أنت هنا

قراءة كتاب بطعم الجمر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بطعم الجمر

بطعم الجمر

كتاب " بطعم الجمر " ، تأليف أسعد الأسعد ، والذي صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة ا

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 6

كانت الشمس تهرب مسرعة نحو الغرب، فيما ذيولها تتسلل عبر أوراق شجرة الجميّز التي تتوسط ساحة المسجد، جال ببصره أرجاء الساحة المكتظة بالناس تقدم نحو الجدار، وقد وقع نظره على مكان بالكاد يتسع له، ألقى بجسده المنهك على الأرض، أحسَّ برغبة في إغفاءةٍ لم يقوَ على مقاومتها، فيما أسند رأسه إلى الجدار، وأغمض عينيه المثقلتين بالنعاس، لكن المشهد لا يفارقه، سحب جسده، فيما راح يدفع حقيبته الصغيرة يسند بها رأسه المتعب، ضمَّ يديه إلى صدره واستلقى على جانبه محاولاً استعادة صفاء ذاكرته المبعثرة، كأنها بقايا أوراق تختلط حروفها، فلا يعود يفهم شيئاً منها، أطبق عينيه وقد غلبه النعاس، لا تزال أسراب النحل تطنُّ في أذنيه، وتضغط على دماغه.. لكن ابنه سالم الصغير، لفَّ ذراعه على رقبتهِ، ضمه إلى صدره، وهو يسأله عن أمّه رباب .

سالم الصغير لم يعد صغيراً يا زيد، ابنك أصبح شاباً، يدرس في جامعة بيرزيت، أعرف أنك لم تره منذ خمس سنوات، والصورة التي تحملها له في محفظتك، تعود للأيام الأولى من الانتفاضة، ابنك يا زيد أصبح رجلاً، وهو يشبهك كثيراً، حتى في طباعهِ، كبر سالم قبل أوانه، وقد كان رجل البيت أثناء غيابك يا زيد... أما شقيقتك ميسون فلم تنقطع زياراتها لنا بعد أن تزوجت ورحلت مع زوجها إلى الخليل حيث تقيم معه هناك .

- آه يا زيد.. خمس سنوات لم أرك فيها، منعوني وسالم من مغادرة الضفة الغربية، أتذكر، كان الهاتف وسيلتنا الوحيدة للتواصل، ولم يكن يشفي غليلنا، إذ لم نكن نتحدث طويلاً.. وليس لدينا ما يغطي تكاليف المكالمات الدولية.. فالدكّان بالكاد يكفي لعائلة أخيك زياد، رغم أنه لم يبخل علينا بشيء وكان سخياً معنا..

أفاق على أصوات وجلبة.. نهض مذعوراً.. لكنه ما لبث أن استعاد هدوءه بعد أن سمع المؤذن ينادي لصلاة الفجر، فيما تسابق العديد من الناس إلى المتوضأ، استعداداً للصلاة..

همَّ بالنهوض، لكن بعض جسده لم يساعده على ذلك، فتمطى قليلاً، محاولاً لمَّ جسده المتصدّع، وعظامه التي أحس بها وقد انتقلت من مكانها.. تحامل على نفسه، ووقف محاولاً إعادتها إلى حيث كانت، حاول التقدم نحو المتوضأ، لكنه تراجع حين وقع نظره على ازدحام المكان بالراغبين في التوضأ أو غسل وجوههم، بحث عن طريق يسلكها للابتعاد عن الازدحام، تسلل بصعوبة، وقد عرف غايته، حمد الله وهو يتحسس حقيبته الصغيرة ويتأكد من سلامتها، رغم أنه يدرك أن لا شيء فيها يستحق الخوف عليها من السرقة، ولا حتى من العبث في محتوياتها، إذ انها لم تكن تحوي غير ما يكفيه من ملابس خفيفة تكفيه لأسبوع ليس أكثر.. فهو على عادته، يكره حقائب السفر، كان يقول لزوجته رباب..

- أنا لست ذاهباً إلى صحراء.. سأشتري ما أحتاج إليه حيثما حللت .

تنفس الصعداء حين أدرك أنَّه أصبح خارج ساحة المسجد، وقف يتلمّس طريقه، تقدم من صبيّ يجر عربة صغيرة، يحمل فيها بعض زجاجات الماء، وأنواع مختلفة من المشروبات الخفيفة، مدّ يده إلى زجاجة ماء، نقد الصبي ما تيسر، فتح الزجاجة، شرب ما استطاع منها، وغسل وجهه بما تبقى.. كاد يواصل سيره.. لكنه وقد أحسَّ برغبة شديدة في فنجان قهوة، وإذا كان ذلك صعباً، فلا بأس بالشاي..

