أنت هنا

قراءة كتاب بطعم الجمر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بطعم الجمر

بطعم الجمر

كتاب " بطعم الجمر " ، تأليف أسعد الأسعد ، والذي صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة ا

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 2

- 1 -

همَّ بمواصلة سيره، لكنه تراجع حين ظهر قارب صغير من أسفل كوبري قصر النيل، تبينت له ملامحه في انعكاس أضواء النيون، الممتدة على طول البنايات المحيطة بنهر النيل، اعتقد للوهلة الأولى أنَّ حوتاً ضلَّ طريقه ودخل من البحر المتوسط عبر نهر النيل، حتى وصل إلى القاهرة بحثاً عن الدفء والأمن، ابتسم وقد أدرك سذاجة الفكرة، وراح يحدّق في القارب الصغير، يشق طريقه عبر المراكب السياحية المتناثرة على سطح النيل، تحمل السائحين ببطء وتؤدّة، حتى يخيل للرائي أنها تقف هناك ساكنة، ومياه النيل تنساب مسرعة إلى الشمال مخلّفة وراءها مراكب مختلفة الأشكال والأحجام .

كانت المراكب مضاءة جميعها، عدا المركب الصغير، الذي شدّه وجعله يتسمر مكانه على ضفة النيل، قرب فندق شبرد .

كيف يخاطر هذا المركب الصغير بالإبحار دون أضواء، وسط زحام المراكب من حوله؟!.. راح يحدّث نفسه وقد شده المركب .

يشبهني هذا الصغير في مخاطرته، فبعد ساعات سأغادر إلى العريش في طريقي إلى غزة، ولست أدري إلى أين تأخذني الطريق .

ظلَّ نظره معلقاً في المركب حتى تحوَّل إلى نقطة سوداء على صفحة النيل، وغاب عن ناظريه، أحسَّ بيدٍ تلامس طرف يده، أفاق من شروده، وقبل أن يسحب يده، كان صوت صبيّ متسوّل يتوسل إليه أن يشتري علبة محارم جيب صغيرة،..تحسّس جيبه، نقد الصبي جنيهاً، قلبّه بيديه، كأنه يتأكد من ذلك.. التفت إلى زيد، شكره.. وانطلق فرحاً بالجنيه.. فيما تابع زيد سيره جنوباً بمحاذاة النهر، وهو لا يزال مشدوداً إلى القارب الذي غيّبه الأفق، فلم يعد يرى له أثراً..

حاول الابتعاد بفكره عن ذلك المشهد، لكن القارب ظل يشدّه إلى صفحة النيل، لعلّه يعود ثانية، حدَّق طويلاً، حتى كاد يراه ينزلق بين مجموعة من القوارب الكبيرة، انفرجت أساريره، لكنه ما لبث أن تبيّن له سراب ما يراه.. عاد ثانية إلى صوت سيارات الأجرة تنطلق مسرعة على مقربة منه، أبطأ بعضها، أملاً في راكب يصطادونه آخر الليل.. لكنه سرعان ما خاب ظنهم، حيث انطلقوا باحثين عن راكب آخر.

القاهرة لا تنام.. والليل ستر للهائمين على وجوههم بحثاً عن لذة شاردة، أو صفاء الذاكرة المتعبة .

هنا في القاهرة، من الصعب عليك أن تجد نفسك، تشدّك الزحمة، فتضيع وسطها، ولا يترك المارة لك متسعاً من الوقت لتشرد بذهنك، أو تسرّح ناظريك، أشياء كثيرة تقطع حبل أفكارك، وتحول بينك وبين حلم تجهد في الغوص عبر ثناياه، كأنما تشدّك تفاصيل المدينة بشوارعها وحواريها المتصلة بالنيل، كأنه السُّرَّة.. تلتقي عندها مصادر الحياة، هناك تشدك تفاصيل المدينة فلا تدري، أهي تسرع نحو صباح جديد، يشبه في شكله الصباحات التي سبقته، أم أنها تتشكل من جديد، مع صباح كل يوم، فتأخذ شكلاً مختلفاً عمّا سبقه، مدينة تلتف حول نيلها الذي لا يشبهه نهر، يتمطىّ صباح كل يوم، يتثاءب بحذر، كأنما يطرد النوم عن حافتيه، يضيق على حلم ناعم، يتهادى على وقع خطى السّاعين إلى رزقهم عبر شوارع تحيط به من كل جانب، وتزدحم بهم الجسور والكباري الواصلة بين ضفتيه، حتى يخيل إليك، أن الملايين من البشر، لا بد أن يمروّا من هنا في طريقهم إلى أشغالهم، وأماكن عملهم، من هنا تبدأ الحياة، ومن هنا يستمد أهل القاهرة عزيمتهم، يتباركون بنيلهم ويطلبون السعد لنهارهم، حدّق في صفحة النيل، كأنما ينتظر العروس التي كان المصريون القدماء يلقون بأجملهن إلى أعماقه، علّها تحمي مصر من غضب النيل وفيضانه.. ولعل آخرها كان بالأمس القريب،إذ إن هدوء مياهه توحي بذلك، حدّث نفسه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة اختلطت بذاكرة تبعثرت، فلم يعد يقدر على جمع شتاتها، أو تحديد معانيها..

