أنت هنا

قراءة كتاب بطعم الجمر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بطعم الجمر

بطعم الجمر

كتاب " بطعم الجمر " ، تأليف أسعد الأسعد ، والذي صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة ا

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 10

توجه نحو النافذة.. كأنما أراد أن يتفقد المكان.. ويتعرف على موقعه.. كان الهدوء يخيم على الحي.. فالبناية في نهاية شارع فرعي.. لا يقصدها في أغلب الأحيان إلا ساكنوها.. وزوارهم القلائل.. وقد شغلت الشقق عائلات العائدين حديثاً إلى غزة..

لم تتغير غزة كثيراً، شوارعها لا تزال ترابية، والشوارع الرئيسة المعبدة، لا تزال كما رآها آخر مرة، قبل خمسة عشر عاماً، قرر مغادرة الشقة، لكنه تردد حين أدرك أنه لا يملك مفتاحاً لها، جلس قرب النافذة، مد بصره نحو الغرب حيث يمكنه رؤية البحر يطل بزرقته من بين أبراج وبنايات بدأت تحجب البحر عن أهل غزة، أحس بارتياح شديد حين دخل أحدهم، كان الشاب الذي رافقه وزملاؤه إلى الشقة، يدخل حاملاً في يديه بعض الأكياس البلاستيكية، تبين له أنها ساندويشات..

- أهلاً وسهلاً..

- أنا اسمي خليل،

- وأنا اسمي زيد.. قال معرّفاً بنفسه، وواصل حديثه..

- أشكرك على ذلك.. لكني لا أريد سوى المفتاح، أريد أن أذهب إلى الشاطئ..

- أتريدني أن أرافقك ؟..

- ..إذا رغبت بذلك ,,, لكني أعرف المكان.. وأستطيع التجول راجلاً.. والعودة إلى الشقة..

- كما تريد.. هاك مفتاح الشقة..

أخذ المفتاح ودلف مغادراً، رغم البنايات العالية لا تزال الشوارع مثلما كانت قبل خمس عشرة سنة، كأن الزمن توقف عند شاطئ غزة ولم يدخل إلى حواريها، الشوارع ترابية شقتها عربات تجرها البغال، والكثير منها لا تزال تجرها الحمير الهرمة، تعترض طريقها سيارات فرنسية من نوع بيجو مضى على صنعها أكثر من ربع قرن.. وأظن أن المصنع توقف عن إنتاجها منذ زمن بعيد، وربما لا يوجد مثلها في أي بلد في العالم.. وصل إلى شارع الثلاثين، أنه ذات الشارع الذي مر به قبل سنوات طويلة، الدكاكين ذاتها، ومحلات البقالة لا تزال تمتد على جانبيه، لم تتبدّل، ولم يطرأ عليها أي تغيير، حتى أن كثيراً من أشجار الزينة التي كانت تتوسطه، ذبلت، فأضفت عليه بعداً آخر ينسجم وواقع الحال..

مثل سائح كان ذات يوم هنا.. واصل زيد طريقه التي يعرفها منذ كان هنا قبل خمس عشرة سنة، يتوقف قبل أن يواصل سيره، كأنما يتأكد من المشهد الذي لا يزال مرسوماً في ذاكرته...هنا الجامعة الإسلامية، ثم جامعة الأزهر.. تبدو زرقة البحر من بعيد، وهناك على يمينه دار الحاكم المصري، قبل احتلال القطاع وتحويل الدار إلى معسكر للجيش الإسرائيلي، وبعد ذلك إلى معسكر اعتقال انتشرت في أرجائه الخيام التي امتلأت ذات يوم بالآلاف من شباب غزة، حتى أطلق عليه أنصار2، أما أنصار1 فقد أقامه الإسرائيليون وسط صحراء النقب، وكان من أسوأ المعتقلات خلال الانتفاضة الكبرى..

واصل سيره نحو الغرب، يتوقف بين الحين والآخر يدور بنظره، يتفقد المكان، كأنما يستعيد ذاكرته، وحين يدرك أن كل ما كان هنا ذات يوم، لا يزال مثلما غادره قبل سنوات، بدأت رائحة البحر تداهمه، تسلل الأزرق من بعيد عبر بنايات لم يتعرف إليها بعد، ها هو يعبر شارع البحر، توقف قبالة مطعم أبو حصيرة، كادت إحدى السيارات تدهمه وهو يحاول الانتقال إلى الرصيف الغربي، اقترب من فندق ومطعم أبو هويدي فعرف أنه يقترب من مطعم غزة... لكنه توقف وقد اختلط الأمر عليه... شيء ما تغير هنا.. اقترب من رجل كان يقف بالجوار وسأله!.

