صفحة 1
مقدّمة الطبعة الثانية
تغيّرت مصر كثيرًا منذ عام 2005. ظهرت حركة «كفاية» التي تشكّلت في أواخر 2004 على السطح بقوّة، وتسارع النشاط السياسي المعارض لنظام دولة يوليو في عهد مبارك، من حركة استقلال القضاء المشهودة التي تَصوّر النظام أنّه نجح في التغلّب عليها في 2008، إلى ظهور حركة الطبقة العاملة ونموّها التي اصطدم بها النظام بعنف في المحلة في العام نفسه دون أن ينجح في وقف موجة الإضرابات، وظهور عديد من الحركات المطلبية المتنوِّعة التي تظاهرت في كلّ مكان، وقطعت الطرق أحيانًا بسبب إهمال شديد أو تعدٍّ أساسي، وظهور كثير من التجمّعات الناجحة التي أخذت تواجه الترِكة الثقيلة للنظام، مثل حركة «مصريّون ضدّ التمييز الديني»، وتزايد فعّال في نشاط جمعيّات حقوق الإنسان فيما يتعلّق بالتعذيب، ونموّ حركات الألتراس واصطدامها المتزايد بشرطة مبارك، وتزايد جرأة الصحافة والإعلام في نقد سياسة النظام الداخلية والخارجية، فضلًا عن العديد من التجمّعات الشبابية الفنية والأدبية التي أخذت تنشط خارج نطاق الأفكار والمعايير الموروثة لدى النظام ومعارضته على حدٍّ سواء.لكنّ الأزمة الاجتماعية المتزايدة أخذت تظهر في الأفق قبل ذلك، نوع من «روح» ساخطة، ربّما كان من أعمق تجليّاتها اختفاء روح النكتة التي اشتُهر بها الشعب المصري وتراجعها، وتزايد نقد النظام في معظم الأوساط، حتّى تلك القريبة من الأوساط الحاكمة.
ربّما كان هذا الشعور بالأزمة هو ما أوحى لي وقت ظهور الطبعة الأولى في يناير 2005 (عن دار ميريت) إلى كتابة هذه الفقرة في نهاية الخاتمة:
«يصعب أن يرى الكاتب، أيّ كاتب، أبعد من لحظته التاريخية؛ فالتاريخ كما قال ماركس «يخيّم فوق رءوس الأحياء كالكابوس»، لا فكاك منه. فهل تعكس بدايات التحرّر الملموسة في كلّ مكان من أسْر قضايا الماضي ومناقشاته بداية شيء مختلف؟ «إنّ بومة منيرفا لا تحلّق إلّا عند الغسق»، هكذا قال هيجل... فهل هو غسق نظام 23 يوليو؟»
كان ثمّة شيء يحوم في الهواء... أخذ ينفجّر وسط حالة من اليأس العامّ من كلّ شيء، انفجر في النهاية في ثورة 25 يناير على غير توقّع من أحد، بمن في ذلك المبادرون بالدعوة للتظاهر والمشاركون أنفسهم ضدَّ الشرطة في عيدها.
لكنّ هذه الفقرة الختامية لم تكن تتنبّأ بشيء محدّد. كانت، فقط، تنطلق من أنّ نظام يوليو قد فقد زخمه من أمد بعيد، واستنفذ ما فوق إمكاناته التاريخية بكثير. بدا نظامًا بلا مستقبل، لكن كيف سينتهي؟
* * *
أجريتُ تعديلات في هذه الطبعة، بصفة خاصّة في الفصلين الأول والرابع. السبب في ذلك أنّي واصلت العمل على الناصرية لسنوات بعد ظهور الكتاب، فبلورت مفاهيم كانت موجودة في الطبعة الأولى وطوّرتها بشكل أكثر دقّة، وهي المفاهيم التي تتعلّق بطبيعة الإيديولوجيا الناصرية ونظام حكمها ككل.
يكمن التغيّر الأساسي في تحديد أدقّ لطبيعة إعادة تأسيس النظام في أزمة مارس 1954، فيما أسميته هنا «الوصاية الشعبية». كما حدّدت بشكل أدقّ في الفصل الرابع طبيعة الزعامة بوصفها نظامًا للحكم. لكن الفكرة الأساسية في الكتاب تظلّ كما هي، أي تفسير طبيعة المظاهرات التي تمسّكت ببقاء عبد الناصر في السلطة بعد الهزيمة الساحقة في 1967 ببنية النظام نفسه وإيديولوجيته، وما نتج عنها من إفقار سياسي ذي طبيعة خاصّة، ومَحْوَرَةٍ للبلاد عامّة حول فرد، بفعل طبيعة النظام نفسه وآليّات عمله.
أمّا الفصول الأخرى فظلّت تقريبًا كما هي، باستثناء تعديلات أسلوبية أو شروح أو إضافات قليلة هنا وهناك، فضلًا عن التخلّص من عدد لا بأس به من الأخطاء المطبعيّة.
* * *
في هذا العهد السياسي الجديد، آمل أن تُسهم هذه الطبعة في طرح تساؤلات جديدة عن نظام يوليو الذي يظلّ يطلّ علينا من داخل بنية الدولة ويحتفظ بجانب كبير من خطابه القائم على الهُويّة والتخوين والبحث عن وحدة ثقافية متخيّلة للأمّة، ما زالت قائمة بوجه مختلف عند القوى الحاكمة الجديدة التي تقتسم السلطة مع النظام القديم وتعمل على تكييفه لخطاب مختلف جزئيًّا، لكن في ظروف انكشاف متزايد بفعل زخم الثورة والمطلب الديمقراطي.
صفحة 2
مقدّمة
من ليلة التاسع من يونيو 1967 وحتّى مساء العاشر منه، اندفع المصريّون في شوارع رئيسية كثيرة في عاصمة البلاد وعديد من مدنها، وتجمّعوا حتّى في القرى (وملأ العرب شوارع أخرى في عدّة مدن عربية). تجمّعوا ولا هدف لهم سوى عودة رئيس مصري ألحق بالبلاد أكبر هزيمة منذ معركة «التل الكبير» عام 1882، وأعلن «تنحِّيه» عن السلطة ـ كتعبير شعري عن الاستقالة؟ ـ وتوريثها لزميل السلاح والسلطة زكريا محيي الدين. ثم عادوا إلى بيوتهم غانمين حين أعلن عبد الناصر، أو «ناصر» أو «الريِّس»، كما كانوا يسمّونه، تراجعه و«قبوله» الاستمرار في السلطة رئيسًا لـ«الجمهورية العربية المتّحدة»، التي هي اسم مصر رسميًّا آنذاك. والحدث فريد من نوعه في تاريخ البلاد، وربّما كان نادرًا في التاريخ كلّه.وقد قيل إنّ هذه المظاهرات الفريدة من نوعها قد دبّرها الاتّحاد الاشتراكي. ربّما يؤيّد هذه الدعوى أنّ الاتحاد الاشتراكي في عهد علي صبري كان يحاول أن يبني قوّة سياسية فاعلة مستقلّة عن الإدارة الحكومية، تجسّدت بأوضح ما يكون في تجربة «الاستدعاء السياسي» التي تمّت في أوائل فبراير 1967، أي قبل حدث التنحّي بشهور، بمناسبة استقبال رئيس العراق عبد الرحمن عارف، حيث استطاع التنظيم أن يجمع عشرات الآلاف لاستقباله بغير الطريق الإداري، وإنّما باتصالاته الخاصّة، وتبيّن بالتجارب أنّه يمكن بهذه الوسيلة جمع 100 ألف خلال 10 ساعات، أو 40 ألفًا في ثلاث ساعات في القاهرة (حوار منشور مع علي صبري، إبريل 1967)، ليصبح الاتّحاد بذلك قوّة يُحسب حسابها. وربّما تشير الشعارات التي نشرها الضابط الحرّ ومؤرّخ الثورة أحمد حمروش إلى تزاوج يجمع بين التلقائية والتنظيم تبرّر القول بأنّ ثمّة جهة قد دبّرت المظاهرات، فكان منها على سبيل المثال «ارفض ارفض يا زكريا [محيي الدين]/ عبد الناصر ميّة الميّة». «حنحارب، حنحارب»، «ما تقوليش ما تقوليش/ عبد الناصر غيره مافيش»؛ ولكن هناك أيضًا: «مكتوب على سلاحنا/ عبد الناصر كفاحنا»؛ «يا أمريكا لمّي فلوسك/ عبد الناصر جاي يدوسك»؛ «وحياة السد لأقول الجد/ بعد عبد الناصر ما في حد»، فتبدو هذه الشعارات الأخيرة واضحة الافتعال، إذا نُسبت لجمهور غير منظم، خصوصًا الشعار الأخير، فلم تكن ثمّة صلة بين السدّ والهزيمة، وإنّما هي محاولة للتذكير بالإنجازات.
وثمّة أيضًا شهادات فردية بأنّ بعض المواصلات العامّة قد «تبرّعت» بنقل الناس إلى أماكن التجمّع، كما نقلت وسائل أخرى جموعًا من الريف والمدن الأخرى إلى القاهرة. وظهر بعض رجال الاتحاد الاشتراكي في وسط التجمّعات الجماهيرية في الريف والمدينة، لكن ربّما كان ظهورهم بحكم تواجدهم الطبيعي بين السكان.
ومع ذلك، والحدث ليس ببعيد، وعديد من شهوده أحياء، ثمّة شهادات على أنّ الاتحاد الاشتراكي، الفقير الشعبية أصلًا برغم عضويّته الاسمية المليونية، كان مصابًا بحالة من الشلل، في البداية على الأقلّ، وثمّة عديد من الأشخاص، منهم مثقّفون وعلماء، شهدوا أنّهم اندفعوا إلى الشوارع بمجرّد انتهاء خطاب التنحّي. وشهد بعض أعضاء منظمة الشباب أنّهم أصيبوا بمفاجأةٍ شلَّتهم، فكانوا لا يدرون ما عليهم عمله بوصفهم «قيادات سياسية»، حتّى في صبيحة اليوم التالي بعد أن ملأ البشر الشوارع. هذا فضلًا عن أنّ البيان أذيع مساءً، بينما الناس في بيوتهم، بعيدين عن أماكن تجمّعهم الطبيعية في أعمالهم، حيث يسهل نسبيًّا تحريضهم وجمعهم، وحتّى عن أماكن لهوِهم، حيث كانت تخيّم عليهم أشباحُ كارثة يجهلون أبعادها.
وقبل هذا كلّه كان النظام الحاكم في أضعف لحظاته، وقد نقل الناس فجأة من قمّة النشوة بنصر كاسح منتظَر وَعد به الزعيم صراحة، على نحو ما سنرى، إلى ظلمات كارثة مروّعة. لم يكن مثل هذا الجوّ مناسبًا ليطلب تنظيمٌ، مشكوكٌ في شعبيّته أصلًا، من الناس أن يؤيّدوه ونظامَه، ولم يكن يملك مصداقية مطالبتهم بأن يصفحوا عن الهزيمة ببساطة. ولم يكن مناسبًا استخدام الوسائل التي اعتادت عليها السلطة في تدبير المظاهرات المؤيّدة، من قبيل إعفاء المشاركين من العمل وقت المظاهرات، أو تدبير بدل نقدي، أو حتّى التخويف الضمني من عدم المشاركة، باعتباره إظهارًا لدرجة من العداء للنظام لها عواقبها؛ لم يكن هذا كلّه قابلًا للاستخدام في هذه المناسبة الكارثية، ولا في تلك اللحظة من ليل القاهرة.. حيث بدا كلّ شيء في حالة انهيار.