أحس برغبة في الجلوس، عندما وقع نظره على مقعد خالٍ على الرصيف المحاذي لكورنيش النيل.. تقدم وقد أسرع الخطى، كأنما يخشى أن يسبقه أحد إليه.. ألقى بجسده المنهك على المقعد، فيما راح يدور بنظره كأنما يتعرّف على المكان.. قبل أن يقترب منه رجل في أواسط العمر.. يحمل في يده مكنسة طويلة وباليد الأخرى يجرّ عربة صغيرة، توقف الرجل قبالته محدقاً به.. همَّ بالوقوف ومغادرة مقعده، وقد أدرك أنَّ الرجل يستأذنه بإخلاء المكان، كي لا يعلق به شيء من قذارته، لكنه توقف حين بادره الرجل بالسؤال .

- يبدو لي أنك غريب ؟

ابتسم زيد قبل أن يجيبه .

- وكيف عرفت ؟!

- للغريب طباع تفضحه .

- وما الذي يفضحني ؟

- أهل البلد لا يأتون إلى هذا المكان في مثل هذه الساعة، وإن فعلوا فليس وحدهم.. ترى، ما الذي جاء بك في مثل هذا الوقت .. إلى هذا المكان البعيد ؟!

- لم أخطط للمجيء إلى هنا، أخذتني الطريق .

- بل أخذك شرودك، وما يدور في ذهنك..

- ربما .

- بلى.. هو ذاك.. أنت لست هنا.. لا أدري أين.. لكنك لست هنا..

- كلنا هكذا.. نمشي ولا ندري أين تأخذنا الطريق.. كأنما نبحث عن طريق غير التي نسلكها..

- الناس تمشي وكلما أوغلت في طريقها.. تبكي الذي مضى.. وتتحسر على زمن كانت تشتهي أن لا يكون.. تلك طبيعة البشر.. لا شيء يعجبهم، كانت جدتي تقول.. لا شيء يملأ عين الإنسان غير التراب..

- ومن ذا الذي يرضى ؟!..

- الحمد لله.. أنا راضٍ.. صحتي عال العال أكدح طوال النهار.. وأركن إلى أم العيال آخر يومي، تهش لي حين تراني حاملاً ما تيسر من الفاكهة أو الخضار.. والتي غالباً ما يتصدق عليّ بها أصحاب المحلات آخر النهار، ومن رضي بقليله عاش .

حدّق زيد بالرجل، فيما راح هذا يشرح وجهة نظره .

إنها حكمة الفقراء، وفلسفتهم، لو لم يفعلوا ذلك ماتوا كمداً وحسرة، إنهم يكذبون على أنفسهم، وغالباً ما يتحاشون الكذب على الآخرين، إنه عالم البسطاء، لا شيء يشغلهم سوى أكل عيشهم، يجهدون في إقناع أنفسهم بالرضا والسعادة، فإن لم ينجحوا في ذلك انحرفوا، وإلا فإنهم سعداء حقاً، وقانعون بما لديهم..

لولا استدراك الرجل، ما فكر بالرحيل ومغادرة مقعده .. لكنه قفز حين استأذنه الرجل بالانصراف، وقد أدرك أن الوقت قد حان للذهاب إلى موعده مع الحافلة التي ستقله مع آخرين إلى العريش..

ودّع الرجل وانطلق عائداً إلى فندق شبرد، كانت عقارب الساعة في يده، تقترب من الخامسة فجراً، بدا عليه الارتباك، وقد أدرك أنَّ عليه الإسراع حتى يلحق بالحافلة، وإلا ضاعت عليه فرصة العمر .

نظر إلى ساعته ثانية، أسرع الخطو حين أدرك أن الوقت يكاد ينقضي، بدا عليه القلق، فيما راحت عيناه تحدق في البعيد، لعله يرى الحافلة فيطمئن قلبه.. مرت دقائق طويلة، قبل أن تقع عيناه على جمهرة من الناس، حتى أنَّه بالكاد رأى طرف الحافلة العلوي .

هدأ قليلاً، وراح يغذ الخطى نحوها.. لحظات اقترب من المكان.. اطمأن حين أدرك أنَّ الآخرين لم يكونوا أسرع منه، ولم يكونوا أكثر التزاماً بالموعد، كان يكره كل من يتأخر عن موعده.. لكنه في هذه المرة، شكر لهم عدم التزامهم، وأثنى على تأخرهم.. اقترب من الحافلة.. وراح يبحث في وجوه الركاب علّه يتعّرف إلى بعضهم.. وجوه لم يرها من قبل.. كاد يمضي في سبيله وقد ظن بأنه أخطأ الحافلة.. لكنه سمع صوتاً يناديه.. التفت إلى مصدر الصوت.. وما أن وقعت عيناه على صاحبه، حتى صاح به..

- رمزي !! متى وصلت ؟!

- وصلت الليلة من تونس، وأنت ؟!

- وأنا أيضاً.. وصلت الليلة من بغداد، عبر الأردن.. في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر..

- لا بأس يا عزيزي.. المهم أنك وصلت.. رغم أن الأمر لا يبشر بالخير..

- ما زال أمامنا الكثير من المعاناة حتى نصل إلى غزة..

- يبدو ذلك واضحاً..

الصفحات