أنت هنا

قراءة كتاب بطعم الجمر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بطعم الجمر

بطعم الجمر

كتاب " بطعم الجمر " ، تأليف أسعد الأسعد ، والذي صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة ا

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 3

ابتعدا عن الحافلة، وراحا يتجاذبان أطراف الحديث، ويتبادلان الأخبار.. فيما راح أحدهم ينادي عبر مكبر الصوت، أسماء الركاب.. الذين بدأوا يتدافعون للصعود إلى الحافلة .. كان الرجل يتوقف قليلاً بعد كل نداء، وإذا ما تأكد من صعود الراكب إلى الحافلة.. يواصل نداءه ليبدأ التدافع من جديد، إلى أن يصعد أحدهم إلى الحافلة.. فيما تشرئب أعناق الجميع، محدّقين بالمنادي، وتتعالى أصواتهم تطالب بالتزام الصمت حتى يتسنى لهم سماع الأسماء، علّه ينادي أحدهم .. بدأ صبر زيد ينفذ، وقد امتلأت الحافلة بالركاب، إلا القليل، استدار نحو رمزي، وقد بدا عليه التعب.. وقبل أن يجمع شتات كلماته.. استوقفه صوت ينادي اسمه.. مرّت لحظات قبل أن يستوعب أنه اسمه.. وأنهم ينادونه.. انطلق عبر الجمع المحتشد عند باب الحافلة.. شاقاً طريقه بصعوبة.. صعد إلى الحافلة.. وانطلق نحو المقاعد الخلفية القليلة، ألقى بجسده على أول مقعد خالٍ، اقترب من النافذة وراح يبحث عن رمزي وسط الزحام.. اطمأن حين رآه يُسرع نحو باب الحافلة.. جلس بانتظار وصوله.. وقد بدأ يستعيد هدوءه، أسند رأسه بباطن يده.. مطلقاً العنان لعينيه.. تحدّقان في البعيد، وتغرقان في بحر من الصور المتشابكة، اللامتناهية.. حاول أن يضبط حدودها، لكنها كانت تنزلق عبر حدقاته المنهكة، يغمض عينيه محاولاً الابتعاد عن ارتباك نظره..

قطع تحرك الحافلة حبل أفكاره.. وأعاده إلى حيث يجلس في المقعد الأخير.. بدأ السائق يتقدم بحافلته ببطء.. قبل أن ينساب في مساره عبر الشارع المزدحم بالمارة والسيارات.. فيما غرق الجميع في الدهشة وانتظار اللحظة القادمة..

كانت الحافلة تنطلق عبر شوارع القاهرة.. فيما عاد زيد إلى حاله.. ينظر عبر النافذة.. يحدق في البعيد ولا يرى شيئاً من تفاصيل ما يقع نظره عليه، بشوارع لا تزال ضيقة، تزدحم أرصفتها بالمارة، فتضيق بهم، ينطلق بعضهم عبر الشوارع، في فوضى تزيد من زحمة السير، فجأة توقفت الحافلة، اشرأبت الأعناق تستطلع الأمر، لحظات، عاد إلى شروده، وقد اطمأن إلى أن الأمر لا يعدو ازدحام الشوارع بالسيارات والمارة، عاد زيد إلى حاله، يحدق في الشارع المزدحم بالناس.. ترتسم على وجوههم علامات لم يلتفت إليها من قبل، ولم يلحظها، كانت وجوههم متجهمة، عيونهم شاخصة، ونظراتهم شاردة، يهرولون كأنما يهربون من شيء ما.. الناس في الزحمة يشبهون موج البحر.. موجة تسرع، كأنما تهرب من موجة أخرى تهرول مسرعة خلفها، ثم لا تلبث أن تتوحد معها، تصل إلى الشاطئ وقد أعياها السفر، تضعف فتستلقي على الشاطئ، أو تضرب نفسها بصخور تتشبث ببعضها، تنكسر، ترتد وتتناثر في المكان، ليبتلعها رمل الشاطئ، تذوب في مياه البحر من جديد، فيما تتناثر الصخور، وقد انغرست أطرافها في الرمل، تحاول الفكاك من قبضته، لكنه يطبق عليها، ويمنعها من الانسياب نحو البحر.. الناس مثل موج البحر.. بعضهم كالصخر، يدور حول ذاته، ويراوح في ذات المكان، يدغدغه الرمل حين يعجز عن ابتلاعه وتنزلق حبات الرمل، فتتشكل على طول الشاطئ نتوء تبدو من بعيد كأنها مخابئ القنفذ في مطلع الربيع..

