eKtab
EN ع
مقدمة في نظرية الأدب
اقرأ عينة مجانية

مقدمة في نظرية الأدب

بقلم عبد المنعم تليمة

صفحة 1
تمهيد

يعكس الأدب ـ والفن عامة ـ علاقة نوعية بين الإنسان وعالمه. ولهذه العلاقة قوانينها الخاصة التي تميّزها عن غيرها من العلاقات الفكرية والعلمية.

ويرجع مصدر كل هذه العلاقات ـ وغيرها من كافة وجوه النشاط الإنساني وظواهره ـ إلى النشاط العملي للبشر. ذلك أن «العمل» المنتَج الذي يكون هدفه تحقيق غايات الإنسان هو الجوهر الأساسي لهذا الإنسان. لأن الإنسان كائن عامل، منتِج، وعمله الواعي الهادف هو حقيقته، وهو مصدر كل صور ثقافته، فنية وفكرية وتطبيقية وعلمية؛ فالفكر العلمي يحدد «الجوهر الإنساني» أو «الطبيعة الإنسانية» بتفاعل الإنسان مع الطبيعة، وسعيه إلى السيطرة عليها وإخضاعها بتوجيه قواها ومواردها لصالح وجوده، وأداته في كل ذلك هي عمله. ولم يخرج الإنسان من المملكة الحيوانية، ويتميز عن غيره من الحيوانات إلا عندما بدأ «يعمل» ويصارع الطبيعة، لينتج ما يفي بأغراض عيْشه. وبينما يحاول الحيوان أن يكيِّف نفسه وفقًا لضرورات الطبيعة وقوانينها وقواها، فإن الإنسان يوجه جهده للتغلب على تلك الضرورات والقوانين والقوى وقهرها والتحرر منها، بأن يكيف الطبيعة لنفسه وفقًا لمطالب حياته. وفي الوقت الذي يغير فيه الإنسان ـ بالعمل ـ الطبيعة ويكيفها حسب أهدافه، فإنه يخلق طبيعة ثانية، طبيعة إنسانية، هي «طبيعته» هو. فلقد تكونت للإنسان ـ في أثناء العمل ـ خصائصه، وتولدت قدراته ونمت طاقاته، وتفجَّرت إمكاناته.

والعمل عملية اجتماعية، الأساس فيها علاقة البشر بعضهم ببعض في مواجهة الطبيعة. إذ تنشأ بين الناس ـ وهم ينتجون عيْشهم ـ «علاقات إنتاج» تمثل النظام الاقتصادي للمجتمع، ومقوِّمه المادي، وبناءه الأساسي الذي ينهض عليه ويعبر عنه ويعكس حقائقه وعلاقاته بناء علوي ثقافي.

فالثقافة ـ كمصطلح اجتماعي علمي ـ بناء فوقي للمجتمع، تتبدَّى صوره في الفن، والأدب، والفكر السياسي والتربوي، والصياغات الفلسفية والعلمية والقانونية، والعادات والأعراف والمُثل العليا، والقيم المفسِّرة للسلوك العملي في هذا المجتمع.

والبناء الثقافي «الوعي الاجتماعي» في مجتمع بعينه إنما هو في مجمله ـ وفي شتى صوره ـ انعكاس للأساس الاقتصادي «الوجود الاجتماعي» في ذلك المجتمع.

إن ثقافة مجتمع محدد هي تعبير عن علاقات الإنتاج السائدة فيه وصياغة للحقائق الأساسية في واقعه المادي الموضوعي. أي أن الوجود هو الذي يحدد الوعي ويفسّره. لكن البناء الثقافي رغم أنه بصورة عامة انعكاس للبناء الأساسي المادي في المجتمع، فإنه ليس انعكاسا آليًا وليس تعبيرًا سلبيًا. فالعلاقة بين الاثنين علاقة تأثير وتأثر دائبة، قانونها التفاعل والتداخل. بل يمكن ـ في مرحلة من مراحل تطور المجتمع ـ أن تسبق الثقافة الأساس المادي وتعمل على تغييره وتقوده نحو هذا التغيير.

الأصل في بناء المجتمع أن الأساس المادي الاقتصادي لهذا المجتمع هو المفسّر لظواهره الثقافية. ومع ذلك فإنه لا يجوز تفسير الثقافة بذلك الأساس تفسيرًا ميكانيكيًا ضيِّقًا. إن حياة المجتمع من الخصوبة والغنى بحيث لا يمكن ردّ صورها الثقافية إلى العامل الاقتصادي وحده ردًا حرفيًا جامدًا. إذ يتضمن كل شكل من أشكال التعبير الثقافي جوانب فردية وعناصر ذاتية ومبادرات إنسانية خلَّاقة، تجعل منه ظاهرة مركبة معقدة، وتجعل تفسيره بعامل واحد تبسيطًا مجافيًا للعلم. فإن للثقافة، وهي معبرة عن الواقع وعاكسة لأساسه المادي، استقلالها النسبي عنه وتأثيرها الإيجابي عليه، وهي وإن عكست حركته فإنها في ذات الوقت أداة فذَّة لتغييره. كذلك فإن لكل صورة من صور الثقافة ـ روحية وفنية وفكرية وعلمية ـ ذلك الاستقلال النسبي، كما أن لكل منها نوعيته المميزة له، ولكل منها قوانين تطوُّره الذاتي. وعندما يعتد الفكر العلمي بالعامل الاقتصادي مصدرًا ومفسّرًا لصور الثقافة وأشكالها فإنما ليجعله العامل الأساسي ـ الأكثر تأثيرًا في محتواها والأكثر حسمًا في تطورها ـ وليس العامل الوحيد، كما أنه يعتد في ذات الوقت بالعناصر الذاتية والفردية الخلاقة في تلك الصور والأشكال، ويفتش عنها ويبرز أهميتها، كما أن الفكر العلمي يرجع بالأمرين معا ـ الاقتصادي والثقافي ـ إلى أصل واحد، هو العمل، باعتبار أن العمل هو النشاط البشري الذي يحوِّل موارد الطبيعة إلى ثروة، وتتحول خلاله العلاقات إلى ثقافة.

إن الثقافة ذات طبيعة اجتماعية لأنها راجعة إلى العمل كعملية اجتماعية، فهو مصدرها ومفسّرها، هذا هو القانون الشامل، ولكن لكل شكل من أشكال التعبير الثقافي «قوانينه الخاصة» التي لا تتناقض مع ذلك القانون إنما تعمل وفق حقائقه العامة، ويقوم الدرس العلمي لأي شكل من أشكال الثقافة على رده ـ أي هذا الشكل ـ إلى ذلك المصدر وتفسيره به والتعرف على نوعيته الخاصة، كما يقوم على بيان قوانين تطوره.
صفحة 2
الباب الأول

مصدر الأدب

الفصل الأول

التجريب والتجريد

ولد الفن من العمل ولم ينفصل عنه في يوم من الأيام، وتطور (الجميل) من (النافع) ولم يتناقض معه عبر تاريخ الفن والإنسان. فالعمل ـ حتى في أكثر عصور ما قبل التاريخ بدائية، عندما كان النشاط العملي موجهًا إلى الوفاء بالحاجات الضرورية المباشرة للحياة ـ نوع من الإبداع. فلقد كان الإنسان يرى ـ بصورة غامضة ـ في ما يصنعه لونًا من السيطرة على مادته ولونًا من الشعور المبهم بتحقيق الذات عن طريق أوَّلي للخلق والإبداع والتشكيل. غير أن هذا كان شعورًا مبكرًا بفرحة (الصنع) والقدرة على التحويل، لكن هذا الشعور الخلاق لم يتجسَّد في أعمال فنية مستقلة. إنما صار للفن وجود متميّز عندما صار العمل (إنسانيًا)، أي عندما صار خاضعًا لأهداف إنسانية واعية. فهنا تحول تاريخ الإنسان من أن يكون (تاريخًا بيولوجيًا) إلى أن يكون (تاريخًا اجتماعيًا) متبديًا في أشكال ثقافية من بينها الفن.

كذلك فإن العمل قد صاحبته المعاناة الجمالية، وتطور معه الشعور الجمالي لدى البشر، وهو الذي طوَّره وأغناه. لكن هذا الشعور كان (فرحة فظة) بدائية عندما كان العمل في صورته الأولى الحيوانية، عندما كان العمل متوجهًا فحسب إلى إرضاء الحاجات المعيشية والبيولوجية القريبة. فلما تطور العمل إلى صورته الإنسانية الواعية الهادفة ونشأت معه حاجات إنسانية جديدة تحول ذلك الشعور الجمالي البدائي إلى (متعة روحية). وارتباط هذه المتعة الروحية بالحاجة الإنسانية يجعل الجميل يتضمن بالضرورة النافع ولا يتناقض معه، إذ يرى الإنسان هنا، كمنتِج، أن ما صنعه يحقق نفعًا مباشرًا ويلبي حاجة عملية قائمة، كما يرى فيه في نفس الوقت قدرته على الخلق وطاقته الإبداعية، وفي هذا أعلى مدارج المتعة الروحية و(الجمالية). ومع هذا التطور الذي لحِق بالحاسة الروحية المتذوِّقة وبالشعور الجمالي لدى الإنسان، كانت حواسه الخارجية ـ البصر والسمع والشم، والذوْق واللمس ـ قد تهذَّبت خلال النشاط العملي. فقد صقل العمل حواس الإنسان، وانتقل بها ـ عبر ملايين السنين ـ من ضيق الحاجة العملية الخشنة إلى ثراء الحالات الشعورية والإحساسات الإنسانية. فإذا كان النشاط العملي للبشر مصدرًا لثقافتهم وخبرتهم، فإنه في ذات الوقت أساس لتطور حواسهم من صورتها الغريزية البدائية إلى صورتها الإنسانية الراقية: فلقد أصبحت حواس الإنسان الأول حواسا (إنسانية) عندما اكتسبت، باعتبارها وسائل للإنسان في صلته العملية بعالمه الطبيعي والاجتماعي، رهافة ومقدرة بتقدم تلك الصلة وتطورها. فالعين قد اكتسبت وظيفتها الإنسانية لما استوعبت عملها النفعي المباشر من نظر ورؤية وإبصار، وتجاوزته إلى الملاحظة المتعمَّدة والمراقِبة المدققة والرنوْ المتأمل، أي صارت العين عينا إنسانية لما أصبحت وظيفتها ـ مع الجانب النفعي العملي ـ مصدر إمتاع وإشباع شعوري. وصارت الأذن أذنا إنسانية لمّا صقلت قدرتها على نقل الموجات الصوتية وعلى تمييز أنواعها ودلالاتها.