هذا كلّه فضلًا عن أنّ النظام، كنظام، لم يكن مهدّدًا جديًّا.. فنقل السلطة إلى زكريا محيي الدين ـ وهو الذي تميّز بأكبر تعلّق شخصي بعبد الناصر بين أعضاء مجلس قيادة الثورة ـ لا يعني نقل السلطة إلى طرف معادٍ للمجموعة الحاكمة، ناهيك عن النظام ككل. فلم يكن ثمّة دافع قويّ لينتفض النظام من أعماقه ضدّ تهديد جذري. وأقصى ما يمكن أن يقال إنّ نقل السلطة كان يمكن أن يغيّر بعض التوازنات بين المجموعات والتيارات التي تشكّل منها النظام الحاكم.
صفحة 3
قد يقال هنا إنّ علي صبري، الذي تولّى شئون الاتحاد الاشتراكي منذ 1965، والذي بدأ حياته السياسية سكرتيرًا لعبد الناصر، ثمّ ممثّلًا له في العديد من المناصب، بما فيها رئاسة الوزارة، قبل تولّيه أمانة الاتحاد، كان على الأرجح من أشدِّ الأطراف حرصًا على عدم الإخلال بالتوازنات القائمة، وكان يملك تجربة «الاستدعاء السياسي» لتدبير المظاهرات. لكن في ضوء الاعتبارات السابقة، كان أقصى ما يستطيعه أن يستخدم بعض الدوائر الضيّقة الموثوق بها من رجاله، في الاتحاد أو في المنظّمات الأمنية شبه المدنية، كالدفاع المدني، في الإيحاء للتجمّعات العفوية برفع شعارات مناسبة، أو تجهيز بعض اللافتات، أو توفير وسائل النقل، أو بتحريض التجمعات التي ظهرت بالفعل. وهذا كلّه، أيًّا كان حجمه ـ والأرجح أنّه متواضع ـ لا ينفي عن مظاهرات 9 و10 يونيو عفويّتها وتلقائيّتها، بما في ذلك اتجاهها العامّ لاستبقاء عبد الناصر في السلطة.
من جهة أخرى، تشير الدلائل إلى أنّ المصريين لم يدركوا وقتها الأبعاد الكاملة للهزيمة. كانت الهزيمة، على عمقها، بعيدة عن أن تمسّ مباشرة وفورًا حياة معظم المصريين؛ فبرغم أنّ البلاد قد فقدت مساحة معتبرة من رقعتها، فإنّ هذه الرقعة بالذات كانت قليلة السكان، وبعيدة عن مركز العمران الأساسي، الوادي والدلتا، وبعيدة عن القاهرة، مركز السلطة الذي لم يُمسّ. ولم تبدأ حتّى مدن القناة في التعرّض لمتاعب كُبرى في الأيام الأولى للحرب وحتّى وقف إطلاق النار. وهكذا لم تعانِ القاهرة، ولا المدن الأخرى، ما عانته برلين في نهاية الحرب العالمية الثانية، مثلًا، حين احتلّتها بشكل مباشر جيوش أممٍ أخرى. كما كانت الحرب قصيرة وخاطفة بما حال دون الشعور بآثارها في الأيام القليلة الأولى؛ فلم تشهد خسائر متوالية لشهور وسنوات من القتلى والجرحى، بكلّ ما يصحب الحروب الطويلة من ضغوط اقتصادية ونفسية عنيفة يومية وملموسة، على نمط الحربين العالميتين مثلًا. ولم يبدأ الجنود المهزومون في التدفّق على البلاد إلّا قبيل التنحّي. لهذا كلّه، يمكننا فهم أنّ الهزيمة كانت فور وقوعها فكرة أكثر منها شيئًا ملموسًا معاشًا أو خبرة تاريخية متراكمة، عند معظم السكان.
أكثر من ذلك أنّ أبعاد الهزيمة (حجم الخسائر في الأرض المصرية والعربية والمعدّات والقتلى) لم تكن معروفة بعد. لم يكن معروفًا أنّ نتيجة حرب الأيام الخمسة حتّى خطاب التنحّي كانت سقوط سيناء بالكامل، وقطاع غزة طبعًا، ناهيك عن الضفّة الغربية والجولان. كانت الهزيمة إذن تمثّل لمعظم السكان خبرًا كارثيًّا، لكن غير واضح الأبعاد، عرفوه من الإذاعات الأجنبية، أو ألمحت إليه الصحف ووسائل الإعلام قبيل التنحّي، لا حياة مُعاشة. ومع ذلك، كان خبر الهزيمة، التي تأكّدت بخطاب التنحّي، ثقيلًا مذلًّا مهينًا، خاصّة في ضوء الأحلام العريضة التي روّجها النظام وأجهزة دعايته، بما يصل إلى حدّ الزعم الدعائي الفارغ والكاذب عن عمد بالقدرة على دخول تلّ أبيب، عاصمة إسرائيل آنذاك.
برغم ثقل الهزيمة، لم يكن النظام مهدّدًا جدّيًّا . لم تقم ثورة على النظام تعوّض الهزيمة مثلما جرى في باريس حين اقتربت الجيوش الألمانية منها بعد هزيمة سيدان عام 1870، أو برلين بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تحلّ سريعًا حالة من النشوة محلّ حالة الإحباط العميق ـ فيما يقول دارس لـ«ثقافة الهزيمة» في حروب أوربّية مختلفة ـ بسبب سقوط نظام يُعتبر مصدر أشكال مختلفة من المعاناة وعلى رأسها الهزيمة ذاتها، خاصّة إذا شاركت جموع عريضة في الثورة. في الواقع أدّى الإفقار السياسي الشامل والمنهجي الذي أجراه النظام على مختلف الأصعدة، التنظيمية والإعلامية والفكرية، وقمعه أو إلحاقه لمختلف قوى المجتمع المدني التي أُخضعت بالكامل، وحالة التوجّس العامّة التي خلقتها هيمنة أجهزة الأمن؛ أدّى هذا كلّه إلى عدم وجود أيّة قوى سياسية، أو حتّى بذور معقولة لها، في الساحة، ولا كانت المعسكرات الإيديولوجية المتمايزة التي سُمح لها بالحركة في إطار الولاء للنظام متمركزة في منظّمات مستقلّة من أيّ نوع. وبالتالي لم توجد أيّة قوّة سياسية أو اجتماعية منظّمة تستطيع أن تستخلص شيئًا مختلفًا من الهزيمة وتتحرّك للمطالبة بتغيير النظام القائم.
لم يكن النظام مهدّدًا إذن. وحتّى إسرائيل لم تكن تتوقّع أن تتوِّج انتصارها بتغيير النظام، بل باستسلامه. ولم يكن من شأن خروج عبد الناصر من السلطة ظهور نظام جديد.
من جهة أخرى، تشير الدلائل إلى أنّ المصريين لم يدركوا وقتها الأبعاد الكاملة للهزيمة. كانت الهزيمة، على عمقها، بعيدة عن أن تمسّ مباشرة وفورًا حياة معظم المصريين؛ فبرغم أنّ البلاد قد فقدت مساحة معتبرة من رقعتها، فإنّ هذه الرقعة بالذات كانت قليلة السكان، وبعيدة عن مركز العمران الأساسي، الوادي والدلتا، وبعيدة عن القاهرة، مركز السلطة الذي لم يُمسّ. ولم تبدأ حتّى مدن القناة في التعرّض لمتاعب كُبرى في الأيام الأولى للحرب وحتّى وقف إطلاق النار. وهكذا لم تعانِ القاهرة، ولا المدن الأخرى، ما عانته برلين في نهاية الحرب العالمية الثانية، مثلًا، حين احتلّتها بشكل مباشر جيوش أممٍ أخرى. كما كانت الحرب قصيرة وخاطفة بما حال دون الشعور بآثارها في الأيام القليلة الأولى؛ فلم تشهد خسائر متوالية لشهور وسنوات من القتلى والجرحى، بكلّ ما يصحب الحروب الطويلة من ضغوط اقتصادية ونفسية عنيفة يومية وملموسة، على نمط الحربين العالميتين مثلًا. ولم يبدأ الجنود المهزومون في التدفّق على البلاد إلّا قبيل التنحّي. لهذا كلّه، يمكننا فهم أنّ الهزيمة كانت فور وقوعها فكرة أكثر منها شيئًا ملموسًا معاشًا أو خبرة تاريخية متراكمة، عند معظم السكان.
أكثر من ذلك أنّ أبعاد الهزيمة (حجم الخسائر في الأرض المصرية والعربية والمعدّات والقتلى) لم تكن معروفة بعد. لم يكن معروفًا أنّ نتيجة حرب الأيام الخمسة حتّى خطاب التنحّي كانت سقوط سيناء بالكامل، وقطاع غزة طبعًا، ناهيك عن الضفّة الغربية والجولان. كانت الهزيمة إذن تمثّل لمعظم السكان خبرًا كارثيًّا، لكن غير واضح الأبعاد، عرفوه من الإذاعات الأجنبية، أو ألمحت إليه الصحف ووسائل الإعلام قبيل التنحّي، لا حياة مُعاشة. ومع ذلك، كان خبر الهزيمة، التي تأكّدت بخطاب التنحّي، ثقيلًا مذلًّا مهينًا، خاصّة في ضوء الأحلام العريضة التي روّجها النظام وأجهزة دعايته، بما يصل إلى حدّ الزعم الدعائي الفارغ والكاذب عن عمد بالقدرة على دخول تلّ أبيب، عاصمة إسرائيل آنذاك.
برغم ثقل الهزيمة، لم يكن النظام مهدّدًا جدّيًّا . لم تقم ثورة على النظام تعوّض الهزيمة مثلما جرى في باريس حين اقتربت الجيوش الألمانية منها بعد هزيمة سيدان عام 1870، أو برلين بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تحلّ سريعًا حالة من النشوة محلّ حالة الإحباط العميق ـ فيما يقول دارس لـ«ثقافة الهزيمة» في حروب أوربّية مختلفة ـ بسبب سقوط نظام يُعتبر مصدر أشكال مختلفة من المعاناة وعلى رأسها الهزيمة ذاتها، خاصّة إذا شاركت جموع عريضة في الثورة. في الواقع أدّى الإفقار السياسي الشامل والمنهجي الذي أجراه النظام على مختلف الأصعدة، التنظيمية والإعلامية والفكرية، وقمعه أو إلحاقه لمختلف قوى المجتمع المدني التي أُخضعت بالكامل، وحالة التوجّس العامّة التي خلقتها هيمنة أجهزة الأمن؛ أدّى هذا كلّه إلى عدم وجود أيّة قوى سياسية، أو حتّى بذور معقولة لها، في الساحة، ولا كانت المعسكرات الإيديولوجية المتمايزة التي سُمح لها بالحركة في إطار الولاء للنظام متمركزة في منظّمات مستقلّة من أيّ نوع. وبالتالي لم توجد أيّة قوّة سياسية أو اجتماعية منظّمة تستطيع أن تستخلص شيئًا مختلفًا من الهزيمة وتتحرّك للمطالبة بتغيير النظام القائم.
لم يكن النظام مهدّدًا إذن. وحتّى إسرائيل لم تكن تتوقّع أن تتوِّج انتصارها بتغيير النظام، بل باستسلامه. ولم يكن من شأن خروج عبد الناصر من السلطة ظهور نظام جديد.
صفحة 4
ومع ذلك، يمكن القول بشكل مؤكّد تقريبًا إنّ النظام في تلك اللحظة كانت له، بصرف النظر عن أطماع هذا الفريق أو ذاك، مصلحة مؤكّدة في استبقاء عبد الناصر، باعتباره الرمز الأقوى للنظام، وباعتبار أنّ شعبيّته الواسعة النطاق تظلّ إحدى الأسلحة القليلة المتبقّية له لكي لا يحكم بمجرّد العنف البوليسي. ففي غياب أيّة بدائل سياسية واقعية، كان بقاء عبد الناصر أنسب الخيارات لاستمرار النظام. ربّما أفسحت الهزيمة فرصة لانقلاب قصر، ولو حدث ذلك لتمّ منع عبد الناصر من إلقاء «خطاب التنحّي»، مع تحميله المسئولية كاملة، باعتباره المسئول الحقيقي الوحيد عن قرارات تصعيد النزاع التي أدّت للحرب. لكن الذهول أحاط بالجميع: لم يحمّل أحد من كبار «المسئولين» المسئولية من قبل؛ فباستثناء عبد الحكيم عامر، كانوا جميعًا مجرّد موظّفين عند الزعيم، أو يدينون بالولاء لصديقه الملقّب «الرجل الأول بشَرْطَة». ولم يكن بمقدور عامر أن يستمرّ في السلطة في ظرف الهزيمة العسكرية إلّا عن طريق ناصر. أيًّا كانت الافتراضات بشأن صراعات السلطة في داخل النظام، بظهور عبد الناصر في التليفزيون و«تنحِّيه»، انقطعت الإمكانية أصلًا.