أفاق من شروده على اتساع الشارع وانسياب الحافلة، وقد اختفى المارة أو كادوا، حتى أنَّ أشكالهم تغيرت، فتبدلت ملابسهم، فيما اختفت البنايات العالية أو تقلصت طبقاتها، وتناثرت في مساحات خضراء راحت تتسع شيئاً فشيئاً، وقد بدأت تنتصب على حافة الطريق إشارات المرور، وإعلانات تجارية، استوقفته يافطة تشير إلى اتجاه الطريق نحو الإسماعيلية، فيما بدت من بعيد، جموع الفلاحين منكبّين على الأرض يعزقونها، وقد لفوّا جلاليبهم على خاصراتهم، تمهل السائق، حين فاجأه حمار هائم وسط الطريق السريع، يتبعه ثور هائج، فيما وقف فلاح يلّوح لهما بعصا من بعيد، توقفت الحافلة تماماً، خلف طابور من السيارات، وكأنما المشهد راق للثور والحمار، فتسمّرا وسط الطريق، ما دفع أحدهم إلى مخاطبة الفلاح لأخذهما بعيداً عن الطريق، لحظات، تعطلت حركة السير، وعلا صياح سائقي السيارات، كأنما أدركا عاقبة فعلتهما، تقدما ببطء شديد نحو طرف الشارع، فيما انطلقت السيارات وسط هرج ومرج الركاب، وتدافع عدد من الفلاحين من الحقول القريبة لتقديم العون، أو حباً في الاستطلاع والتفرج على ركاب الحافلات المتوقفة، يعرف زيد هذه النظرات ويقرأها جيداً، إنها مزيج من الحسرة، والإحساس بالغبن، بل إنَّ بعضها يرقى إلى الحقد والكراهية، إنه السفر، الذي يحلم به كل واحد منهم، إلى أين ؟! لا يهم، المهم أن يغادروا هذا المكان، يحبون وطنهم، لكنها لقمة العيش، التي تستعصي عليهم، وبالكاد يحصلون عليها، لم أر أحداً يحب أرضه مثل هؤلاء، يحبّون السفر والترحال، لكنهم يتعلقون بأرضهم، فيعودون إليها.. وقد غيرّوا جلاليبهم، وتبدّلت مظاهرهم .

- لكنهم أول من يهب للدفاع عن الوطن، إذا ما تعرض للخطر.. انتصب أمامه طيف صديقه سالم، الذي انقطعت أخباره منذ سنوات، منذ أبعدوه عن فلسطين إلى لبنان، قبل اثنتي عشرة سنة، خمسة عشر عاماً في السجن، لم تبدّله العذابات التي عاشها، ولم تفتّ من عزيمته..

- أه يا سالم، كم اشتقت إليك، أوغلت في السفر والرحيل، وكدت أضيع في مدن الشتات والغربة، لكنك لم تغب عن بالي، وطيفك ما فارقني.. ربما كان زادي في سفري القصري الطويل، سالم، يا صديقي العزيز، ها أنا عائد إليك ولا بد أن ألتقيك، فانتظرني.. أنت معلمي، الذي علمني محبة الوطن، أنت من وقف إلى جانبي، وجعلني أنهض من جديد، تعلمت منك الكثير، وعلى يديك أحببت الحياة وأقبلت عليها بشغف كبير وتعلّقت بأسبابها، سألت عنك، أقسم أني حاولت الاتصال بك، لكني لم أعثر على أحد يدلني على عنوانك، أو يطمئنني عليك، أنا قادم يا سالم، فلا تغضب عليَّ، أعرف أنك ما زلت هناك، لم تبرح مكانك، ما زال صوتك يرنّ في أذنيّ.. نحن الفقراء، أشد تعلّقاً بوطننا، كنت تغضب مني حين أقول لك.. وطنك حيث تجد سعادتك.. يومها سألتني وما هي سعادتك؟! قلت لك .. راحة البال يا سالم.. راحة البال..