كذلك تهذَّبت حواس الشم والذوق واللمس، ونمت طاقاتها على توصيل آثار المنبهات الخارجية إلى المخ، فأمدَّت الإنسان بكثير من الخبرات عن عالمه. هكذا كان النشاط العملي للبشر وراء انتقال الإنسان الأوَّل من المملكة الحيوانية إلى أن يكون صانع تاريخ، ومجتمع وثقافة. وهكذا صدَّر الفن ـ أعمالا فنية محددة ومعاناة جمالية وروحية ـ عن ذلك النشاط العملي. فخلال العمل ـ الذي أكسب البشر طبيعتهم الإنسانية ـ نمت طاقات الإنسان الإبداعية، وتطورت حواسه الروحية والخارجية، وارتقت قدرتها على الإحساس والشعور والمعاناة والتذوق.

أي أن العمل خلال تحقيقه لإنسانية الإنسان قد أهّل هذا الإنسان لأن يكون مبدعًا للفن ومتلقيًا له.

تتبدى صلة البشر الجمالية بعالمهم في كل وجه من وجوه النشاط الإنساني. لكن هذه الصلة تبلغ أرفع صورها في شكل محدد من أشكل الثقافة والوعي الاجتماعي وهو الفن. فالمعاناة الجمالية ـ إحدى السمات الأساسية للبشر ـ تبدو في علاقتهم بالطبيعة من حولهم، وفي علاقتهم ببعضهم. كما أن الشعور الجمالي ملازم للإنسان في كل إيماءة وكل حركة وكل عمل يقوم به، وفي كل وقْع للحياة عليه، وإنما تجد تلك المعاناة وذلك الشعور تجسيدهما وكمالهما في الأعمال الفنية.
صفحة 3
ولقد رأينا ـ في الفقرة السابقة ـ أن العمل هو الذي فجّر في البشر حاجاتهم الجمالية، وخلق معاناتهم ومشاعرهم، وأرهف حواسهم، ثم هو الذي ساعد على منح تلك الحاجات والمشاعر الجمالية أشكالا مبكرة للتعبير الفني ظلت مرتبطة به وبغاياته النفعية إلى أن تميز الفن ـ باعتباره أرقى صور العلاقة الجمالية بالواقع ـ عن العمل. وكانت المحاولات الفنية المبكرة في ميدان تشكيل المادة غالبًا، وهذا منطقي في المرحلة الباكرة من تميز الفن عن العمل، لأن تشكيل المادة قد تطور عن (التجريب) في الطبيعة وخاماتها، وعن استخدام أدوات العمل والتعامل معها، فكانت هذه المحاولات الفنية ارتقاء بالتجريب المتصل بالحاجة المباشرة إلى أن يكون تشكيلا ذا صبغة جمالية، وافيا بالنافع والجميل في آن. ونجد هذه الحقيقة عند جمهرة مؤرخي الفن(1)، عندما يشيرون في تلك المحاولات التشكيلية إلى الطوابع المهنية والحرفية والعملية الواضحة.

لكن الأدب ـ من بين الفنون ـ لا يتصل في منشأ محاولاته الأولى وتطورها المبكر بالتجريب، إنما يتصل بالتجريد، ويرتد ذلك في المقام الأول إلى اختلاف أداته ـ اللّغة ـ عن أدوات الفنون الأخرى. وللفنون كلها ـ ومن بينها الأدب ـ خصائصها المشتركة ـ باعتبارها نشاطًا إنسانيًا نوعيًا واحدًا له حقائقه من حيث عملية الإبداع، وله آثاره من حيث الوظيفة الاجتماعية ـ لكن هذه الفنون تتمايز بأدواتها. فإذا كان الفن يصدر عن العمل الاجتماعي فإن دراسة أدوات الفنون من ناحية صلتها بالعمل، ومن ناحية طوابعها الخاصة تعد بداية ضرورية لفهم طبيعة الفن عامة ونوعية كل فن على حدة خاصة. ولقد غلب على التشكيل ذي الصبغة الجمالية اتصاله بأدوات العمل والتعامل مع الطبيعة والسيطرة عليها، لذلك كان الرمز بالنقش والرسم والنحت ارتقاء لأدوات العمل وتطورًًا لصلة الإنسان بعالمه الطبيعي وخاماته.

أما أداة الأدب ـ اللّغة ـ فهي أعظم أدوات الإنسان في تعامله مع عالمه وفي السيطرة عليه، لكنها ليست (أداة عمل) كأدوات الإنتاج، إنما هي أداة أعم، تقف وراء العمل الاجتماعي كله، ووجودها شرط قيام المجتمع، وهي ليست نتاجًا طبيعيًا بل هي نتاج اجتماعي يمثل تطور صلة الإنسان بعالمه الاجتماعي وعلاقاته. ومن هنا تتخذ صلة أداة الأدب بالعمل الاجتماعي سمات خاصة تتحدد في ضوئها طبيعتها. كما أن تطور هذه الأداة من النافع إلى الجميل، من مجرد (تسمية) الأشياء إلى القدرة على تكوين المفهوم والتعميم والتجريد والرمز يتخذ شكلا خاصا. لم يتضح للّغة (بُعدها الفني) إلا بمرور ملايين من السنين من التجربة الروحية والاجتماعية والمعاناة الذهنية والجمالية ومن النضج النفسي والعضوي للإنسان. وكان تطور اللّغة عبر ذلك كله يمثل واحدة من أمجد الحقائق في تاريخ البشرية، وفي هذا التطور يلاحَظ أمران:

الأمر الأول

أن أداة الأدب (اللّغة) تختزن سياقًا تاريخيًا واجتماعيًا أكثر من أية أداة فنية أخرى. فهي الأداة الوحيدة التي تلتحم بصورة مباشرة متينة بالتطور التاريخي لتكوين الإنسان عضويًا وذهنيا، كما أنها الأداة الوحيدة التي يواكب نضجها تكوين المجتمعات البشرية ويحدد شروط بقائها. لقد صاحبت اللّغة ـ من جهة الارتقاء العضوي والذهني عند الإنسان ـ نشأة القدرة على التفكير وساعدت عليه. كما أنها كانت من جهة تكوين المجتمعات البشرية قوة أساسية من قوى العمل الاجتماعي وأداة لتنظيم مواجهة البشر للطبيعة وتحويلها إلى ثروة.

وقد ظهرت اللّغة مع العمل، لكنها لم تكن لغة (كلامية) بل كانت (كلامًا بالإشارة) عن طريق الإيماءة والتعبير الوجهي، وكانت حكاية للصوت الطبيعي والحيواني عن طريق الصيْحة والصفير والصرخة. وارتقت قدرة (النطق) لدى الإنسان وتحولت إلى قدرة (على الكلام البشري) بتقدم علاقاته بعالمه الاجتماعي وبرقي أدوات عمله باعتباره ـ أي الإنسان ـ كائنًا منتجًا لعيشه.

ويشير العلماء هنا ـ من ناحية بيولوجية وتشريحية ـ إلى أن أجهزة النطق والسمع عند الإنسان قد دُربت على أداء وظائفها اللغوية الإنسانية خلال عملية العمل وبفضلها: فقد نمت في عملية العمل الاجتماعي مقدرة الإنسان وسيطرته العصبية على جهازه الكلامي، وتحكمه العضلي في أعضاء ذلك الجهاز؛ كذلك نضجت الأذن ـ والأذن عضو أساسي في نشأة الكلام واللّغة البشرية ـ خلال تلك العملية، فدُرِّبت أعصابها التي تتصل بمراكز الحس في المخ، واكتسبت وظيفتها ومقدرتها على التمييز ـ في الأصوات ـ بين المهموس والمجهور والبغيض والمحبوب، والودود والغضوب، والمتناغم والمتنافر.
صفحة 4
ويرى العلماء أن الانتقال من (النطق) إلى (الكلام) البشري ـ اللّغة المنطوقة ـ قد استغرق من عمر البشرية ملايين السنين، وأنه لم يتم إلا في عصر تاريخي قريب بالنسبة إلى التاريخ الإنساني الطويل. ويبرهنون على ذلك بحداثة جهاز التنظيم والاتصال ـ في المخ ـ بين الأذن واللسان وبصغر حجم هذا الجهاز. بل إن المخ ذاته ـ من جهة تكوينه العضوي وحجمه ووظيفته ـ لأكبر برهان لدى علماء الأنثروبولوجيا والحضارة والتشريح على الصلة الحميمة بين نمو اللّغة الإنسانية من ناحية وارتقاء أدوات العمل وعاداته وعلاقاته من ناحية ثانية. فحجم المخ لدى الإنسان ـ بالنسبة إلى حجم جسمه ـ أكبر منه لدى أي كائن حي آخر. كما أن تكوين المخ أصبح أكثر دقة وتعقيدًا في ظروف تدرج الإنسان وانفصاله عن المملكة الحيوانية، وأصبح أكثر (تخصصًا) في ظل تطور وسائل العمل وأدواته وتغير ملابساته الاجتماعية.