تنحّى عبد الناصر إذن. ولم تكن لتعيده إلى السلطة إلّا تلك المظاهرات الحاشدة التي خرجت إلى الشوارع منادية ببقائه. هذا الواقع يفرض علينا أن نتناول هذا الحدث، مظاهرات التنحّي، كحدث أساسه إيديولوجي في المقام الأول. فالمظاهرات كانت تعبّر عن اقتناعات معيّنة، عند المواطنين المشاركين لحظة خروجهم، وتجلّت في موقفهم. كانت مظاهرات 9 و10 يونيه في أساسها عفوية، نعم، لكنّ عفويتها لا تعني غياب فكرة ما، بل تعني غياب التنظيم. يمكن القول إذن بأنّ عفوية الحركة كانت تصدر عن شعور ووعي متراكم عبر 15 سنة من حكم جماعة الضباط الأحرار، ومن أُلحق بهم من المدنيّين والعسكريّين الآخرين، أملى على الناس هذا الموقف في هذه اللحظة، سواء بمبادرة من بعضهم أو بالاستجابة للمبادرة والانضمام للحشود. والحال فإنّ الإيديولوجيا ليست على وجه العموم فكرًا سياسيًّا أو نظرية، وإنّما هي حالة من الوعي والشعور السياسي، فهي أفكارٌ تبرّر قبول سياسات بعينها أو رفضها، وقيمٌ تشكّل معاييرَ للقبول والرفض، وخطابٌ يتولّى تحديد وضع متلقّيه، سواء بصفة مستمع أو مشارك أو مطالَب بالطاعة أو بفعل معيّن، أو غير ذلك.
يبدو إذن أنّ حدث 9 و10 يونيو ينبغي تفسيره، في المقام الأول، لا بتحرّكات معيّنة لأجهزة السلطة، بل بأوضاع سياسية وإيديولوجية متراكمة، شكَّلت بالفعل، باستخدام تعبئة إيديولوجية متواصلة، أذهان الناس وعواطفهم وتوجهاتهم، بما يفسر تحرّكهم على هذا النحو الفريد في تاريخ الهزائم الكبرى للدول. بعبارة أخرى، يقترح هذا الكتاب تفسير هذا الحدث الفريد كمحصّلة لعمل أجهزة الدولة السياسية والإيديولوجية على مدى عقد ونصف عقد، لا كمحصّلة مؤامرة دبّرتها أجهزة الاتحاد الاشتراكي في بضع ساعات من يوم محدّد. فهو على هذا النحو «حدث عفوي»، لكنّه في الوقت نفسه ابن «التعبئة». وإذا كان ثمّة تدبيرٌ لعب دورًا في الحدث فهو خطاب التنحّي نفسه، الذي لعب على هذا التراكم وأجاد توظيفه، وهو ما يبدو لي أهمّ بما لا يقاس في تفسير الحدث من بعض المبادرات المحدودة من بعض شِلَل الاتحاد الاشتراكي، إن وُجِدت. وهكذا فإنّ هذا الكتاب بأكمله محاولة للحفر في الأسس السياسية والإيديولوجية العميقة لهذا الحدث الذي كان المصريّون فيه فاعلًا مباشرًا، ومفعولًا به غير مباشر على مدى تاريخي.
تنحّى عبد الناصر إذن. ولم تكن لتعيده إلى السلطة إلّا تلك المظاهرات الحاشدة التي خرجت إلى الشوارع منادية ببقائه. هذا الواقع يفرض علينا أن نتناول هذا الحدث، مظاهرات التنحّي، كحدث أساسه إيديولوجي في المقام الأول. فالمظاهرات كانت تعبّر عن اقتناعات معيّنة، عند المواطنين المشاركين لحظة خروجهم، وتجلّت في موقفهم. كانت مظاهرات 9 و10 يونيه في أساسها عفوية، نعم، لكنّ عفويتها لا تعني غياب فكرة ما، بل تعني غياب التنظيم. يمكن القول إذن بأنّ عفوية الحركة كانت تصدر عن شعور ووعي متراكم عبر 15 سنة من حكم جماعة الضباط الأحرار، ومن أُلحق بهم من المدنيّين والعسكريّين الآخرين، أملى على الناس هذا الموقف في هذه اللحظة، سواء بمبادرة من بعضهم أو بالاستجابة للمبادرة والانضمام للحشود. والحال فإنّ الإيديولوجيا ليست على وجه العموم فكرًا سياسيًّا أو نظرية، وإنّما هي حالة من الوعي والشعور السياسي، فهي أفكارٌ تبرّر قبول سياسات بعينها أو رفضها، وقيمٌ تشكّل معاييرَ للقبول والرفض، وخطابٌ يتولّى تحديد وضع متلقّيه، سواء بصفة مستمع أو مشارك أو مطالَب بالطاعة أو بفعل معيّن، أو غير ذلك.
يبدو إذن أنّ حدث 9 و10 يونيو ينبغي تفسيره، في المقام الأول، لا بتحرّكات معيّنة لأجهزة السلطة، بل بأوضاع سياسية وإيديولوجية متراكمة، شكَّلت بالفعل، باستخدام تعبئة إيديولوجية متواصلة، أذهان الناس وعواطفهم وتوجهاتهم، بما يفسر تحرّكهم على هذا النحو الفريد في تاريخ الهزائم الكبرى للدول. بعبارة أخرى، يقترح هذا الكتاب تفسير هذا الحدث الفريد كمحصّلة لعمل أجهزة الدولة السياسية والإيديولوجية على مدى عقد ونصف عقد، لا كمحصّلة مؤامرة دبّرتها أجهزة الاتحاد الاشتراكي في بضع ساعات من يوم محدّد. فهو على هذا النحو «حدث عفوي»، لكنّه في الوقت نفسه ابن «التعبئة». وإذا كان ثمّة تدبيرٌ لعب دورًا في الحدث فهو خطاب التنحّي نفسه، الذي لعب على هذا التراكم وأجاد توظيفه، وهو ما يبدو لي أهمّ بما لا يقاس في تفسير الحدث من بعض المبادرات المحدودة من بعض شِلَل الاتحاد الاشتراكي، إن وُجِدت. وهكذا فإنّ هذا الكتاب بأكمله محاولة للحفر في الأسس السياسية والإيديولوجية العميقة لهذا الحدث الذي كان المصريّون فيه فاعلًا مباشرًا، ومفعولًا به غير مباشر على مدى تاريخي.
صفحة 5
لنبدأ بتحديد السمات الإيديولوجية الأساسية للحدث التي يتعيّن بحث جذورها:
ـ الحدث أولًا نتيجة تحرّك الجمهور العفوي بلا قيادات، بصفته، كما قيل لاحقًا، «شعبًا يرفض الهزيمة». وبرغم أنّ فكرة «الشعب» تبدو بديهية، إلّا أنّها في واقع الأمر نتاج طبيعة سلطة، وإيديولوجيا تمّ تسييدها، صوّرت الشعب ككتلة واحدة، ليست في حاجة إلّا لتنظيم سياسي واحد، لما لها، فيما افتُرض، من أهداف واحدة. وجوهر الفكرة هو تحويل الشعب إلى أفراد لا تجمّعهم أيّة رابطة واسعة خارج سيطرة السلطة.
ـ وهو ثانيًا يعتمد على جهود النظام عبر عقد ونصف عقد لتعبئة أفراد هذا «الشعب» ليكونوا موالين للنظام، لا بالمشاركة في السلطة، سواء بالسيطرة على المجال الإيديولوجي أو بأفكاره عن المساواة والاشتراكية وسياسته الاجتماعية.
ـ وهو ثالثًا نتيجة سيادة نمط معيّن من إيديولوجيا التحرّر الوطني، له طابع شعبوي populist، يركز على فكرة «العزّة والكرامة»، ويقوم على إخضاع السياسة الخارجية لمجال ابتزاز أخلاقي، بما أدّى في النهاية إلى تورّط النظام في الحرب لأسباب إيديولوجية أساسًا.
ـ وهو أخيرًا نتيجة تجسّد الدولة، بل وهذا «الشعب الواحد»، في شخص واحد، هو جمال عبد الناصر، الذي هتفت المظاهرات باسمه، معتبرة بقاءه على قمّة السلطة، دون غيره من «رجال الثورة»، تجسيدًا وحيدًا وضروريًّا لوجودها نفسه. وعلى عكس الفكرة القائلة بأنّ الزعامة «طبيعة» تنبع من ذات الزعيم وقدراته وإخلاصه، ومختلف خصاله، ستبيّن الدراسة كيف أمكن تاريخيًّا تجسيد «الشعب الواحد» في شخص.
ستتناول فصول الكتاب هذه العناصر، لتنتهي بتحليل تفصيلي إلى حدٍّ ما لـ«خطاب التنحّي»، وكيفية عمله على استثمار محصّلة هذه الوجبة الإيديولوجية المتكاملة التي قُررت على المصريين على مدى خمسة عشر عامًا، بما يتّفق مع ظروف لحظة الهزيمة.
على هذا النحو، يُعَد الكتاب في المقام الأول محاولة للحفر عن كيفية تشكيل الوعي العامّ في تلك الفترة بأدوات السلطة وبأيدي رجالها، ومحتوى هذا الوعي. ومن هنا اعتمد في المقام الأول على مجموعة من النصوص التي رسمت حدود المجال الإيديولوجي وطبيعته في تلك المرحلة، وعلى رأسها خطب الرئيس عبد الناصر، وزملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وتصريحاتهم وأحاديثهم الصحفية. فضلًا عن مقالات أعلام الصحافة في ذلك الحين مثل مصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وإحسان عبد القدوس ومحمد التابعي وغيرهم، لدورهم البارز في تشكيل المجال الإيديولوجي للفترة، فضلًا عن مانشيتات الصحف وما ورد بها من أخبار بشأن أدوات التعبئة الإيديولوجية المختلفة.
إلى جانب ذلك تعتمد الدراسة بصفة مكمّلة على مذكّرات المشاركين في تلك الفترة وكذا العديد من الدراسات التي كُتبت عن جوانب متعدّدة من تاريخها. وتتعرّض بشكل مختصر للتحوّلات الاقتصادية/ الاجتماعية التي أجراها النظام في تلك الفترة وآثارها الإيديولوجية.
ـ الحدث أولًا نتيجة تحرّك الجمهور العفوي بلا قيادات، بصفته، كما قيل لاحقًا، «شعبًا يرفض الهزيمة». وبرغم أنّ فكرة «الشعب» تبدو بديهية، إلّا أنّها في واقع الأمر نتاج طبيعة سلطة، وإيديولوجيا تمّ تسييدها، صوّرت الشعب ككتلة واحدة، ليست في حاجة إلّا لتنظيم سياسي واحد، لما لها، فيما افتُرض، من أهداف واحدة. وجوهر الفكرة هو تحويل الشعب إلى أفراد لا تجمّعهم أيّة رابطة واسعة خارج سيطرة السلطة.
ـ وهو ثانيًا يعتمد على جهود النظام عبر عقد ونصف عقد لتعبئة أفراد هذا «الشعب» ليكونوا موالين للنظام، لا بالمشاركة في السلطة، سواء بالسيطرة على المجال الإيديولوجي أو بأفكاره عن المساواة والاشتراكية وسياسته الاجتماعية.
