eKtab
EN ع
ملاحظات نحو تعريف الثقافة
اقرأ عينة مجانية

ملاحظات نحو تعريف الثقافة

بقلم ت. س. إليوت

صفحة 1
مقدمة المترجم

عنوان هذا الكتاب يشعرنا بأنَّ إليوت يلزم جانب الحذر في عرض آرائه، أو على الأقل يتظاهر بذلك. فهو لا يعدنا بنظرية عن الثقافة توضح علاقاتها وعوامل نموها أو تدهورها، بل لا يعدنا بمجرد تعريف لها، وإنما هي ملاحظات «نحو» تعريف الثقافة. على أننا سندرك من مقدمة الكتاب أن هدف الكاتب أكبر مما يدل عليه العنوان. فهو يُصرِّح أن السؤال الذي تضعه هذه المقالة هو: «هل هناك شروطٌ ثابتةٌ إذا تخلَّفت فليس لنا أن نتوقع قيام ثقافة راقية؟» ومعنى ذلك أنَّه يقدم لنا ـ بالفعل ـ نظرية، إن لم تكشف لنا عن عوامل نمو الثقافة فهي تكشف ـ على الأقل ـ عن بعض أسباب تدهورها. ولكننا نلاحظ أنَّه يتجنب استعمال تعبير مثل «العوامل الثقافية» أو «القوى الثقافية» في صدد الحديث عن قيام ثقافة راقية، مفضلًا على هذين التعبيرين تعبيرًا آخر، وهو «الشروط الثابتة». والفرق بين هذه التعبيرات الثلاثة واضح: فـ «شروط» قيام شيء ما، لا تستتبع بالضرورة قيام هذا الشيء، وإن كان امتناعها يستتبع امتناعه، بعكس «القوى» و«العوامل» التي يتحتم أن يترتب عليها أثرٌ ما. واختيار الكاتب للكلمة الأولى في هذا السياق يدل على جملة أشياء:

يدلُّ أولًا على أن الثقافة في نظره ليست نتاجًا حتميًا لقوى أو عوامل، ويدلُّ ثانيًا على أنَّه لا يحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات ثقافية قائمة فعلًا، بل يحاول أن يرسم صورة للثقافة الراقية كما يتصورها.

ويدلُّ ثالثًا على أنه يقصد إلى نقد أفكار معينة عن الثقافة، لا تلتئم مع هذه الصورة، أو لا تراعي تلك الشروط.

وهذه النزعات الثلاث تجعل أسلوب الكتاب مزيجًا من الجدل والطوبوية، ونبرته نوعًا من الهجوم الحذر، الذي يحاول أن يهدم حصون العدو من دون أن يكسب أرضًا جديدة. على أن الكاتب شديد الوعي لنفسه، شديد الأمانة مع قارئه، فهو لا يزال بين الفينة والفينة يرد نفسه عن هجماته الجدلية وأحلامه الطوبوية جميعًا إلى الموضوعية البحتة، محاولًا أن يلتزم تحليل الواقع، وعلى الخصوص تحليل الألفاظ. ويَحسُنُ بالقارئ أن يتنبه من أول الأمر إلى أنَّ كاتبنا يتنقل بين هذه المواقف الثلاثة: الموقف الجدلي، والموقف الطوبوي، والموقف الموضوعي التحليلي، لتتضح قيمة الأفكار في كل حالة. والأمر سهل عندما يخلص الكاتب لموقف من هذه المواقف. ولكنَّه قد يمزج بينها، فيكون على القارئ أن يتبين امتزاج الحقيقة الموضوعية، والخطأ الناتج عن افتراضٍ لا مبرر له، في الفكرة الواحدة. وإليك بعضًا من أبرز الأمثلة على ذلك:

في الفصل الثاني، «الطبقة والصفوة»، يحاول إليوت أن يثبت أن الطبقة التي يتوارث أهلها الثروة والنفوذ، ضرورية لازدهار الثقافة. والملاحظات الموضوعية التي يقوم عليها هذا الفصل هي:

1 ـإنَّ تمايز الوظائف في المجتمع، بحيث تختص كل فئة بوظيفة معينة، سمة تصاحب رُقيّ الثقافة.

2 ـ إنَّ هذا التمايز يجب ألّا يحول بين اتصال الطوائف بعضها ببعض، ليكون في ثقافة المجتمع ككل، ذلك الانسجام الذي يجعل لها وحدة.

3 ـإنَّ الثقافة تتوارث، أي تُنقل من جيل إلى جيل.

وواضح أن هذه الملاحظات مجتمعة لا توصلنا إلى اعتبار قيام طبقة أرستقراطية على رأس المجتمع شرطًا لازدهار الثقافة، بل الأحرى أنها توصلنا إلى ضد هذه القضية ـ لو أخذنا بوجهة النظر المطلقة كما يفعل إليوت، ولم نعط اعتبارًا ما للظروف التاريخية ـ لأنَّ وجود الطبقة الأرستقراطية على رأس المجتمع يجعلها تميل إلى احتكار الوظائف العليا فيه، فيكون القيام بهذه الوظائف غير متوقف على كفاءة خاصة للقيام بها، كما أنَّ وجود هذه الطبقة بامتيازاتها يجعل للبلد الواحد ثقافتين: ثقافة أرستقراطية وثقافة شعبية، أي أنَّه يحول دون وحدة الثقافة. لهذا يضطر إليوت إلى أن يتصوَّر، في مجتمعه الطوبوي، «صفوة» و«صفوات» إلى جانب الطبقة الأرستقراطية. ثم لا يجد للطبقة الأرستقراطية وظيفة إلّا «أن تحافظ على مستويات الآداب الاجتماعية وتوصلها، وهي عنصر حيوي في ثقافة الفئة»! وهذا تبرير عجيب، وأعجب منه قوله في فصلٍ آخر (الفصل الثالث، وموضوعه الإقليمية، إلّا أنَّ الكاتب يعود، بما يشبه تأنيب الضمير، إلى موضوع الطبقات) إنَّ المجتمع اللاطبقي ينبغي أن ينبت الطبقة دائمًا، والمجتمع الطبقي ينبغي أن يميل إلى محو الفوارق بين طبقاته. ومعنى هذه الجملة أنَّ إليوت في تفكيره الطوبوي لا يستطيع أن يطمئن إلى فكرة مجتمع طبقي، ولا إلى فكرة مجتمع لا طبقي.