- أنت ما زلت تكذب، حتى على نفسك، عند احتلال القدس ورام الله وأريحا.. ما الذي دفعك إلى العودة، والتسلل عبر نهر الأردن إلى العوجا ثم أريحا ورام الله..؟!.. كنت في بيروت ألم تتخلَّ عن زينب، حبك الأول، من أجل أريحا ورام الله والقدس..؟!

- أنا لم أكذب، تسللت إلى أريحا، سعياً وراء سعادتي، ولم أتخلَّ عن زينب، فقد رجوتها وتوسلت إليها أن ترافقني إلى أريحا، لكنها رفضت .

- ربما، لكن أريحا لم تكن تعني لزينب شيئاً، فما الذي سيدفعها إلى مرافقتك ؟! كان عليها أن تحرق كل شيء خلفها، وتصحبك إلى المجهول، وتاريخ لا علاقة لها به .

- إنه الماضي الذي يعشش في أعماقي، وتاريخي الذي لا أملك فكاكاً منه .

- أنت أناني..

- ربما..!! ولكني لا أكذب .

ألقى برأسه على كفّه، وأغمض عينيه، عساه يتواصل مع طيفه، كأنما راقه استحضار سالم، فيما انطلقت الحافلة نحو الإسماعيلية، لتعبر صحراء سيناء عبر قناة السويس .

كانت تلك المرة الأولى التي يشاهد فيها التغيرات التي أحدثتها سياسة الانفتاح، حين حدثه بعض الأصدقاء عن الصحراء الممتدة بين القاهرة ومدن قناة السويس والتحولات السريعة التي حدثت في المنطقة بعد اتفاق كامب ديفيد، المساحة الخضراء تمتد عبر الأفق، مزارع نموذجية، تتوسطها بيوت جميلة للأغنياء وطبقة من الناس ذوي جنسيات مختلفة، لم يصدّق يومها ما سمعه من أصدقائه..

أذهله المشهد، فأطلق العنان لعينيه تُقلّب تفاصيل المدى الأخضر، الممتد حتى الأفق، في انسجام لم يشهده من قبل، صرّ عينيه، حين وقع نظره على مجموعة من الفلاحين، بجلاليبهم المعهودة، وسراويلهم الطويلة، بعضهم يحمل في يده قفطاناً وآخرون معازق ومجارف في طريقهم إلى مزارع ليست لهم، وربما كانت لهم ذات يوم، تذكر صديقه سالم مرة أخرى..

سالم الذي أنقذه يوم تسلل من الكرامة إلى العوجا، وكاد يقع في قبضة الدورية الإسرائيلية، لولا تحذيره ودعوته له بالدخول والاختباء في مزرعة الموز التي كانت لوالده ذات يوم، وأهداها لمأمور الطابو في القدس، حيث استأجرها منه على سبيل المزارعة، كان يعتقد أنه بذلك يتقرّب منه...فلاح بسيط، ورث بعض المزارع والأراضي عن والده، مثل كثير من الفلاحين، لم يقدم له شيئاً، لكنه كان قانعاً باستقباله له في بيته الكبير في القدس، وقد أوهمه بصداقته له فكان يحمل له الفواكه والخضار، واللبن والجبن والعسل ويفاخر بذلك.. ويعود في كل مرة ليقضي الساعات يتحدث في مجالسه عن زيارته لصديقه ابن العائلة المقدسية الكبيرة، حين سألته ذات مساء ..

- وماذا قدَّم لك صديقك المقدسي ؟

أجابني غاضباً..

- استقبلني في بيته..

وأضاف..

- وجلس معي أكثر من ساعة..

الصفحات