أنت هنا

قراءة كتاب وجوه في مصابيح الذاكرة - الجزء الرابع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
وجوه في مصابيح الذاكرة - الجزء الرابع

وجوه في مصابيح الذاكرة - الجزء الرابع

كتاب " وجوه في مصابيح الذاكرة - الجزء الرابع " ، تأليف إسحاق الشيخ يعقوب ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 1

وجوه سعودية علي العبدلي

... وهو من رعيل المناضلين الأوائل الذين كانوا يسجرون خبز الكادحين بعرق ودماء قلوبهم في تنور الحياة.. ويُذللون كل شيء على طريق المعدمين والمحرومين والمظلومين في أصقاع الأرض.. وكان ركيزة جميلة في النضالات المطلبيّة والحقوقية لعمال شركة الزيت وكان يتوثّب مع المتوثبين.. ويساهم مع المساهمين.. ويشارك مع المشاركين بروح طيّبة فاعلة صامتة!!

كان هذا في الخمسينات.. وكان شعلة هادئة ذكيّة نقيَّة أنيقة تتوقد في الصفوف الأمامية.

لكم نفتقد أحياناً طعم الماضي ونكهة الماضي ورائحة الماضي.. كأن كل شيء في ذلك الوقت له طعمه الخاص ونكهته المميزة في الانغمار بسعادة لا تُجارى في العمل الوطني... حتى الأشخاص من رفاق الدرب الواحد لهم طعمهم ونكهتهم ورائحتهم الخاصة وعندما تستعيد روحي الخمسينات أتلمظ في ذاكرتها طعم علي العبدلي ونكهته ورائحة هذا الإنسان الجميل الذي كان يعمل بصمت.. ويحب بصمت وقد رحل عنا بصمت.. وكان العبدلي شامخ الطول نحيف البنية عذب الابتسامة طيّب المعشر حنطي اللون.. عيناه الدعجاوان تتراقصان جذلاً في وجهه المستدير.. ذو أنف صغير حاد ينحني تحته شارب حريري أسود وفم واسع تضمه شفتان رقيقتان ورديّتان تفتران عن صفّة أسنان ناصعة كالحليب وكان رأسه المدوّر الصغير تغطيه «غترة» ناصعة كلون الثلج و«عقال» فاحم مبروم يلملم أطراف ثناياها المنحدرة نزولاً على جبهته.. وكانت له شخصيّة جذابة فرحة.. وابتسامة تُفعم توهّج أساريره في صفوف اليسار!! وقتئذ في الخمسينات كانت جريدة «الصَّرخة» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني قبل أن يُغيّر اسمها إلى جريدة «الأخبار» هي الجريدة التي كانت تحدُب على نشر قضايا العمال وتتابع أنشطتهم المطلبية والحقوقية.. وكانت للكلمة والكتاب والجريدة يومئذ محاذير ومخاطر جمّة.. تُضاهي محاذير ومخاطر أقراص وحُقن أنواع المخدرات.. وقد جلب علي العبدلي من بيروت آنذاك كتاب «نفطنا السليب» لمؤلفه يوسف خطّار الحلو.

وذات يوم دخلتُ عليه في مكتبه في وزارة الإعلام وكان سكرتيراً لوزير الإعلام جميل الحجيلان، ورغم أنه لم يرني منذ مدة طويلة إلّا أنه «فزّ» وعانقني بحرارةٍ وأظهر دفئاً نضالياً لا يُجارى ودهشة عذبة تجلّت عن معدن وطني تراه يتفجر حميمية في تلك الظروف الصعبة الجميلة!!

وكان العبدلي يرى في عبد العزيز المعمر مثاله الذي يتجدد في الحياة.. ورغم هذا الانقطاع المضني والبليد.. فقد كانت ذاكرتي تتسقط جماليّة روحه التي ما انفكت تختال فوق شطآن روحي بمناسبة وبدون مناسبة..

لقد مرّ عزيزنا وحبيبنا علي العبدلي بأزمة نفسية وانزوى في بيته لا يلوي على أحد ولا يُريد أن يرى أحداً.. فأدمن وحدته (وتوحّدها) حتى توغّلت في تلافيف كبده ومزقتها!!

وكان الألم الأليم الذي استوى فينا جُرحاً ما فتئ يوغل فينا مزقاً وخوفاً هو هذا التنائي البليد بيننا وبين عزيزنا وحبيبنا

الصفحات