ويؤكد معظم أولئك العلماء أن وظائف المخ قد تنوعت واكتسبت تخصصها ودقتها في ظل النشاط العملي للإنسان. وعندهم في هذه السبيل أن جهاز التنظيم والاتصال بين اليد والعين أقدم في المخ بكثير من جهاز التنظيم والاتصال بين اللسان والأذن، وأقدم بكثير من نمو جهاز الذاكرة واسترجاع الخبرة. ويعقدون الصلة بين هذه النتائج والتطور اللغوي فيرون أن النشاط العملي ـ بما يتضمنه من علاقات ـ وراء غزارة المادة اللغوية وتنوعها ونضج هيئاتها وتراكيبها، وتحدد دلالاتها. وهو في نفس الوقت وراء نضج أجهزة المخ، فنما جهاز الذاكرة ليستوعب تلك المادة اللغوية وليسترجع الخبرة، ونمت أجهزة التنظيم والتحكم بين أعضاء النطق والسمع لضبط إنشاء الكلام من طرف المتكلم، وضبط تلقي الكلام من طرف السامع.

كأن ظروف العمل وشروطه وعلاقاته لم تطور أدوات الإنسان وحواسه ـ كما رأينا في الفقرة السابقة ـ فحسب بل لقد طوَّرت أيضا أعضاءه وأكسبتها وظائفها الإنسانية. وفي اللّغة كان ذلك يعنى انتقال الإنسان من حيوان يشير إلى إنسان يتكلم.

ويفسّر بناء اللّغة ذاته هذه الصلة التي كشف العلماء عنها بين الطبيعة التاريخية والاجتماعية للّغة من ناحية وارتقاء الإنسان عضويًا وتطور علاقاته الاجتماعية من ناحية ثانية. كما يفسّر بناء اللّغة ذاته ـ أكثر من أية ظاهرة ثقافية أخرى ـ طبيعة النشاط الذهني الإنساني، وتكوين الثقافات البشرية في ظل ظروف محددة للعمل الاجتماعي بما يتضمنه هذا العمل من أدوات وعادات وعلاقات.

فالبناء اللغوي ـ لأية لغة ـ إنما ينهض على وحدات أوَّلية، هي الوحدات الصوتية، التي لا يزيد عددها في لغة من اللغات على بضع عشرات. والوحدة الصوتية، أو الصوت اللغوي: الفونيم(2)، لا معنى لها وحدها، إنما هي الوحدة الأساسية الصغرى التي تبنَى منها الكلمات. وتتميز كل لغة بملامحها الصوتية الخاصة. أي أن كل لغة من اللغات تستقل بنظام فونيمي محدد(3).

ومعنى هذا أن حقائق البناء اللغوي تضع بين يدي الإنسان إمكانات غير نهائية لاستيعاب كل جزئيات عالمه وتفصيلاته وخبراته. فمن عدد محدود من الوحدات الصوتية ـ بضع عشرات ـ يستطيع الإنسان أن يبني عشرات الآلاف من الكلمات وعددًا لا يحصَى من الجمل. فإذا كانت الوحدة الصوتية ـ الفونيم ـ لا معنى لها وحدها، إذ هي أساس فحسب لبناء الكلمة، فإن الكلمة تعد أول جزء له معنى في البناء اللغوي، والكلمة بهذا هي (الإشارة) في اللّغة البشرية.

وهنا يجد العلماء ـ خاصة علماء الأنثروبولوجيا الطبيعية والاجتماعية والثقافية ـ حدًّا يقفون عنده ليستخلصوا دلالة هذا البناء اللغوي على التطور العضوي والاجتماعي للإنسان، وليكشفوا عن صلة ذلك بالعمل الاجتماعي. وعند هؤلاء العلماء في هذا الصدد أن الوحدات الصوتية الأولية (الفونيمات) الموجودة في اللغات البشرية لها نظائر من وحدات صوتية أوَّلية في النظم الإشارية عند بعض الحيوانات الراقية وأن متوسط عدد الوحدات الصوتية عند الإنسان وهذه الحيوانات الراقية يكاد يكون متساويًا.

ومع ذلك فإن الوحدات الصوتية عند تلك الحيوانات الراقية لم تنم ولم تتعقد فتتحول إلى (لغة) بينما تأسس على الوحدات الصوتية لدى البشر بناء لغوي كامل. ويرد العلماء جمود الأنظمة الإشارية الحيوانية عند الوحدات الصوتية الأولية، إلى أن الحيوانات تحيا في (تجمع) لا في (مجتمع) فهي بحاجة إلى أن (تتفاهم) وليست بحاجة إلى أن (تتكلم).

إن حاجات المجتمع الحيواني محدودة تكاد تستوعبها صيحات النداء والخوف والجوع والشبع والجنس والغزل وما إليها. كما أن الإشارة الحيوانية إلى الحاجة إنما ترتبط بهذه الحاجة بعينها وقت طلبها، أي أن الأنظمة الإشارية الحيوانية تقصر الإشارة على حدث ماثل مرتبط بالزمن الحاضر، ولا تفصل بين الإشارة والحدث، ولا تشير إلى ماضٍ أو مستقبل. لهذا كله كانت الوحدات الصوتية الأولية كافية في النظام الإشاري عند الحيوانات الراقية، لأن (تجمع) هذه الحيوانات ليس في حاجة إلى أكثر من الوفاء بمطالبه الضيقة.

أما (المجتمع) البشري بحاجاته وعلاقاته فإنه جعل الإنسان (يولِّد) من الوحدات الصوتية الأولية نسقًا إشاريًا ـ هو اللّغة البشرية ـ على قدر لا نهائي من المرونة والسعة والقابلية للتطور.

إن ما يمتاز به الإنسان على الحيوان الراقي إنما يرتد في حقيقته إلى كون الإنسان عاملًا وعضوًا في جماعة، ومع ذلك فإن هذا الامتياز محدود: فطاقة الذاكرة وسعتها عند الإنسان محدودتان، كما أن طاقة أحباله الصوتية وقدرة الأذن على التمييز بين الأصوات محدودتان أيضا. وتتناسب بضع عشرات من الوحدات الصوتية الأولية مع طاقة تلك الأجهزة الإنسانية المحدودة، لكنها لا تتناسب مع تطور عادات العمل وأدواته، ولا تتناسب مع وجود (مجتمع بشري). لهذا فإن الإنسان ـ وفاء بحاجات نشاطه العملي الاجتماعي ـ قد بنى (الكلمات) من تلك الوحدات الصوتية القليلة، بنى عشرات الآلاف من الكلمات، التي تتألف منها أعداد لا حصر لها من الجمل والعبارات. وظلت الوحدات الصوتية الأولية لكل مجتمع بشري تميز ملامح لغته، كما ظلت تلك الوحدات أساسًا لبناء لغوي ذي مرونة هائلة، يتسع دائما باتساع التطور العملي والاجتماعي(4). لهذا كله كانت اللّغة مستودعًا للخبرة التاريخية والاجتماعية للجماعة التي تتحدث بها، لأن الجماعة تبني الكلمات وفقًا لحاجاتها العملية.
صفحة 5
والأمر الثاني

إن ارتقاء أدوات العمل وعاداته وعلاقاته قد أدى إلى انتقال اللّغة من مجرد تسمية الأشياء إلى تكوين المفاهيم المجردة والرموز. ويعد هذا الانتقال إنضاجا لقدرة البشر على الوعي بعالمهم وعلى صياغة علاقتهم به. ولا شك أن المرحلة الباكرة من نشأة اللّغة الإنسانية قد ارتبطت ببساطة العلاقات والخبرات والمعرفة المحدودة بالعالم. ولقد كان يكفي في ذلك الطور أن ترتبط التسمية بالمسمَّى بصورة مباشرة، وأن تُربط العلامة والإشارة بالموقف بشكل جامد لا يتعداه إلى غيره. أي كان يكفي أن تفي اللّغة بوظيفتي الإعلام والإخبار. وفي طور ثانٍ اغتنت الخبرة البشرية وارتقت أدوات العمل وتعقدت علاقاته، ووعَى الإنسان كثرة من ظواهر العالم وجزئياته فنشأت الحاجة العملية إلى الارتقاء اللغوي من مجرد التسمية المرتبطة بشيء مفرد والجامدة عند موقف ثابت، إلى المفهوم الدال على مجموعة من الأشياء بينها جامع، أو على مجموعة من المواقف تجمعها علاقة.

لقد أثمرت عملية العمل الاجتماعي هذا التطور اللغوي، فتحددت للأشياء والظواهر ـ التي وعاها البشر ـ أسماؤها، ووضعت للحركات والأحداث أفعالها وتميزت الصفات والأحوال والعلاقات. وكان التطور من العلامة والإشارة إلى المفهوم المجرد والرمز معناه تطور اللّغة من الوفاء فحسب بوظيفتي الإعلام والإخبار إلى الوفاء أيضا بوظيفتي التصوير والصياغة. ووصول الذهن البشري إلى تكوين المفاهيم المجردة وإنشاء الرموز هو أولى القرائن المشيرة إلى تقدم هذا الذهن وإلى نمو طاقتي التجريد والتعميم فيه: فالتجريد هو القدرة على تخليص الصفة المشتركة بين مجموعة من الجزئيات والأشياء والوصول إلى الكليات من خلال تحليل الجزئيات ومعرفتها، أو هو انتزاع الكلي من الجزئي بتخليص المعنى من المادة، بحيث يمكن استحضار الشيء من غير أن يرتبط هذا الاستحضار بشروط الوجود المادي وبشروط الزمان والمكان. والتعميم هو إطلاق هذه الصفات المستخلصة ـ أو المعاني المجردة ـ على كل الجزئيات والأشياء التي تشترك في تلك الصفة، مع اتساع هذه الصفة لما يستجد من جزئيات وأشياء داخل نفس المجموعة.