ـ وهو ثالثًا نتيجة سيادة نمط معيّن من إيديولوجيا التحرّر الوطني، له طابع شعبوي populist، يركز على فكرة «العزّة والكرامة»، ويقوم على إخضاع السياسة الخارجية لمجال ابتزاز أخلاقي، بما أدّى في النهاية إلى تورّط النظام في الحرب لأسباب إيديولوجية أساسًا.
ـ وهو أخيرًا نتيجة تجسّد الدولة، بل وهذا «الشعب الواحد»، في شخص واحد، هو جمال عبد الناصر، الذي هتفت المظاهرات باسمه، معتبرة بقاءه على قمّة السلطة، دون غيره من «رجال الثورة»، تجسيدًا وحيدًا وضروريًّا لوجودها نفسه. وعلى عكس الفكرة القائلة بأنّ الزعامة «طبيعة» تنبع من ذات الزعيم وقدراته وإخلاصه، ومختلف خصاله، ستبيّن الدراسة كيف أمكن تاريخيًّا تجسيد «الشعب الواحد» في شخص.
ستتناول فصول الكتاب هذه العناصر، لتنتهي بتحليل تفصيلي إلى حدٍّ ما لـ«خطاب التنحّي»، وكيفية عمله على استثمار محصّلة هذه الوجبة الإيديولوجية المتكاملة التي قُررت على المصريين على مدى خمسة عشر عامًا، بما يتّفق مع ظروف لحظة الهزيمة.
على هذا النحو، يُعَد الكتاب في المقام الأول محاولة للحفر عن كيفية تشكيل الوعي العامّ في تلك الفترة بأدوات السلطة وبأيدي رجالها، ومحتوى هذا الوعي. ومن هنا اعتمد في المقام الأول على مجموعة من النصوص التي رسمت حدود المجال الإيديولوجي وطبيعته في تلك المرحلة، وعلى رأسها خطب الرئيس عبد الناصر، وزملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وتصريحاتهم وأحاديثهم الصحفية. فضلًا عن مقالات أعلام الصحافة في ذلك الحين مثل مصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وإحسان عبد القدوس ومحمد التابعي وغيرهم، لدورهم البارز في تشكيل المجال الإيديولوجي للفترة، فضلًا عن مانشيتات الصحف وما ورد بها من أخبار بشأن أدوات التعبئة الإيديولوجية المختلفة.
إلى جانب ذلك تعتمد الدراسة بصفة مكمّلة على مذكّرات المشاركين في تلك الفترة وكذا العديد من الدراسات التي كُتبت عن جوانب متعدّدة من تاريخها. وتتعرّض بشكل مختصر للتحوّلات الاقتصادية/ الاجتماعية التي أجراها النظام في تلك الفترة وآثارها الإيديولوجية.
صفحة 6
الفصل الأول
الزحف المقدّس
أيًّا كانت الاختلافات في تحليل طبيعة حكم الضباط، فلا شكّ أنّه حكم عسكري. فالضباط لم يستولوا على السلطة بواسطة حزب سياسي أو أيّ تنظيم جماهيري من أيّ نوع، وإنّما اعتمدوا على وحدات من الجيش، حرّكوها بالأوامر العسكرية واستولَوا بها على أعصاب النظام القديم تحت جنح الظلام، قبل أن يبزغ فجر 23 يوليو 1952. ومع ذلك لقي الضباط ترحيبًا جماهيريًّا بعملهم بفعل الانهيار العامّ والانقسامات السياسية، سواء داخل معسكر النظام القديم، أو معسكر أعدائه (منظمات الإنتليجنسيا(*) المتمرّدة على اختلاف توجُّهاتها: الإخوان، التنظيمات الشيوعية، مصر الفتاة، جناح فتحي رضوان من الحزب الوطني).وأيًّا كان تقييم سياساتهم، فمن المؤكّد أنّها ارتبطت بفكرة «العدالة الاجتماعية»، أو ما سُمّي وقتها «مكاسب الشعب»، ثم الشعب العامل تخصيصًا بعد الميثاق (1962). فهي تندرج بشكل أو بآخر تحت مسمّى السياسات الإصلاحية.
ظهر الضبّاط منذ البداية كقوّة إصلاحية غامضة، فلم يحتوِ بيانهم الأول سوى على شكوى من الفساد السياسي الذي طال الجيش، وتسبّب، فيما قالوا، في هزيمة 1948. ثم أعلنوا (1956) عن ستّة أهداف إصلاحية، يمكن وصفها بالغموض؛ لأنّها لا تعبّر عن برنامج بعينه، وهي: القضاء على الاستعمار وأعوانه والإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، تفيد جميعًا فكرة استقلال السلطة عن كلّ القوى السياسية والاجتماعية، الداخلية والخارجية؛ فضلًا عن إقامة جيش وطني قوي وعدالة اجتماعية وحياة ديمقراطية «سليمة». وهي تعبيرات ثبت عمليًّا أنّها فضفاضة، حيث اتّسع تصوّر «العدالة الاجتماعية» لسياسات مختلفة تراوحت بين توجيه رأس المال المديني الخاصّ الكبير مع تشجيعه، وتأميمه في عام 1960 وما بعده.
ومع ذلك، اتّخذ الضباط إجراءات إصلاحية محدّدة بسرعة كبيرة، أولها إصلاح زراعي محدود في سبتمبر 1952، ثم ثلاثة قوانين عمّالية هدفت لحماية بعض حقوق العمال وعلى رأسها التنظيم النقابي. وهنا يبرز واقع أنّ حركة الضباط في 23 يوليو لم تكن حركة الرتب العليا المرتبطة برءوس النظام، بل الرتب الوسطى التي كانت لديها أسبابها للسخط، وعلى رأسها أحوال الجيش نفسه.
كذلك تراوح مفهوم الديمقراطية السليمة بين صيغة «الزحف المقدّس»، التي افترضت تنظيم الشعب بأكمله في زحف بقيادة الضباط، بعد تطهيرات مارس وإبريل 1954، وصيغة تحالف قوى الشعب العامل بعد تأميمات 1961، التي تفترض، على العكس، استمرار وجود رجعية متربّصة يجب تنظيم الصفوف لمواجهتها على مدى طويل.
أمّا الملمح الثالث والأخير، فهو استقلال حركة الضباط الأحرار عن كافّة القوى السياسية التي كانت قائمة آنذاك، سواء الموالية للنظام القديم أو المعادية له. لكنّها كانت أقرب إيديولوجيًّا للأخيرة، حيث تلقّى معظم أفراد الضباط الأحرار تربيّتهم السياسية تحت تأثير منظّماتها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وبصفة خاصّة منظّمات الإنتليجنسيا المتمرّدة السلطوية authoritarian (الإخوان المسلمين ومصر الفتاة والحزب الوطني ـ جناح فتحي رضوان)، فرجال تنظيم «حدتو» الماركسي في تنظيم الضباط الأحرار استُبعدوا في الفترة الأولى بعد تولّي السلطة. والواقع أنّ استقلال الضباط الأحرار التنظيمي هو الذي ميزهم عن كلّ التنظيمات السياسية الأخرى في الجيش، التي كانت فروعًا لتنظيمات سياسية مدنية. ويرصد طارق البشري أنّ اختلاف الميول السياسية للضباط جعلهم يلتقون على أهداف عامّة تحفظ لهم وحدتهم، كما تحفظ لهم استقلالهم التنظيمي والإيديولوجي. وفي عام 1961 شخّص لطفي الخولي حالة الاستقلال هذه كالآتي:
لمّا كانت ثورة الجيش لم تصدر عن حزب من الأحزاب السياسية، بل انطلقت تعبيرًا وتنفيذًا لإرادة مجموعة «الضبّاط الأحرار» بقيادة عبد الناصر، مستقلّة في حركتها عن جميع القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع المنهار، فقد أقامت بالتالي دولة ذات سلطات مستقلّة استقلالًا ذاتيًّا عن القوى الاجتماعية والسياسية القائمة وقتذاك. وساعد على ذلك توازن القوى الاجتماعية والظروف الاستثنائية التي كانت تمرّ بها البلاد والعالم أجمع: [الحرب الباردة] في هذه المرحلة من التاريخ التي تميّزت بتعادل ميزان القوى [الدولي].
هذه السمة هي الأكثر أهمية في تقديري؛ لأنّها جامعة. فالاستقلال هذا يرجع من ناحية إلى طبيعة الانقلاب العسكري نفسه، باعتباره انقلاب مجموعة ضباط من الرتب الوسطى، غير تابعة سياسيًّا لأيّة قوى منظمة، سياسية أو اجتماعية، وميلهم للديكتاتورية بسبب استقلالهم هذا، وبالتالي عدم قدرتهم على الاعتماد على أيّة قوّة سياسية أو اجتماعية. وهي تفسّر أيضًا تقلّب سياسات الضباط في السلطة، بفعل ما وفّره هذا الاستقلال من مساحة واسعة للمناورة، من ناحية، ومشكلات سلطتهم التي دفعت لهذه التقلّبات من ناحية أخرى.
صفحة 7
وبجمع سمات النظام الجديد الأساسية، نجد أنّ البلاد واجهت بحلول الانقلاب سلطة عسكرية إصلاحية مستقلة، لا عن القوى السياسية فحسب، بل كذلك عن مختلف المنظّمات الجماهيرية (النقابات مثلًا)، أي عن أصحاب الشأن المعنيّين مباشرة بما كان يُعرف بـ«مكاسب الشعب» التي كان يمنحها النظام. فلم يكن أمام الممنوحين سوى الشكر، والمطالبة بالمزيد من خلال المنظمات الجماهيرية التي سُميت سياسية والتي أقامها النظام (هيئة التحرير، الاتّحاد القومي، الاتّحاد الاشتراكي العربي). وظلّ هيكل القوّة السياسية كيانًا مستغلقًا أمام مختلف القوى الاجتماعية. وفي مقال شهير وصف إحسان عبد القدوس سلطة الضباط الغامضة المنعزلة هذه بأنّها «الجمعية السرية التي تحكم مصر» (1954).
بمنطق حكم الجماعة السرية هذا، كان أكثر الأشياء بداهة لهؤلاء العسكريين، وهم يشعرون بالسياسيين يستخفّون بهم ويسعون لاستثمارهم، أن يُصَفُّوا أولًا الحياة السياسية عمومًا، ثم يطرحوا أنفسهم ممثّلين للشعب في عمومه، لأنّهم لا يستطيعون أن يمثّلوا أيًّا من أطرافه، ولا أن يدخلوا في معركة سياسية لتمثيله، ولا أن يواجهوا أيّة قوّة في مجال سياسي مفتوح. وكذلك لأنّ إيديولوجيتهم وأهدافهم الإصلاحية كانت على قدر من الغموض لا يسمح بتجاوز التعميمات الفضفاضة.
من جهة أخرى خلع الضباط انتماءاتهم السياسية المختلفة السابقة، واستبقوا منها ميولًا سياسية، بلا روابط تنظيمية، فأصبحوا يواجهون المشهد السياسي العامّ «أحرارًا» من كلّ التزام تجاه قواه القائمة، ولم تنجح أيّة قوّة منها، أو أيّ تحالف من القوى، في السيطرة على المسرح السياسي وإعادتهم إلى ثكناتهم.
