أنت هنا

قراءة كتاب من أماسي السمر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
من أماسي السمر

من أماسي السمر

كتاب " من أماسي السمر " ، تأليف إميل منذر ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 1

عندما بِعْتُ كَرْمَ الزيتون

على مدى عقودٍ من الزمن كان الكرْم لنا. هكذا عرفْتُه منذ أن وعَيْتُ الحياة وأصبحتُ أرافقُ أبي وأمّي إليه في أيّامِ العطلةِ المدرسيةِ لمساعدتِهما في مَشْقِ حبّاتِ الزيتونِ اليانِعَةِ عن أغصانِها، ولَمِّ ما سقطَ منها عن الأرضِ، وجمْعِه في أكياسٍ منَ القِنَّبِ لم تكنْ لتمتلئَ حتى ينْضَبَ من أجسادِنا، قُبَيْلَ مَغيبِ الشمسِ، آخِرُ ما تبقّى فيها من نشاطٍ وهمّة.

نهارُ الزيتونِ كان مُتعِباً. إلّا أنَّ تقطُّعَ ظهورِنا المنحنيةِ طيلةَ النهارِ ونحن نلتقطُ الحبّاتِ عنِ الأرضِ، أو نبحثُ عنها بأصابعِنا الطريّةِ بينَ العُشبِ وأحياناً بين الشَوكِ، لم يكنْ بِذي أهميّةٍ أمامَ تعبِ أقدامِنا ونحنُ نسيرُ صعوداً خلفَ الدَوابِّ المثقَلَةِ بأحمالِها على طريقٍ ضيّقٍ متعرّجٍ بَرَتِ الأقدامُ والحوافرُ على مرِّ السنينَ حجارتَه فأصبحت ملساءَ زَلِقَة. هذا الطريقُ كان يَصِلُ ما بينَ كَتِفِ الوادي حيث يمتدُّ كرْمُنا وكرومُ جيرانِنا من الفلاحين، والقريةِ العاليةِ البعيدةِ التي كان علينا أن نرفعَ رؤوسَنا إلى فَوْقُ، نحوَ السماءِ، حتى نرى بيوتَها المشكوكةَ في خاصرةِ الجبل.

كان نهارُ العطلةِ في موسمِ الزيتونِ يبدأُ باكراً جدّاً. ما إن يصيحُ الديكُ قُبَيْلَ انبِلاجِ الفجرِ حتى ينهضَ أبي، ويُعِدَّ العُدّةَ من أكياسٍ وأربطةٍ و"مَفاريطَ"، ثم يحمِّلُ ظَهرَ الدابّةِ كلَّ شيءٍ، ويَمضي نزولاً. وكنت وأخي وأختيَّ وأمّي نلحقُ به بعدَ ساعةٍ أو أقلّ.

ليسَ أجملُ من الذهابِ إلى الحقولِ والكرومِ قبلَ شروقِ الشمس. كنا ننحدِرُ مستعينين على وعورةِ الدربِ ومَزالِقِها بعِصِيٍّ من السنديانِ متينةٍ غيرَ مفكّرين في التعبِ الآتي، ناسينَ تعبَ اليومِ الذي مضى. لقد كانت أمّي تقولُ: "يا وْلادْ التعبْ وَسَخْ، بِحمّامْ مَيّْ سِخْنة المسا بيروح". وكان كلامُها صحيحاً. ولكن من الفجرِ حتى المساءِ هناكَ نهارٌ طويلٌ منَ التعبِ لا بُدَّ من أن ينقضي.

كانت شمسُ الخريفِ تجدُ لها منفذاً ضيّقاً بين الغيومِ الرماديةِ، وتدرِكُنا في منتصَفِ الطريقِ الذي كان الفلاحون يقُصّون بمناجِلِهم كلَّ غصنٍ تجرّأ وامتدَّ من شجرةٍ فوقَه، ويرفعون عنه كلَّ حجرٍ سقطَ من منحَدَرٍ فباتَ يشكّلُ عَثْرَةً لهم ولدوابِّهم، أو يُعيدون تثبيتَه في موضعِه إذا كان دَرَجُ الطريقِ يحتاجُه. وأكثرُ ما كان يروقُني، عَبَقُ أريجِ الزهورِ البريّةِ من كِلا الجانبين، واستيقاظُ العصافيرِ في أعشاشِها، واستقبالُ نورِ الشمسِ بالصُداحِ والتغريدِ، وسَماعُ خريرِ النهرِ الآتي من نبعِ الصفا زارعاً الحياةَ على ضِفّتيه في ذلك الوادي السحيق. سكّانُ المدينةِ يقرأون عن هذه الطبيعةِ الساحرةِ في الكتبِ، أما نحن، أبناءُ القرى، فنشاهدُها كلَّ يومٍ، ونسمعُ هَمَساتِها وأغنياتِها في كلِّ يومٍ لأننا نعيشُ في حُضْنِها، ونغفو ونستيقظُ في سريرِها، ونتأرجحُ فوقَ ذراعَيْها. إنها حياةٌ قاسيةٌ لكنها هانئةٌ وجميلة.

