أنت هنا

قراءة كتاب العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث

العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث

كتاب "العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث " ، تأليف د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 7

د- أصول التنظيم الدولي في الشريعة الإسلامية

إن انقسام العالم في نظر المجتهدين إلى دارين: دار إسلام ودار حرب، كما سنبين، ليس تقسيماً تشريعياً قانونياً، وإنما هو تأثر بواقع قائم مؤقت. لذا فإنه خلافاً لما يتصوره بعض رجال القانون الدولي[14] من أن الإسلام لا يعترف بانقسام العالم إلى دول ذات سيادة لكل نظامها القانوني، بحيث لا يخضع أي منها لقواعد أعلى منها إلا إذا قبل أو ارتضى هذه القواعد. ولكن يرمي الإسلام إلى توحيد بني الإنسان في ظل نظام قانوني واحد هو الشريعة الإسلامية.

إنني أقر الشق الثاني من هذا الكلام، وهو أن الإسلام دين ذو نزعة عالمية إنسانية ينشد تحقيق الخير والسعادة والعدالة والحق والحرية لجميع الناس، فالشريعة الإسلامية موجهة للإنسانية جمعاء من دون تمييز بسبب الأصل أو الجنس أو اللغة. وهذا يتفق مع الاتجاه الحديث للعالم نحو العالمية والشمول وتجاوز حدود نظام الدولة الضيق بسبب كثرة الصلات بين الشعوب، وانتشار وسائل الاتصال الفكري من صحف وإذاعة ونحوها، وظهور مرحلة انفتاح الدولة على غيرها وتعاونها جميعاً في كل الأحوال[15].

ولا أُقِرُّ الشق الأول من الكلام السابق: فالإسلام بعد انتشار دعوته في الأرض وتبليغ رسالته للناس جميعاً؛ لا يمانع في الواقع من قيام أمم ودول ذات أنظمة قانونية مختلفة، إذا لزمت الحياد تجاه دعوة الإسلام، أو تعاهدت مع المسلمين على الودّ والسلم، وعدم الاعتداء على ديار المسلمين، أو حرمات شريعتهم، أو دعاة الإسلام.

ولتلك الدولة مطلق الحرية والحق في البقاء على أنظمتها القانونية التي تريدها؛ لأن القرآن اعترف بوجود (العالَمين): {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا *} [الفرقان: 25/1] ، وحرم القرآن على المسلمين اتخاذ (الأيمان) وسيلة فساد وخداع لنقض العهود أو الوقوع في البغي والظلم والفحشاء والمنكر خوفاً من تكاثر الأمم، ومنعاً من تمكين أمة تصبح أربى وأزيد من أمة أخرى، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (*) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (*) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 16/90-92] .

فهذه الآيات وردت على من يفهم الدين على أنه عبادة فقط، أو أنه دين دولة، أو أنه لا يصلح لكل زمان.. فالعدل والحق والإحسان بالمعنى العام، واتحاد القلوب بإعطاء ذوي القربى، والبعد عن الفحشاء والمنكر من جميع الأفراد، والتباعد عن البغي والظلم، والوفاء بالعهد، وعدم نقض المعاهدة المنصوص عليه في الآية التي هي أجمع آية للخير والشر، كل ما ذكر دعائم لإقامة مجتمع إسلامي نظيف، مجتمع كان أمل الفلاسفة والمصلحين[16].

وبناءً عليه لا يمكن لأحد إنكار ما كان للإسلام من دور بالغ الأهمية في التأثير في العلاقات الدولية بدءاً من القرن السابع الميلادي الذي بزغ فيه فجر الإسلام، وانتشر بعدئذ بالمراسلات والمكاتبات التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم[17] لأمراء وملوك العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، واستمر النشاط الإسلامي على يد الأفراد والجماعات إثر الفتوحات في نشر دعوة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، تحمل أصول حضارة الإسلام ذات الطابع الإنساني الرفيع، القائم على هدي وحي السماء لتحقيق الخير والعدل والتزام الأخلاق وإقامة المجتمع الفاضل.

فأثّر كل ذلك في أوربة في عصر الظلام، وتأثر القانون الدولي في مراحله الأولى بحضارة الإسلام، وبخاصة في فترة الحروب الصليبية التي دامت نحو ثلاثة قرون. وكان هذا الأثر ظاهراً جلياً في أنظمة الحروب التي تمت صياغة قوانينها بعد ذلك بقرون في نطاق مبادئ الفروسية، وفي أحكام معاملة الأسرى والجرحى وقواعد دفن القتلى ومنع التمثيل بهم، وفي القواعد الخاصة بمعاملة المدنيين في الحروب، وفي حظر استعمال بعض الأسلحة.

الصفحات