عاد إلى الصبي وسأله إن كان ذلك ممكناً.. هش للصبي وهو يشير بيده إلى مكان قريب يمكنه أن يجد فيه ما يسعى إليه.. شكره وهو يسرع نحو المكان عله يجد ضالته..

العريشة، المقهى، على بعد دقائق من عربة الصبي، اقترب زيد من جمهرة من الناس، بعضهم كان محظوظاً فوجد كرسياً من القش، مثل تلك التي لا يزال يذكرها، تمتد على الرصيف المحاذي لمستنبت أريحا، على الطريق إلى مدرسة هشام بن عبد الملك، ومدرسة بنات أريحا، حيث كان وأصدقاؤه يتسابقون لاحتلالها قبيل موعد مرور صديقاتهم طالبات مدرسة البنات، وبعضهم لم يجد ما يجلس عليه، افترش الأرض حين أدرك بأن ذلك هو المقهى الذي ينشده، حيث كان الجميع يحملون بأيديهم كاسات بلاستيكية، أشار بيده لصبي يدور بين الناس، يحمل بيده وعاء لحمل فناجين الشاي والقهوة، واصل الصبي دورانه دون أن يسأله عن طلبه..

- واحد شاي..

نادى بها، وكأنها مطلع أغنية طويلة..

تذكر النداء ذاته، في معظم المقاهي التي تردد عليها في أريحا، ورام الله والقدس..، إنها ثقافة المقاهي الشعبية وطقوسها، تتشابه معالمها وكذلك سلوك العاملين فيها..

لحظات، حضر الصبي ذاته، وراح يوزع الشاي على طالبيه..

- أريد فنجان قهوة .

- سيكلفك ذلك ضعف ثمن الشاي .

- سأدفع لك ما تطلبه.. أدفع ثلاثة أضعاف .

تحسس جيبه، نقد الصبي خمسة جنيهات .

- تلكأ الصبي وهو يتظاهر بالبحث عن فكّة يعيدها لزيد..

- لا أريد شيئاً.. احتفظ بالباقي فهو لك شرط أن تسرع في إحضار القهوة..

دسّ الصبي الجنيهات في جيبه وانطلق نحو العريشة.. لحظات.. عاد حاملاً فنجان القهوة.. راح زيد يرشفه بشغف شديد.. كاد يبصقه، لكنه أدرك أن عليه تعوّد ذلك، إذ ربما كان بانتظار ما هو أسوأ من ذلك.. مدَّ يده إلى جيبه، أخرج محارم الجيب التي كان اشتراها من الصبي على كورنيش النيل ليل البارحة، جمع حثالة القهوة في فمه وألقى بها في المحرمة، تفقد المكان قبل أن يغادره محاولاً الاقتراب من المعبر، واستشراف أحواله.. آلآف المنتظرين قرب بوابة العبور، وأعداد كبيرة لا تزال تتدفق دون جدوى، فالمعبر لا يزال مغلقاً أمام العابرين.. وجنود الاحتلال ما زالوا يلوّحون بأسلحتهم في وجوه المتدافعين.. ويسمع بين الحين والآخر.. طلقات طائشة، لكن أحداً لا يهتم.. توقف زيد، حين أدرك استحالة تقدمه وسط الفوضى العارمة، التي تعم المكان، وقف زيد مذهولاً، وقد أصابه إحباط شديد، وشعور باليأس والعجز عن فعل شيء، أي شيء يحمله عبر هذه البوابة المغلقة، ويلقي به بعيداً خلف هذا الحاجز الحقير الذي يحول بينه وبين الدخول إلى فلسطين.. حدّق في الناس يحيطون به من كل جانب.. وحالهم لا تقل بؤساً عن حاله.. لا شك في أن أحلامهم تتقاطع هنا، وتمنياتهم ليس أكثر من عبور هذه البوابة إلى الوطن..

حدَّق في الجموع المتدافعة أمام البوابة، أحسّ بمرارة شديدة، وانتصبت أمامه طوابير الإذلال أمام حواجز الاحتلال، قبل أن يبعدوه إلى لبنان.. هز رأسه.. وهو يحدث نفسه..

-آهٍ على وطن نعبر إليه مثلما يعبر الآخرون إلى أوطانهم.. آه أيها الوطن المحاصر.. لماذا جعلتنا نحبك! لهذا الحد، ونقبل بكل هذا الذل والعذاب من أجل أن نعبر إليك ؟!، أما كان بالإمكان أن نختار وطناً آخر.. أقل جمالاً لكنه أكثر أمناً وسلاماً ؟! وطناً ليس فيه معابر، والطريق إليه سالك وإن بصعوبة.. لم يسألك أحد، أعرف ذلك.. لكنك تشبثت بحلمك، قابضاً على جمره.. لم يأتِ إليك، لكنك سعيت إليه، وكنت ستعطيه حياتك من أجل أن تبقى فيه، بل كم مرة كدت أن تموت، وأنت تحاول التسلل إليه.. أي وطن هذا وأي حب؟!!..