مثالٌ ثانٍ على امتزاج الحقيقة الموضوعية بالزعم الباطل في أفكار إليوت، وهو بيانه لتأثير الاستعمار في ثقافة الشعوب المستعمرة. فهو لا يكاد يشير إلى تخريب الاستعمار للثقافة الوطنية، حتى يعود فيؤكد أن هذا التخريب «لا يُدين الاستعمار نفسه بحال»! كأنما يمكن الفصل بين الاستعمار وآثاره بهذه السهولة، وكأنما جريرة تخريب الثقافة الوطنية هي كل ما ارتكبه الاستعمار من سيئات ـ لو أريد إحصاء سيئات الاستعمار. بل إنَّ إليوت لا يكتفي بذلك حتى يهاجم أعداء الاستعمار، مستنكرًا «أن نقحم أنفسنا (أي المستعمرين الغربيين) على مدينة أخرى ونجهِّز أفرادها بمبتكراتنا الميكانيكية ونُظُمنا في الحكم والتعليم والقانون والطب والمالية، ونوحي إليهم احتقار عاداتهم واتخاذ موقف مستنير من الخرافات الدينية ـ ثم نتركهم لينضجوا في الخليط الذي غَلَيناه لهم». وليست «المفاخر» التي ينسبها إليوت إلى الاستعمار بأشد مغالطة من الفكرة الضمنية وراء هذا الاستنكار. وهي أن ثقافة شعب من الشعوب يمكن أن يصنعها شعب آخر.
صفحة 2
ومثالٌ ثالثٌ وهو رأي إليوت في مبدأ «تكافؤ الفرص» إلّا أنَّ التعصّب هنا يعميه عن كل حقيقة موضوعية. فهو يسمِّي فكرة «أنَّ كثيرًا من الكفاءات الممتازة ـ بل كثيرًا من العبقريات تضيع لنقص التعليم» أسطورة! وفي مقابل ذلك يبرّر هجومه على مبدأ تكافؤ الفرص، بأنّ هذا المبدأ قد يُخرج عباقرة في الشر، كما يُخرج عباقرة في الخير. ولا أظن أن في إمكان أحدٍ أن يأتي بأسخف من هذه الحجة، لأننا لو رتبنا عليها كل ما ينبغي أن يُرَتَّب لانتهينا إلى رفض الحياة نفسها لما فيها من شر. ولابد لنا أن نصل آخر الأمر إلى نتيجة هامة، وهي أنه مهما يكن من حرص إليوت على الموضوعية، بل مهما يكن من طوبويته، فإن طابع التشاؤم هو الطابع الغالب على «ملاحظاته». والشعور العام الذي يخرج به القارئ عن المؤلِّف، هو أنه رجل يعيش في غير عالمه. وطوباه ليست في المستقبل بل في الماضي، في إنجلترا القرن الثامن عشر. وموقفه من التطور موقف جزع دائم (بالرغم من أنه يتحدث عن رقيِّ الثقافة، ولا يبدو ساخطًا حتى على الطابع الميكانيكي للحضارة الغربية الحديثة، وخصوصًا حين يتعلق الأمر «بفوائد» الاستعمار) فهو يقول ـ بعد ملاحظات موضوعية قيمة عن اختفاء بعض القيم في الحضارات المتطوِّرة: «والحق أنَّ الشيء الوحيد الذي نثق من الزمن بإحداثه أبدًا هو الخسارة؛ أما الكسب أو التعويض فإنه يوشك أن يكون متصوَّرًا دائمًا، إلا أنه غير متيَقَّن أبدًا» ويقرر في موضع آخر أن «كل تطوير إيجابي فائق للثقافة هو دائمًا معجزة عندما يحدث».

وإليوت يعبِّر بهذه الأفكار عن إيمانه الخاص، وهو مزيج متناقض من الإيمان بقدرة الأرستقراطية والإيمان بالخلاص المسيحي، وهذا الإيمان الخاص هو الذي يجعله يزجُّ في جدله بمسلمات لا يلزم أن يسلِّمها له القارئ، بل يحسن به أن يقف منها دائمًا موقف الشك. والحق أن الكاتب يساعده على ذلك. ففضلًا عن أسلوبه المليء بالاستدراك والاحتراس والجمل المعترضة، بحيث يوحي إلى القارئ الفكرة وضدها في وقت واحد، ويعديه بموقف «المفكر الذي يفكر في تفكيره»، وهو الموقف المعقد الذي يتخذه في هذه المقالة، والذي يجعل لها صعوبة خاصة، وجاذبية خاصة أيضًا، ففضلًا عن ذلك نراه يصرح بأنه غير مبرَّأ من الميل لأفكاره السابقة. فهو يقول: «.... لا يوجد إنسان يمكنه أن يتخلص تخلصًا تامًا من وجهة النظر الدينية، لأن المرء ـ آخر الأمر ـ إمِّا مؤمن أو غير مؤمن. وإذن لا يمكن لأحد أن يكون مبرَّأ من الميل تمامًا كما ينبغي للإجتماعي المثالي أن يكون. وبناءً على ذلك يجب على القارئ أن يحسب حسابًا لأفكار المؤلف الدينية، وليس هذا فحسب، بل يجب عليه أيضًا أن يختبر عقله وأفكاره هو نفسه (أي القارئ)، وهذا أمر أشد صعوبة، فلعله لم يمتحن عقله قط امتحانًا دقيقًا. وهكذا يجب على الكاتب والقارئ كليهما أن يحذرا افتراض أنهما مبرآن من الميل تمامًا».

ويستطيع القارئ أن يتبين ثلاث أفكار رئيسية عن الثقافة تنتظم هذا الكتاب كله، ولها قيمتها الموضوعية الكبيرة وإن تأثر الكاتب في بعض تطبيقاتها بميوله الخاصة.

أولى هذه الأفكار هي: فكرة الوحدة والتعدد في الأنماط الثقافية. فهناك ثقافة إنسانية تنتظم البشر جميعًا، وهناك في الوقت نفسه ثقافة محلية تميز أهل قرية ما عن أهل القرية المجاورة لهم. وبين هذه النوعية الصغيرة وتلك الوحدة الشاملة هناك درجات متفاوتة من الوحدة، منها ما يجمع الإقليم أو القطر، ومنها ما يجمع الفئات المتماثلة في الأقطار المختلفة. ووجود الأنماط العامة وازدهارها ضروري لوجود الأنماط النوعية وازدهارها، كما أن العكس صحيح أيضًا، لأنَّ الاتصال بين الأنماط الثقافية المختلفة يثري كل واحد منها، في حين أنَّ التراث الثقافي المشترك يزداد غنى بمساهمة الأنماط الثقافية المتنوعة فيه. وإليوت يتعمق في هذه الفكرة ويحرص على بيان أنَّ الوحدة الثقافية يجب أن تكون وحدة عضوية لا مجرد حاصل جمع الثقافات النوعية الداخلة في تكوينها.

والفكرة الثانية هي: فكرة الارتباط بين الثقافة والدين. وهي فكرة لا أحسب أن أحدًا من الباحثين ينكرها، أو يستطيع إنكارها. إلّا أنَّ إليوت يؤكد هذا الارتباط تأكيدًا يكاد يمحو الفرق بين الثقافة والدين، أو يجعلهما مترادفَيْن في كثير من الأحيان. وكلام إليوت في هذا الموضوع ـ على عظم خطره ـ إشارات خالية من التحديد. ويقرر هو نفسه: «إنَّ ما حاولت التلويح به من نظرة إلى الثقافة والدين لجد عسير بحيث لا أحسبني أدركه أنا نفسي إلّا لمحًا، ولا أحسبني واقفًا على جميع دلالاته. وهي أيضًا نظرة تنطوي على خطر الوقوع في الخطأ في كل لحظةٍ، لعدم التنبه إلى تغيُّر في المعنى الذي يكون لكلتا الكلمتين حين تقتربان على هذا النحو، بصيرورتهما إلى معنى قد يكون لإحداهما بمفردها».

وأهمُّ من الخطر الذي يشير إليه إليوت، خطرُ الاعتراف بالإبهام وإعطائه نفس المكانة التي نعطيها للمسلَّمات أو القضايا الثابتة، بحيث نأخذ في البناء عليه والاستنتاج منه، فكأنما نبني على أرض لا نعرف مدى صلابتها، أو أين الأجزاء الصلبة فيها إن كانت ثمة مثل هذه الأجزاء.

والفكرة الثالثة هي: أنَّ في الثقافة جانبًا كبيرًا غير واعٍ، وتتصل بهذه الفكرة فكرة توارث الثقافة. ولا شك أننا إذا وسَّعنا مفهوم الثقافة ـ كما يريد إليوت ـ بحيث تدل على «طريقة الحياة»، فيجب أن نسلِّم بهاتين الفكرتين. ولابد لنا أن نوسِّع مفهوم الثقافة على هذا النحو إذا شئنا أن نفهم النشاط البشري على أنَّه كلٌّ مترابط الأجزاء، وهذا ما يفعله الأنثروبولوجيون. وحين نسلِّم بذلك الجانب غير الواعي في الثقافة نستطيع أن نفهم قيمة ارتباط أجزائها الواعية ـ من علمٍ وفنٍ وأدب ـ بالتراث غير الواعي المغمور في باطن الفرد وباطن الشعب، كما نستطيع أن ندرك العلاقة بين الجانبين، وما يكون بينهما أحيانًا من تعارض ـ كتعارض الوعي واللاوعي في الفرد ـ وما يكون بينهما أحيانًا أخرى من انسجام، بحيث يستمد الأول من الثاني، ويجد الثاني تحقيقه واكتماله في الأول.

