أنت هنا

قراءة كتاب سيمياء الموت

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سيمياء الموت

سيمياء الموت

(الموت) عادةً ما يأخذ الشعراء مهما كثروا وتعدّدوا وتنوّعوا وتوثّبوا لكنه لا يأخذ الشعر مهما قلّ وتخفّى وندر، ويأخذ الأصدقاء مهما تعاظمت أعدادهم وتباينت نواياهم لكنه لا يأخذ الصديق الواحد مهما انفرد، فأمام كثرة فنون الاختيار وزحمتها تبقى القصيدة الخلاّبة هي

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 1
من حديث المقدمات
 
«1»
 
الشعراء كثرٌ في كلّ زمان ومكان، وربما الأصدقاء في فضاء الزمان والمكان أيضاً، لكنّ الشعر في مقياس الإبداع النوعيّ الخلاّق والمختلف والمغاير قليل، مثلما الصديق الواحد المفرد في مقياس القلّة الهائلة صعبٌ ونادرٌ.
 
هكذا هي المعادلة الصعبة الإشكالية الشائكة، التي تجعل من المرء المولع بالبحث والتقصّي وشهوة صوغ الأسئلة أكثر حيرة أمام فيض الكثرة، وبراعة القلّة، وجدل التناوب الساخن في إثارته وحراكه بين المتضادّات.
 
لذا فإن (الموت) عادةً ما يأخذ الشعراء مهما كثروا وتعدّدوا وتنوّعوا وتوثّبوا لكنه لا يأخذ الشعر مهما قلّ وتخفّى وندر، ويأخذ الأصدقاء مهما تعاظمت أعدادهم وتباينت نواياهم لكنه لا يأخذ الصديق الواحد مهما انفرد، فأمام كثرة فنون الاختيار وزحمتها تبقى القصيدة الخلاّبة هي الأمنع والصديق النوعي المفرد هو الأصعب.
 
الشاعر محمد القيسي تمكّن من أن يكتب اسمه على هذا الشعر القليل بثقة ومهارة ووعي ومقصدية، وينفرد في صداقته المتقشفة الزاهدة لمن يحب بأناقة ورقيّ وهدوء وثراء، وإذا كان الآخرون ـ مهما تعدّدوا وتنوّعوا وتباينوا ـ قد لا يختلفون كثيراً على حضوره الفاعل والجوهري في مسلّة الشعر القليل، فربما اختلفوا كثيراً جداً على وجود أصدقاء مفردين له، لأنهم لا يرَون إلا ما يرَون من انعكاس صورته في مرايا ضمائرهم ووجداناتهم، فما يرون إذن إلا ما يعجبهم ويروقهم أن يروا، وقد يسهم هو نفسه في تسويق ذلك المناخ المعادي وترويجه وإشاعته وتداوله لأسباب شتّى، وقد لا يكتشف هو أيضاً قيمة أن يكون له صديق بارع وقت الحاجة إلا بعد حين.
 
لا بأس إذن إذا كانت المسألة في حدودها المتعاهد عليها ـ كما يقال عادة ـ نسبية لا ثبات فيها ولا استقرار ولا دوام، مثلها مثل كلّ المعاني الكبرى والخيارات الكبرى في الحياة، ولا سبيل ـ أمام هذا الإشكال الذي لا يمكن مقاربة التباسه، ومقارعة غموضه، وتفادي تشوّشه، والتغاضي عن تحدّيه ـ إلى الخوض في تفاصيل هذه المسألة الشائكة بلا جدوى ولا طائل، خشية الوصول إلى تخوم قراءة ناقصة قد تضاعف مساحة الالتباس والغموض والتشوّش والتحدّي، وتقود إلى موت الحساسية في الأشياء، ومن ثم إعلاء فكرة الموت على حساب فكرة الحياة .
 
لنقل هنا إنّ القضية ـ ضمن هذه الحدود وعلى وفق هذه السياقات ـ شخصية جداً تتعلّق برؤية شخص (مثلي)، بعيد عن الساحة اليومية الملتهبة بالمحبة والمودّة مثلما هي ملتهبة بالحسد والغيرة، تلك التي يتحرّك فيها القيسي ويعيش ويكتب وينشر ويصخب ويهدأ ويتأمل ويجنح ويقترف الأخطاء بلا هوادة، على ما تتيحه هذه المسافة الحرجة من حيوية في القدرة على الاحتفاظ بمفهوم القلّة وتعريف الندرة، على النحو الذي يمكن أن تتكشّف فيه المفاهيم عن قدرٍ معقولٍ من الوضوح والاستبيان.
 
هذا ما سنعوّل عليه في تصدّينا لقضايا الاستهلال البحثي الموصوف هنا بـ «من حديث المقدمات»، هذا الفضاء المركّب الذي سيأخذ جانباً سيرذاتياً في مجال ثقافي معيّن، مثلما سيأخذ جانباً منهجياً في مجال إجرائي محدّد، لأن مشروع الكتاب يسعى في نطاق رؤيته إلى مزج الجانبين ـ شبه المتوازيين ـ معاً، في قراءة ثقافية ونصيّة وأرشيفية حرّة لا تستند في منطق كشفها إلى موحيات النصوص وتحليل شفراتها وتموّجات المعنى في متونها حسب، بل تمتد أبعد من ذلك لتشمل ضروب الحياة ذاتها بكل قيمها وصورها وذكرياتها وجنّتها وجحيمها، للوصول إلى لحظة تجلٍّ سيميائية عارفة ومعرّفة يرتفع فيها خطاب الموت فوق الجميع ويتسامى فوق الأشياء.
 
الحياة التي نعتقد فيها أن القراءة التي تفحص مثل هذه الظاهرة وترصد تحوّلاتها لا يمكنها الابتعاد كثيراً عن حيوية هذا الجانب السيرذاتي بمعناه السوسيو ثقافي، حين تتوافر الوثائق والبيانات والأسانيد والقرائن والمرجعيات، هي التي تمنحنا الثقة في حيوية توصلاتنا النقدية ورؤياتنا الفكرية، إذ يكون بوسعها في هذا السياق تغذية المعطى النقدي المنهجي، وتموينه بالكثير من الخصب المنتج على صعيد المتحصّل النقدي ونتائجه العلمية، التي تلجأ أولاً وآخراً إلى النصوص (شعر، نثر، رسائل، مقالات، حوارات، تصريحات......) بوصفها الحكم الفيصل في التجربة.

الصفحات