ولابد من التنبيه هنا إلى أن هناك فرقًا واسعًا بين ما تصل إليه الطاقات الإنسانية في التجريد والتعميم من مفاهيم مجردة وكليات، وبين (الأفكار المطلقة). ذلك أن المفهوم المجرد هو وليد الحاجة العملية والخبرة البشرية، ويظل لاصقًا بهما دالًا عليهما غير بعيد عن الموجودات المادية والخبرات الحية. وهو أداة راقية يدرك بها الإنسان عالمه ويلم بها شتات واقعه ويستصفي بها مغازي خبراته. بينما تفصل (الفكرة المطلقة) بين الأشياء ومفاهيمها، وبين الخبرات ومغازيها، فتجمد هذه المفاهيم والمغازي وتثبتها في الوقت الذي لا تثبت فيه الأشياء والموجودات والخبرات، فيؤدي هذا التجميد والتثبيت إلى انفصال بين الفكر والواقع، وإلى جعل المفاهيم والكليات (موجودات ذهنية) خالصة منقطعة الصلة بأصولها الحية. أي أن جعل المفاهيم المجردة والكليات أفكارًا مطلقة ـ ويتم هذا في ظروف اجتماعية بعينها سنتبينها في ما بعد(5) ـ يزيف الفكر والواقع على سواء، لأنه يوسع الشقة بين ما هو قائم في الأذهان وما هو قائم في الأعيان.

ويرد العلماء بروز طاقتي التجريد والتعميم عند الإنسان في المجتمعات القديمة إلى العصر الحجري(6) الحديث (من نحو 5000 قبل الميلاد إلى نحو 3000 قبل الميلاد). لكنهم لا يخلون تجريب الإنسان قبل ذلك العصر ـ وأي تجريب في أي عصر ـ من عنصر التفكير والإعمال الذهني. فإذا كان التجريب يعتمد على اليد ـ أولى أدوات العمل وأرقاها(7) ـ فإن الحذق في العمل اليدوي يدل في ذاته على قدرة فكرية. أي أن التجريب وهو ينهض على تنظيم واتصال بين اليد والعين لم يخل حتى في أكثر العصور بدائية من تنظيم واتصال بين اليد والمخ، أي لم يخل من التفكير. وفيما نحن بصدده من التطور اللغوي، فإننا لاحظنا أن الارتقاء من مجرد النطق إلى القدرة على الكلام البشري قد قام على تقدم في التنظيم والاتصال بين اللسان والأذن، وأن هذا التقدم لم يخل من تنظيم واتصال بين اللسان والمخ، أي لم يخل من الفكر. إذ إن الإنسان ـ كما سبق أن ذكرنا ـ قد بدأ يفكر عندما بدأ يتكلم. كذلك فإننا لاحظنا ـ في طور ثان من أطوار اللّغة البشرية ـ أن الارتقاء من العلامة والإشارة إلى المفهوم المجرد والرمز ـ من اللّغة المخبرة المشيرة إلى اللّغة الصائغة الرامزة ـ إنما كان بارتقاء التنظيم والاتصال بين اللسان والمخ في ظروف التطور العملي.

فإذا كان التجريب البدائي لم يخل من صور أوَّلية للذكاء الإنساني والعمليات الذهنية البسيطة، فإن الصورة الراقية لتقدم الفكر ـ وهي الفكر المجرد ـ ليست إلا نتيجة لتقدم تجريبي وتصورًا ذهنيًا للخبرة العملية.

هكذا نضج البعد الفني للّغة بنضج طاقتي التجريد والتعميم عند الإنسان، فإن التطور من العلامة إلى الرمز إنما يحكي حركة انتقال الذهن البشري من التعامل مع المادي الملموس إلى التعامل مع صورته الذهنية، ومن استخدام الشيء إلى استخدام رمزه: فليست العلامة أو الأمارة إلا مخبرًا ماديًا يعلم بالشيء أو بالظاهرة سواء في ذلك العلامة الطبيعية التي تنهض فيها الدلالة على قانون طبيعي، والعلامة الاصطلاحية التي تنهض فيها الدلالة على عرف اجتماعي. أما الإشارة فتقوم على قدر أكبر من تعيين المشار إليه، كما أنها تقوم ـ وليس هذا شرطًا لازمًا في العلامة أو الأمارة ـ على جانب يرسل الإشارة، وعلى جانب يتلقاها.

وواضح أن هذا الفرق حمل استجابة لمطالب جديدة في علاقة الإنسان بعالمه الطبيعي والاجتماعي. وواضح كذلك أن العلامات والإشارات كانت هي اللّغة البشرية في مراحل التطور الإنساني الأوَّلي. وهي وإن لم تكن لغة (كلامية) إلا أنها دالة على تطور فكري استوعبته اللّغة البشرية الكلامية، لأنها أداة الفكر وخازنة خبراته.

وفي اللّغة الكلامية كانت تسمية الأشياء حدثًا كبيرًا، وتحول هذا الحدث الكبير إلى فتح إنساني عظيم، عندما تجاوزت التسمية مسماها العيني بشروط وجوده المادية والزمانية والمكانية، إلى أن تكون تسمية لكل ما يشترك معه في شكله ووظيفته. فلفظة (شجرة) هي تسمية لهذا النبات المعروف في حال وجوده الخارجي المتعيَّن. لكنها ـ أي هذه اللفظة ـ تصبح مفهومًا ذهنيًا في حال تعميمها على كل الأشجار. فعملية تكوين المفاهيم تحل المفهوم محل الشيء المدرك وتتيح للإنسان أن يتعامل مع مفاهيم دالة على وفرة من الجزئيات والأشياء. واللغات الإنسانية في كل أطوارها ميَّالة أبدا ـ بعد إنشاء المفاهيم ـ إلى الارتقاء بها، بتخليصها من الاشتراك، وبالاقتراب بها من النقاء، لتكون أكثر دقة وتحديدًا. ووصول الجماعة إلى مفاهيم على درجة عالية من النقاء معناه أن لغة هذه الجماعة ـ وهي خازنة خبرتها ـ قد نضجت إلى حد بيان العام والخاص، والكشف عن أوجه الاختلاف وأوجه التشابه بين الظواهر والمدركات. ومعناه كذلك أن ما عرفته الجماعة من العالم قد أصبح ـ مستخلصًا ومعكوسًا في المفاهيم المجردة ـ مخزونا في لغتها وأداة تتجاوز بها الماثل والحاضر. فإذا كان التفكير بالمفاهيم المجردة ارتقاء من المباشر الملموس والفردي الجزئي والعيني الماثل إلى مفهوماتها الذهنية. فإن التفكير بالرموز قد كان ارتقاء بالتجريد نفسه إلى درجة عليا تتعدد فيها مستويات الدلالة وتعمق، ويصل فيها الذهن إلى خصوبة فكرية تمكنه من إدراك العلاقات والنماذج والصيغ والكليات.

في الرمز اللغوي نزوع بشري إلى تنقية الخبرة من الجزئية والفردية والمباشرة، ونزوع بشري إلى التحرر من قيد الزمان والمكان. ونزوع بشري إلى الخلاص من الكثافة المادية الغليظة، وتحقيق الرهافة الروحية الشفيفة. وفي الرمز اللغوي مستوى دلالي يزول فيه ما شاب الخبرة من غموض وإبهام فتلتئم خبرة الجماعة وتتفتح فيه مقدرة الجماعة على حفظ خبرتها في كليات رامزة إلى السعادة والشقاء والعدل والظلم والقهر والحرية... إلخ. إن التفكير بالرمز معناه إمكانية صوْغ العالم حسب ما وصلت إليه معرفة أصحاب اللّغة بهذا العالم، وحسب خبرتهم العملية فيه. وهذه الإمكانية معناها نضج البعد الفني للّغة أداة الأدب.
صفحة 6
واضح في الأمرين السالفين أن أولهما سابق تاريخيًا، وهذا حق، لأن الأمر الأول ـ وهو ارتقاء الإنسان من مجرد القدرة على النطق إلى القدرة على الكلام البشري، اللّغة المنطوقة ـ قد نضج في طور تاريخي باكر. لكن الأمرين ـ مع ذلك ليسا منفصلين، كما أنهما ليسا متتابعين تاريخيًا بشكل آلي. فقد صحب ثانيهما الارتقاء من مجرد تسمية الأشياء إلى إنشاء مفاهيمها المجردة ووضع الرموز ـ أولهما. إذ عندما بدأ الإنسان يتكلم فإنه في ذات الوقت قد بدأ يفكر. ونضجت المقدرة الكلامية في زمن مبكر، فكانت أساسًا من أهم الأسس في قيام المجتمعات البشرية. بينما نضجت المقدرة الفكرية والرمزية في زمن متأخر نسبيًا، فكانت أساسًا من أهم الأسس في إمكانية صياغة علاقة البشر بعالمهم الطبيعي والاجتماعي لغويًا. ولقد تم نضج الأمرين ـ كما رأينا ـ في ظل الظروف العملية(8) للبشر.

وواضح كذلك أن العالم وجود موضوعي. وأن هذا الوجود الموضوعي سابق على الوعي به. أي أن المسمى ـ من شيء أو ظاهرة ـ موجود وهو في وجوده الموضوعي سابق على اسمه.

إن العالم بجزئياته من حيث انفرادها واجتماعها، وبأشيائه من حيث خصائصها وأشكالها ووظائفها، وبظواهره من حيث عمومها واطرادها، إن هذا العالم قائم خارج الوعي وسابق عليه. وعندما يعي البشر شيئًا مما يحيط بهم يضعون الكلمة علامة عليه وإشارة إليه. إن تسمية الشيء ليست إلا استجابة لحاجة عملية. فالكلمة لا توضع إلا وقت طلبها. والذي يحدد هذا الطلب هو تعرُّف البشر ـ في سياق عملهم وعلاقاتهم بعالمهم الطبيعي والاجتماعي ـ على جزئية من جزئيات واقعهم، أو على ناحية من نواحي خبراتهم. يتم وضع التسمية للمسمى ـ علامة وإشارة ـ عندما يقع هذا المسمى في حيز الوعي الإنساني. فإذا كانت الكلمة استجابة لحاجة عملية وإشارة إلى الشيء المدرك، فإن التفكير بالمفاهيم المجردة كان استجابة لغنى معرفة البشر بعالمهم وتنوعها واحتواء لكثرة الأشياء والجزئيات التي حصل عليها وعيهم. كما كان التفكير بالرموز ارتقاء بالتجريد وتعميما له وصولا إلى الكليات والصيغ الدالة على تعقد الخبرات والعلاقات. الوعي إذن ـ لنقل الفكر بكل أشكاله والثقافة بكل صورها ومنها الفن والأدب كما سبق ـ انعكاس للعالم. واللّغة ناقلة لهذا الانعكاس. فهي ـ إذن ـ لا تنقل إلا ما أصبح في نطاق الوعي.