وبعد فهذه دعوة لك ـ أيها القارئ العزيز ـ أن تقرأ هذا الكتاب قراءة متأنّية، وتسبر غور أفكاره، لتخلّصها من تطبيقاتها الجزئية، التي يشوبها الغرض في كثير من الأحيان، وتحصل على جوهرها الصادق. وأحسب أن هذا الكتاب قادرٌ على أن يثير في ذهنك أضعاف ما يحتويه.. وأنت الرابح إذن، ولو وجدت نفسك مع كاتبه على طرفي نقيض.

شكري محمد عياد
صفحة 3
تصدير

يرجع ابتداء هذه المقالة إلى أربع سنوات أو خمس مضت. فقد نُشر تخطيط تمهيدي لها، تحت هذا العنوان نفسه، في ثلاثة أعداد متوالية من مجلة The New English Weekly. وبني على هذا التخطيط بحث بعنوان «القوى الثقافية في الجماعة الإنسانية» ظهر في كتاب «مستقبل العالم المسيحي» الذي قام بإعداده موريس ب. ريكت (ونشرته مؤسسة فابر سنة 1945). والفصل الأول من الكتاب الذي أقدمه الآن يقوم على صورة منقّحة من هذا البحث. أما الفصل الثاني فهو تنقيح لبحث نشر في مجلة The New English Weekly في أكتوبر 1945.

وقد ألحقت بالكتاب النص الإنجليزي لثلاثة أحاديث إذاعية أُجريت في ألمانيا، وظهرت تحت عنوان: Die Einheitder Eurpaeischen Kultur (وحدة الثقافة الأوربية)، وقد نُشر في برلين (كارل هابل، 1946).

وأنا مَدين في هذه الدراسة كلها بوجه خاص لكتابات القس ف. أ ديمانت والمستر كرستوفر دوسن والأستاذ الراحل كارل مانهايم. وإني لأجد الاعتراف بهذا الدَّين على سبيل الإجمال أوجب، لأني لم أشر في نص كتابي إلى الكاتبين الأولين، ولأن دَيني للثالث أعظم كثيرًا مما يبدو من المناسبة الوحيدة التي ناقشت فيها نظريته.

وقد انتفعت كذلك بقراءة مقال للمستر دوايت ماكدونلد في مجلة Politics (التي تصدر في نيويورك) عدد فبراير 1944. وعنوانها «نظرية للثقافة الشعبية»، ونقد بدون توقيع لهذه المقالة في المجلة نفسها، عدد نوفمبر 1946. ويبدو لي أن نظرية المستر ماكدونلد هي خير «بديل» رأيته لنظريتي، إذا جاز لي الخيار.

ت. س. إ

يناير سنة 1948
صفحة 4
مقدمة

«أعتقد أن دراساتنا يجب أن تكون خالية من الغرض إلى أبعد حد. إنها تحتاج إلى أن تجرى بتجرّد مثل الرياضة»

أكتون(1)

ليس غرضي من كتابة الفصول التالية أن أقدم مخططًا لفلسفة اجتماعية أو سياسية، كما قد يتبادر إلى الذهن من نظرة سريعة إلى الفهرست، ولا أريد لهذا الكتاب أن يكون مجرد ذريعة لعرض ملاحظاتي حول موضوعات شتى. إنما قصدت أن أساعد في تعريف كلمة، وهذه الكلمة هي «الثقافة».

وكما أن المبدأ إنما يحتاج إلى التحديد بعد ظهور هرطقة ما، فكذلك الكلمة لا تحتاج إلى هذا النوع من العناية إلّا حين يُساء استعمالها. وقد لاحظت بقلق متزايد تاريخ هذه الكلمة: «الثقافة»، خلال السنوات الست أو السبع الماضية. ولعلنا نجد من الأمور الطبيعية ذات الدلالة أن يكون لهذه الكلمة مكان هام في لغة الصحافة أثناء عهد من التخريب الذي لا نظير له. ولا تنس أن ثمة كلمة أخرى تضاعف دورها، وهذه الكلمة الثانية هي «المدنيّة». ولم أحاول في هذه المقالة أن أضع الحدود بين مَعنَيَي هاتين الكلمتين، فقد انتهيت إلى نتيجة، وهي أن أي محاولة كهذه لا يمكن أن تنتج إلا تمييزًا صناعيًا خاصًا بهذا الكتاب، يجد القارئ صعوبة في تذكره، ويشعر بالراحة في التخلي عنه عندما يطوي الكتاب. والحق أننا قد نستعمل إحدى الكلمتين استعمالًا غير قليل في سياق تغني فيه الكلمة الأخرى سواء بسواء، كما أن هناك مواطن أخرى تليق بها إحدى الكلمتين دون الأخرى، ولا أظن أن هذا يستوجب ارتباكًا، وفي مناقشتنا هذه قدر كاف من العقبات التي لا يمكن تجنبها، يغنينا عن إضافة عقبات غير ضرورية.

في أغسطس سنة 1945 نشر نص مشروع قانون أساسي لمنظمة سُميِّت «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة»(2) وقد حددت الفقرة الأولى غرض هذه المنظمة كما يلي:

1 ـ أن تنمِّي وترعى الفهم المتبادل والتقدير المتبادل لحياة شعوب العالم وثقافتها، وفنونها، ودراساتها الإنسانية وعلومها، باعتبار ذلك أساسًا للتنظيم الدولي الفعال، والسلام العالمي.

2 ـ أن تتعاون في إمداد جميع الشعوب بحصيلة العالم من المعرفة والثقافة من أجل خدمة الحاجات البشرية المشتركة؛ وفي ضمان إسهامها في الاستقرار الاقتصادي، والأمن السياسي، ورغد العيش بوجه عام، لشعوب العالم.

وليس يعنيني الآن أن استخلص معنى من هذه الجمل، إنما أستشهد بها لأوجّه الاهتمام إلى كلمة «الثقافة»، ولأنبِّه إلى أنه قبل العمل على تنفيذ هذه القرارات ينبغي أن نحاول معرفة ما تدل عليه هذه الكلمة الواحدة. وليس هذا إلّا مثلًا واحدًا من أمثلة كثيرة يمكن إيرادها لاستعمالِ كلمةٍ لا يشغَلُ أحدٌ نفسه ببحثها. إن هذه الكلمة تستخدم عادة بأحد طريقين: إما بنوع من المجاز، عندما يعني القائل عنصرًا من عناصر الثقافة أو مظهرًا من مظاهرها، «كالفن» مثلًا؛ وإما على أنها نوع من مثيرات الانفعال ـ أو مخدرِّاته ـ كما في الفقرة السابقة(3).

وقد حاولت في الفصل الأول من كتابي أن أميِّز بين الاستعمالات الثلاثة الرئيسية للكلمة وأبيّنَ ما بينها من صلات، وأوضِّح أننا حين نستعمل الاصطلاح على أحد هذه الطرق، فيجب أن نفعل ذلك ونحن على وعي بالطريقين الآخرين. وحاولت بعد ذلك أن أكشف عن الصلة الجوهرية بين الثقافة والدين، وأوضح ما في كلمة «العلاقة» من نقص حين تستعمل للدلالة على هذه العلاقة بالذات. وأول دعوى هامة أقيمها، هي أنه لم تظهر ثقافة ولا نمت إلّا بجانب دين: ومن هنا تبدو الثقافة نتيجة من نتائج الدين، أو الدين نتيجة من نتائج الثقافة، طبقًا لوجهة نظر الناظر.

وفي الفصول التالية، أناقش أمورًا ثلاثة أراها شروطًا ضرورية للثقافة. وأولها: البناء العضوي (ولا أعني بذلك الوصف كونه منظمًا فحسب، بل كونه ناميًا أيضًا) ليساعد على الانتقال الوراثي للثقافة داخل ثقافة معينة، وهذا يتطلب استمرار الطبقات الاجتماعية. والشرط الثاني هو: ضرورة أن تكون الثقافة قابلة للتحليل، من الوجهة الجغرافية، إلى ثقافات محلية، وذلك يثير مشكلة «الإقليمية». والشرط الثالث هو التوازن: بين الوحدة والتنوع في الدين ـ أي عمومية المبدأ مع خصوصية الطقوس والعبادات. ويجب ألّا يغرب عن ذهن القارئ أني لا أدعي استيفاء جميع الشروط الضرورية لوجود ثقافة مزدهرة، وإنما أبحث شروطًا ثلاثة استرعت انتباهي. كذلك يجب أن يتذكر أن ما أقدمه ليس مجموعة من التوجيهات لاصطناع ثقافة، فأنني لا أقول إننا إذا شرعنا في تحقيق هذه الشروط وأي شروط أخرى معها كان لنا أن نتوقع مطمئنين تحسنًا في مدنيتنا، بل وكل ما أقوله هو أن غاية ما تؤدي إليه ملاحظاتي أنك لن تجد، على الأرجح، مدنية راقية حيث تنعدم هذه الشروط.

