أنت هنا

قراءة كتاب من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان

من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان

كتاب " من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان " ، تأليف منير قرم ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

الثوابت التاريخيّة للسلطة

رسوخ البنية الإقطاعيّة في العلاقات السياسيّة وعلى المستوى الاجتماعي

عرف الإقطاع في لبنان أوج عهده إبان المرحلة المعروفة بالإمارة (1516-1841)، إذ كان اقتباسًا محلّيًا لنهج الإقطاع المعمول به في العالم العربي- الإسلامي الخاضع وقتئذٍ للسلطنة العثمانية(4). كما أن مصطلح إقطاع يعني «فك العرى» و«الانفصال»؛ أي أن السلطنة فصلت جزءًا من أرضها لتهبه إلى إقطاعي بصورة دائمة فيما تراقب السلطة المركزية جميع أشكال الحكم القائمة (إذ تُناط بها حصرًا صلاحيّة سن القوانين وتشكيل القوات المسلّحة، إلخ). إن هذا النمط في انتقال السلطة أخذ في لبنان شكلاً متصاعدًا حيث غدا لقب الأمير وراثيًا وأصبحت السلطة القضائية رهينة السلطة المحلّية. إضافة إلى ذلك، عهَد الأمير بسلطته إلى الإقطاعيّين المحلّيين «المقاطعجيّي» المتنفذين على المستوى العشائري أو العائلي. وتوارثوا بدورهم هذه المهام مع الوظيفة الأساسية لديهم الكامنة في جباية الضرائب. وهنا يستوقفنا تفصيلٌ مهمّ حيث أن الإقطاع في لبنان لم يعرف قط نظام الرق: فالفلاحون اللبنانيون بقوا أحرارًا في انتقالهم لدى الملاكين والاشتغال بالمزارعة لحساب الإقطاعي الذي يرغبون بالعمل لديه. وقادت هذه الحرية إلى موجات نزوح للسكان مما أسهم في تحقيق خاصية مضافة إلى الاجتماع اللبناني، ألا وهي تشكيل مناطق مختلطة من وجهة نظر طائفيّة. وأدّى تدريجاً تلاحق الأحداث خلال القرن التاسع عشر إلى التخلّي الكامل عن الإقطاعية (عام 1861 مع بروز نظام المتصرفية).

بيد أن الإقطاع اللبناني لم ينحسر قط في الواقع. فلدى قراءة أكثر من كتاب حول الصراعات التي كانت تنشأ بين الإقطاعيين واقتصار أداء الأمير على لعب دور الحكم وتدخل أسياد خارجيين في النزاع... لا يمكن إلا أن نتوقّف إزاء ما يمكن أن نرى فيه تكرارًا غريبًا للتاريخ. بقيت التركيبة الداخلية لجزء من العلاقات على مستوى السلطة في لبنان على الصورة ذاتها تقريبًا منذ 300 عام. صدامات على السلطة بين اليمنيين والقيسيين وبين الزعامات الإقطاعية التقليديّة خلال القرن التاسع عشر وصولاً إلى المنازلات بين زعماء المليشيات خلال الحرب الأهلية، واستمر بذلك اجترار العقلية الإقطاعية بلا أدنى شك. بطبيعة الحال، قد تكون تبدّلت بعض المسميات فاندثرت عائلات وأينعت أخرى (بواسطة رأس المال النقدي بشكل أساسي)، ولكن البواعث هي هي، وكذلك العقليات وأساليب التصادم.

ومنذ تشكيل لبنان الكبير عام 1920، ازداد عدد العائلات الإقطاعية والعائلات الكبيرة على الرغم من تحفظها الأولي إزاء تشكيل كيان سياسي منفصل عن سوريا، انبرى كبار الملاكين والتجار من السنّة والروم الأورثوذكس للانخراط في اللعبة السياسية والسعي إلى زيادة حصصهم في بسط النفوذ. كلٌّ يسعى إلى زيادة حصته من الكعكة، سواء عبر الأطر التقليديّة (زيادة المساحة الجغرافية لمنطقة النفوذ من خلال التطهير أو التهجير القسري إذا اقتضى الأمر) أو عبر اتباع أطرٍ حديثة (الهيمنة على المناصب الإدارية والسياسية والمالية المهمّة وسلطة الإعلام). هذه هي الدوافع العميقة، وربما اللاشعورية، التي تتبناها أهم الشخصيات السياسية اللبنانية. يكفينا لتحقيق اقتناعنا بالأمر أن نرى انتظام بعض الأحزاب السياسية اللبنانية وهيكليتها التي تمّ إنشاؤها على خلفيّة إقطاعية تقليدية. وتتواجد هكذا أمثلة من النمط المتجذر في القدم، حتى داخل الطائفة المارونية، على الرغم من أنها كانت في طليعة النضال ضد الإقطاع. علاوةً على ذلك، فإن السلوك السياسي لهذه الأحزاب في بعض المنعطفات ينحو، بشكل يخلو من المنطق ويستعصي على الفهم، نحو الممارسات الإقطاعية الرديئة في ظل ما ترتديه هذه الأحزاب ظاهريًا وما تصطبغ به بالأصل من ديمقراطية اجتماعية ومثل عليا وتكافؤ الفرص ومنظومات الحقوق والواجبات. الخلافة السياسية عبر التوارث هي من العلامات الواضحة على هذا السلوك. وحتى التشكيلات الأخيرة – في السلطة- ، كما الشخصيات المستقلّة، فقد سعت وفاقًا لهذا السلوك واقتدت بهديه من أجل الحفاظ على النفوذ أو على السلطة المكتسبة(5) .

إن العقلية الإقطاعيّة مترسّخة بالفعل في الحياة العامّة اللبنانية: كل زعيم يسيطر على مساحة من الأرض، والناس الساكنون عليها، هم بطريقة أو بأخرى، زبائنه المأسورون أو عبيده الجدد. وفي مقابل الأمن الذي يجلبه الزعيم (سواء أكان الأمن المادي أو الامتيازات الاقتصادية عبر «الواسطة» والفساد المتفشي)، يدفع الناس ثمنًا باهظًا ويقدمون الدعم الكامل والمساندة المطلقة بلا نقد ولا مساءلة لزعيمهم. واليوم، مع استخدام مفردات الديمقراطية وسيادة القانون، يحتفظ هؤلاء الناس بالناخبين، أسرى ذليلين يبادلون أصواتهم في الانتخابات مقابل احتمال الحصول على منافع في التوظيف والمنح الجامعيّة والحماية من حركة تمدّد أحزاب تابعة لسياسيّين آخرين أو حركات أخرى مستجدّة.

الصفحات