لدينا إذن جماعة وطنية من الضبّاط، تعتمد على علاقاتها الشخصية في إدارة السلطة بشكل جماعي، في البداية، بقيادة عبد الناصر، وليس لديها أيّ التزام تجاه أيّة قوّة من القوى السياسية القائمة.. سواء الأحزاب البرلمانية أو التنظيمات غير البرلمانية التي عارضت النظام القديم. على أيّ أساس ينبني تصوّرهم لمشروعية حكمهم إذن؟
برغم أنّ الضبّاط استولوا على السلطة عسكريًّا، لم يكن متصوّرًا أن يحكموا «بحقّ الفتح» كما حكمت إمبراطوريات العصور القديمة والوسطى، أو المماليك، لأنّهم أبناء تراث الدولة الحديثة، المدنية من حيث الجوهر، وأبناء الحركة الوطنية التي رسّخت مبدأ سيادة الشعب. ولا كانوا يتمتّعون بحقّ وراثي في الحكم، ولا كان بمقدورهم أن يطرحوا حكمهم كمجرّد سلطة عسكرية قائمة على علاقاتهم الشخصية، أو على أساس تمجيد الحكم العسكري والعسكرية من حيث المبدأ، فلم يكن لهذا الجيش أيّة إنجازات «وطنية بعد عهد محمد علي، إن جاز اعتبار حروبه وطنية. لهذا، لم يتكوّن تنظيم الضباط الأحرار أصلًا بناء على أيّ من هذه التصوّرات غير الواقعية، بل على أساس الفكرة الوطنية السائدة.
واقع الأمر أنّ الضباط شكّلوا تنظيمهم من البداية نفسها بمنطق «الدفاع عن الشعب»، أو «منع استعمال الملك للجيش ضدّ الشعب»، في وقت كان فيه الشعب ثائرًا على الملك ووزاراته. بدوافعهم الوطنية التي اقتبسوها من تراث مجمل الحركة الوطنية المصرية آنذاك، لم يكن متصوّرًا أن يتولّوا السلطة إلّا بشكل مؤقت، إلى حين تسليم الحكم للشعب وفقًا للتقاليد الديمقراطية التي لم تكن قد نُسيت بعد. وكان هذا ما أعلنه محمد نجيب بالضبط في البيان الثاني للضباط.
لكنّ الضبّاط الأحرار من جهة أخرى كانوا يعتنقون في معظمهم فكرة مؤدّاها أن الأهداف الوطنية في الاستقلال والعدالة الاجتماعية إنّما تحتاج إلى «تطهير البلاد» من الخونة والمستغلّين ومن اعتبروهم «أعداء الشعب»، تمهيدًا، كما تصوّروا في البداية، لإعادة ديمقراطية «سليمة» أو «صحية». وقد قام بعضهم بالفعل ببعض عمليات الاغتيال قبل الانقلاب، سواء ضمن تنظيمات أخرى أو بعد التحاقهم بتنظيم الضبّاط الأحرار، بغرض «تطهير» البلاد ممّن اعتبروهم خونة. ومع رسوخ أقدامهم في السلطة واكتشاف مدى هشاشة النظام القديم، تزايدت رغباتهم في ممارسة الديكتاتورية بدافع وطني. وكان من الطبيعي إذن أنّهم طرحوا سلطتهم المستجدّة التي أخذوا في ترسيخها كسلطة مستبدّة باعتبارها سلطة الشعب ككل، بل وكسلطة مدنية. وبالتالي لا تتحقّق «حرّية» الشعب، أو بالأحرى مصالحه وأمنه، إلّا بضمان حرية الضبّاط، أي انفرادهم بالسلطة.
بهذا المنطق أقام الضبّاط «هيئة التحرير»، وهي أداة حشد مدنية تحت سيطرتهم، قبل حلّ الأحزاب، «باسم الشعب المصري». ووفقًا للمنطق الضمني القائل بأنّ انفراد الضباط بالحكم هو شرط تحقيق الأماني الوطنية، والإصلاح الاجتماعي، كان تحقيق هذه الحرّية يتطلّب تصفية الحياة السياسية بالكامل، وبالتالي تقوم ديمقراطية الوصاية على إلغاء الأحزاب وإخضاع منظّمات المجتمع المدني والأفراد. هذه هي الديمقراطية «السليمة» التي جاءت في المبدأ السادس من «المبادئ الستة».
بمنطق حكم الجماعة السرية هذا، كان أكثر الأشياء بداهة لهؤلاء العسكريين، وهم يشعرون بالسياسيين يستخفّون بهم ويسعون لاستثمارهم، أن يُصَفُّوا أولًا الحياة السياسية عمومًا، ثم يطرحوا أنفسهم ممثّلين للشعب في عمومه، لأنّهم لا يستطيعون أن يمثّلوا أيًّا من أطرافه، ولا أن يدخلوا في معركة سياسية لتمثيله، ولا أن يواجهوا أيّة قوّة في مجال سياسي مفتوح. وكذلك لأنّ إيديولوجيتهم وأهدافهم الإصلاحية كانت على قدر من الغموض لا يسمح بتجاوز التعميمات الفضفاضة.
من جهة أخرى خلع الضباط انتماءاتهم السياسية المختلفة السابقة، واستبقوا منها ميولًا سياسية، بلا روابط تنظيمية، فأصبحوا يواجهون المشهد السياسي العامّ «أحرارًا» من كلّ التزام تجاه قواه القائمة، ولم تنجح أيّة قوّة منها، أو أيّ تحالف من القوى، في السيطرة على المسرح السياسي وإعادتهم إلى ثكناتهم.
لدينا إذن جماعة وطنية من الضبّاط، تعتمد على علاقاتها الشخصية في إدارة السلطة بشكل جماعي، في البداية، بقيادة عبد الناصر، وليس لديها أيّ التزام تجاه أيّة قوّة من القوى السياسية القائمة.. سواء الأحزاب البرلمانية أو التنظيمات غير البرلمانية التي عارضت النظام القديم. على أيّ أساس ينبني تصوّرهم لمشروعية حكمهم إذن؟
برغم أنّ الضبّاط استولوا على السلطة عسكريًّا، لم يكن متصوّرًا أن يحكموا «بحقّ الفتح» كما حكمت إمبراطوريات العصور القديمة والوسطى، أو المماليك، لأنّهم أبناء تراث الدولة الحديثة، المدنية من حيث الجوهر، وأبناء الحركة الوطنية التي رسّخت مبدأ سيادة الشعب. ولا كانوا يتمتّعون بحقّ وراثي في الحكم، ولا كان بمقدورهم أن يطرحوا حكمهم كمجرّد سلطة عسكرية قائمة على علاقاتهم الشخصية، أو على أساس تمجيد الحكم العسكري والعسكرية من حيث المبدأ، فلم يكن لهذا الجيش أيّة إنجازات «وطنية بعد عهد محمد علي، إن جاز اعتبار حروبه وطنية. لهذا، لم يتكوّن تنظيم الضباط الأحرار أصلًا بناء على أيّ من هذه التصوّرات غير الواقعية، بل على أساس الفكرة الوطنية السائدة.
واقع الأمر أنّ الضباط شكّلوا تنظيمهم من البداية نفسها بمنطق «الدفاع عن الشعب»، أو «منع استعمال الملك للجيش ضدّ الشعب»، في وقت كان فيه الشعب ثائرًا على الملك ووزاراته. بدوافعهم الوطنية التي اقتبسوها من تراث مجمل الحركة الوطنية المصرية آنذاك، لم يكن متصوّرًا أن يتولّوا السلطة إلّا بشكل مؤقت، إلى حين تسليم الحكم للشعب وفقًا للتقاليد الديمقراطية التي لم تكن قد نُسيت بعد. وكان هذا ما أعلنه محمد نجيب بالضبط في البيان الثاني للضباط.
لكنّ الضبّاط الأحرار من جهة أخرى كانوا يعتنقون في معظمهم فكرة مؤدّاها أن الأهداف الوطنية في الاستقلال والعدالة الاجتماعية إنّما تحتاج إلى «تطهير البلاد» من الخونة والمستغلّين ومن اعتبروهم «أعداء الشعب»، تمهيدًا، كما تصوّروا في البداية، لإعادة ديمقراطية «سليمة» أو «صحية». وقد قام بعضهم بالفعل ببعض عمليات الاغتيال قبل الانقلاب، سواء ضمن تنظيمات أخرى أو بعد التحاقهم بتنظيم الضبّاط الأحرار، بغرض «تطهير» البلاد ممّن اعتبروهم خونة. ومع رسوخ أقدامهم في السلطة واكتشاف مدى هشاشة النظام القديم، تزايدت رغباتهم في ممارسة الديكتاتورية بدافع وطني. وكان من الطبيعي إذن أنّهم طرحوا سلطتهم المستجدّة التي أخذوا في ترسيخها كسلطة مستبدّة باعتبارها سلطة الشعب ككل، بل وكسلطة مدنية. وبالتالي لا تتحقّق «حرّية» الشعب، أو بالأحرى مصالحه وأمنه، إلّا بضمان حرية الضبّاط، أي انفرادهم بالسلطة.
بهذا المنطق أقام الضبّاط «هيئة التحرير»، وهي أداة حشد مدنية تحت سيطرتهم، قبل حلّ الأحزاب، «باسم الشعب المصري». ووفقًا للمنطق الضمني القائل بأنّ انفراد الضباط بالحكم هو شرط تحقيق الأماني الوطنية، والإصلاح الاجتماعي، كان تحقيق هذه الحرّية يتطلّب تصفية الحياة السياسية بالكامل، وبالتالي تقوم ديمقراطية الوصاية على إلغاء الأحزاب وإخضاع منظّمات المجتمع المدني والأفراد. هذه هي الديمقراطية «السليمة» التي جاءت في المبدأ السادس من «المبادئ الستة».
صفحة 8
كانت أحداث مارس 1954 كاشفة عن طبيعة السلطة وإيديولوجيتها، فقد كانت مواجهة بين فكرة حكم الشعب عن طريق ممثليه المنتخبين، تدافع عنها القوى المعادية لحكم الضباط والمنادية بالديمقراطية، وفكرة الحكم بالنيابة عن الشعب ممثّلة في طرح الضبّاط. وفي ذروة المواجهة، وضع عبد الناصر الفكرة بشكل بالغ الوضوح. في مساء التاسع من مارس عام 1954، كانت المواجهة محتدمة، والمشهد يبدو وكأنّه قد يكون بداية النهاية لحكم الضبّاط (برغم أنّ قرارات 5 مارس التي وعدت بالديمقراطية وصدرت تحت ضغط انقسام الجيش لم تحدد في الواقع كيفية تشكيل الجمعية التأسيسية التي ستضع الدستور المقبل ولم تنصّ صراحة على عودة الضبّاط للثكنات). في هذه اللحظة وقف عبد الناصر، رئيس الوزراء آنذاك، في وجود محمد نجيب، رئيس الجمهورية المعيَّن، وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، خطيبًا في ضباط الجيش في ناديهم، وأعلن تمرُّده الصريح على قرارات 5 مارس قائلًا:
أنتم يا رجال الجيش، يا من قمتم في 23 يوليو... لتخلّصوا الشعب من آلامه ولتحقّقوا له آماله... ستوقفون الرجعية في مكانها... طالما تألّم الشعب وطالما همس الشعب وطالما صرخ الشعب، وطالما تاه هذا الشعب بين المبادئ المختلفة وبين الأهداف المختلفة... طالما خدعوا هذا الشعب في الماضي... أؤمن أنّ المبادئ ستنتصر وأنّ المثل العليا ستنتصر... طالما كنتم تؤمنون بالمبادئ وتؤمنون بالمُثل... وطالما لم يغرّر بكم كما يريدون أن يغرّروا بالشعب.