وفي الفصلين الأخيرين من الكتاب محاولة لتخليص الثقافة من السياسة والتربية.

وأحسب أنَّ بعض القراء سيستخلصون من هذه المناقشة نتائج سياسية. وأقرب من ذلك احتمالًا أن عقولًا معينة ستقرأ في ما كتبته تأييدًا أو نقضًا لمعتقداتهم وميولهم السياسية الخاصة. وليس الكاتب نفسه مجردًا من معتقدات وميول سياسية، ولكن فرضها ليس من باله في هذا المقام، وإنما الذي أحاول أن أقوله هو هذا: هاكم ما أراه شروطًا جوهرية لنمو الثقافة وبقائها. فإذا كانت تتعارض مع أي إيمان حار لدى القارئ ـ إذا وجد أن من المستَنْكَر مثلًا أن تتعارض الثقافة مع المساواة، وإذا بدا له من المستفظع أن يكون لأحدٍ «امتيازات بحكم مولده» ـ فلست أسأله أن يغير إيمانه، وإنما أسأله أن يكف عن التظاهر باحترام الثقافة. إذا قال القارئ: (إن الأوضاع التي أرغب في تحقيقها هي أوضاع «خيِّرة» (أو «عادلة»(4) أو «حتمية»)، وإن كان لابد أن يؤدي هذا إلى مزيدٍ من انحدار الثقافة، فيجب أن نقبل ذلك الانحدار) ـ فليس لي عليه من سبيل، بل إنني قد أجد نفسي في بعض الظروف مضطرًا إلى تأييده. ولو غلبت مثل هذه الموجة من الأمانة لكانت نتيجتها أن تبطل إساءة استعمال كلمة «الثقافة»، وأن يبطل ظهور هذه الكلمة في غير مواطنها، وإنقاذ هذه الكلمة هو غاية أمانيَّ.
صفحة 5
أما ما تجري به العادة الآن، فهو أن كل من يدعو إلى تغيير اجتماعي، أو إلى تبديل في نظامنا السياسي، أو إلى توسيع للتعليم العام، أو إلى تنمية للخدمة الاجتماعية، يزعم واثقا أن ذلك سيؤدي إلى تحسُّنٍ وزيادة في الثقافة. وربما وضعت الثقافة أو المدنيّة في المقدمة، فيقال لنا إن ما نحتاج إليه، ويجب أن نحصل عليه وسنحصل عليه، إنما «مدنيّة جديدة». وقد قرأت ندوة «للصنداي تايمز» سنة 1944 (عدد 31 نوفمبر) يؤكد فيها الأستاذ هارولد لصكي، أو الصحفي الذي كتب العناوين لحديثه، أننا خضنا الحرب الأخيرة من أجل «مدنيّة جديدة». وهذا ـ على الأقل ـ هو ما قرره المستر لصكي بنفسه:

«إذا كان من المتفق عليه أن أولئك الذين يسعون إلى إعادة بناء ما يحب المستر تشرشل أن يسميه «بريطانيا التقليديّة» لا أمل لهم في تحقيق هذه الغاية، فبناء على ذلك يجب أن توجد بريطانيا جديدة في مدنيّة جديدة».

وقد نغمغم «أننا لا نسلِّم بهذا الاتفاق» ولكن ذلك خارج عن موضوعي. فالمستر لصكي على قدر من الصواب، وهذا القدر هو أننا إذا فقدنا شيئًا ما فقدانا نهائيًا لا يمكن تعويضه. فيجب أن نعمل على الاستغناء عنه. ولكنني أحسب أنه عنى أكثر من هذا.

إنَّ المستر لصكي مقتنع، أو كان مقتنعًا، بأن التغيرات السياسية والاجتماعية المعنية التي يرغب في إحداثها، والتي يعتقد أنها نافعة للمجتمع، سوف تنتج مدنية جديدة، نظرًا لكونها تغيرات جذرية عميقة. وهذا أمر جد معقول. ولكنَّ الذي لا يحق لنا أن نستنتجه بالنسبة إلى تغيرات لصكي، أو إلى أي تغيرات أخرى في البناء الاجتماعي ينادي بها أي إنسان، هو أن «المدنيّة الجديدة» نفسها شيء مرغوب فيه. فنحن ـ من جهة ـ لا يسعنا أن نعرف شيئًا عما ستكون عليه هذه المدنية الجديدة، إذ ثمة أسباب كثيرة أخرى تعمل في تكوينها، غير تلك الأسباب التي نعلمها، والنتائج التي تترتب على هذه الأسباب وتلك، حين يعمل بعضها مع بعض، كثيرة أيضًا، بحيث لا يمكننا أن نتخيل كيف يكون شعورنا حين نعيش في تلك المدنيّة الجديدة. ومن جهة أخرى سيكون الناس الذين يعيشون في تلك المدنيّة الجديدة مختلفين عنا بحكم انتمائهم إلى تلك المدنية، وكذلك سيكونون مختلفين عن المستر لصكي. فكل تغيير نحدثه يهيئ لقيام مدنية جديدة نجهل طبيعتها، ونشقى بها كلنا على الأرجح. والواقع هو أن ثمة مدنية جديدة تظهر في الوجود دائمًا أبدًا، ولا شك أنَّ مدنيّة اليوم حَرِيّة أن تبدو جديدة جدًا لأي رجل متمدن في القرن الثامن عشر، ولا أستطيع أن أتخيل أشد دعاة الإصلاح حماسة أو تطرفًا في ذلك العصر قرير العين بمدنية اليوم لو رآها. فكل ما يمكن أن يوجهنا الاهتمام بالمدنيّة إلى أنَّ نعمله هو تحسين المدنية كما نعرفها، لأننا لا نستطيع أن نتخيل مَدَنية أخرى. على أنه قد وجد دائمًا أناسٌ يؤمنون بتغيرات معينة على أنها خير في ذاتها، دون أن يشغلوا أنفسهم بمستقبل المدنية، ودون أن يجدوا من الضروري تزيين ما يبتدعونه بزخرف وعودٍ لا معنى لها.

إنَّ هناك مدنية جديدة تُصنع دائمًا. والأحوال التي نستمتع بها اليوم تبيِّن ما يحدث لآمال كل عصر في أحوال أفضل. على أن أهم سؤال يمكننا أن نسأله هو: هل ثمة مقياس ثابت يمكننا به أن نوازن بين مدنيّة وأخرى، ويمكننا به أن نتلمس شيئًا عن ترقّي مدنيتنا أو انحدارها؟ وعلينا أن نقرَّ حين نوازن بين مدنية وأخرى، وحين نوازن بين الأطوار المختلفة في مدنيتنا، أنه ليس ثمة مجتمع واحد ولا عصر واحد من مجتمع يحقق كل قيم المدنية. فليست كل هذه القيم يمكن أن يتفق بعضها مع بعض، ولا يقل عن ذلك يقينا أننا حين نحقق بعض تلك القيم نفقد تقديرنا لبعضها الآخر. بيد أننا نستطيع أن نميز بين ثقافات عليا وثقافات دنيا، ونستطيع أن نميز بين التقدم والنكسة. ونستطيع أن نقرر بشيء من الاطمئنان أن عهدنا عهد انحدار، وأن مستويات الثقافة أدنى مما كانت عليه منذ خمسين سنة، وأن دلائل هذا الانحدار ظاهرة في كل ناحية من نواحي النشاط الإنساني(5). ولست أرى سببًا يمنع من تبالغ انحلال الثقافة، ولا من توقّع عهد على شيء من الطول يمكن أن يقال عنه إنه بغير ثقافة ما. ثم يكون على الثقافة أن تنبت من الأرض ثانية، وعندما أقول إنها يجب أن تنبت ثانية من الأرض فلست أعني أنها ستظهر إلى الوجود بفضل أي نشاط من قبل مهرِّجين سياسيين. والسؤال الذي تضعه هذه المقالة هو: هل هناك شروط ثابتة إذا تخلَّفت فليس لنا أن نتوقع قيام ثقافة راقية؟