- أليس مطعم غزة في هذا المكان ؟!

ابتسم الرجل، وأجابه..

- بلى.. كان هنا، لكنه لم يعد قائماً..

نظر إليه زيد.. كأنما يطلب إليه المزيد.. واصل الرجل حديثه.. وقد أدرك الأمر..

- توفي أبو زكي صاحب المطعم قبل سنوات، فلم يعد هناك من يعتني بالمطعم وكما ترى فإن أصحاب الأرض يمهدونها لبناء مطعم جديد،

واصل زيد سيره، شارد الذهن، فقد سمع عن وفاة أبو زكي، لكنه لم يعرف بأمر المطعم، أفاق على يد تهزه..

- كنت أعرف أنني سألقاك هنا، قرب مطعم غزة، تعال، تعال قبل أن تضيع مني ثانية .

- انتظرتك في المعبر، وحين أدركت أنني أضعتك هناك، كنت واثقاً من أنني سأجدك هنا.. كم آلمني إغلاق مطعم غزة.. فقد كان جزءاً من ذاكرة لا أريد لها أن تنمحي..

- تعال نشرب قهوتنا في فندق آدم حيث أقيم مع عدد كبير من العائدين ثم نبحث عن مكان نأكل فيه السمك..

دخلا إلى الفندق الذي أُقيم حديثاً، وكأن صاحبه كان يعلم بتغير الحال، فقد انتهى من تجهيزه قبل التوقيع على اتفاق أوسلو بقليل.. تبادلا الحديث مع بعض الحاضرين قبل أن يغادرا، وقد ضاق المكان بالحاضرين، تطوع أحدهم لمرافقتهم إلى مكان يعرفه، ليس بعيداً عن فندق آدم.. استوقف ثلاث سيارات وطلب من السائقين أن يقلوهم إلى مكان قريب من مخيم الشاطئ.. حيث أقام أبو علي عريشة متواضعة، وقد امتلك قارباً صغيراً.. يبحر فيه إلى عرض البحر.. يصطاد ما تيسر من السمك، يساعده ابنه علي في انجاز الأمر.. مطعم غاية في البساطة، لكنه غاية في الجمال.. وليس هناك من يقدم أشهى من أسماكه.. مشوياً ومقلياً .

اقترب زيد من رمزي وقد تذكرّ أن عليه الاتصال برباب في رام الله، فقد مضى يومان على دخوله غزة ولم يبلغهما بوصوله .

- اشتقت لسالم الصغير .

- سالم وللا أُم سالم ؟!

- أتعرف يا رمزي، لا أدري ماذا أقول، لكن أشياء كثيرة تغيرّت، ولا أدري إن كنت زيداً الذي كان هنا ذات يوم، السجن، الإبعاد، المنفى، تبدّل الأصدقاء ألم تسمع فيروز تغني.. كبرت في الخارج.. كونت أهلاً آخرين ثم أخيراً العودة على هذا النحو.. كل ذلك وما تخلله، يدفعني إلى الجنون أحياناً، هل تعتقد أن من السهل الاحتفاظ بتوازنك في ظل ما مر بنا.. العمر قصير، بل قصير جداً، ولكني أحس بأن ما مررنا به خلال عقدين يكفي لأجيال .

- دعنا من كوابيسك، وتعال نغادر إلى مطعم أبو علي..

أشار رمزي إلى مرافقهم بالانطلاق .

انطلقت السيارات عبر طرق وعرة، ما دفع السائقين إلى الحذر وتجنب الوقوع في الحفر المنتشرة على طول الطريق فيما راح مرافقهم يعرّفهم بالأماكن التي يمرون بها، هذا مخيم الشاطئ كما كان منذ عشرين عاماً، لا شيء تغيّر، حتى الحفرة التي تصب فيها مجاري المخيم، لا تزال على حالها والحجارة والطوب المنتشر على أسطح البيوت لتثبيت ألواح الصفيح التي تغطي الأسطح، فيما انتشرت هوائيات التلفزيون على مد النظر، اتخذت سيارات الأجرة طريقاً جانبياً، فيما خرج بعض الصبية يراقبون المشهد، وكأنهم عرفوا بأن غرباء يدخلون مخيمهم، بينما السيارات تقترب من تلة ليست بعيدة عن المخيم، تشرف على البحر.. كان الرجل بانتظارهم.. وقد تعرّف على مرافقهم الذي ترجّل من السيارة التي وصلت أولاً.. صافحهم أبو علي مرحباً.. ودعاهم إلى العريشة .