ما زلتُ أذكرُ كيف كانت أمّي تَعِدُنا، ونحن صغارٌ، بخمسةِ قروشٍ لكلِّ واحدٍ منّا عن كلِّ سَلٍّ كبيرٍ يملأُه بالزيتون. كانت تساعدُنا، وتضعُ بعضاً من حفناتِها في سلالِنا إذا أحسّتْ منّا تعباً وتمَلْمُلاً، فنفرحُ لأن القروشَ الخمسةَ، وربما العشرةَ، ستسقطُ مساءً في الجَيْب. إنها مبلغٌ لم نكن لنحصلَ عليه دائماً. به نستطيعُ أن نشتريَ من دُكّانِ "راشد" الكثيرَ منَ الفستقِ أو الملبّسِ على لوز.

خمسةُ قروشٍ! يا أللهُ كيفَ تغيّرَ الزمنُ، وانقلبتِ الدنيا رأساً على عَقب! القرشُ اليومَ، والليرةُ، والمئةُ، والألفُ، لم تَعُدْ تساوي شيئاً. حتى الخمسةُ آلافٍ إذا أعطيتَها مُتَسَوِّلاً على الطريقِ فإنه يأخذُها بيدٍ نصفِ ممدودةٍ لأنه لا يستطيعُ أن يشتريَ بها ما يملأُ مَعِدَتَه ويسندُ قلبَه.

أجل. لقد تغيّرَ الزمن. الكرْمُ كلُّه اشتراه جدّي من الأخوين موسى وحنّةَ بمئةِ ليرةٍ كانوا يسمّونَها الورقةَ الزرقاءَ تبجيلاً لها وتعظيماً. ورقةٌ زرقاءُ كان لها إطلالةٌ إذا خرجتْ من عَتْمةِ الجَيبِ إلى النورِ كإطلالةِ عنترةَ بنِ شدّادَ بسيفِه وحصانِه في ساحةِ القتال.

بعَرَقِ الجبينِ كنّا نأكلُ خبزَنا. وهذه حالُ كلِّ فلاحٍ في جبلِ لبنانَ. ولشجرةِ التوتِ وشجرةِ الزيتونِ علاقةُ قَرابَةٍ ومودّةٍ بكلِّ قريةٍ من قُرى هذا الجبل. تلكَ تُطعِم دودةَ القزِّ، وتحرّكُ النَوْلَ، وتفي الديونَ المستحِقّة. وهذه تضيءُ المسارجَ، وتملأُ الخوابي، وتفي النذور. وأيضاً تعمّرُ البيتَ، وتشتري رغيفَ الخبزِ والكساءَ والدواءَ وكتابَ المدرسة.

كنا نحن، مثلَ كلِّ الناسِ، نربّي دودَ القزِّ، ونتعاونُ وأهلَ القريةِ في جني مواسمِهم ومواسمِنا. وكان "مكتبُ الحريرِ" يشتري الشرانقَ، ويقدّمُ إلى الأهالي المَشُورَةَ والمساعداتِ. و"المشروعُ الأخضرُ" يفتحُ الطرقاتِ، ويزرعُ النضارةَ في الهضابِ والوديان. لكنْ ما بينَ ليلةٍ وضُحاها، لم تَعُدْ نساءُ الجبلِ ينهضْنَ فجراً لنثرِ ورقِ التوتِ على الأطباقِ المصنوعةِ منَ القصبِ، ولا الرجالُ يذهبون لجمعِ أغصانِ الوزّالِ والشوحِ لتتزيّنَ بالشرانقِ البيض. لقد توقّفتْ تربيةُ القزِّ في الجبلِ؛ فيبسَ التوتُ أو اقتُلعَ، واستُبدلَ بزراعاتٍ أخرى؛ فبقيتْ شجرةُ الزيتونِ وحدَها سيّدةَ الكرومِ لا تنازعُها في سيادتِها وزعامتِها شجرةٌ أخرى، ولا يحيطُ الفلاحُ بهالةٍ من التقديسِ سواها، لأنها كريمةٌ معطاءُ، إنْ أهملَها مرّةً فلا تبخَلُ عليه بموسَمِها، وإنْ أكرمَها وتعهّدَها بالحراثةِ وتقليمِ اليابسِ من أغصانِها، جادتْ عليه وردّتْ أتعابَه. إنها شجرةٌ وفيّةٌ، تطلبُ القليلَ، وتعطي الكثير. صبورةٌ ومقاومة. في الكرْمِ تنمو، كما في الحُرْجِ تعيشُ؛ فلا العطشُ يقتلُها، ولا عناصرُ الطبيعةِ تقوى عليها؛ حتى النارُ إذا أحرقتْها فإنها ترفضُ الموتَ، وتعودُ لتنبُتَ مجدّداً من تحتِ التراب.

الصفحات