قراءة كتاب حرافة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حرافة

حرافة

كتاب " حرافة " ، تأليف بوعلام صنصال ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
إلى القارئ

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

لم أفهم كيف حدث كل ذلك. فبمجرد أن غادرت البنت المجهولة الفراش حتى كانت قد قلبت كل ما في البيت رأساً على عقب ونثرت هنا وهناك قضّها وقضيضها. يوجد مِنَ الناس من ليس في حاجة للاستقرار لكي يشعر بأنه في بيته لوحده. أما قاعة الحمام، قاعة الحمام الخاصة بي فصارت خراباً! ووجدتني أصيح بأعلى صوتي في النهاية: "ما هذا الكرنفال؟" ولا أذكر أنني فعلتُ أمراً شنيعاً كهذا لبيتي حتى في حالات الإحباط القصوى التي كانت تنتابني أحياناً. ومع ذلك لم تكن هذه البلهاء الثرثارة لتتوقف حتى تستأنف اللف والدوران، فكنت ألمح خيالها وهي تركض من هنا وهناك، تشعل المصابيح وتعذّب الراديو وتتصفح التلفزيون وتلملم خرقي وأثوابي وتفتش في كل الزوايا لتظهر في الأخير وقد علتها سحنة تشبه مظهر سائح وكالة السفر الذي يكتشف في نهاية المطاف أنه كان مخطئاً على طول الخط. وصار الأمر أمراً واقعاً عندما ردّت عليّ متسائلة: "ما هذا الكرنفال؟" لقد قُضي الأمر، أصبحتُ غريبة الأطوار والديار. ورمقتني بنظرة كمن يصدّ امرأة تتبضّع وتطلب خضراً خارج موسمها. وهكذا رحتُ على طريقتها، أتناول فطور الصباح مكتفية بالبسكويت، واقفة أمام الثلاجة. ونفضت ما علق على صدري من فتات غير مكترثة بجحافل نمل الحديقة الذي كان بالأمس هاجسي وكابوسي الأول، ولم أكن أقوى على وقف زحفه على أعتاب المطبخ إلا بالإكراه وبالنقاوة.. وبالكثير من مبيدات الحشرات. وهكذا استسلمتْ روائحي العتيقة، التي لها تاريخ راسخ في ذاكرتي، أمام إشعاعات عطر هذه البنت الوسخة والرائحة المثيرة للأعصاب التي تفوح من شابة تتغير وتنمسخ في الفوضى. لقد كان كل كياني يغلي كالمرجل من الحنق والتقزز لسلبيتي واستسلامي. ولكن، كنت رغم ذلك، إن لم يكن يخدعني إحساسي، مبتهجة لوجودها معي. لقد بدأ يدب في روحي شعور الأخت الكبرى التي لا تكل ولا تمل من ملاحقة أختها الصغرى العفريتة بالوعد والوعيد.
إن لكل جديد سحراً خاصاً، ولكنه يزعجنا عندما يكرهنا على التغير. كنت مذعورة ثم أصبحت مهتمة. فما كل معتقداتنا وعاداتنا في نهاية الأمر إلا ما ألفناه دوماً وتعودنا عليه، ليصبح مع العادة آخر شيء بقي لنا لنتشبث به. ولكن ما يحز في النفس حقاً ويزيدها كمداً هو أن تكتشف المرأة فجأة أنها صارت عانساً. لقد كانت شريفة ترعبني وترهبني بتشويشها وتسحرني وتأسرني بفوضاها.
ولكن، إذا كان للتأثر وقت فإن لردة الفعل أوقاتاً.
"اسمعي يا جميلتي، لك أن تسرحي وتمرحي كيفما شئت ولكن عليك أن تعلمي أين؟ مَنْ أنت، ومِنْ أين أتيتِ، وإلى أين تمضين هكذا؟ ثم، قولي لي كيف تسنّى لك التعرف على أخي الأحمق؟ وما هذا البطن الممتلئ؟ ولتعلمي أن هيئة الهيفاء التي أنتِ عليها لن تخلصك مني!
- ولكن، عمة، لماذا تتعصبين؟
- لست عمتك، ولا زوجة عمك!
- كيف تحبين أن أناديك؟
- ها، هكذا، بهذه البساطة! إذن لا تناديني إطلاقاً، قولي آنسة!
- ولكن، ألستِ أكبر من ذلك؟
- ها! هكذا؟"
طيب يجب ألا أثير جدلاً آخر تافهاً وغير مجدٍ، لا سيما وأن نتيجته لن تكون في صالحي.
