بالكاد في السابعة عشرة لا أكثر، بحيث أن الكيس الذي تحمله قد تدلّى حتى بلغ أسفل ساقيها وكأنه جلد ثعبان فرغ الآن من استبداله. وبدت على شفتيها الشهيتين حمرة قانية في حين فترت منهما برطمة تبرّم وحيرة. ولإخفاء كل ذلك عن الأنظار تنهدت بكل أنفة وشموخ. أما مسك الختام، فكانت حاملاً منذ بضعة شهور وسُرّتها تفضح ذلك للعيان.
"- عمة لامية؟ نطقتْها بحدة وهي لم تكد تتجاوز متراً ونصف متر!
- م م م.... ممكن!
- أنا شريفة!
- حسنٌ... ثم ماذا؟
- سفيان هو الذي أرسلني إليك. وأنا واصلة اللحظة من وهران.
- نعم؟؟!!
- ألم يهتف إليك؟
- م م ... كلا.
- هل تأذنين لي بالدخول؟
- م م ... إن شئت.
- شكراً.
- عفواً.
- الجوّ لطيف لديك.
- هذا رأيك".
وهكذا، وبهذه الطريقة تتسلل الزوابع إلى بيوتنا. لم يسبق لي أن تصورتُ أبداً ولا تصرّفت على أساس أن أفتح في يوم من الأيام بابي وحياتي لمثل هذه البلبلة والتشويش. فتحتُ بكل بساطة، لمجرد أن الناس تفتح أبوابها لما تُقرع. قد يساورنا التفكير في مقابلة أناس غير لطفاء، ويعلم الله أن الحيّ يعج ويضيق بالناس الذين يجنحون للعنف بالفطرة وتعنيف الناس وتوبيخهم، وبالمهووسين معتـادي الاغتصاب، وبرجال الدرك، حتى ليتخيل للمرء أن هؤلاء لا يعرفون وقتاً ولا يفقهون مبدأ. ولكن يحدث أحياناً أن نستسلم للحلم من باب الشعور بالطمأنينة والسكينة، ونتوقع حدوث المعجزة والعناية الإلهية التي تنزل علينا لتمنحنا جزاء صبرنا والثواب على الجلد، وقد نفكر في كل الطوارئ السارة التي تدور في خلد من لا يعرف إلا حياة ضنكاً.
بالمقابل، يوجد لدى كل منا إحساس دفين بدوافعه الغامضة والمبهمة والقوة الخارقة للأشياء المغيبة والأصوات القادمة من عوالم مجهولة والرغبة الجامحة التي تدعونا فجأة لولوج عالم ساحر وسبر أغواره. وكل ذلك يدفع بقوة أعتى وأعنف ممّا يقوى الخوف على كبحه وكبته.
لكن، والحق يُقال، فتحتُ الباب بطريقة آلية. فأنا هكذا، امرأة فيها عفوية واندفاع. بصورة آلية؟ ليس بالضبط على كل حال. فالأمل برؤية أخي وسماع طرقه على الباب لم يبرحني يوماً، وكل الأصوات تذكّرني به، ولا أرى للعذاب نهاية، فأنا مدركة أن سفيان غادر الديار لكي لا يرجع أبداً.
قد يكون حسن التأدب والتربية عَوَقاً وعاهة أحياناً، وذلك يجعلنا نبدو في صورة طائر القطرس الضخم وقد وقع في سلة جندي الباشي بوزق. ومن باب المجاملة واللطف قدّمت مشروباً للضيفة الدخيلة ثم عشاء أو سحوراً على الأصح، بعد ذلك سلقت لها بيضة وزدتها برتقالة، ورحتُ أُصغي إلى ثرثرتها كالخرقاء. فهل كان لي في نهاية الأمر أن أرفض لها المبيت؟ كلا، فكرم الضيافة لا يمكن أن يتوقف عند حافة السرير. حتى هي نفسها لم تتح لي مهلة التفكير، فلقد لبست المتهتكة قميص النوم وأنا لم أفرغ بعد من تنظيف ما كان على طاولة الأكل. لكن ما دامت هي التي بدأت فما كان عليّ إلا أن أناولها مخدة وأتمنى لها ليلة سعيدة على إيقاع موسيقى خالته المسكينة دعوة إلى حفل. فلقد ضحكتْ كثيراً وتكلمتْ كثيراً، وفي كل مسألة. ولم تترك شاردة ولا واردة إلا خاضت فيها طولاً وعرضاً، عن الديك والحمار كما يُقال، وعن شباب أغنية الرّاي، وعمّا لم تسمع به شهرزاد المرأة المشهود لها بالأرق ولم تشهده. أما أنا فلقد فاتني القطار وأنا لم أبرح المحطة.
في الواقع، بقيتُ أرمقُ شيئاً غير موجود مع الإيهام بتركيز نظري على شفتي الثرثارة. ثم صار صوتها يثير فيّ الضجر والسأم، فلجأتُ إلى التفكير في لويزة، حبيبة قلبي، لويزة العزيزة. يا إلهي كم أنا مشتاقة إليها! ثم فيما فعل الزمان بأحلامنا وآمالنا.