إن العالم ليس لغة(9). كما أنه ليس عقلًا(10). إنما هو وجود موضوعي قائم خارج وعي البشر به وسابق على هذا الوعي. واللّغة ـ أية لغة ـ إنما تنقل وعي الجماعة ـ صاحبة هذه اللّغة ـ بهذا العالم ومعرفتها به وخبرتها فيه. ويتبدَّى هذا النقل في صيغ رياضية وتأملية وعلمية، وهذه الصيغ يمكن للجماعات البشرية الأخرى فهمها إذا نقلت إلى لغاتها. أما الصيغة الأدبية القائمة على البعد الفني للّغة الجماعة فليست كتلك الصيغ في سهولة فهمها من الجماعات البشرية الأخرى، لأن هذا البعد الفني هو في حقيقته طرائق التفكير الرمزي وأساليبه، وهي تختلف من جماعة بشرية إلى جماعة بشرية أخرى. إن البعد الفني للّغة من اللغات هو ثمرة الخبرة الخاصة لأصحاب هذه اللّغة. لذلك فإن أدب كل جماعة ـ لنقل كل مجتمع ـ إنما يعكس بشكل خاص علاقة هذه الجماعة بعالمها الطبيعي والاجتماعي بما تتضمنه هذه العلاقة من عمل اجتماعي وتجربة روحية ومثل أخلاقي أعلى. إن لكل جماعة طرائقها الخاصة في (تمثيل) عالمها، ومن ثم فإن لكل لغة طريقتها في (تصوير) هذا العالم.

الفصل الثاني

الاغتراب عن الطبيعة
صفحة 7
الأسطورة واقع

كان الإنسان أوّل حياته على الأرض كائنا طبيعيا، ولقد بدأ خطواته نحو أن يكون كائنا إنسانيا عندما أخذ يحوِّل الطبيعة ـ عن طريق العمل ـ للوفاء بحاجاته. لقد كانت الطبيعة تحدد حاجات ذلك الكائن الأول، وكانت تفرضها عليه. لكنه أخذ بالتدريج يتميز عن الطبيعة وينفصل عنها ويحدد حاجاته ويفرضها على الطبيعة التي صارت ـ بالعمل الهادف ـ خادما للإنسان، وبتعبير آخر فإن ظهور الإنسان على الأرض كان في طوْر متأخر من أطوار تطور الطبيعة. وظل ذلك الإنسان زمنًا طويلًا وهو كائن طبيعي يتطور (من) الطبيعة. ولكنه أخذ بعد ذلك يتحول ـ بعمله ـ إلى أن يكون كائنا إنسانيا يتطور (ضد) الطبيعة. وكان معنى التطور العملي الإنتاجي في تاريخ ذلك الإنسان القديم، أنه يحل طبيعته (الإنسانية) محل طبيعته (الطبيعية).

وفي الحق أن هذه الطبيعة الإنسانية التي تطور إليها الإنسان القديم ـ في تميزه عن الحيوان وانفصاله عن الطبيعة ـ ليست سوى طبيعة (اجتماعية) في المقام الأول: إذ لم يستطع الإنسان القديم أن يواجه الطبيعة فردًا، بل واجهها جماعة. ولم يستطع أن يعي نفسه إلا خلال وعيه بعلاقاته الجماعية(11). وظهر في هذا الصدد أن هناك فروقًا جوهرية بين مخ الإنسان القديم الذي كان لا يزال (في) الطبيعة واحدًا من كائنات المملكة الحيوانية، ومخ الإنسان العاقل(12) الذي أخذ يواجه الطبيعة ويسمو عليها. وأهمية هذه الفروق في أنها تشير إلى أن مخ الإنسان العاقل يتميز باتصاله بالعمل الواعي المرتبط بنشاط اجتماعي. لذلك كان الإنسان القديم يلبي حاجات عيشه بالتكيف الحيواني مع الطبيعة، بينما أخذ الإنسان العاقل يلبي تلك الحاجات بمواجهة الطبيعة بالعمل الجمعي. ولهذا الأمر دلالته المهمة، إذ إنه يعني أولًا أن العوامل العضوية ـ منذ ظهور الإنسان العاقل ـ قد أصبحت أقل شأنا في تطور الإنسان من العوامل الاجتماعية. كما أنه يعني ثانيًا الرد على بعض أصحاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي الذين لم يستطيعوا الكشف عن الطبيعة الاجتماعية للإنسان وركزوا على تطور الإنسان منفصلًا عن تطور العمل الاجتماعي وخبرة الجماعة، والرد على أصحاب التفسير البيولوجي الذين ركزوا ـ في دراسة تطور الإنسان ـ على العوامل العضوية(13).

ويمكن القول هنا إن الإنسان حقق (إنسانيته) عندما تميز عن الحيوان، بأن عرف كيف يصنع أدوات عمله، وأنه حقق (اجتماعيته) في ذات الوقت لأن العمل عملية اجتماعية، بفضلها قامت المجتمعات الإنسانية.

وفي المجتمع البدائي لم يكن الإنتاج جمعيًا فحسب، بل كان التوزيع جمعيًا كذلك، إذ كان لا يمكن قيام الملكية الفردية لا لوسائل الإنتاج ولا لمنتجات العمل، سواء في ذلك مرحلة الجمع والصيد ومرحلة الزراعة البدائية في العصر الحجري الحديث (من نحو 5000 قبل الميلاد إلى نحو 3000 قبل الميلاد). ويقول الاقتصاديون إن علاقات الإنتاج في تلك المجتمعات البدائية كانت متطابقة مع طابع القوى الإنتاجية فيها، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى المشاعية ويُحول دون الملكية الفردية. فإذا كانت ملابسات العمل الاجتماعي وظروفه قد تطورت بالإنسان إلى تركيب اجتماعي محدد هو (المجتمع البدائي) القائم على بنية جماعية. فإن تلك الملابسات والظروف نفسها قد أدت إلى علاقة بين الإنسان البدائي وعالمه تقوم على نظرة (كلية) يرى فيها ذلك الإنسان عالمه على أنه كل واحد بأشيائه وحيوانه وإنسانه. أي أن بنية الجماعة البدائية كانت تقوم على أساس العلاقة (الجماعية) بين أفرادها، وأن هذه الجماعية في البنية الاجتماعية كانت تتوازى مع (كلية) في نظرة تلك الجماعة إلى عالمها الطبيعي وعلاقتها به. وأن هذه الكلية كانت تنتظم البشر والأشياء والكائنات الحية والظواهر. وفي هذا ما يفصح عن أن الإنسان البدائي كان لا يزال غير مفارق تماما للعالم الطبيعي، وأنه كان لا يزال ـ في بعض حاجات عيشه ـ (عالة) على ذلك العالم. وترجع تلك البنية في المجتمع البدائي وتلك النظرة في علاقة ذلك المجتمع بالعالم إلى تخلف أدوات العمل وبدائيتها وقصور الخبرة (التكنيكية) عند البدائيين ونقصها(14). لكن الإنسان لم يستسلم لتلك الضروب من التخلف والقصور والنقص، بل لقد تخطى كل ذلك بأداة فذة خلق بها عالمًا جديدًا. ولم يكن هذا العالم المخلوق (وهمًا) وإنما كان (هدفًا) عجزت أدوات الإنسان وخبرته العملية عن خلقه. وكانت تلك الأداة الفذة في يد الإنسان البدائي هي الأسطورة. فإذا كان العمل الإنساني إنما ينهض على الهدف الواعي، وإذا كانت أدوات الإنسان وخبرته تقصران عن تحقيق بعض أهدافه، فإن الأسطورة ـ وهي تنجز بالوسائل السحرية والرمزية هذه الأهداف ـ ليست بعيدة عن العمل نفسه، بل إن الأسطورة تصبح على مستوى العمل بالفعل عندما لا تنجز هدفا يعجز عن تحقيقه القصور التكنيكي والاجتماعي والمعرفي فحسب. وإنما عندما تصوغ وجودًا أكثر اكتمالا وجوهرية. فهي هنا (خطة) عمل أمام الإنسان وحافز له على إنجاز ذلك الوجود المكتمل الجوهري (15)