تبدو الأمور أحياناً في غاية البساطة مع السذّج، لكن المهمّ ألا نعقّدها فوق اللزوم. والوضعية واضحة وضوح الشمس، فشريفة عبارة عن بنت ضائعة من ضمن كل البنات تعرّفت في وهران على أخي، ذلك الأبله، الذي كان ضائعاً هو الآخر. وفي لج حياة الضياع والبؤس قاما بتبادل النظرات والقبلات، لا شك في ذلك، ومع ما يتبعها من كوارث وويلات. إن البنت لا تنقصها الشجاعة إطلاقاً ولكنها ظلت محتفظة ببعض الحشمة والوقار، وهي لم تقل شيئاً عن بطنها الصغير. من يكون صاحب البُضع الموضوع فيه، أيمكن أن يكون الروح القدس؟ المهم، لا تهمّ إلا عواقب الأمور. وبمجرد لمح البصر أقول إنه ابن خمسة شهور، لهذا عليّ أن أتوخى الحذر، فالمصائب آتية لا ريب، والبنت تبدو من النوع المعتاد على المشاكل، ولن أفاجأ بها إطلاقاً لو حدثت لي. أما سرّها الشائع فلتذهب ولتضعه حيثما تشاء. أقسم على هذا وأحلف!
أما سفيان فأعرفه وأعرف أسلوبه، وإنني أتخيل كلامه المعسول الذي يكون قد قاله لبنت وقعت في غرامه، فالوداع كان بهذا الشكل لا ريب:
"شريفة، قدري ألّا أحطّ الرحال بوهران، بل مكتوب عليّ أن أواصل المشوار. أريد أن أجد الحرية والحياة السعيدة. وكل من سبقنا يقسم بالله أن هناك، في الغرب، جنات النعيم.
- أما هدفي أنا فالجزائر، العاصمة، حيث أعيش كالأميرات. وصديقاتي في الدوّار يحلمن بذلك ليل نهار. سوف أضع حملي عما قريب، وعليّ أن أرحل فوراً. انظر إلى بطني.. كل شيء ظاهر بيّن، أليس كذلك؟ وفي الدوار سيقطعون رأسي، بالتأكيد، لو دخلت عليهم أحمل صبياً على صدري.
- اذهبي إلى أختي، لامية، إن لها بيتاً واسعاً، وستكون هناك غرفة لك وحدك ومهد للمولود. إنها إنسانة طيبة، ولن ينقصك الدواء؛ وهي عجوز، معاندة ومتذمرة كشجر الصبار، ولكن ذلك في صالح الرضيع، سيشبّ على الاستقامة، أما أنا فأتوجه إلى طنجة لترقب الباخرة هناك."
هكذا يتكلم أطفال الضياع.
ولكن كيف لنا نحن وقد كسرنا الكبر وغلبتنا الحكمة، أن نحدثهم وقد علمتنا الحياة منذ الأزل أن نسكت ونتظاهر بالفهم والاعتقاد؟
وبدل أن أتكلم معها رحتُ أعذبها. وكانت أسئلتي تنطلق بسرعة الرشاش من كل حدب وصوب إلى درجة إصابتها بالشلل، ولم تفهم ما المقصود وما الفائدة الحتمية من كل ذلك. وبينما كنت أنتظر منها قول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، انطلقت في البكاء والنحيب وهي تصدر شهيقاً ألعن من شهيق سمك الفقمة الخرساء، وانسكب الرمال المخضب لجفونها بشكل مثير للشفقة على صُدرتها. ثم فجأة، هبّت واقفة، وخرجت وصفقت الباب غضباً، وظل دوي الانفجار يرن في الجدران وقتاً طويلاً بعد مغادرتها. ولما توقّف الرنين شعرتُ بالحسرة وشرعتُ في البكاء، وانهمرت دموعي بغزارة.
وعادت في منتصف الليل. عند تمام دقات منتصف الليل، أو بعدها بقليل. وكانت تلك هي المُهلة التي حددتها لنفسي كي أنتحر على إثرها. شعرتُ بالذنب. فبعد تلك الساعة لن يكون متسع إلا للجثث وقاتليها للتسكع في شوارع المدينة. تركتُها تخرج وحيدة، ليلاً، في حيّ يخاف حتى قطاع الطرق والرعاع من رفقائهم. فتحتُ الباب بحركة واحدة وأنا مستعدة للموت غدراً. أوف! إنها هي، ومعها زوّادتها، وفيها شموخها وإباؤها. توجهتْ فوراً صوب الصالون، وهو غرفتها، دون أن تراني، أما أنا فقد تمالكتُ نفسي حتى لا أدق عنقها، هنا، في ردهة البيت. في المرة القادمة سأقتلها ببرودة دم وأنا مرتاحة الضمير، فمهما يكن، لنا في بيوتنا حق الاحترام والتقدير.
وعندما أوصدتُ الباب تهيأ لي أني لمحتُ من خلال أشجار الحور المتحركة التي تحرس الحيّ خيال شخص يتسلل في جنح الظلام.
وهذا خطب وكرب آخر، وفي غاية الجسامة.
في النهار وفي الليل
في الداخل وفي الخارج
والخطب الجلل
يرقب
وفي قبضته نَبْل
ضدّ اليقين
ضدّ القانون
والخطب الجلل
يضرب
وفي كُلّابه شعلةُ وَيْل
ها، على المرأة
ها، على الطفل
والخطب الجلل
يثب
وفي دبره ذيل
متربص
سعيد، جذل
يترصد الإنسان
يرقب
فريسته الثمينة
الخوف.

الصفحات