كتاب " من أماسي السمر " ، تأليف إميل منذر ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
على مدى عقودٍ من الزمن كان الكرْم لنا. هكذا عرفْتُه منذ أن وعَيْتُ الحياة وأصبحتُ أرافقُ أبي وأمّي إليه في أيّامِ العطلةِ المدرسيةِ لمساعدتِهما في مَشْقِ حبّاتِ الزيتونِ اليانِعَةِ عن أغصانِها، ولَمِّ ما سقطَ منها عن الأرضِ، وجمْعِه في أكياسٍ منَ القِنَّبِ لم تكنْ لتمتلئَ حتى ينْضَبَ من أجسادِنا، قُبَيْلَ مَغيبِ الشمسِ، آخِرُ ما تبقّى فيها من نشاطٍ وهمّة.
نهارُ الزيتونِ كان مُتعِباً. إلّا أنَّ تقطُّعَ ظهورِنا المنحنيةِ طيلةَ النهارِ ونحن نلتقطُ الحبّاتِ عنِ الأرضِ، أو نبحثُ عنها بأصابعِنا الطريّةِ بينَ العُشبِ وأحياناً بين الشَوكِ، لم يكنْ بِذي أهميّةٍ أمامَ تعبِ أقدامِنا ونحنُ نسيرُ صعوداً خلفَ الدَوابِّ المثقَلَةِ بأحمالِها على طريقٍ ضيّقٍ متعرّجٍ بَرَتِ الأقدامُ والحوافرُ على مرِّ السنينَ حجارتَه فأصبحت ملساءَ زَلِقَة. هذا الطريقُ كان يَصِلُ ما بينَ كَتِفِ الوادي حيث يمتدُّ كرْمُنا وكرومُ جيرانِنا من الفلاحين، والقريةِ العاليةِ البعيدةِ التي كان علينا أن نرفعَ رؤوسَنا إلى فَوْقُ، نحوَ السماءِ، حتى نرى بيوتَها المشكوكةَ في خاصرةِ الجبل.
مشاركات المستخدمين