كان زيد لا يزال مشدوداً إلى مشهد البحر، وكأنه غير مصدق بأنه على شاطئ غزة .

- سننتظر قليلاً إلى أن يبتعد الدبّور عن المنطقة !.. قال أبو علي مخاطباً ضيوفه.. فيما راح مرافقهم يشرح لهم ما يعنيه أبو علي :

- الدبور.. قارب خفر السواحل الإسرائيلي الذي يجوب مياه غزة.. ويمنع الصيادين من النزول إلى البحر.. فينتهز الصيادون فرصة ابتعاده جنوباً، يستغرق غيابه ساعة واحدة، ويطلق عليه الصيادون هنا الدبور..

لقد ابتعد، وعليَّ النزول إلى البحر لعليّ أصطاد لكم ما يكفي من السمك..

هرول أبو علي نحو قاربه الصغير، دفعه إلى الماء وقفز إليه محاولاً بمجذافه المحافظة على توازنه، وقف زيد مستنداً إلى العريشة، محدقاً في القارب الصغير تتقاذفه الأمواج.. توقف غير بعيد عن الشاطئ، لم يأبه زيد بدعوة الأصدقاء للانضمام إليهم.. فقد شده المنظر.. وربما انتابته مشاعر القلق والخوف.. فربما يفقد أبو علي حياته.. من أجل بعض السمك.. ينقّل بصره بين القارب الدبور الذي غيبّه البحر، فلم يعد يراه..

كان الشاطئ ممتداً إلى الجنوب.. وقد بدت بعض البنايات العالية ترتفع على جانبه.. فتفسد براءته التي كان يحبها.. يبدو شاطئ الشيخ عجلين من بعيد.. يندفع ماء البحر نحو "المواصي" التي امتدت بساتينها حتى لامست أطراف دير البلح.. لا يزال طعم عنب الشيخ عجلين في فمه، وقد ظل يتغنى به أينما حل وحيثما جلس... إذ لم يذق عنباً أطيب من ذاك الذي كان يأتيه مع كل قادم من غزة إلى رام الله..

أفاق من شروده على صوت علي ينادي والده ويحثه على العودة والإسراع في الخروج من البحر... نظر زيد إلى الجنوب... كان الدبور في طريقه إلى الشمال... أحس بالقلق على الرجل... أشار بيده وقد عجز عن فعل أي شيء آخر... بدا عليه القلق... انطلقت رصاصات من بعيد.. انضم الجميع إلى زيد وعلي يصرخون طالبين من الرجل العودة إلى الشاطئ... فيما القارب لا يتحرك...

- هناك شيء ما حدث لوالدي.. ليس من عادته أن يفعل ذلك..

قال علي والخوف بادٍ عليه.. انطلق نحو الشاطئ.. غير مبالٍ بنداءات انطلقت ترجوه أن يعود خوف أن يعرض نفسه للخطر..

كان الدّبور يقترب أكثر فأكثر.. فيما أبو علي لا يزال عالقاً في عرض البحر..

كان صوت الرصاص يقترب .

- من الأفضل أن نختبئ خلف العريشة..

قال مرافقهم وهو يشير إليهم بيده..

ألقى عليّ بنفسه في مياه البحر.. وراح يسبح باتجاه والده..

- ها هو قادم.. انظروا ها هو علي يصعد إلى القارب ويأخذ المجذاف من والده..

قال مرافقهم..

- يبدو أنه أصيب..

قال زيد وقد رأى الرجل يلقي بنفسه في قاع القارب فيما كان عليّ يجدّف مسرعاً نحو الشاطئ..

- هرول بعضهم نحو علي ووالده..

سحبوا القارب إلى الشاطئ، وساعدوا الرجل في الوصول إلى العريشة، فيما كان كتفه ينزف دماً..

- استدعوا سيارة الإسعاف .

- الإصابة طفيفة، فلنأخذه في سيارة عادية إذ لا داعي للانتظار .