وإذا نجحنا، ولو بعض النجاح، في الإجابة عن هذا السؤال فيجب أن نحترس من وهم محاولة إحداث هذه الشروط من أجل ترقية ثقافتنا. فإن كان ثمة نتائج ثابتة نخرج بها من هذه الدراسة فمن المحقق أنَّ إحدى هذه النتائج هي: أن الثقافة هي الشيء الوحيد الذي لا يمكننا السعي إليه عن عمد. فهي نتاج مناشط شتى على قدر من الانسجام، يُزاوَل كل نشاط منها كغاية في نفسه: يجب أن يعكف الرسام على قماشه، والشاعر على آلته الكاتبة، وموظف الدولة على إيجاد حلٍ عادلٍ لمشكلة مما ترد إلى مكتبه، وكل واحد من هؤلاء يعمل بحسب الموقف الذي يجد نفسه فيه. وحتى لو بدت هذه الشروط التي أتحدث عنها للقارئ مصوِّرة لأهداف اجتماعية طيبة، فيجب ألّا يقفز إلى نتيجة أن هذه الأهداف يمكن تحقيقها بالتنظيم المقصود وحده. فتقسيم المجتمع تقسيمًا طبقيًا هو أمر صناعي وغير محتمل إذا رسمته سلطة مطلقة، واللامركزية تحت توجيه مركزي تناقض، والوحدة الدينية لا يمكن أن تُفرض على أمل أن تُنْشِئ وحدة من الإيمان، والتنوع الديني الذي يُطلب لذاته سخف. والنقطة التي يمكننا أن نصل إليها هي الاعتراف بأن هذه الشروط للثقافة «طبيعية» للكائنات البشرية، وأننا إذا لم نستطع أن نفعل شيئًا لتشجعيها فإننا نستطيع محاربة الأخطاء الفكرية والأهواء النفسية التي تقف في سبيلها، ثم علينا بعد ذلك أن نلتمس رقيَّ المجتمع كما نعمل على رقيّنا أفرادًا، أي بجزئيات صغيرة نسبيًا. فإننا لا نستطيع أن نقول: «سأجعل من نفسي شخصًا آخر»، بل كل ما نستطيع أن نقوله هو: «سأترك هذه العادة السيئة، وأحاول أن أعتاد هذه الحسنة». وكذلك لا يمكننا أن نقول عن المجتمع إلّا «أننا سنحاول ترقيته في هذه الناحية أو تلك، حيث يبدو الإفراط أو التفريط ظاهرين، ويجب في الوقت نفسه أن نوسِّع أفق نظرنا بحيث نتجنب إفساد شيء حين نحاول إصلاح شيء غيره». بل إن هذا القول يعبر عن طموح أكبر مما يمكننا تحقيقه. فإن اختلاف ثقافة عصر ما عن العصر السابق له يرجع بهذا القدر نفسه، أو بأكثر منه، إلى ما نعمله تفاريق دون أن نفهم النتائج وأن نتنبأ بها.
صفحة 6
الفصل الأول

المعاني الثلاثة لكلمة «الثقافة»

تختلف ارتباطات كلمة «الثقافة» بحسب ما نعنيه من نمو فرد، أو نمو فئة أو طبقة، أو نمو مجتمع بأسره. وجزء من دعواي أن ثقافة الفرد تتوقف على ثقافة فئة أو طبقة، وأن ثقافة الفئة أو الطبقة تتوقف على ثقافة المجتمع كله، الذي تنتمي إليه تلك الفئة أو الطبقة. وبناء على ذلك فإن ثقافة المجتمع هي الأساسية، ومعنى كلمة «الثقافة» بالنسبة إلى المجتمع كله هو المعنى الذي يجب بحثه أولًا. وحين تستعمل كلمة «الثقافة»(6) للدلالة على التصرف في كائنات حية دنيا ـ كما هي الحال في عمل البكتريولوجي أو الزراعي ـ فإن المعنى يكون واضحًا إلى درجة كافية، لأننا نجد اتفاقًا تامًا في الرأي بالنسبة إلى الغايات التي يراد الوصول إليها، ويمكننا أن نتفق إذا وصلنا إليها أو لم نصل. أما حين تُستعمل لترقية العقل البشري والروح البشرية، فإن احتمال اتفاقنا على ما هي الثقافة يكون أقل. وتاريخ الكلمة نفسها، باعتبارها دالة على شيء يقصد إليه قصدًا واعيًا في أمور البشر، ليس بالتاريخ الطويل. وكلمة «الثقافة» بمعنى شيء يتوصل إليه بالجهد المقصود، تكون أقرب إلى الفهم حين نتكلم عن تثقف الفرد، الذي ننظر إلى ثقافته منسوبة إلى أساس من ثقافة الفئة والمجتمع. وخير ما يمكن أن يبين الفرق بين الاستعمالات الثلاثة للكلمة أن نسأل إلى أي حد يكون وجود هدف واع هو تحصيل الثقافة شيئًا له معنى بالنسبة إلى الفرد، والفئة، والمجتمع باعتباره كُلًّا. ويمكن تجنب كثير من الاضطراب إذا امتنعنا عن أن نضع أمام الفئة ما لا يمكن أن يكون إلّا هدفا للفرد، وأمام المجتمع باعتباره كلًا ما لا يمكن أن يكون إلّا هدفا لفئة.

وقد ازدهر المعنى العام أو المعنى الأنثروبولوجي لكلمة «الثقافة» ـ كما استخدمه أ. ب. تايلور مثلًا في عنوان كتابه «الثقافة البدائية»(7) ـ بمعزل عن المعنيين الآخرين، ولكننا إذا كنا ننظر في مجتمعات بلغت درجة عالية من النمو، ولا سيما مجتمعنا المعاصر، فيجب أن ننظر في العلاقة بين المعاني الثلاثة. وعند هذه النقطة تدخل الأنثروبولوجيا في علم الاجتماع. وقد جرت عادة رجال الأدب والأخلاق أن يتحدثوا عن الثقافة بالمعنيين الأولين، ولا سيما المعنى الأول، دون أن يصلوا بينهما وبين المعنى الثالث. وأول مثل يحضرنا لهذا الاختيار هو ما فعله ماتيو أرنولد في كتابه «الثقافة والفوضى». فأرنولد معني أولا بالفرد و«الكمال» الذي ينبغي أن يسعى إليه. صحيح أنه في تقسيمه المشهور «البرابرة والسوقة والعامة»(8) يعنى بنقد الطبقات، ولكن نقده مقصور على إدانة تلك الطبقات لنقائصها، فهو لا يتقدم إلى البحث عما ينبغي أن تكون عليه الوظيفة الصحيحة لكل طبقة، أو «كمال» كل طبقة. والنتيجة إذن هي حَثّ الفرد الذي يريد أن يصل إلى ذلك النوع الخاص من الكمال الذي يسميه أرنولد «الثقافة» ـ حَثّ مثل هذا الفرد على أن يعلو على نقائص كل طبقة، بدلًا من أن يحقق أقصى ما يمكن تحقيقه من مثلها العليا.