صارت الساعة الثالثة فجراً، والليل يزحف نحو نهايته. أما الساعة القديمة التي تقوم بحراسة البهو فلم تعد ترن منذ مغادرة صاحبها الأول، ولكني كنت أفهمها، فهي تئن بالعادة وعلى فترات محددة ومضبوطة. لقد حاولت عبثاً، ثلاث مرات، أن تُصدر ما يشبه الصوت أو الحس. بعد ذلك خفّت ثرثرة الشابة وخفَتَتْ وانتثرت كالسحاب فوق رؤوسنا ثم تلاشت في أجواء فسيحة وانقشعت، ثم حلّ السكون والصمت الحقيقيان، ثقيلين كالجماد، يطقطقان في جميع الأرجاء. إثر ذلك دخلنا في تلك الأوقات التي لم تصبح ملكاً لنا حقاً، حيث لا يصل الروح بالجسد إلا ما يشبه الخيط الرفيع، وخلدتِ الضيفة المجهولة إلى النوم وغار جسدها في جسم الكنبة والوسائد الملونة بألف لون ولون. وهكذا استسلمت المسكينة للنوم العميق وقد ربّعت يديها وفغرت فاها وحتى ساقيها بعد أن أذاقتني ويلات الحماقات وسقتني كؤوس الجهالات. لقد بدت في وِضْعة الجسم التي كانت عليها كالمستهترة لو لم تكن طبيعية وعفوية. وصارت تبدو لمن يراها نائمة طريفة أكثر ما تكون صاحية، كذلك كان من السهل أن أتصور أن لها عالمها الخاص بها حصراً، بعيداً جداً عن عالمنا، حيث لا تنقصها إلا الجنّيات وفتى الأحلام، وكل ما حولها من كومبارس ومتقمصي الأدوار الثانوية والساحرات الجشعات والأشرار لا وجود لهم في القصة ولا دور يؤدونه سوى متعة مشاهدتهم مدحورين في عالم عامة الحالمين.
إنني أعرف كل شيء عن الليالي الطوال المكرّسة للصمت ولعبة البحث في دواخل الذات. ثم فجأة، أجد نفسي فاقدة كل المعالم التي أسترشد بها، وأبدأ بجهل حتى الأحاسيس لديّ، فأصبح غير مدركة كيف أفكر ولا أعرف كيف أتصرف؛ لقد فقدتُ وتيرة من أدمن حياة الوحدة والانزواء الثقيلة. أحسستُ بمدى ضعفي وقلة حيلتي، وسكنني هاجس عدم التحكم في إيقاع حياتي، كما لو أنه قد خانني الصبر، أو إن شئت، انتابني الفضول الشديد. إنه الانزعاج، وأيّ انزعاج! أن يلج الناس عالماً آخر، إنه الخطر الذي يحدق بمن يبغض البشر ولا يطيق الاختلاط بالمجتمع.
حسنٌ. سأبحث عن كتاب أقرأه أو برنامج في التلفزيون أشاهده، ولا بد أن أجد فكرة تساعدني على النوم، إذ في مثل هذه الساعة تكون كل الوسائل مقبولة للاسترخاء والخلود. وفي الصباح، وبمجرد مغادرة الفراش يجب على الفتاة المتعجرفة والفاجرة أن توضّح لي ثلاثة أمور في غاية الأهمية:
أولاً : مَنْ تكون؟
ثانياً : مِنْ أين جاءت؟
ثالثاً : إلى أين تذهب؟
لا أرى شيئاً آخر يمكن أن أضيفه، فالأمور حدثت بهذا الشكل، والسلام. أمّا أن أقول فيما بعد، ماذا يمكن أن أزيد أو أنقص؟ الانطباعات، والخلفيات، والتكرار والاجترار، والسكوت المحير والمرتاب، فهذه كلها لن تجدي نفعاً. بل على العكس تماماً، فكل ذلك ينتزع من الحادث قيمته، والحادث في حد ذاته مفاجأة مؤثرة ومثيرة: فلقد ظهر خبر سفيان واختار أن يقوم بذلك من خلال هذه البنت الغريبة الأطوار.
كان ذلك اليوم يوم الرتابة كسائر الأيام الأخرى، ويوم الشكوك المؤلمة، ولم أكن أدري ماهية الاضطرابات التي تنتظرني بعد قليل. والأدهى من ذلك أنني لم أكن أرى الطريقة التي تجعلني أتخلص من هذه البنت. ولكن، هل تراني كنت أرغب في ذلك حقاً؟ ومع ذلك فالمشكلة ليست مطروحة بهذه الصورة، فوجود هذه الشابة التافهة عبارة عن ضربة مكنسة سوف تزلزل كياني وتثير فيّ الرغبة الشديدة في الدفاع والاستبسال. إني أحسّ بكل ذلك، وأدرك حتميته وضرورته. فها هي حياة أخرى تأتي لتزرع في حياتي وتلتهمها من الداخل وتهضمها، وتحيد بها عن طريقها المرسوم لها.
يا إلهي، إلى أي مدى نمتلك ناصية حياتنا حقيقة؟
نظرتُ ملياً إلى البنت المجهولة. كانت تغطّ في نوم الحوريات، كانت عذبة وممشوقة القوام، وزادها ثغرها البسام مسحة من جمال البنت المدللة. أما كل ما كان حولها من ألوان الوسائد والنور الخافت وكثافة السكون والهدوء والقرقرة المألوفة الخارجة من الأعماق، وعذوبة البُنَيّة زاد الجو سحراً وبهاء لتتشكل صورة السعادة، تلك السعادة الهادئة التي تنفخ فينا جمالاً ودعة. ولو كانت الملائكة تغفو وتنام لكانت على هذه الصورة، صورة شريفة السابحة في نعيم أحلامها. ولو كانت الشياطين تخلد إلى النوم لكان لها بلا شك هذا الشكل. ولا أرى في الوجود سبباً يحملنا على

الصفحات