تدافع الناس، فيما كان أحدهم يفتح باب السيارة، ويشير إلى أحدهم لمساعدته في دفع أبو علي إلى المقعد الخلفي، جلس علي إلى جوار والده، فيما جلس زيد في المقعد الأمامي طالباً إلى السائق الانطلاق نحو المشفى .

- لنذهب إلى أقرب مشفى..

- ليس لنا سوى مشفى الشفاء..

- حسن، أسرع من فضلك..

نظر زيد إلى علي وهو يشد والده إليه، ويضمه إلى صدره.. فيما لم يرفع أبو علي نظره عن وجه ابنه.. يحاول أن يقول شيئاً.. لكنَّ علي يشير إليه أن يصمت .

- لا شيء يدعو للخوف، الجرح طفيف... سوف تنجو... بانتظارك الكثير، لا بد أن تراه... ثم إنك ستتركني أُعيل طابور خلفتك لوحدي...؟!

ابتسم أبو علي وهو يصغي لولده.. ولم يستطع حبس بعض حبات من الدمع تساقطت، مسحها علي بظاهر يده، وضم رأس والده إلى صدره، وهو يقول..

- ..لا بأس عليك.. ها نحن وصلنا..

كان زيد ينظر إلى علي، يحدق به، بيديه اللتين تهدهدان والده، بعينيه المعلقتين بوجهه وقد أدهشه سلوك الصبي، وردة فعله إزاء ما حدث لوالده، لهدوئه الذي لم يتوقعه من صبي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، تعامل مع الأمر كأنما تعود على ذلك.. ما أن وصلت السيارة إلى باب المستشفى، حتى أسرع نحو غرفة الطوارئ، أحضر نقالة، طالباً من زيد والسائق مساعدته على رفع والده إلى النقالة، وانطلق مسرعاً نحو غرفة الطوارئ، تبعه زيد لكن أحد الأطباء طلب إليه الانتظار خارج الغرفة، تقدم علي من الطبيب وقد رآه يطلب من زيد الانتظار خارج الغرفة.. تحدث إليه قليلاً.. عاد الطبيب إلى زيد مشيراً إليه بالدخول.. تقدم زيد فيما كان أحد الأطباء منهمكاً في تشخيص حاله والكشف عليه، نظر إلى علي كأنما يسأله عن سر تغيير الطبيب لرأيه..

- أبداً.. قلت له إنك عمّي..

ابتسم زيد.. وحرص على ألا يراه الطبيب فيشك في الأمر..

يبدو أن "الدبور" أصاب عدداً من الصيادين، فقد كانت غرفة الطوارئ على اتساعها تعج بالمصابين، والفوضى تعم المكان،

لم ير زيد ذلك المشهد من قبل، جرحى ومرضى، أطباء وممرضون يتراكضون، وجلبة أحدثها ذوو الجرحى، كلّ يسعى إلى الاطمئنان على أحد المصابين، ربما كان أخاه أو قريبه أو ربما أحد جيرانه أو أحد أصدقائه .

- كان المستشفى أكثر ازدحاماً قبل أسابيع.. قال علي، وقد لاحظ انبهار زيد بالمشهد..

اقترب علي من زيد، حين لم يجبه، فقد بدا زيد شارد الفكر زائغ النظر.. وقد أخذه المشهد بعيداً..

...أظن أنَّ أحد المصابين توفي.. إني أعرفه، إنه ياسر، ابن مخيمنا.. مخيم الشاطئ.. يأتي كل يوم إلى البحر.. محاولاً اصطياد بعض السمك ما أمكنه ذلك.. لكنهم يطلقون النار عليه ويمنعونه من نزول البحر.. يبدو أنَّ أولاد الحرام أصابوه هذه المرة.. يحاصروننا حتى من البحر.. إياك أن تصدقهّم، إنهم كذابون مخادعون.. لا يريدون السلام.. يريدوننا أن نموت.. أنا أكرههم.. أكرههم..

- هوّن عليك وتعال نسأل عن والدك..

كان الممر مزدحماً، ولا تزال جموع الزائرين يتقاطرون على الممر، ويتجمهرون أمام غرف الطوارئ، لكن علياً شق طريقه، فيما وقف زيد ينظر إليه، وقد غاب وسط الزحمة فلم يعد يراه.. انتحى جانباً، وقد آثر عدم اللحاق به، أو حتى التفكير في المجازفة بذلك، لكن غياب علي لم يطل.. فقد رآه من بعيد، يتقدم والده، مندفعاً نحو باب الطوارئ، طالباً طريقاً لوالده الذي لحق به متكئاً عليه.. لحظات كان أبو علي يخرج من الزحمة.. تقدم زيد من الرجل مهنئاً بسلامته، طالباً إليه الاتكاء عليه، فيما أشار إلى علي الإسراع في إحضار السيارة ونقله إلى البيت..