إن الطقوس السحرية عند العشائر الطوْطمية والمجتمعات البدائية عامة لم تبعد عن التكنيك البدائي والممارسات العملية في حياة تلك المجتمعات، كذلك كانت (المعرفة) التي أتاحتها الأسطورة للإنسان البدائي أصلا لكل معارف البشرية بعد ذلك،. لقد كانت الأسطورة نبعا للعلم والفلسفة والدين والفن. ونستطيع أن نقول إن الإنسان بعد أن نمت قدراته على تجريد تجريبه العملي وخبرته وتعميمها قد أصبح في إمكانه أن يفكر بالمفاهيم والرموز، ومن ثم أصبح في إمكانه أن يصوغ (صورة) لعالم أكثر تطورًا وكمالًا من عالمه الفعلي، وقد أصبح في إمكانه ـ في لحظة تالية من تطوره وارتقاء أدواته وعلاقاته ـ أن يجعل هذه الصورة الرمزية الأسطورية عملًا فنيًا؛ أي واقعًا حقيقيًا. من هنا كانت الأسطورة عند الإنسان البدائي خطة عمل لمستقبل قابل للتحقيق.
صفحة 8
إن نظرة الإنسان البدائي إلى العالم سحرية أسطورية ـ لنقل علاقته الأسطورية بعالمه ـ قد ارتبطت أولًا بدرجة معينة من تطور أدوات العمل والخبرة التكنيكية وهي الدرجة التي وصلت إليها المجتمعات البدائية. وقد ارتبطت ثانيًا بتركيب للبنية الاجتماعية ترتب على تلك الدرجة من تطور أدوات العمل والخبرة التكنيكية في المجتمع البدائي: ومن الوجهة الأولى رأينا أن البدائي قد اكتسب ثقة بنفسه عندما صنع أدوات عمله فاستطاع أن يطوِّع الطبيعة وأن يجعلها تخدم مطالب عيشه ووجوده، وبسبب قصور تلك الأدوات وتخلفها ظلت جوانب كثيرة من واقع البدائي غير خاضعة لسيطرته. كذلك رأينا أن فكر البدائيين قد كان تجريدًا ذهنيًا لخبرتهم العملية، وأن ذلك الفكر قد وصل إلى مفاهيم مجردة ملائمة للجوانب التي سيطر عليها البدائيون في واقعهم ومفسّرة لها. لكن ذلك الفكر استخدم المفاهيم المجردة في إقامة علاقات ذهنية بين الأشياء المتشابهة، واعتقد البدائيون أن العلاقة التي تنشأ في الذهن جامعة بين شيئين أو موضوعين هي علاقة حقيقية قائمة في الواقع، ومن ثم اعتقدوا ـ تأسيسا على هذه الفكرة ـ أنهم لو صنعوا نموذجًا لشيء فإن ما يقع على هذا النموذج يقع على الشيء ذاته في عالم الواقع. أي أن البدائيين أرادوا إخضاع ما لم يخضع لهم في عالمهم معتمدين على علاقات ذهنية، وعلى المماثلة والتشابه بين الأشياء، ومن هنا آمنوا بإمكان السيطرة على جوانب الواقع التي لم يسيطروا عليها بعد بمجرد إنشاء مثال (ذهني) لهذه السيطرة غير أن هذا المثال الذهني لم ينفصل عند البدائي عن خبرته العملية، وعن وحي حياته اليومية: فقد أدرك أنه ما دامت الأشياء والموجودات لا تخضع له إلا بالعمل، فإن المثال الذهني الذي خلقه لإخضاع ما لم يخضع بالعمل ـ لتخلف الأدوات والخبرة التكنيكية ـ كما سلف ـ لا يتحقق أيضا إلا بعمل، وكان هذا العمل هو الطقس السحري، الذي كان ـ عند البدائي ـ عملًا على مستوى العمل الإنتاجي الفعلي، بل إنه كان قائمًا في كثير من خطوات تنفيذه على أدوات العمل الإنتاجي والخبرة العملية البدائية عامة.

الطقوس السحرية إذن ـ في الطوْر البدائي من التطور البشري ـ أساليب عمل غرضها السيطرة على الجوانب التي تخلفت أدوات العمل الفعلية عن السيطرة عليها(16): إذ يمكن ـ في منطق البدائيين ـ السيطرة على تلك الجوانب بإغراء الطبيعة أو باسترضائها أو بخداعها أو بتقليدها أو بغير ذلك مما عرفته الطقوس السحرية. وفي العصر الحجري القديم(17) ـ مرحلة (جمع المآكل) كما يسميها جوردون تشايلد(18) ـ أراد الإنسان كبح جماح الطبيعة، واتقاء أخطارها بطقوس خاصة استرضاها بها، وسعى إلى استنزال المطر ووفرة الصيد بطقوس أخرى، كما سعى إلى نقل دور المرأة في الحمل والولادة إلى الحيوانات بحثِّها على التناسل والتكاثر، وإلى النباتات بحثِّها على النمو والزيادة وذلك عن طريق طقوس سحرية ثالثة... إلخ.

وفي العصر الحجري ـ الحديث ـ مرحلة (إنتاج المآكل) ـ كما يسميها المؤرخ نفسه ـ اتسع انفصال الإنسان عن الطبيعة باتساع إنتاجه لطعامه وباتساع مصادر هذا الإنتاج، فقل اعتماده ـ نسبيا ـ على الطبيعة التي أصبح فاعلا فيها بعد أن كان عالة عليها. وفي هذا العصر نشأت الزراعة البدائية واستأنس الإنسان كثيرا من الحيوانات وتطورت الطقوس السحرية لترتبط بهذه الأوضاع العملية الجديدة، فبرزت طقوس (الخصوبة) التي تجعل الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ينتج مثيله، أي ينتج خصوبة في المحاصيل ويؤدي إلى كثرتها. كذلك برزت في ذلك العصر الاحتفالات الطقوسية المرتبطة بالحصاد وبغيره مما يتصل بالحياة المعيشية والعملية للجماعات البدائية. كما تطورت طقوس سحرية أخرى كانت قد نشأت في العصر الحجري القديم خاصة تلك الطقوس المتصلة بلغزي الميلاد والموت. وعلى هذا فإن الطقوس السحرية عند البدائيين كانت ذات أغراض عملية. أي أن الطقس السحري كان عملا، كان (تكنيكا)، كما كان الصانع والساحر في إهاب واحد، إذ كان غرض النشاط العملي والممارسة السحرية واحدًا وهو إخضاع العالم للإنسان «وقد أتى على الإنسان حين من الدهر اجتمع لكل فرد فيه صفة الصانع وصفة الساحر فجمعت الصفتان في نفس الشخص. وكان الغرض من النظرة السحرية ومن النظرة الفنية واحدا في الحياة البدائية ألا وهو التسلط على العالم الخارجي مهما كان اعتباره، وضرورة الحصول على الطعام، وتجنب الألم والموت. وثلث ما نعرف اليوم على الأقل من الأساليب الفنية في الصيد والقنص والطب ودباغة الجلود وصناعة الأحجار والخشب والعظام والرسم والتحنيط يرجع إلى العصر الباليوليثي. وهذه كلها تمثل تقدما عظيما بالنسبة إلى المرحلة الحيوانية(19)». ومن الوجهة الثانية أي ارتباط النظرة السحرية الأسطورية إلى العالم بتركيب البنية الاجتماعية للمجتمعات البدائية فإن الثقافة البدائية أقامت تصورًا للعالم على نسق بناء المجتمع البدائي نفسه: فجمع الإنسان البدائي الطبيعة والمجتمع في كل واحد، ووحد بين الأشياء والأحياء في وحدة كونية واحدة. وكما أدرك أن للأحياء (نفوسا) فقد جعل للأشياء (أرواحا).

لم يتصور البدائي عالمه الطبيعي جامدًا صامتًا، بل تصوره حيًا مدركًا: يسمع ويجيب ويتكلم ويرد... إلخ. لقد كانت (الجماعية) التي تحدد بنية العشيرة الطوطمية والجماعة البدائية عامة لا تعرف الفصل بين الفرد والمجموع، بل لا تعرف الفصل بين الأحياء والأموات. و(كلية) العشيرة ليست ـ في الثقافة البدائية ـ سوى جزء متحد بكائنات العالم الحية وبأشيائه الجامدة. وفي هذه النظرة الأسطورية إلى العالم تتبدَّى الأرواح حالَّة في كل مكان مالِئة كل فراغ، ساكنة كل شيء. وتتبدَّى قوى الطبيعة وظواهرها من أجرام وكواكب وأنهار وبحار ورياح، قوى وظواهر (حية) قادرة على الإدراك والفعل والتأثير. كما تتبدى الجوامد من أحجار وجبال وأشجار وصخور كائنات حية قادرة على الفهم والتدبير. وجعلت هذه النظرة الأسطورية بين قوى الطبيعة وظواهرها وجوامدها (علاقات) شبيهة بما بين البشر فهي تعرف الحب والكراهية، والرضا والغضب، والجنس والزواج والإنجاب، والقوة والضعف... إلخ. أي أن النظرة الأسطورية بثت في الطبيعة (إنسانية) تعي وتفعل وتؤثر.

ومن الطبيعي في تصور البدائيين لعالمهم أن تكون آلهتهم على صورتهم الإنسانية، ما دام عالمهم الطبيعي على نسق بنائهم الاجتماعي. وعلى هذا فإن «مجتمع الآلهة» إنما يقوم على نمط (مجتمع البشر): تتحكم فيه الرغبة والرهبة والعاطفة والنزوة، وتتصارع فيه قوى الخير والشر، ويعرف الحرب والسلام، ويعرف العفو والانتقام، كما يعرف ما يعرفه البشر من علاقات الذكور والإناث. وبين مجتمع الآلهة ومجتمع البشر علاقات تسودها الرحمة والقسوة والشفاعة والقبول والرفض والخداع والاغتصاب، فالآلهة على نسق مجتمع البشر، فلكل إله منزلته ولكل منهم وظيفته.