لا نجد هنا ولو محاولة من عبد الناصر لادّعاء أنّه والضبّاط المؤيّدين له يمثّلون الشعب بوصفه جماعة بشرية محدّدة عن طريق تفويض يتيح لهم تمثيله رسميًّا، وليس باعتبارهم منتخبين بأيّ معنى من معاني الانتخاب، ولا حتّى ادّعى الحصول على تأييد ضمني، بل ثمة توجّس من أنّ الشعب قد «يُغَرَّر به»، بمعنى أن يرفض حكمهم. كذلك لم يطرح عبد الناصر على نفسه وزملائه مهمّة اكتساب ثقة الشعب والحصول على تفويض كهذا، أو استعادة ثقة مفقودة، بل طرح تأكيدًا من طرف واحد بأنّه يعتبر نفسه والضبّاط المؤيّدين له أصدق تمثيلًا للشعب من كلّ الأطراف الأخرى، وعلق «انتصار المبادئ والمثل»، وهي فكرة غامضة بحدّ ذاتها، على أن يظلّ الضبّاط وحدهم مؤمنين بها. فسواء تمّ «التغرير» بالشعب أم لا فإنّ عدم انقسام الجيش كافٍ بحدّ ذاته لتحقيق «حكم الشعب».
يعني هذا أنّ فكرة «الجيش» (الواقع تحت سيطرة الضباط الأحرار) عن الشعب ومصالحه هي بحدّ ذاتها معيار مصلحة الشعب وأساس سيادته. أمّا القطاعات التي ترفضها، فلا تمثّل الشعب مهما اتّسعت. فهذه القطاعات من الشعب، اتّسعت أو تضاءلت، ليست إلّا قطاعات مخدوعة عن مصالحها نفسها. وبالتالي يظلّ الضبّاط وهم يتحرّكون ضدّ القوى السياسية الفاعلة التي أثبتت ثقلها الجماهيري محتفظين في رأي أنفسهم بفكرة تمثيل الشعب، بوصفه كتلة واحدة متّحدة المصالح، تتحقّق مصالحها بقدر ما ينجح الضبّاط في الوصاية عليها.
من ناحية أولى، تقوم هذه الفكرة بأكملها على افتراض أنّ ثمة كيانًا سياسيًّا موحدًا متجانسًا يُسَمَّى الشعب حالًّا مباشرة في إرادة موحّدة، أو يمكن أن تعبّر عنه إرادة محدّدة، لا يخرج عنها إلّا خوارج على الشعب. هذا الافتراض خيال سياسي. ليس فقط لأنّ الشعب ينقسم إلى طبقات وفئات اجتماعية مختلفة أو متصادمة، وإلى ريفيين ومدينيين، وأزهريين وجامعيين... إلخ، لكلّ منها رؤيته وثقافته ومصالحه، ولكن أيضًا لأنّ فكرة الصالح العام نفسها تنقسم وفقًا لتصوّرات هذه الفئات المختلفة، بما يستحيل معه اختزالها إلى مفهوم «الشعب» ككتلة مصمتة كما طرحه عبد الناصر هنا، كأساس لافتراض أنّ هذه الكتلة الواحدة لها تعبير موحّد واحد «صحيح» عن مصالحها الواحدة، أي التعبير الذي ينطق به الضباط تحديدًا كما رأينا.
من ناحية ثانية، كان هذا التصوّر قد تبلور في شعار «الزحف المقدس»، الذي ظهر منذ أواخر 1953 في مقالات «فلسفة الثورة». وهو شعار يضع مثلًا أعلى مؤدّاه أن يصبح السكان «حشودًا» موحّدة الوجهة والهدف، تسير خلف طليعة مُسَلَّم بطليعيتها سلفًا، متقبلة للوصاية. وسوف تعمل سياسة الضبّاط من بعد على خلق هذا النوع من الشعب على ما سنرى. بهذا المنطق، تنفصل مصالح الشعب السياسية عن رؤية الشعب نفسه. فهي تتحقّق بإقامة سلطة تباشر هذه المصالح بصرف النظر عن رضا الشعب أو عدم رضاه. بعبارة أخرى، يعفي هذا التصوّر الضباط من الحاجة لإثبات رضا الشعب المعني عن سياساتهم.
أنتم يا رجال الجيش، يا من قمتم في 23 يوليو... لتخلّصوا الشعب من آلامه ولتحقّقوا له آماله... ستوقفون الرجعية في مكانها... طالما تألّم الشعب وطالما همس الشعب وطالما صرخ الشعب، وطالما تاه هذا الشعب بين المبادئ المختلفة وبين الأهداف المختلفة... طالما خدعوا هذا الشعب في الماضي... أؤمن أنّ المبادئ ستنتصر وأنّ المثل العليا ستنتصر... طالما كنتم تؤمنون بالمبادئ وتؤمنون بالمُثل... وطالما لم يغرّر بكم كما يريدون أن يغرّروا بالشعب.
لا نجد هنا ولو محاولة من عبد الناصر لادّعاء أنّه والضبّاط المؤيّدين له يمثّلون الشعب بوصفه جماعة بشرية محدّدة عن طريق تفويض يتيح لهم تمثيله رسميًّا، وليس باعتبارهم منتخبين بأيّ معنى من معاني الانتخاب، ولا حتّى ادّعى الحصول على تأييد ضمني، بل ثمة توجّس من أنّ الشعب قد «يُغَرَّر به»، بمعنى أن يرفض حكمهم. كذلك لم يطرح عبد الناصر على نفسه وزملائه مهمّة اكتساب ثقة الشعب والحصول على تفويض كهذا، أو استعادة ثقة مفقودة، بل طرح تأكيدًا من طرف واحد بأنّه يعتبر نفسه والضبّاط المؤيّدين له أصدق تمثيلًا للشعب من كلّ الأطراف الأخرى، وعلق «انتصار المبادئ والمثل»، وهي فكرة غامضة بحدّ ذاتها، على أن يظلّ الضبّاط وحدهم مؤمنين بها. فسواء تمّ «التغرير» بالشعب أم لا فإنّ عدم انقسام الجيش كافٍ بحدّ ذاته لتحقيق «حكم الشعب».
يعني هذا أنّ فكرة «الجيش» (الواقع تحت سيطرة الضباط الأحرار) عن الشعب ومصالحه هي بحدّ ذاتها معيار مصلحة الشعب وأساس سيادته. أمّا القطاعات التي ترفضها، فلا تمثّل الشعب مهما اتّسعت. فهذه القطاعات من الشعب، اتّسعت أو تضاءلت، ليست إلّا قطاعات مخدوعة عن مصالحها نفسها. وبالتالي يظلّ الضبّاط وهم يتحرّكون ضدّ القوى السياسية الفاعلة التي أثبتت ثقلها الجماهيري محتفظين في رأي أنفسهم بفكرة تمثيل الشعب، بوصفه كتلة واحدة متّحدة المصالح، تتحقّق مصالحها بقدر ما ينجح الضبّاط في الوصاية عليها.
من ناحية أولى، تقوم هذه الفكرة بأكملها على افتراض أنّ ثمة كيانًا سياسيًّا موحدًا متجانسًا يُسَمَّى الشعب حالًّا مباشرة في إرادة موحّدة، أو يمكن أن تعبّر عنه إرادة محدّدة، لا يخرج عنها إلّا خوارج على الشعب. هذا الافتراض خيال سياسي. ليس فقط لأنّ الشعب ينقسم إلى طبقات وفئات اجتماعية مختلفة أو متصادمة، وإلى ريفيين ومدينيين، وأزهريين وجامعيين... إلخ، لكلّ منها رؤيته وثقافته ومصالحه، ولكن أيضًا لأنّ فكرة الصالح العام نفسها تنقسم وفقًا لتصوّرات هذه الفئات المختلفة، بما يستحيل معه اختزالها إلى مفهوم «الشعب» ككتلة مصمتة كما طرحه عبد الناصر هنا، كأساس لافتراض أنّ هذه الكتلة الواحدة لها تعبير موحّد واحد «صحيح» عن مصالحها الواحدة، أي التعبير الذي ينطق به الضباط تحديدًا كما رأينا.
من ناحية ثانية، كان هذا التصوّر قد تبلور في شعار «الزحف المقدس»، الذي ظهر منذ أواخر 1953 في مقالات «فلسفة الثورة». وهو شعار يضع مثلًا أعلى مؤدّاه أن يصبح السكان «حشودًا» موحّدة الوجهة والهدف، تسير خلف طليعة مُسَلَّم بطليعيتها سلفًا، متقبلة للوصاية. وسوف تعمل سياسة الضبّاط من بعد على خلق هذا النوع من الشعب على ما سنرى. بهذا المنطق، تنفصل مصالح الشعب السياسية عن رؤية الشعب نفسه. فهي تتحقّق بإقامة سلطة تباشر هذه المصالح بصرف النظر عن رضا الشعب أو عدم رضاه. بعبارة أخرى، يعفي هذا التصوّر الضباط من الحاجة لإثبات رضا الشعب المعني عن سياساتهم.
صفحة 9
والخلاصة هنا هي فكرة حاجة الشعب إلى الوصاية. فالقول بأنّ التعبير «السليم» عن سلطة الشعب، أو تحقيق مصالحه، يتطلّب حكم زمرة من الضبّاط، يفترض أنّ الشعب نفسه عاجز عن ممارسة سلطته، أي أنّ به «قصورًا» أو «نقصًا» ما، يجعله غير مؤهل، وبالتالي يحتاج إلى وصاية الضباط. وبالفعل، عبَّر الضباط الأحرار، وصحفيون وغيرهم، عن هذه الرؤية صراحة. فوفقًا لمقال لعبد الناصر، تتمثّل مهمّة الضبّاط في إنقاذ عبد ذليل مستضعف من بطش سيّده: «منذ سنوات لا تتجاوز أصابع اليدين سمعت أنينك الرهيب... حين قلت في صوت يائس حزين «من سيحمل عنى عبء القضاء على الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي؟»... ولم تعلم أيّها المواطن أنّ الجيش يحسّ بإحساسك» (1955). فالمواطن في هذه الرؤية لا يكاد حتّى يحتج، فقط يصدر عنه أنين متصل طويل عاجز بلا أمل، حتّى أتى الضبّاط من حيث لا يدري وأنقذوه بشهامة. وبعبارات أكثر تهذيبًا: «ثورة يوليو 1952... كانت تعبر عن آلامكم أنتم أيّها المواطنون... وكان [الشعب] يشعر أنّ الجيش يقف عقبة في سبيله... فوجدنا أنّ هناك مسئولية كبرى تقع على عاتقنا نحن ضبّاط الجيش... حتّى نشترك مع الشعب في كفاحه [الشعب يكافح إذن في الصيغ المهذبة]... فقمنا بهذه الثورة نعبر عنكم وعن إرادتكم وعن آلامكم وعن آمالكم» (1954).
لكنّ فكرة الشعب العاجز المحتاج إلى وصاية تتعدّى خطب عبد الناصر، بل لعلّها ترجع إلى المنظمات السلطوية المختلفة، التي سبقت الإشارة إليها، منذ الثلاثينيات. لذلك كان عهد قيام سلطة الضبّاط وتوطيدها حافلًا بكتابات وخطب أخرى تشير إلى الفكرة نفسها. مثلًا، كتب الصحفي جلال الدين الحمامصي، أنّ الشعب «لم يكن يعلم بالحقائق التي تمكّنه من أن يحكم، ولم يكن يذهب باختياره إلى صناديق الانتخاب... إنّنا نريد الشفاء الكامل من كلّ الأمراض التي أضعف الاستعمار بها كياننا الاجتماعي والسياسي». حين يتمّ هذا الشفاء، وقتما يتمّ، يمكن أن يحصل الشعب على السيادة. ومهمّة الضبّاط هي بالتحديد تحقيق هذا الشفاء.
على هذا النحو كان أساس شرعية السلطة الجديدة هي الحطّ من قدر الشعب كمبرّر للوصاية عليه. وبناء عليه، يعبر الضبّاط عن الشعب ويخدمونه بغير حاجة إلى تفويض منه، بل كالتزام أخلاقي، لأنّ دورهم، على العكس، هو تربيته وشفاؤه من عيوبه الأخلاقية وإرشاده ومنعه من إلحاق الضرر بنفسه، كمهمّة مؤقتة إلى أن «يشفى»، أو «ينضج» ويتسلّم سلطته المستحقّة له دون غيره.