كان أبو علي محظوظاً، فالرصاصة أصابت كتفه، دون أن تخترقه،،

- أنا آسف يا أستاذ، لكني أعدك بأن أُعوّضها قريباً .

- لا بأس عليك، سنعود ثانية، ولن تفلت منا ثانية..

ضحك الجميع، فيما حاول أبو علي إقناع زيد بأن يذهب معهم إلى مطعم آخر..

- يا رجل، لا تخف علينا، سنتدبر أمرنا.. المهم أنك بخير، لعن الله السمك..

- لعن الله الاحتلال..

- آمين .

ذهب أبو علي بصحبة ابنه علي إلى البيت، فيما عاد زيد إلى أصحابه، الذين انتظروا عودته.. طمأنهم وراحوا يبحثون عن مطعم آخر..

أحس زيد برغبة شديدة بالعودة إلى الشقة حيث يقيم، لم يكن تعباً، لكنه أحس بحاجة إلى الاختلاء بنفسه، استأذن صاحب المطعم باستخدام الهاتف للاتصال برباب وطمأنتها على حاله.. وما أن انتهى حتى استأذنهم على وعد بلقائهم في وقت لاحق..

كاد يخطو نحو الرصيف المقابل عائداً إلى شقته، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة حين خطرت له فكرة السير جنوباً بمحاذاة الشاطئ وقد رأى الشمس تتأهب للمغيب، كلما أوغل في طريقه جنوباً، كانت الطريق أكثر هدوءاً، وان كان الأمر لا يخلو من بعض المتنزهين، وبعض الشبان والصبايا، الهاربين من المتطفلين الذين لا يروقهم صفو العشاق والأحبة، أو حتى الباحثين عن متعة بريئة، الحقول هنا.. لا تزال تنعم بخضرتها، رغم أنَّ المباني بدأت تزحف جنوباً، فتحيل اخضرار الحقول إلى اسمنت ينتشر في الحقول بشكل عشوائي لا علاقة له بالمكان، أحس بحزن عميق، وهو يحدق بأشتال العنب، وقد بدأ العطش يأكلها ويدمرها، بعد أن ضعف أصحابها أمام ارتفاع أسعار الأراضي، فراحوا يقسمونها قطعاً صغيرة، استعداداً لإقامة أبنية عليها..

اقترب من الشاطئ، فيما كان الشفق ينتشر في الأفق يحيط بالشمس وهي تغيب في كومة من اللهب، فينعكس احمرارها على صفحة البحر.. انه بحر غزة، عند شاطئ الشيخ عجلين.. لا يزال المشهد جميلاً رغم التشوهات التي أحدثتها يد الإنسان، يد الاحتلال من جهة، ويد الناس العابرين إلى مدينة يجهلون استحقاقاتها، وما ينتظرهم من جنونها..

جلس على صخرة على مرتفع يطل على البحر، شده مشهد البحر يمتد ويتمطى على امتداد النظر كأنما يستسلم لمداعبة الشمس في آخر خيوطها وهي تنسحب خلف الأفق، لا شيء هنا غير صمت يترنح على رتابة صوت الموج، يضرب بعضه بعضاً، كل موجة تسرع خلف سابقتها، تلتحم بها قبل أن تستلقي على الشاطئ، يحمله المشهد إلى شواطئ ربما ليست بعيدة، في رحيله من شاطئ إلى آخر، ربما كان يبحث عن شاطئه، فلا يجده، شاطئ غزة، ذات الشاطئ في بيروت و الإسكندرية، والعريش، وتونس وغيرها من مدن المتوسط، البحر هنا، ليس ذاته هناك، والشاطئ مختلف أيضاً، لا أحد يصدق ذلك، سينعته أصدقاؤه بالرومانسية، والتعصب لفلسطين، فكل شيء هنا يختلف عن مثيله في أي بلد آخر، هكذا كان يقول وهكذا كان يراه، مختلفاً فعلاً، كل شيء هنا مختلف، وللأشياء طعم آخر، للبحر رائحة لا مثيل لها، وهو الذي حين عيل صبره، وضاقت به السبل، حاول إقناع نفسه بأن وطنه حيثما حل وحيثما وجد أصدقاء، ..وربما أهلاً آخرين.. ليس من السهل أن تفهم هذا التعلّق بالوطن.. لماذا نتعلق بأوطاننا.. أهم الأهل والأصدقاء، أم الأرض التي مشينا عليها وكبرنا في أحضانها، أم البيت الذي ضمنا.. أهو المكان أم الزمان أم هي الذكريات التي نحملها في أعماقنا.. أم كل ذلك.. لا أظن أن أحداً يملك جواباً شافياً ومقنعاً.. لكنه يعود في كل مرة، يغلبه الحنين، معلناً.. لا شيء يعدل الوطن.. كأنما يقطع الطريق على أي إحساس بالاستسلام.. نعم، لا شيء يعدل الوطن..