وشعور القارئ الحديث بنحول ما تؤديه كلمة «الثقافة» عند أرنولد راجع ـ في قسم منه ـ إلى خلوِّ الصورة عنده من الأساس الاجتماعي. ولكنه راجع أيضًا ـ على ما أظن ـ إلى أنه قد فاته وجه آخر من وجوه استعمالنا لكلمة «الثقافة»، يضاف إلى الوجوه الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها. فهناك أنواع شتى من الاكتساب يمكن أن نعنيها في المناسبات المختلفة. قد نفكر في تهذيب السلوك ـ أو «الذوق» و«الأدب»، وفي هذه الحالة نفكر أولًا في طبقة اجتماعية، وفي الفرد الممتاز على أنه ممثل لخير ما في هذه الطبقة. وقد نفكر في «العلم» والمعرفة الوثيقة بذخائر حكمة الماضي، وفي هذه الحالة يكون ذو الثقافة عندنا هو العالم. وقد نفكر في «الفلسفة» بأعمِّ معانيها ـ أي الاهتمام بالأفكار المجردة، مع شيء من القدرة على معالجتها ـ وفي هذه الحالة قد نعني من يسمى «بالمثقف» (مع ملاحظة أن هذه الكلمة تستخدم الآن استخدامًا مطاطًا جدًا، بحيث تشمل أشخاصًا كثيرين لا يتميزون بثقافة العمل). وقد نفكِّر في «الفنون»، وفي هذه الحالة نعني الفنان والهاوي. ولكننا قلما نعني هذه الأشياء كلها مجتمعة. فنحن لا نجد مثلًا أن لفهم الموسيقى أو الرسم مكانًا ظاهرًا في وصف أرنولد للرجل المثقف، ومع ذلك فلا أحد ينكر أن لاكتسابهما دورًا في الثقافة.

وإذا نظرنا إلى مناشط الثقافة المختلفة التي أوردناها في الفقرة السابقة فيجب أن نستنتج أن الكمال في أي واحدة منها من دون الأخريات لا يمكن أن يسبغ الثقافة على أحد. فنحن نعلم أن السلوك المهذب بدون تعليم أو فكر أو حساسية للفنون يجنح بالمرء إلى آلية مجردة، وأن العلم بدون سلوك مهذب أو حساسية إنما هو حذلقة، وأن القدرة الفكرية مجردة من الصفات الأكثر إنسانية لا تستحق الإعجاب إلّا كما يستحقه ذكاء طفل معجزة في لعب الشطرنج، وأن الفنون بدون إطار فكري زيف وخواء. وإذا كنا لا نجد الثقافة في أي واحدة من هذه الكمالات بمفردها، فإننا كذلك يجب ألّا نتوقع في أي فرد واحد أن يكون كاملًا في جميعها، وإذن نستنتج أن الفرد الكامل الثقافة هو محض خيال، ونبحث عن الثقافة لا في فرد أو جماعة من الأفراد بل في نطاق أوسع وأوسع، وتنتهي أخيرًا بأن نجدها في هيئة المجتمع ككل. وهذه فكرة جد ظاهرة في ما يبدو لي، ولكنها كثيرًا ما تغيب عن البال، فالناس يسارعون دائمًا إلى اعتبار أنفسهم أهل ثقافة على أساس إتقانهم لشيء واحد، في حين أنهم لا تعوزهم نواحٍ أخرى فحسب، بل لا يشعرون بهذه النواحي التي تعوزهم. فأي فنان من أي نوع كان لا يلزم من هذا السبب وحده أن يكون ذا ثقافة، ولو كان فنانًا عظيمًا: فالفنانون كثيرًا ما يكونون غير حساسين لفنون أخرى غير تلك التي يمارسونها، كما أنهم يكونون في بعض الأحيان سيئي السلوك أو فقراء في المواهب الفكرية. ليس الشخص الذي يضيف إلى الثقافة دائمًا «شخصًا مثقفًا»، مهما تكن قيمة ما يضيف.
صفحة 7
ولا ينتج من ذلك أن الكلام عن ثقافة فرد أو فئة أو طبقة هو كلام لا معنى له. إنما نريد أن ثقافة الفرد لا يمكن أن تفصل عن ثقافة الفئة، وأن ثقافة الفئة لا يمكن أن تجرَّد من ثقافة المجتمع كله، وأنَّ فكرتنا عن «الكمال» يجب أن تراعي المعاني الثلاثة للثقافة في وقت واحد. وكذلك لا ينتج مما سبق أن الجماعات المعنية بكل من المناشط الثقافية في مجتمع ما، مهما تكن درجة ثقافته، ستكون متمايزة ومنفصلًا بعضها عن بعض، بل على العكس: لا يمكن أن يتحقق التماسك الضروري للثقافة إلّا بالتداخل والمجاراة في الاهتمامات، وبالمشاركة والتقدير المتبادل. فإن الدين لا يحتاج إلى هيئة من رجال الدين فحسب، يعرفون ما يعملون، بل إلى هيئة من العابدين يعرفون ماذا يعمل.

ومن الواضح أن مناشط الثقافة المختلفة تتشابك تشابكًا لا انفصام له في الجماعات الأقرب إلى البدائية. فالدياك(9) الذي يمضي معظم فصول العام في قطع قاربه ونحته وتلوينه على النمط المطلوب للشعائر السنوية في قطع رؤوس الأعداء، يقوم بعدة مناشط ثقافية في وقت واحد ـ تشمل الفن والدين كما تشمل الحرب البرمائية. وكلما ازدادت المدنية تعقيدًا ظهر فيها مزيد من التخصص المهني. فالمستر جون لايارد يقول عن جزر الهبريد الجديدة التي تعيش في العصر الحجري: إنَّ بعض هذه الجزر يتخصص في فنون وصناعات معينة، فتتبادل بضائعها وتعرض ما وصلت إليه من إتقان، وتنال الرضى المتبادل من أعضاء الأرخبيل. على أنه إذا كان أفراد القبيلة أو المجموعة من الجزر أو القرى ربما اتخذوا وظائف منفصلة ـ وأخصها وظيفتا الملك والطبيب الساحر ـ فإن الدين والعلم والسياسة والفن لا تتطور، مجردة، بمعزل بعضها عن بعض إلّا بعد ذلك بمراحل. وكما أنَّ وظائف الأفراد تصبح وراثية، والوظيفة الوراثية تجمد في تميز طبقي أو طائفي، والتميز الطائفي يؤدي إلى صراع ـ فكذلك الدين والسياسة والعلم والفن تصل إلى نقطة يكون عندها صراعٌ واعٍ بينها من أجل الاستقلال أو السيادة. ويكون هذا الاحتكاك في بعض المراحل وفي بعض المواقف حافلًا بالخلق، ولا حاجة بنا في هذا المقام إلى أن نبحث إلى أي حد يتسبب عن ازدياد الوعي وإلى أي حد يسببه. وقد يصبح التوتر داخل المجتمع توترا داخل عقل الفرد الأكثر وعيًا كذلك. ففي «أنتيجونا»(10) يمثل اصطدام الواجبات ـ وهو ليس مجرد اصطدام بين التقوى والطاعة المدنية، أو بين الدين والسياسة، بل بين قوانين متعارضة فيما لا يزال مركبًا دينيًا أخلاقيًا ـ يمثل هذا الاصطدام مرحلة شديدة التقدم من المدنية. لأن الصراع يجب أن يكون ذا معنى في تجربة المشاهدين قبل أن يجعله المؤلف المسرحي منطوقًا، وقبل أن يلقى من الجمهور الاستجابة التي يحتاج إليها فن المؤلف المسرحي.