ويتمثّل منطق الوصاية التربوية هذا بكثير من أبعاده في قول عبد الناصر الجامع التالي (1954):
أتى إلينا رجال السياسة وقالوا لنا: لقد أدّيتم الرسالة وعليكم الآن أن تسلّموا الأمانة [: السلطة]. قال بعضهم إنّ علينا أن نسلّمها باسم الحرّية وباسم الديمقراطية، وقال بعضهم إنّ علينا أن نسلّمها باسم الإسلام وباسم الدين... [ولكنّهم] لم يقيموا في هذا الوطن عزّة ولا كرامة ولا حرّية، فآثرنا أن نحتفظ بالأمانة... [لنحميها] من الخداع ونحميها من التضليل... ونحن نعلم أنّنا سنقاسى في سبيل تسليمها إلى أهلها الحقيقيين... ونحن نعلم أنّ هذا الوطن الذي لم تستقرّ فيه الأفكار [كذا] طوال السنين الماضية قد يتزعزع، وقد لا يفهم الأمور على حقيقتها... لم يفارقنا الإيمان وآثرنا أن نسير في الشوط إلى نهايته... و[نحن] نبثّ دائمًا بين أبناء هذا الوطن العزّة والكرامة والحرّية. وكنّا نشعر بهذا أنّنا نخلق وطنًا جديدًا ونخلق جيلًا جديدًا لا يعتمد على شخص أو أشخاص... ولكنّه يعتمد على المبادئ والمُثل العليا...
فالمشروع السياسي هنا هو تربية الشعب على العزّة والكرامة والحرّية من ناحية، وحماية ذهنه من الأفكار الضارّة من ناحية أخرى. والسلطة هنا «أمانة»، لم يأتمن الشعب الضبّاط عليها صراحة، بل حملها الضبّاط بقرار من جانبهم، ليتولّوا، مختارين، مهمّة الوصاية على الشعب وتربيته، التي ستكتمل، فيما يُفترض، بإنشاء جيل جديد، وبالتالي وطن جديد، يعيش بالمبادئ العليا التي سيلقّنها له الضبّاط.
المطلوب إذن هو إعادة تشكيل الشعب، ليتحوّل إلى كيان واحد متّحد، يسير خلف الضباط، أو في نفس الطريق الذي رسموه، «متّحرر» من «البلبلة»، بفعل تحكّم السلطة بالمجال السياسي والإيديولوجي. وقد لخّص أول شعار للضباط (وهو شعار «هيئة التحرير»، التي بدأ إنشاؤها بعد ثلاثة شهور من الانقلاب)، هذا المفهوم الجديد للسياسة: «الاتّحاد والنظام والعمل». فهو شعار إجرائي، لا يشير إلى سياسة بعينها، وإنّما يعني، كما جاء في وثائق وخطب «الهيئة»، انتهاء «الفرقة الحزبية»، و«فوضى» الرأي والتنظيم، وإحلال «العمل» محلّ «الجدل الفارغ».
بهذا المنطق، تعتبر تهدئة الشعب، أو «إخلاده إلى السكينة والهدوء» محطّة مهمّة على طريق تربية الشعب، أي على طريق «تحرّره» وإقامة «الديمقراطية السليمة». ويفيد تعبير «الديمقراطية السليمة»، الذي صكّه الضبّاط، العزم على إقامة هذا النمط الخاصّ من «حكم الشعب» القائم على الوصاية، أو القوامة، وبمقتضاه تُعْتَبر أشكال الحكم الأخرى ديمقراطية مزيفة، أو ربّما ديكتاتورية صريحة. وبتعبير الصاغ الطحاوي ـ المسئول الفعلي عن هيئة التحرير وأهم مدبّري إضرابات مارس المؤيّدة للضبّاط ـ كانت هذه الإضرابات انتصارًا للشعب على أعدائه الذين كانوا ينوون «القضاء على الثورة وعلى الوطن وتسليم رقاب الشعب للمستعمرين». أي أنّنا أمام لحظة يرتبط فيها كيان «الشعب» و«الوطن» معًا، وجودًا وعدمًا، بسلطة الضبّاط.
* * *
لكنّ فكرة الشعب العاجز المحتاج إلى وصاية تتعدّى خطب عبد الناصر، بل لعلّها ترجع إلى المنظمات السلطوية المختلفة، التي سبقت الإشارة إليها، منذ الثلاثينيات. لذلك كان عهد قيام سلطة الضبّاط وتوطيدها حافلًا بكتابات وخطب أخرى تشير إلى الفكرة نفسها. مثلًا، كتب الصحفي جلال الدين الحمامصي، أنّ الشعب «لم يكن يعلم بالحقائق التي تمكّنه من أن يحكم، ولم يكن يذهب باختياره إلى صناديق الانتخاب... إنّنا نريد الشفاء الكامل من كلّ الأمراض التي أضعف الاستعمار بها كياننا الاجتماعي والسياسي». حين يتمّ هذا الشفاء، وقتما يتمّ، يمكن أن يحصل الشعب على السيادة. ومهمّة الضبّاط هي بالتحديد تحقيق هذا الشفاء.
على هذا النحو كان أساس شرعية السلطة الجديدة هي الحطّ من قدر الشعب كمبرّر للوصاية عليه. وبناء عليه، يعبر الضبّاط عن الشعب ويخدمونه بغير حاجة إلى تفويض منه، بل كالتزام أخلاقي، لأنّ دورهم، على العكس، هو تربيته وشفاؤه من عيوبه الأخلاقية وإرشاده ومنعه من إلحاق الضرر بنفسه، كمهمّة مؤقتة إلى أن «يشفى»، أو «ينضج» ويتسلّم سلطته المستحقّة له دون غيره.
ويتمثّل منطق الوصاية التربوية هذا بكثير من أبعاده في قول عبد الناصر الجامع التالي (1954):
أتى إلينا رجال السياسة وقالوا لنا: لقد أدّيتم الرسالة وعليكم الآن أن تسلّموا الأمانة [: السلطة]. قال بعضهم إنّ علينا أن نسلّمها باسم الحرّية وباسم الديمقراطية، وقال بعضهم إنّ علينا أن نسلّمها باسم الإسلام وباسم الدين... [ولكنّهم] لم يقيموا في هذا الوطن عزّة ولا كرامة ولا حرّية، فآثرنا أن نحتفظ بالأمانة... [لنحميها] من الخداع ونحميها من التضليل... ونحن نعلم أنّنا سنقاسى في سبيل تسليمها إلى أهلها الحقيقيين... ونحن نعلم أنّ هذا الوطن الذي لم تستقرّ فيه الأفكار [كذا] طوال السنين الماضية قد يتزعزع، وقد لا يفهم الأمور على حقيقتها... لم يفارقنا الإيمان وآثرنا أن نسير في الشوط إلى نهايته... و[نحن] نبثّ دائمًا بين أبناء هذا الوطن العزّة والكرامة والحرّية. وكنّا نشعر بهذا أنّنا نخلق وطنًا جديدًا ونخلق جيلًا جديدًا لا يعتمد على شخص أو أشخاص... ولكنّه يعتمد على المبادئ والمُثل العليا...
فالمشروع السياسي هنا هو تربية الشعب على العزّة والكرامة والحرّية من ناحية، وحماية ذهنه من الأفكار الضارّة من ناحية أخرى. والسلطة هنا «أمانة»، لم يأتمن الشعب الضبّاط عليها صراحة، بل حملها الضبّاط بقرار من جانبهم، ليتولّوا، مختارين، مهمّة الوصاية على الشعب وتربيته، التي ستكتمل، فيما يُفترض، بإنشاء جيل جديد، وبالتالي وطن جديد، يعيش بالمبادئ العليا التي سيلقّنها له الضبّاط.
المطلوب إذن هو إعادة تشكيل الشعب، ليتحوّل إلى كيان واحد متّحد، يسير خلف الضباط، أو في نفس الطريق الذي رسموه، «متّحرر» من «البلبلة»، بفعل تحكّم السلطة بالمجال السياسي والإيديولوجي. وقد لخّص أول شعار للضباط (وهو شعار «هيئة التحرير»، التي بدأ إنشاؤها بعد ثلاثة شهور من الانقلاب)، هذا المفهوم الجديد للسياسة: «الاتّحاد والنظام والعمل». فهو شعار إجرائي، لا يشير إلى سياسة بعينها، وإنّما يعني، كما جاء في وثائق وخطب «الهيئة»، انتهاء «الفرقة الحزبية»، و«فوضى» الرأي والتنظيم، وإحلال «العمل» محلّ «الجدل الفارغ».
بهذا المنطق، تعتبر تهدئة الشعب، أو «إخلاده إلى السكينة والهدوء» محطّة مهمّة على طريق تربية الشعب، أي على طريق «تحرّره» وإقامة «الديمقراطية السليمة». ويفيد تعبير «الديمقراطية السليمة»، الذي صكّه الضبّاط، العزم على إقامة هذا النمط الخاصّ من «حكم الشعب» القائم على الوصاية، أو القوامة، وبمقتضاه تُعْتَبر أشكال الحكم الأخرى ديمقراطية مزيفة، أو ربّما ديكتاتورية صريحة. وبتعبير الصاغ الطحاوي ـ المسئول الفعلي عن هيئة التحرير وأهم مدبّري إضرابات مارس المؤيّدة للضبّاط ـ كانت هذه الإضرابات انتصارًا للشعب على أعدائه الذين كانوا ينوون «القضاء على الثورة وعلى الوطن وتسليم رقاب الشعب للمستعمرين». أي أنّنا أمام لحظة يرتبط فيها كيان «الشعب» و«الوطن» معًا، وجودًا وعدمًا، بسلطة الضبّاط.
* * *
صفحة 10
لقد كانت لحظة مارس 1954 حاسمة في مسيرة الضباط نحو تأميم السلطة السياسية. ومن هنا كانت بسبب صراعيتها لحظة كاشفة عن الممكن والمتاح من مشروع الوصاية هذا. وكان من شأنها إجراء تحول جوهري في نمط شرعية النظام، من الوصاية الخالصة إلى الوصاية الشعبية، التي تعتبر أساس أو قاعدة بناء شعبية عبد الناصر لاحقًا.
ظلّت الفكرة هي أنّ التمثيل الصحيح لا يتحقّق بإرادة الشعب الديمقراطية، بل بفرض الوصاية عليه. لكن استجدّ هنا السعي إلى استدعاء الشعب وإدماجه، أو دعوته لإعلان ترحيبه بهذه الوصاية. فلمّا كانت الديكتاتورية العسكرية انتقالية ـ تربوية، كما أشار عبد الناصر، فإنّ مهمّتها تتضمّن أن يرضى الشعب بالوصيّ عليه، وأن يتشرّب، من خلال قبول «ديمقراطية» الحماية والتربية، قيم الضبّاط. بعبارة أخرى، في نمط التمثيل السياسي هذا، يتحوّل الممثِّل إلى معيار سياسي لسلوك الشعب، ولوعيه، ولإرادته السليمة. فالشعب يرتفع وعيه بنفسه بقدر ما يقبل فكرة أنّ حكم الضبّاط هو المعبّر الصحيح عن «دكتاتوريته».