ونصل من هذا إلى أن العمل الاجتماعي بأدواته وخبراته وعلاقاته قد خلق طاقتي التجريد والتعميم في الإنسان، وبذلك أهّل هذا الإنسان لأن يكون على درجة فكرية مناسبة لواقعه التجريبي والاجتماعي. ولما كان العمل في ذلك الطور الإنساني متخلفًا في ظروفه ووسائله فإن الإنسان البدائي ـ مستعينا بالتجريد والتعميم ومفكرا بالمفاهيم والرموز ـ قد استعان بالأساليب والطقوس السحرية ليتخطى ذلك التخلف، فكان السحر عنده عملا حقيقيا مستفيدا من التجربة العملية مكملا لجوانب النقص فيها. كذلك كانت الأسطورة ـ في ذلك المنطق البدائي ـ عالمًا حقيقيًا محددًا بما وعاه البدائي من معرفة بعالمه الفعلي ومكملا لوجوه النقص في هذا العالم الفعلي. لقد كانت الممارسة السحرية ـ في الثقافة البدائية ـ عملًا غير بعيد عن العمل الإنتاجي، كما كانت الأسطورة علمًا غير بعيد عن الفكر البدائي. وليس شك أن هذه العلاقة السحرية الأسطورية بالعالم كانت تمنح البدائيين قوة في مواجهة عالمهم الطبيعي والاجتماعي، كما كانت تمنحهم ثقة غير محدودة بإمكان السيطرة على هذا العالم وتوجيهه إلى العمل على النحو الذي يحقق غاياتهم. وليس شك كذلك أن التطور العملي الاجتماعي للبشرية في حضارات المجتمعات البدائية كان يواكبه بناء فكري (رمزي) يسد النقص في ذلك التطور العملي ويتجاوز تخلفه ويحقق للإنسان ـ أسطوريًا ـ سيادته على عالمه. ولم يكن هذا البناء الفكري في حقيقته ـ كما رأينا ـ غير انعكاس للواقع العملي في تلك المجتمعات وللبناء الاجتماعي فيها. كما كان هذا البناء الفكري ـ العلاقة السحرية الأسطورية بالعالم ـ من أهم الجذور التي تفرعت ونمت منها الخبرات التكنيكية والمعارف العلمية والأديان الراقية والفلسفات المثالية(20). كذلك كان ـ وهو ما يعنينا هنا ـ من أهم الأصول الأولى للفن.
صفحة 9
وليست هناك ـ في التاريخ الفني ـ بداية بعينها تحدد (ميلاد) الفن، لأن النشاط الإبداعي ارتبط ـ كما وضح سابقًا ـ بالنشاط العملي عبر آلاف من السنين في التطور البشري. كان الفن يتميز عن العمل ـ وإن كان لا ينفصل عنه ـ بمقدار تميز الإنسان عن الطبيعة واغترابه عنها وعلوُّه عليها عن طريق تطور أدوات العمل وما يرتبط بهذا التطور من ظروف وعلاقات. ولا يستطيع مؤرخو الفن والحضارة أن يتحدثوا عن (أعمال) فنية ترجع إلى أبعد من الفترات المتأخرة من العصر الحجري القديم ـ أطول مراحل التاريخ الإنساني كلها ـ وإلى العصر الحجري الحديث، أي إلى تلك المراحل والعصور التي عرفت ـ اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ـ بالمجتمعات البدائية. وفي هذه المجتمعات اكتسب الفن قدرًا من التميز مستفيدًا من ارتقاء التجريب والتكنيك عامة، كما اكتسب (الفكر) قدرًا من التقدم ببروز طاقتي التجريد والتعميم. ولما كانت هاتان الطاقتان إنما هما في حقيقتهما تجريد للخبرة العملية وتعميم لها، فإن الفكر البدائي إذن هو (الصورة المجردة) للتجريب البدائي. أي أن الفن والفكر البدائيين إنما يرجعان إلى مصدر واحد وهو العمل البدائي نفسه(21). لكننا نقول هنا إن كلًا من الفن والفكر قد اكتسب في المجتمعات البدائية ـ في أطوارها المتأخرة ـ قدرًا من الاستقلال والتميز، فما العلاقة بين الاثنين بعد استقلالهما وتميزهما باعتبار كل منهما صورة (ناضجة نسبيا) من صور الوعي الاجتماعي؟ إن الفن يعكس علاقة نوعية بين الإنسان وعالمه. وجوهر علاقة البدائي بعالمه ـ كما صاغها الفكر البدائي ـ أنها علاقة سحرية أسطورية، وعلى هذا فإن الفن البدائي يعكس العلاقة الأسطورية بين الإنسان وعالمه الطبيعي والاجتماعي. ولقد سبق القول إن العلاقة الأسطورية بين الإنسان والعالم قد كانت منطقا للثقافة البدائية يتفق ودرجة بعينها مع الواقع التجريبي والبناء الاجتماعي. فإذا تتبعنا هذا المنطق للثقافة البدائية في صورة محددة من صورها، وهي الفن، وجدنا اتصاله ـ أي اتصال الفن ـ بتلك الدرجة من التجريب والبناء الاجتماعي يتبدى في مسألتين:

المسألة الأولى أنه إذا كان المنطق الأسطوري يحقق أهدافًا عملية واجتماعية في المجتمع البدائي، تقصر عن تحقيقها أدوات البدائيين ومعارفهم وخبراتهم، فإن الفن كان أداة أولئك البدائيين في تحقيق تلك الأهداف، لقد كان الفن البدائي ذا (مضمون) أسطوري، إذ كان يعكس علاقة سحرية أسطورية بالعالم، ولما كانت تلك العلاقة قائمة على نسق الواقع التجريبي والاجتماعي، فإن ذلك المضمون كان (اجتماعيا) في حقيقته. فإذا كان الأساس في (مضامين) الفنون البدائية هو التعميم الرمزي ـ إن جاز هذا التعبير ـ للواقع التجريبي والاجتماعي، فإن (أشكال) تلك الفنون قد ارتبطت إلى حد بعيد بالوسائل والأدوات والأساليب والخامات التي عرفها ذلك الواقع التجريبي البدائي نفسه. ولم يكن (المنطق) الأسطوري عند البدائيين ليتحول إلى (فن) لو لم يكن مرتبطًا ارتباطًا حميمًا بوحي حياتهم العملية وبنائهم الاجتماعي: فلقد أقام هذا المنطق علاقات ذهنية بين الأشياء المتشابهة، وعامل هذه العلاقات على أنها علاقات حقيقية قائمة في الواقع فعلا، ونهض على هذا في الثقافة البدائية مبدأ القدرة على إخضاع ما لم يخضع للإنسان بإنشاء (مثال ذهني) لهذه القدرة. ولقد ذكرنا في موضع سابق أن هذا المثال الذهني للقدرة الإنسانية لم يكن بعيدًا عن الواقع العملي، وإنما كان مستفيدًا من تجريد هذا الواقع ذهنيًا وساعيًا إلى إكمال عجزه وقصوره. وبسبب هذا القصور والعجز في الواقع العملي البدائي فإن المثال الذهني لسيطرة الإنسان على عالمه ما كان له أن يتحقق في الواقع، فتحقق في الفن. أي أن التعميم الرمزي ـ بعبارة أخرى: تحويل المفهوم إلى رمز، والتجريد الذهني إلى تعميم فني ـ جعل المنطق الأسطوري فنًًا أسطوريًا.

بهذا كان الفن البدائي تحقيقًا جماليًا لأهداف (واقعية) تعجز الخبرة عمليًا عن تحقيقها. أو أنه ـ أي الفن البدائي ـ كان تحقيقا لوجود ساع إلى الاكتمال، وجود يتخلق، وجود يصير ـ في الفن ـ وجودًا فعليًا. وهذه الخصيصة في الفن البدائي لا تجعله مفارقًا لعالم البدائيين الواقعي بل تجعله كاشفا لجوانب جديدة لم تكشف بعد في ذلك العالم، كما تجعله ارتقاء من (رؤية) المألوف المبذول إلى معنى من معاني (الرؤيا). وإن كان ـ هذا الفن ـ ليس حلما من أحلام اليقظة أو من أحلام المنام(22). فإن تلك الخصيصة لا تجعل هذا الفن ـ على الرغم من ارتباطه الشديد بالواقع التجريبي ـ محاكاة أو تقليدًا للظواهر العارضة بل تجعله بحثا عن جوهر هذه الظواهر وكمالها. ولعل في هذا ما يفسّر كثرة ما يحققه الفن البدائي من (أمنيات) الإنسان البدائي وأهدافه، كما أنه يفسّر ارتباط هذه الأمنيات والأهداف بالحاجات العملية لذلك الإنسان البدائي.

لقد أراد هذا الإنسان أن يأمن الضار وأن يجلب السار، وأراد أن يضمن مصادر لطعامه وحماية لحياته، ورغب في معرفة الظواهر المؤثرة في عيشه ووجوده وفي معرفة أسرار ما يحيط بهذا العيش وهذا الوجود من ألغاز وأسرار. وكانت أدواته وخبراته تتيحان له تحقيق القليل من كل هذه الأهداف والأمنيات وتعجزان عن تحقيق الكثير، لكن منطقه كان يحقق له هذا الكثير معتمدا المماثلة والتشابه بين الأشياء والموضوعات، ومعتمدا المثال الذهني أي مؤمنا بأن تحقيق الشيء ذهنيا يحققه واقعيا، وكان تجسيد هذا المثال الذهني في الواقع إنما يتم بالفن: فالرغبة التي تحققت للبدائي إنما حققها العمل، والرغبة التي لم تتحقق يمكن تحقيقها بعمل آخر هو ـ طبقا للمثال الذهني في القدرة على السيطرة ـ أن (يرقِّص) الإنسان هذه الرغبة أو يمثلها، أو يصورها، أو يغنيها، أو يشكلها. فإذا رقصها أو مثلها... إلخ تحققت فعلا. لهذا كان فن البدائي عملا، فلم يكن هذا البدائي يعمد إلى إبداع فن، بل كان يعمد إلى إنجاز هدف عملي وكان يرى في (إبداعاته) تحقيقا لأهدافه. ولقد أكد هذا الأمر عند البدائي أن رأى لهذه الإبداعات الفنية (نتائج واقعية) فكان الصياد (يتحكم) سلفا في صيده إذا رسمه صريعا وقد دق السهم في جسمه، وكانت رقصة بعينها يؤديها الصياد قبل عملية الصيد تشعره بالتفوق على الحيوان وتستدرجه إليه وتمكنه منه، كما كان المحارب يهزم عدوه مقدما إذا رسمه مهزوما... إلخ. «إن الصورة كانت هي التصوير والشيء المصوَّر في آن واحد، وكانت هي الرغبة وتحقيق الرغبة في الوقت نفسه. ولقد كان صياد العصر الحجري القديم يعتقد أنه قد استحوذ على الشيء ذاته في الصورة، ويظن أنه قد سيطر على الموضوع عندما يصور الموضوع. وكان يعتقد أن الحيوان الحقيقي يعاني بالفعل من قتل الحيوان الذي تمثله الصورة. فالتمثيل التصويري لم يكن بالنسبة إلى ذهنه إلا استباقًا للنتيجة المطلوبة. وكان من المحتم في اعتقاده أن يقع الحادث الحقيقي في أعقاب التمثيل السحري له، أو أن يكون متضمنا فيه بالفعل، إذ إن الاثنين لا يفصل بينهما إلا ذلك الوسيط غير الحقيقي الذي يتألف من مكان وزمان.