نهض مغادراً.. وقد أدرك أن الوقت أخذه ساعات عدة .

كانت الطريق إلى المدينة، لا تزال تعجّ بالعديد من المتنزهين أو الباحثين عن شيء ما في داخلهم، أو الراغبين بالاختلاء إلى ذاتهم.. أو لأغراض أخرى كثيرة.. أحس بفرح طفولي وهو ينظر إلى الشاطئ مزدحماً بالزائرين.. أحس براحة وهو يواصل طريقه نحو شقته.. ها هي غزة لا يختلف ليلها عن ليل كثير من المدن.. وإن كان الليل هنا أقل عهراً، من عهر ليل المدن الأخرى.. غزة لا تزال بريئة عذراء لم يمسسها بشر.. أو هكذا رآها في الليلة الأولى .

كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل.. أحس بتعب شديد.. لكنه لا يشعر بالنعاس، دخل إلى المطبخ وقد قرر أن يشرب القهوة..

أخذ فنجان القهوة، واختار زاوية في الشرفة حيث يبدو بحر غزة من بعيد، جلس محدقاً في المشهد الممتد أمامه، زرقة البحر غرقت في ظلمة الليل التي أحالته إلى عتمة مطبقة، لا يكسرها غير أضواء خافتة، ربما كانت منبعثة من "دبور" إسرائيلي، يجوب البحر شمالاً وجنوباً، يحاصر شواطئ غزة، وربما كان ذات الدبور، الذي أطلق النار على قوارب الصيد ظهر ذلك اليوم.. فقتل أحد الصيادين، وجرح آخرين، كان أبو علي واحداً منهم .

الشوارع المحيطة تكاد تخلو من المارة.. والصمت مطبق، لولا صوت الموج يصل إلى مسامعه، كلما ارتطم بالشاطئ.. أو تلاطمت أمواجه.. تبدو مدينة غزة غارقة في نومها، أخذ فنجان القهوة بيده، نهض من مكانه يحدق في المدينة، شوارعها، أضواء بيوتها الخافتة، لا أحد هنا، كلهم غارقون في نومهم، زمَّ شفتيه تعبيراً عن استغرابه من أهل غزة، لديهم هذا البحر الرائع.. ولا يقدرونه ولا يستمتعون به.. بل يؤثرون النوم باكراً، طالما أحب المدن الساحلية، بل وتمنى العيش في إحداها على بحر.. أي بحر.. كان يرى رام الله وقد أصبحت على شاطئ المتوسط، بعد أن تسللت مياهه عبر السهل الساحلي لتغرق المدن والقرى في طريقها نحو رام الله.. وتتوقف هناك عند منحدرات عين مصباح.. الحي الذي أحبه منذ طفولته، ومنذ ذلك اليوم، لا يزال يحلم ببيت صغير.. على شاطئ رام الله.. ولم ينس أبداً أن يحلم بامرأة جميلة.. تعيش معه في ذات المكان.. امرأة أحبها وحملها معه أينما ارتحل .

لازمه الحلم.. ذات الحلم في رحلته الطويلة، لكن رام الله لا تزال تنتشر على جبالها.. يغمرها بحر الظلمات الذي لا يزال يحتلها ويغمرها منذ عشرات السنين، حاملاً إليها الموت والدمار والحقد الذي يحمله جنود الاحتلال، إنهم يغارون منها.. تماماً مثلما تغار تل أبيب من يافا.. رغم الدمار الذي أحدثه المحتلون في أحيائها.. نعم.. المدن تغار من بعضها.. مثلما البشر .

الصفحات