كانت أزمة مارس هي اللحظة التي أعلن فيها الضبّاط أنّهم قد حصلوا على تفويض من «القاصر» بالوصاية عليه، أو أنّ الشعب مرحِّب بالوصاة وراضٍ بالتربية. كانت إضرابات بعض النقابات العمالية وعمال مديرية التحرير المنقولين بأتوبيسات والجماعات شبه العسكرية لهيئة التحرير قد هجمت على المظاهرات الديمقراطية وبعض المؤسّسات هاتفة: تسقط الحرّية، عاشت الثورة. وقد يقال إنّ كيفية الحصول هذه الشهادة يكشف عن احتقار الضبّاط العميق للشعب القاصر ولفكرة الرأي العام نفسها. فقد لجئوا إلى الرشوة والخداع بشراء استعراض من الإضرابات العمالية المعزّزة بالعنف المباشر. ومع ذلك، كان الحرص على استدعاء الشعب القاصر ليقول كلمته، ولو بصورة مزيفة، تعني إدخال تعديل جوهري على علاقة الوصاية. فالعمل نفسه، بصرف النظر عن كيفية إجرائه، يعني أنّ شرعية النظام أصبحت تعتمد على القول برضا الشعب عن نظام الوصاية. ويعني بالتالي دعوة الشعب للاندماج في «الزحف المقدّس»، أي نظام الوصاية، بوصفه اختياره الخاصّ. لذلك كان إعلان مجلس الثورة بمجرّد تحقّق انتصار مارس يقول: «لن يَسمح الشعب... بأن يضلَّل كفاحه» (29 مارس 1954). فالشعب، لا الضبّاط كما في خطاب 9 مارس، هو الذي لن يسمح.
يتمثّل التناقض في هذا التعديل في القول في الوقت نفسه بالوصاية على الشعب بسبب عجزه، والقول بأنّ هذه الوصاية تحقّقت بموافقة القاصر نفسه، بما يدلّ على قدر من «النضج» النسبي له بمعايير الضباط. وبالتالي أصبح الوضع مهيّأً للقيام بتربية الشعب. ووفقًا لهذا الوضع تصبح الديكتاتورية هي نفسها الحرّية. فعلى حدّ قول عبد الناصر: «يجب ألّا نمكّن أعداء الحرية من التجارة باسم الحرّية... والتضليل باسم الحرّية. سنسلب حرّية أعداء الحرّية... وبهذا يا إخواني نستطيع أن نقول للشعب إنّنا... حقّقنا لك الحرّية» (نوفمبر 1954). بطبيعة الحال ليست الحرّية هنا هي الحريات المدنية والسياسية، ولكن عملية تحرير، تتلخّص في تحرير الجموع من الخونة، بمعنى عزلهم عن التأثر بهذه النخب التي اعتُبرت معادية لهم. فحرّية الشعب تتحقّق بنزع الحرّية عن أعداء الشعب، بالتطهير، وفقًا لشعار مقفى شهير أعلنه عبد الناصر في المؤتمر التعاوني الثاني عام 1956: «كلّ الحرّية للشعب، ولا حرّية لأعداء الشعب» (1956).
بعد أسبوعين من الأحداث تبلورت الصيغة الجديدة بشكل كبير، وقيلت مرارًا وتكرارًا. مثلًا: «من هذا اليوم انتقلت ملكية الثورة من الجيش إلى المواطنين جميعًا، ولم تعد ثورة الجيش أو الضبّاط الأحرار، بل إنّها الآن ثورة الشعب كلّه» (إبريل 1954). ليست المسألة فقط أنّ الشعب السلبي أمين على الثورة وسيواصل الاتحاد والتعاون، بل تسلم الشعب القائم، بقدر ما يظلّ سلبيًّا، الثورة رسميًّا. ومصداقًا لهذا الكلام أُجرى احتفال لنقل السلطة لذلك الشعب. ففي العيد الثاني للثورة، بعد أقلّ من أربعة أشهر من انتهاء أزمة مارس، أقام الجيش احتفالًا تحرّكت فيه مواكب الشعلة «من القيادة العامّة للقوّات المسلّحة لتلتقي بالشعب في ميدان الجمهورية»، وعلّق مندوب الأهرام موضحًا المغزى: «هذا هو المعنى الذي أرادته الثورة [:الضبّاط] أن يستقرّ في أذهان الشعب أمس، ليعرف أنّ هذه الثورة ثورته... فقد غدت مصر أمّة واحدة، بل جيشًا واحدًا. كلّه يسير في ركب الثورة» (يوليو 1954). على هذا النحو «تسلم» الشعب، بصفته جمهرة محتشدة في مهرجان، «سلطة» كرنفالية، بغير أيّة مؤسّسات، فلم يوجد آنذاك ولو برلمان صوري. فأصبح هذا الشعب المنحلّ إلى عناصره الأولية، أيّ إلى أفراد تقتادهم أجهزة الدولة للتجمهر بوسائل شتّى، هو المفهوم الواقعي للشعب، أو الشعب الجديد الذي تربيه السلطة.
وفي ظلّ التعقيم السياسي الناتج، أصبح بمقدور عبد الناصر أن يعلن ثقته، في هذه الحدود، بالشعب. فبمناسبة الإفراج عن بعض المعتقلين في مايو 1956، أعلن عبد الناصر:
هذه الثورة اللي هي بتمثّل هذا الشعب بتعتقد أنّ الشعب... لن يُضَلَّل كما ضُلِّل في الماضي... الثورة حينما تتصرّف هذا التصرّف [:الإفراج عن المعتقلين] بتعتقد أنّ أهدافها استقرّت في قلب كلّ مواطن... وإنّ الشعب فعلًا زيّ ما كنّا عاوزينه [: كما أردناه أن يكون] في أول الثورة، إنّه يجتمع في كتل متراصّة وراء هذه الأهداف ليتبع الطليعة ويحقّق هذه الأهداف... هذا قد تحقّق.
ظلّت الفكرة هي أنّ التمثيل الصحيح لا يتحقّق بإرادة الشعب الديمقراطية، بل بفرض الوصاية عليه. لكن استجدّ هنا السعي إلى استدعاء الشعب وإدماجه، أو دعوته لإعلان ترحيبه بهذه الوصاية. فلمّا كانت الديكتاتورية العسكرية انتقالية ـ تربوية، كما أشار عبد الناصر، فإنّ مهمّتها تتضمّن أن يرضى الشعب بالوصيّ عليه، وأن يتشرّب، من خلال قبول «ديمقراطية» الحماية والتربية، قيم الضبّاط. بعبارة أخرى، في نمط التمثيل السياسي هذا، يتحوّل الممثِّل إلى معيار سياسي لسلوك الشعب، ولوعيه، ولإرادته السليمة. فالشعب يرتفع وعيه بنفسه بقدر ما يقبل فكرة أنّ حكم الضبّاط هو المعبّر الصحيح عن «دكتاتوريته».
كانت أزمة مارس هي اللحظة التي أعلن فيها الضبّاط أنّهم قد حصلوا على تفويض من «القاصر» بالوصاية عليه، أو أنّ الشعب مرحِّب بالوصاة وراضٍ بالتربية. كانت إضرابات بعض النقابات العمالية وعمال مديرية التحرير المنقولين بأتوبيسات والجماعات شبه العسكرية لهيئة التحرير قد هجمت على المظاهرات الديمقراطية وبعض المؤسّسات هاتفة: تسقط الحرّية، عاشت الثورة. وقد يقال إنّ كيفية الحصول هذه الشهادة يكشف عن احتقار الضبّاط العميق للشعب القاصر ولفكرة الرأي العام نفسها. فقد لجئوا إلى الرشوة والخداع بشراء استعراض من الإضرابات العمالية المعزّزة بالعنف المباشر. ومع ذلك، كان الحرص على استدعاء الشعب القاصر ليقول كلمته، ولو بصورة مزيفة، تعني إدخال تعديل جوهري على علاقة الوصاية. فالعمل نفسه، بصرف النظر عن كيفية إجرائه، يعني أنّ شرعية النظام أصبحت تعتمد على القول برضا الشعب عن نظام الوصاية. ويعني بالتالي دعوة الشعب للاندماج في «الزحف المقدّس»، أي نظام الوصاية، بوصفه اختياره الخاصّ. لذلك كان إعلان مجلس الثورة بمجرّد تحقّق انتصار مارس يقول: «لن يَسمح الشعب... بأن يضلَّل كفاحه» (29 مارس 1954). فالشعب، لا الضبّاط كما في خطاب 9 مارس، هو الذي لن يسمح.
يتمثّل التناقض في هذا التعديل في القول في الوقت نفسه بالوصاية على الشعب بسبب عجزه، والقول بأنّ هذه الوصاية تحقّقت بموافقة القاصر نفسه، بما يدلّ على قدر من «النضج» النسبي له بمعايير الضباط. وبالتالي أصبح الوضع مهيّأً للقيام بتربية الشعب. ووفقًا لهذا الوضع تصبح الديكتاتورية هي نفسها الحرّية. فعلى حدّ قول عبد الناصر: «يجب ألّا نمكّن أعداء الحرية من التجارة باسم الحرّية... والتضليل باسم الحرّية. سنسلب حرّية أعداء الحرّية... وبهذا يا إخواني نستطيع أن نقول للشعب إنّنا... حقّقنا لك الحرّية» (نوفمبر 1954). بطبيعة الحال ليست الحرّية هنا هي الحريات المدنية والسياسية، ولكن عملية تحرير، تتلخّص في تحرير الجموع من الخونة، بمعنى عزلهم عن التأثر بهذه النخب التي اعتُبرت معادية لهم. فحرّية الشعب تتحقّق بنزع الحرّية عن أعداء الشعب، بالتطهير، وفقًا لشعار مقفى شهير أعلنه عبد الناصر في المؤتمر التعاوني الثاني عام 1956: «كلّ الحرّية للشعب، ولا حرّية لأعداء الشعب» (1956).
بعد أسبوعين من الأحداث تبلورت الصيغة الجديدة بشكل كبير، وقيلت مرارًا وتكرارًا. مثلًا: «من هذا اليوم انتقلت ملكية الثورة من الجيش إلى المواطنين جميعًا، ولم تعد ثورة الجيش أو الضبّاط الأحرار، بل إنّها الآن ثورة الشعب كلّه» (إبريل 1954). ليست المسألة فقط أنّ الشعب السلبي أمين على الثورة وسيواصل الاتحاد والتعاون، بل تسلم الشعب القائم، بقدر ما يظلّ سلبيًّا، الثورة رسميًّا. ومصداقًا لهذا الكلام أُجرى احتفال لنقل السلطة لذلك الشعب. ففي العيد الثاني للثورة، بعد أقلّ من أربعة أشهر من انتهاء أزمة مارس، أقام الجيش احتفالًا تحرّكت فيه مواكب الشعلة «من القيادة العامّة للقوّات المسلّحة لتلتقي بالشعب في ميدان الجمهورية»، وعلّق مندوب الأهرام موضحًا المغزى: «هذا هو المعنى الذي أرادته الثورة [:الضبّاط] أن يستقرّ في أذهان الشعب أمس، ليعرف أنّ هذه الثورة ثورته... فقد غدت مصر أمّة واحدة، بل جيشًا واحدًا. كلّه يسير في ركب الثورة» (يوليو 1954). على هذا النحو «تسلم» الشعب، بصفته جمهرة محتشدة في مهرجان، «سلطة» كرنفالية، بغير أيّة مؤسّسات، فلم يوجد آنذاك ولو برلمان صوري. فأصبح هذا الشعب المنحلّ إلى عناصره الأولية، أيّ إلى أفراد تقتادهم أجهزة الدولة للتجمهر بوسائل شتّى، هو المفهوم الواقعي للشعب، أو الشعب الجديد الذي تربيه السلطة.
وفي ظلّ التعقيم السياسي الناتج، أصبح بمقدور عبد الناصر أن يعلن ثقته، في هذه الحدود، بالشعب. فبمناسبة الإفراج عن بعض المعتقلين في مايو 1956، أعلن عبد الناصر:
هذه الثورة اللي هي بتمثّل هذا الشعب بتعتقد أنّ الشعب... لن يُضَلَّل كما ضُلِّل في الماضي... الثورة حينما تتصرّف هذا التصرّف [:الإفراج عن المعتقلين] بتعتقد أنّ أهدافها استقرّت في قلب كلّ مواطن... وإنّ الشعب فعلًا زيّ ما كنّا عاوزينه [: كما أردناه أن يكون] في أول الثورة، إنّه يجتمع في كتل متراصّة وراء هذه الأهداف ليتبع الطليعة ويحقّق هذه الأهداف... هذا قد تحقّق.