ومع تقدم المجتمع نحو التعقيد والتمييز الوظيفيين يمكننا أن نتوقع ظهور مستوياتٍ ثقافية شتى: أو باختصار تظهر ثقافة الطبقة أو الفئة. ولا أظن أن ثمة محلًا للجدل في أنَّ هذه المستويات المختلفة يتحتم وجودها في أي مجتمع مستقبل، كما هو الحال في أي مجتمعٍ ماضٍ. ولا أظن أن أشد دعاة المساواة الاجتماعية تحمسًا يجادلون في هذا، وإنما يدور اختلاف الرأي حول ضرورة انتقال ثقافة الفئة بواسطة الميراث ـ أي تكاثر كل مستوى ثقافي ـ أو إمكان الأمل في إيجاد نظام ما للاختيار، بحيث يصل كل فرد بنشاطه إلى احتلال مكانه في أعلى مستوى ثقافي تؤهله له استعداداته الفطرية. والذي يهمنا في هذه النقطة هو أن ظهور فئات أكثر ثقافة لا يمر عديم الأثر على سائر المجتمع. فإن ظهور هذه الفئات هو نفسه جزء من عملية يتغير فيها المجتمع كله. ومن المحقق ـ وهذا الأمر يتضح على الأخص عندما ننظر إلى الفنون ـ أنه مع ظهور قيم جديدة، وازدياد مظاهر العناية في التفكير والحساسية والتعبير، تختفي بعض القيم القديمة. ولا معنى لذلك إلا أنك لن تجد جميع مراحل التقدم مجتمعة، وأن مدنيّة ما لا يمكن أن تنتج في وقت واحد شعرًا شعبيًا عظيمًا في أحد المستويات الثقافية و«الفردوس المفقود» في مستوى آخر. والحق أن الشيء الوحيد الذي نثق من الزمن بإحداثه أبدًا هو الخسارة، أما الكسب أو التعويض فإنه يوشك أن يكون متصوَّرًا دائمًا، إلّا أنه غير متيَقَّن أبدًا.

وإذا كان من الظاهر أن تقدم المدنيّة يستتبع ازدياد الفئات الثقافية المتخصصة، فإننا يجب ألّا ننتظر خلوَّ هذا التطور من المخاطر. فقد يأتي التفكك الثقافي على آثار التخصص الثقافي، وهو أقصى ما يمكن أن يعانيه مجتمع من تفكك جذري. وهو ليس النوع الوحيد، أو ليس الوجه الوحيد الذي يمكن أن يدرس منه التفكك، ولكن أيًّا يكن من هذه الوجوه سببًا وأيًّا يكن منها نتيجة فإن تفكك الثقافة هو أخطرها وأعزّها على الإصلاح (وهنا بالطبع نتكلم عن ثقافة المجتمع كله أولا وبالذات) ويجب ألا نخلط بينه وبين مرض آخر، وهو التحجر الطائفي لما لعله كان في البدء نظاما هرميا للوظائف فحسب، كما هو الحال في الهند الهندوسية، وإن كان من الجائز أن لكلا المرضين سلطانًا على المجتمع البريطاني اليوم. والتفكك الثقافي يوجد عندما ينفصل طبقان أو أكثر(11) بحيث يصبحان في الواقع ثقافتين متميزتين، وكذلك عندما تنقسم الثقافة في مستوى الفئة العليا أقساما يمثل كل منها منشطًا واحدًا من المناشط الثقافية. وإذا لم أكن مخطئًا فثمة الآن في المجتمع الغربي تفكك يحدث للطبقات التي تبلغ الثقافة فيها، أو ينبغي أن تبلغ، أعلى درجات نموِّها، كما أن هناك انفصالًا بين طباق المجتمع. فالتفكير الديني والعادات الدينية، والفلسفة والفن، كلها تميل إلى أن تصبح مناطق منعزلة تتعهدها فئات لا صلة بين بعضها وبعض. والحساسية الفنية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الدينية، والحساسية الدينية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الفنية وإثارة «السلوك المهذب» تترك لقلة متبقية من طبقة آخذة في الاختفاء، قلَّة لم يصقل الدين أو الفن حساسيتها، ولم تزود عقولها بمادة المحادثة الذكية، ولذلك فإن حياتهم ليس لها سياق يجعل لسلوكهم قيمة. والانتكاس في المستويات العليا لا يعني الجماعة التي يصيبها فحسب، بل يعني الشعب كله.

إنَّ أسباب الانحدار الشامل للثقافة معقدة بقدر تعدد الدلائل على هذا الانحدار. وبعض هذه الأسباب يمكن أن توجد في ما يسجله مختلف المتخصصين من أسباب لأمراض اجتماعية يمكننا تبينها بسهولة أكبر، ويجب علينا أن نستمر في التماس وسائل العلاج النوعية لها. على أننا لا نزال نزداد إدراكًا لمدى انطواء مشكلات العلاقة بين كل جزء من العالم وكل جزء آخر على هذه المشكلة المحيِّرة: مشكلة الثقافة. فعندما نُعنى بعلاقة الأمم الكبرى بعضها ببعض، وعلاقة الأمم الكبرى بالأمم الصغرى(12)، وعلاقة «الطوائف»(13) المختلطة، كما في الهند، بعضها ببعض، وعلاقة الأمم الأصلية بالفروع التي نشأت على أنها مستعمرات، وعلاقة المستعمر بالوطني، والعلاقة بين الشعوب في مناطق مثل جزر الهند الغربية، حيث أدى القهر أو الإغراء الاقتصادي إلى اجتماع أعداد كبيرة من أجناس مختلفة ـ فهناك وراء كل هذه المسائل المحيرة ـ التي تستتبع قرارات يجب أن يتخذها رجال كثيرون كل يوم ـ مسألة ما هي الثقافة؟ ومسألة ما إذا كانت شيئًا يمكننا الهيمنة عليه أوالتأثير فيه عن قصد، وتواجهنا هذه المسائل كلما ابتكرنا نظرية للتربية أو خططنا سياسة لها. فلو نظرنا إلى الثقافة نظرة جادة لرأينا أن الشعوب لا تحتاج فقط إلى طعام يكفيها (مع أنه حتى هذا يبدو أكثر مما نستطيع أن نوفره) بل تحتاج أيضًا إلى طريقة خاصة مناسبة لطهيه، وإن من أعراض انحدار الثقافة في بريطانيا لعدم المبالاة بفن إعداد الطعام. بل إن الثقافة يمكن أن توصف وصفًا مختصرًا بأنها ما يجعل الحياة تستحق أن تحيا. وهي التي تجعل الشعوب والأجيال على حق حين تقول وهي تتأمل آثار مدنيّة بائدة: إن هذه المدنيّة كانت تستحق أن توجد.
صفحة 8
وقد سبق أن قررت في مقدمتي أنه لا يمكن أن تظهر ثقافة أو تنمو إلّا وهي متصلة بدين. ولكن استعمال كلمة «الصلة» هنا قد يوقعنا في الخطأ بسهولة. ولعل الافتراض غير المحقق لعلاقة ما بين الثقافة والدين هو أهم نقط الضعف في كتاب أرنولد «الثقافة والفوضى». فأرنولد يوحي إلينا بأن الثقافة (كما يستخدم هذا الاصطلاح) أشمل من الدين، وأنَّ الدين ليس إلّا عنصرًا ضروريًا يعطي تكوينًا أخلاقيًا وشيئًا من تلوين انفعالي للثقافة، وهي القيمة النهائية.

ولعل القارئ قد لاحظ أن ما قلته عن نمو الثقافة، وعن أخطار التفكك عندما تصل ثقافة ما إلى مرحلة عالية من التطور، يمكن أن ينطبق أيضًا على تاريخ الدين. فإن نمو الثقافة ونمو الدين في مجتمع لا تؤثر فيه عوامل خارجية أمران لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، ويتوقف على ميل الناظر أن يحكم بأن رقي الثقافة سببٌ لتقدم الدين، أو بأن تقدم الدين سبب لرقي الثقافة. ولعل ما يدفعنا إلى اعتبار الدين والثقافة شيئين مختلفين هو تاريخ تغلغل الإيمان المسيحي في الثقافة الإغريقية الرومانية، وهو تغلغل كانت له آثار عميقة في تلك الثقافة وفي مجرى نمو الأفكار والعادات المسيحية على السواء. ولكن الثقافة التي اتصلت بها المسيحية الأولى (مثل البيئة التي نبتت فيها المسيحية) كانت هي نفسها ثقافة دينية في دور الانحدار. ولهذا فإننا مع اعتقادنا بأن الدين الواحد يمكن أن يمد ثقافات شتى، يحق لنا أن نسأل: إن كان من الممكن أن تظهر ثقافة ما إلى الوجود أوتحافظ على نفسها بدون أساس ديني. ولنا أن نمضي إلى أبعد من ذلك فنسأل: أليس ما نسميه «ثقافة» شعب ما ودين هذا الشعب مظهرين مختلفين لشيء واحد؟ إذ الثقافة في جوهرها تجسيد (ونحن نستعمل هنا تعبيرًا مقاربًا) لدين الشعب؟ ولعل وضع المسألة على هذه الصورة يلقي ضوءًا على ما أبديته من تحفظات بشأن كلمة «الصلة».