وعلى ذلك فلم تكن وظيفة الفن أن يكون بديلًا رمزيًا على الإطلاق، وإنما كانت هذه الوظيفة متعلقة بالفعل الحقيقي الهادف. ولم يكن الفكر هو الذي يقتل أو الإيمان هو الذي يحقق المعجزة، وإنما كان الفعل الحقيقي أي التمثيل التصويري، أو التصويب على الحيوان في الصورة هو الذي يقوم بالسحر. إن فنان العصر الحجري القديم عندما كان يصور حيوانا على صخرة، كان ينتج حيوانًا حقيقيًا. ذلك لأن عالم الخيال والصور، ومجال الفن والمحاكاة المجردة لم يكن قد أصبح في نظره ميدانًا خاصًا قائمًا بذاته مختلفًا عن الواقع التجريبي ومنفصلا عنه. ولم يكن قد واجه المجالين المختلفين بعد، وإنما رأى في أحدهما استمرارًا مباشرًا متجانسًا للآخر».

ما طبيعة (النتائج الواقعية) التي كان هذا الفن الأسطوري يحققها لأصحابه؟
صفحة 10
لا شك أنه كان يمدهم بقوة، ويوحي إليهم بثقة ويقرب أملهم في السيطرة على عالمهم، ولا شك أيضًا أن كل ذلك كان يرتد إلى واقعهم العملي فيحكم سيطرتهم عليه، ويفسّر لهم ـ نسبيًا ـ ظواهره.

والمسألة الثانية ـ وهي لا تنفصل عن المسألة الأولى وإنما فصلنا بينهما بغرض الإيضاح فحسب ـ هي أن الجماليات كانت ممارسات عملية، وأن هذه الممارسات العملية كانت ظواهر جماعية، إذ إن الفن البدائي جمعي، ما دام العمل الإنتاجي في المجتمعات البدائية جمعيًا.

وما دام الفن في تلك المجتمعات عملا على مستوى العمل الإنتاجي بالفعل. وما دمنا بصدد الأسطورة، فإننا نذكر ما سبق أن قررناه وهو أن الفن البدائي إنما يعكس علاقة أسطورية تقيم عالمًا يعكس بدوره البنية الجماعية للمجتمع البدائي. وعلى الرغم من أن النظرة السحرية الأسطورية كانت تجعل الجماعة الإنسانية في وحدة (حيوية) مع عالمها الطبيعي، فإن هذه الجماعة ـ بتطورها العملي الاجتماعي ـ أخذت تتميز عن عالم الطبيعة وتنفصل عنه وتعمل متماسكة ضده. وبسبب بدائية وسائل العمل وظروفه، وبدائية العلاقات الاجتماعية، فإن عملية العمل كانت جماعية كما سبق. وفي مثل هذا النمط الاجتماعي ـ المجتمع البدائي ـ لا تتميز (شخصية الفرد) ولا تظهر (الطبقات). ولما كان الفن عند البدائيين عملا لا يبعد عن العمل الإنتاجي لديهم، فإن ذلك الفن البدائي كان جمعيًا كعملية العمل الإنتاجي تماما حتى لو أنتج بعض إبداعاته آحاد من الفنانين.

إن الفن البدائي لم يكن فنًا (فرديًا) كما لم يكن فنًا (طبقيًا). لم يكن فنًا فرديًا لأنه على مستوى العمل الإنتاجي وهو عملية اجتماعية. ولم يكن فنًا طبقيًا لأن ذلك النمط الاجتماعي ـ المجتمع البدائي ـ لم يعرف الطبقات. وقد ظهر في ذلك المجتمع نوع من الاحتراف في ميدان الفن، فتميزت جماعة من الفنانين السحرة وأعفتها الجماعة من مشقة العمل الإنتاجي، فكان الفنان الساحر ـ كما يقول أرنولد هاوزر(23) ـ أول مثل للتخصص وتقسيم العمل. على أن الجماعة لم تنظر إلى أولئك الفنانين السحرة المحترفين على أنهم يعيشون على فائض إنتاج غيرهم، بل نظرت إلى فنهم السحري على أنه عمل إنتاجي حقيقي: «وفي الواقع أن هذا الفن السحري كان مهما في نظر مجتمع نهاية العصر الحجري القديم حتى إن السحرة الرسامين ربما كانوا يعفون من واجبات الصيد المرهقة ليتفرغوا للطقوس المعروف عنها أنها أكثر إنتاجًا. فكان يُخصص لهم غالبًا قسم مما يأتي به الصيد لقاء اشتراك روحي في محنِه وأخطاره. وأقل ما يمكن قوله هو إن الرسوم كانت متقنة إلى حد يستدل منه على أنها من عمل صنَّاع مدربين ومختصين».

وهكذا نكاد نتبين ظهور أول الإخصائيين، أي أول من يعيش على فائض اجتماعي من الأغذية بدون أن يسهموا مباشرة في جمعه. على أنه من المؤكد أن المنتجين لم يعتبروا فضل هؤلاء الإخصائيين السحري أقل أهمية من براعة مطاردة الحيوانات ودقة الرامي وشجاعة الصياد(24). لقد كان الفن البدائي إذن فنًا (إنسانيًا)، فن بشر لم يتميز فيهم الفرد ولم تتميز فيهم الطبقة لأنهم جميعا بنشاطهم ـ العمل والفن ـ كانوا في طوْر التميز عن الطبيعة ومفارقتها. كان هذا الفن البدائي واحدة من وسائل (القوة البشرية) في مواجهتها (للقوة الطبيعية) وفي تميزها عنها وسموّها عليها. كما كان ذلك الفن تعزيزًا لتماسك الجماعة ودعمًا لوحدتها. وعند علماء آثار ما قبل التاريخ ومؤرخي الفن شواهد جمة لهذه الحقيقة الأولية ـ السمة الجماعية ـ في الفن البدائي.

ولسنا هنا بحيث نفصل القول في تلك الشواهد، فلها مظانها، لكن حسبنا في هذه السبيل أن هؤلاء العلماء والمؤرخين يرون: أن خروج الجماعة إلى الصيد ـ خاصة في مرحلة جمع المآكل ـ وأن خروجها إلى الحصاد ـ خاصة في مرحلة إنتاج المآكل ـ لم يكن ليتم أغراضه لولا أن الجماعة الإنسانية قد اكتشفت ـ بطول ممارسة وملاحظة ـ موازاة رمزية لجهدها العملي. ورأت الجماعة أن هذه الموازاة الرمزية توحِّد أفرادها وتقلل من تعبها تقرب من تحقيق هدفها. كانت هذه الموازاة الرمزية هي الممارسات الفنية المصاحبة للعمل. ولقد أدت هذه الممارسات الفنية ـ وهي جزء من العمل ـ إلى التحام حركة الفرد بحركة زميله فكانت قوة إنجاز عملي. لذلك كانت أغنيات البدائيين (نداءات عمل)، وكان إيقاعهم (تنظيما) لحركات الأداء العملي. وكذلك أيضا كان كثير من حركات الرقص والتمثيل الجماعي (تدريبًا) فعليًا لحركات لازمة في العمل الإنتاجي وتقليدا يحاكي مقدمًا الرغبات التي يرجوها البدائيون قبل قيامهم بالصيد أو الحصاد أو الحرب. كما يحاكي مقدمًا الأخطار التي يتوقعونها. وعندهم ـ كما سبق ـ أن رقْص تلك الرغبات وتمثيلها يحققها، وأن محاكاة تلك الأخطار وتمثيلها يبطل آثارها. وفي طوْر من أطوار التاريخ الفني البدائي استخدمت الجماعة الصورة علامة وإشارة، أي لغة إعلام لأغراض عملية خالصة، كما استخدمت التزيين ـ الوشم مثلا ـ باعتباره (أوسمة) تمنحها للمهرة والمتفوقين من أبنائها في مجالات العمل.

كانت اللّغة في كل تلك الموازاة الرمزية ـ الممارسات الفنية ـ تقوم بدور أساسي. إذ إن التعبير كان ـ كالتصوير والتشكيل والتمثيل ـ قوة سحرية يصطنعها الإنسان للسيطرة على عالمه حسب ما صوّر له المنطق الأسطوري في ذلك الطور البدائي من تطور المجتمعات البشرية. كان ذلك المنطق الأسطوري (فكرا) يحققه الإنسان البدائي عن طريق (عمل) هو الممارسة السحرية. وكانت هذه الممارسة تتبدى في (قوة) الكلمة. ولكن (تأثير) قوة الكلمة قد فاق تأثير التصوير والتشكيل والتمثيل. وذلك إنما يرتد إلى طبيعة اللّغة ـ كما رأينا في فصل (التجريب والتجريد) في هذا الباب ـ باعتبارها أهم أدوات الإنسان في علاقته بعالمه الطبيعي والاجتماعي.

ومن الوجهة الأولى

ـ أي العلاقة بالعالم الطبيعي ـ كان البدائي يؤمن بتأثير الكلمة على القوى الظاهرة والخفية في هذا العالم. فقد كان المنطق الأسطوري لدى البدائي يصور له إمكانية (التعامل) مع القوى الكونية التي تعي وتستجيب حسب ذلك المنطق. وكانت الممارسات السحرية أدوات للبدائي في تعامله مع تلك القوى وفي توجيهها لصالحه. ولقد احتلت الكلمة مكانًا بارزًا في تلك الممارسات السحرية باعتبارها قوة مؤثرة في التعامل مع القوى الكونية. وتوجه البدائي ـ مصطنعًا التأثير السحري للكلمة ـ إلى هذه القوى بالضراعة والرجاء وبالأمر والنداء... إلخ.

كذلك كانت الكلمة قوة في علاقة البدائي بعالمه من قبيل آخر، وهو أن الكلمة كانت أداة للتحكم في جزئيات هذا العالم وظواهره، كما كانت أداة لمعرفة هذه الجزئيات والظواهر. فقد كانت الكلمة تساوي لدى البدائي الشيء الذي أطلقت عليه تسمية له، ومن ثم فإن تسمية الأشياء كانت تعني ـ سحريًا ـ التحكم في هذه الأشياء ومعرفتها والسيطرة عليها.