أنت هنا

قراءة كتاب نقد مجتمع المعلومات

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
نقد مجتمع المعلومات

نقد مجتمع المعلومات

كتاب " نقد مجتمع المعلومات " ، تأليف كوكبة من الباحثين ، ترجمة د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: منشورات ضفاف
الصفحة رقم: 9

معنى الأزمة

من نافلة القول أن كلمة "معلومات" التي نراها في تعبير "مجتمع المعلومات" تحمل العديد من المعاني: لها معنى ثقافي فيما يتعلق بوسائل الإعلام وبالتعليم وباكتساب المعارف وبالتواصل البشري. ومن جانب آخر، تعني المعلومات في مجال يخص الصناعة والتجارة والتمويل "مُعطيات جديدة" واتصال وعملية تبادل المُعطيات الجديدة بهدف زيادة عمليات الصناعة والنقل والتسويق والبيع. وفي حقل العلم، في مجال الاتصالات تحديداً ثمة معنى آخر محايد لكلمة معلومات: ففي تقنيات المعلومات، أي مُعطى هو وصف أولي، غالباً مُشفر، لشيء ما، لصفقة تجارية أو لحدث ما، إلخ. وفي التجارة الإلكترونية، فإن القطاعات الثلاثة التي استفادت أكثر من تطور البيئة الافتراضية للاقتصاد هي بالترتيب العمليات البنكية والسفر والمنتجات الثقافية. وقد تحدثنا آنفاً بإسهاب عن تأثير الرقمنة على الصناعة الثقافية (صحافة، إذاعة وتلفزيون، موسيقى، انترنت، إلخ). ومن جهة أخرى، صار من الأسهل بيع الأحلام وتغيرت الصناعة السياحية كثيراً منذ ظهور الانترنت. ومع ذلك، فإن التحول الأعظم كان في مجال المال، حيث صار الحديث جائزاً عن مسؤولية الأنشطة والخدمات التمويلية في هذه الأزمة الاقتصادية التي نعيشها حالياً، وهي الأكبر منذ حقبة الكساد الكبير.

هنالك بالطبع طرق مختلفة لتأويل الأحداث، بالقول: إنها أزمة الرأسمالية، وإنها نتيجة تحرر الليبرالية الجديدة، والرغبة الجامحة في الكسب وغياب أخلاقيات الوكلاء الاقتصاديين، لكن هل يمكننا أيضاً أن نشرح هذه الظاهرة من خلال العودة إلى مجتمع المعلومات. وبهذا الشأن، كيف ومن يشرح الأزمة؟ في الواقع، من جهة، نجد ظاهرة تجرد النقد من شكله المادي عبر العصور، وحتى وصول الرقمنة المطلقة للمال الذي أصبح قيمة معلوماتية وحسب. ومن الجهة الأخرى، السرعة التي ينتقل بها النقد-المعلومة، عبر شبكات إلكترونية من جميع أنحاء الأرض. وتؤدي هذه الحركة المزدوجة إلى فقدان السيطرة الذي يوّلِد، في المجتمع ولدى الأفراد، ذعراً تنتج عنه أزمات عميقة.

إن حوسبة النقد هي التحول التدريجي للمال إلى قيمة رمزية، فقيمته الافتراضية هي اكتمال لعملية لامادية المقايضة، إلى درجة أن المستهلك والشركة والتاجر والصيرفي لديهم انطباع بأنهم لا يتبادلون سوى المعلومة. ويعمل تدويل المبادلات على نحو يسمح بأن تفلت عملية التنظيم عن رقابة الدول. وقبل ثلاثين عاماً، كان ماكلوهان McLuhan يقول: "تتمثل إحدى التأثيرات الحتمية لتسارع نقل المعلومة وإمكانية ترجمة المال في منح أولئك الذين يستطيعون توقع هذا التحول قبل حدوثه، ببضع ساعات أو بضع سنوات (ويمكننا اليوم أن نضيف أو بضع دقائق) بحسب الحالة، الحظ في الاغتناء[8]".

وتؤدي سرعة انتقال النقد إلى "تأثير تسارع النظام". فليس هنالك ما هو أسهل من إصدار أمر بتغيير رقم من مكان رمزي إلى مكان آخر! وهكذا، نقول إن السندات في البورصة تغير الأيادي التي تمسك بها. فالمال، ليس إلا المعلومة، وهذه المعلومة صارت مجردة ونظرية على نحو فظيع. وبالنسبة لمعظم البشر، إن الشراء عبر بطاقة الائتمان، هي عملية بدون نتيجة، أو على الأقل دون نتيجة فورية: اشترِ، استمتع، ترفّه، سافر، وسترى النتيجة بعد 12 شهراً، 24 شهراً، 48 شهراً، 72 شهراً... فمن أجل الإرضاء الفوري للرغبات، يُؤجّل الدفع إلى وقت لاحق. فالاستهلاك له تأثير كالمُخدر؛ المتعة التي ينتجها سريعة وعابرة. وكان عالم الاقتصاد دانييل كوهين Daniel Cohen يقول: "إحدى مفارقات الوضع الراهن تتعلق بأن معظم البشرية في طور الانتقال بين المدينة والريف، في حين تنفتح أيضاً على مستوى الأرض كافة حدود جديدة، وهي حدود الفضاء الالكتروني الذي تصنعه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات".

فكيف يمكن الخروج من الأزمة؟ هل من خلال إعادة إطلاق الاستهلاك، وبإجبار البنوك (المُفلسة) على تقديم قروض جديدة... إن من السخافة إعادة تشغيل ماكينة الأحلام! فبمجرد زوال العاصفة، مضينا نحو أزمة جديدة تمثلت في الكساد الكبير الذي استمر قرابة عقد من السنين، منذ عام 1929؛ ثم حدثت أزمات في 1973 (الصدمة النفطية الأولى) وأزمة 1980 (الصدمة النفطية الثانية) وأزمة 1991 وأزمة 2004 (أزمة التقنيات الجديدة) و2009 (أزمة الرهن العقاري). ومتى ستكون القادمة؟ وهل يرتبط مصير مجتمع المعلومات بالأزمة الدائمة؟

كان الكاتب ب. فيريليو p.Virilio مغرماً بمفهوم السرعة وكان قد أعلن منذ عشرين سنة عن انهيار البورصة إذ قال: "مضت ثلاثون عاماً ونحن نتعمد إهمال ظاهرة تسارع التاريخ، وهذا التسارع مصدر تكاثر الحوادث الكبرى... فهذه الحوادث ليست صُدف. ونكتفي في اللحظة الراهنة بدراسة انهيار البورصة من الزاوية الاقتصادية أو السياسية، مع نتائجها الاجتماعية. ولكن كيف نُعرِّف حادث البورصة، فيما وراء شكله المباغت؟ وكما هو الحال في كل حدث معاصر، ينبغي الأخذ بالحسبان سلسلة من المتزامنات على المستوى العالمي. مزامنة التقاليد، والأخلاق، والسلوكيات والانفعالات العاطفية أيضاً. فقد عبرنا من شيوعية طبقية إلى عولمة فورية ومتزامنة في التأثيرات والمخاوف. وينطبق نفس الشيء على البورصة. فبعد مرحلة تقنية قصيرة تمثلت في إفلاس بنوك وانهيار سوق الأسهم عبرنا إلى مرحلة "هستيرية" مبالغة في ردود الأفعال. نتحدث عن جنون الأسواق، وردود الأفعال "اللامعقولة"، تقريباً جراء الافتتان بنهاية العالم[9]".

الصفحات