قرر الابتعاد عن المكان، وقد أدرك أن لا فائدة من الوقوف أمام البوابة.. انتهز فرصة تراجع المتدافعين عند سماع زخّات من الرصاص أطلقها جنود الاحتلال، فيما وقف عدد من الجنود المصريين محاولين إقناع الجمهور بالابتعاد عن البوابة.. انسلَّ زيد خارج الحشد المطبق عليه من كل جانب.. تنفس الصعداء حين وجد نفسه بعيداً.. وراح يبحث عن مكان يستظل به.. وقد بدأت الشمس ترتفع وسط السماء..

كان عليه أن يبحث عن مكان جديد، إذ إن مكانه في المسجد، ربما سبقه إليه أحدهم حال مغادرته له..

هام على وجهه لا يدري وجهته، وكل ما كان يسعى إليه، الابتعاد عن المكان، والاختلاء بنفسه، لعله يجد ما يُبعد عنه هذا المشهد..

فكر بالعودة إلى القاهرة، ونسيان أمر العبور إلى غزة.. أو ربما العودة في وقت لاحق.. واصل ابتعاده عن المكان، لولا صوت ناداه باسمه.. التفت إلى المنادي.. كان رمزي يشير إليه بالتوقف، هرول نحوه، كطفل وجد ضالته..

- أين أنت يا رجل ؟!

- أين أنا؟! أين أنت، كلانا ضاع في الزحمة، لم يكن من السهل أن يلتقي أحدنا الآخر وسط هذا الزحام..

- يبدو أن عبورنا لن يكون سهلاً..

- بلغني أن علينا الانتظار، ربما أسبوعاً قبل أن يسمحو لنا بالعبور..

- أسبوع؟!. وأين سنقضي هذا الأسبوع ؟!

- ربما نعود إلى القاهرة..

- وماذا سنفعل في القاهرة ؟!

- ماذا سنفعل هنا ؟!

- على الأقل.. نحن هنا أقرب إلى غزة..

- قدّام عينيّ، وبعيد عليَّ.. رحم الله فريد الأطرش..

- ياه.. ألا تزال تحبه..

- كنت أحب الاستماع إلى أغانيه أيام الشباب..

- المهم.. ماذا سنفعل الآن ؟!

مهم جداً.. أن أجد مكاناً أستحم فيه.. وأبدّل ثيابي..

- اسمع.. تعال معي حيث أمضيت ليل البارحة في بيت قريب، حوّله صاحبه إلى نزل.. وفيه حمام مشترك.

- وبكم أجرة الغرفة ؟

- أجرة الغرفة ؟!.. قل أجرة السرير..

- أجرة السرير خمسون جنيهاً..

- مع القمل أم بدونه؟!..

ضحك الاثنان وواصلا سيرهما باتجاه النزل .

غير بعيد عن مقهى العريشة، وسط رمال تمتد جنوباً، وغرف متلاصقة، بدت من بعيد كأنها مدرسة، اقتربا من البيت، دخلا فناءه عبر بوابة من ألواح خشبية ثبتت بصفائح قديمة من زينكو وتنك يكاد يأكله الصدأ، ولعلَّ ذلك ما يفسّر بقاءها مشرعة خوف تهالكها وانهيارها إذا ما كثر استعمالها، التفَّ بعض النزلاء حول شجرة دوم كبيرة، يكاد ظلها يغطي ساحة البيت، طرحا السلام وواصل رمزي طريقه يتبعه زيد، نحو زاوية البيت، الذي بدا كأنه غرفة الإدارة، أو حارس النزل، بعد محادثة قصيرة، أخرج زيد من جيبه خمسين جنيهاً، نقدها للرجل.. الذي أشار بيده إلى الغرفة لكن رمزي طلب إليه أن يكون زيد معه في ذات الغرفة، التفت الرجل إلى رمزي، وقد همَّ بالتعليق، لكنه تراجع عن ذلك، ملتفتاً إلى زيد..

- لا تترك شيئاً ثميناً في الغرفة، نحن غير مسؤولين عن ضياع أو سرقة أي شيء..

ابتسم زيد، نظر إلى الرجل، كأنما يبوح له بسر .

- ليس لديَّ ما يستحق السرقة..

- ما علينا إلا البلاغ..

- شكراً لك.. سلام عليكم .

الصفحات