مع نمو المجتمع يظهر عدد أكبر من الصلاحيات الدينية والوظائف الدينية بدرجاتهما وأنواعهما، كما يظهر ذلك في غيرهما من الصلاحيات والوظائف. ومن الملاحظ أنه في بعض الأديان يصل التمايز إلى حد ظهور دينين في الواقع: دينٌ للعامة ودينٌ للخواص. ولا خفاء في مضارِّ وجود «أمتين» في الدين. وقد قاومت المسيحية هذا المرض خيرًا مما قاومته الهندوكية. فالانقسامات الدينية في القرن السادس عشر وما تلاها من تعدد الفرق يمكن دراستهما إمّا على اعتبار أنهما يؤرخان انقسام الفكر الديني أو على اعتبار أنهما صراع بين فئات اجتماعية متعارضة ـ إمّا بوصفهما اختلافاتٍ في المبدأ الديني أو تفككًا في الثقافة الأوربية. إلّا أنّه مهما تكن هذه الاختلافات الواسعة في المعتقد على مستوى واحد داعيةً للأسف، فإن الإيمان يمكنه ـ ويجب عليه ـ أن يجد مجالًا لدرجات كثيرة من التقبل الفكري والخيالي والعاطفي لمبادئ دينيةٍ واحدة، بقدر ما يمكنه أن يتسع لاختلافاتٍ كثيرةٍ في النظام والطقوس. وكذلك يمكن أن يكون للإيمان المسيحي تاريخ، إذا نظرنا إليه من الناحية النفسية باعتباره نُظُمًا من المعتقدات والمواقف في عقولٍ معينةٍ متجسمةٍ، وإن يكن من الخطأ الجسيم أن نفترض أنَّ القول بنموه وتغيّره يتضمن إمكان وصول الكائنات البشرية إلى مزيد من القداسة أو مزيد من النور عن طريق التقدم الجماعي (نحن لا نفترض أن هناك تقدمًا حتى في الفن على مدى فترةٍ طويلةٍ، ولا أنَّ الفن «البدائي»، بوصفه فنًا، أحط بالضرورة من الفن الأكثر تعقيدًا). ولكن من سمات التطور ـ سواء أخذنا بوجهة النظر الدينية أم بوجهة النظر الثقافية ـ ظهور الشك: ولا أعني به ـ كما هو ظاهر ـ الكفر أو التحطيم (ولا ـ من باب ـ عدم الإيمان الناتج من الكسل العقلي) بل عادة فحص الأدلة والقدرة على تأجيل الحكم. فالشك سمة تمدّن راق، ولو أنها حين تنحدر إلى البيرونية(14) فقد تؤدي إلى موت المدنيّة. فالشك قوة حيث البيرونية ضعف: لأننا لا نحتاج فقط إلى القوة لتأجيل الحكم بل إلى القوة لإبرامه.

وفكرة أن الثقافة والدين هما مظهران لشيء واحد إذا أخذ كل لفظ منهما سياقه الصحيح، فكرة تحتاج إلى شرح طويل. ولكنني أود أن أنبه أولًا إلى أنها تهيئ لنا وسيلة لمحاربة خطأين يكمل كل منهما الآخر. وأشيعهما أن الثقافة يمكن حفظها وبسطها وتنميتها بغير دين. وهذا خطأ قد يشترك فيه المسيحي مع الكافر، ويحتاج نقضه على الوجه الصحيح إلى تحليل تاريخي بالغ الدقة، لأن الحقيقة لا تظهر من أول وهلة، بل ربما بدت الظواهر مناقضة لها: فقد تتلكأ ثقافة ما ـ وقد تنتج حقًا بعض آياتها الكبرى، في الفن وغير الفن ـ بعد انحلال الإيمان الديني. والخطأ الثاني هو الاعتقاد بأن المحافظة على الدين ورعايته لا شأن لهما بالمحافظة على الثقافة ورعايتها، وهو اعتقاد قد يغلو حتى يؤدي إلى رفض الآثار الثقافية على أنها لهو يحول دون الحياة الروحية. ولنستطيع رد هذا الخطأ نحتاج كما نحتاج في سابقه إلى أن ننظر نظرة بعيدة، وأن نرفض التسليم بأن الثقافة شيء يمكننا الإعراض عنه لأن الثقافة التي نراها هي ثقافة منحدرة ويجب أن أضيف أن هذه النظرة إلى وحدة الثقافة والدين لا تقتضي أن كل منتجات الفن يمكن قبولها بدون نقد، ولا هي تقدم معيارًا به يستطيع كل امرئ أن يميز بينها تمييزًا سريعًا. فالحساسية الفنية يجب أن تمد إلى الإدراك الروحي، والإدراك الروحي يجب أن يمد إلى الحساسية الفنية والذوق المروض قبل أن نكون قادرين على الحكم على الفن بأنه منحل أو شيطاني أوعدمي. ينبغي أن يكون الحكم في النهاية واحدًا سواء أحكمنا على عمل فني بمقاييس فنية أم دينية، وسواء حكمنا على دين بمقاييس دينية أم فنية ـ وإن كانت نهاية لا يستطيع فرد واحد أن يصل إليها.

إنَّ ما حاولت التلويح به من نظرة إلى الثقافة والدين لجد عسير بحيث لا أحسبني أدركه أنا نفسي إلا لمحًا، ولا أحسبني واقفا على جميع دلالاته. وهي أيضًا نظرة تنطوي على خطر الوقوع في الخطأ في كل لحظة، لعدم التنبه إلى تغير في المعنى الذي يكون لكلتا الكلمتين حين تقتربان على هذا النحو، بصيرورتها إلى معنى قد يكون لإحداهما بمفردها. وإنما تصح هذه النظرة حيث نعني أن الناس لا يكونون واعين بثقافتهم ولا بدينهم. فكل امرئ مهما يكن وعيه الديني ضعيفًا لا بدّ أن يتألم من حين إلى حين للمتناقض بين إيمانه الديني وبين مسلكه، وكل امرئ له ذوق أسبغته عليه الثقافة الفردية أو ثقافة الفئة لابد يشعر بقيم لا يمكنه أن يسميها دينية. وزيادة على كون «الدين» و«الثقافة» يعنيان أشياء مختلفة كل عن الآخر، فإنهما كليهما ينبغي أن يعنيا للفرد وللفئة شيئًا يسعيان إليه، لا شيئًا يملكانه فحسب. ولكن ثمة وجها يمكننا أن نرى منه الدين على أنه كل طريقة الحياة لشعب من الشعوب، من المهد إلى اللحد، من الصبح إلى الليل، وحتى أثناء النوم، وطريقة الحياة هذه هي ثقافته أيضًا. وفي الوقت نفسه يجب أن نقر بأنه عندما يكون هذا التطابق تامًا فإنه يعني في المجتمعات القائمة فعلًا ثقافةً منحطةً ودينًا منحطًا. فإن دينًا عالميًا هو ـ بالقوة إن لم يكن بالفعل ـ أسمى من دين يَدَّعي أي جنس أو أمة الاختصاص به دون غيرهما، وإن ثقافة تحقق دينا يتحقق أيضًا في ثقافات أخرى هي ـ بالقوة على الأقل ـ أرقى من ثقافة تختص دون غيرها بدين من الأديان. فمن ناحية يجب أن نطابق، ومن ناحية أخرى يجب أن نميز.

وحيث إننا ننظر الآن من ناحية التطابق، فيجب على القارئ أن يذكّر نفسه دائمًا ـ كما يحتاج المؤلف إلى أن يذكّر نفسه ـ بسعة مدلول كلمة «الثقافة» هنا. فإنها تعني جميع المناشط والاهتمامات المميزة لشعبٍ ما: سباق دربي، سباق هنلي، يوم البحرية، الثاني عشر من أغسطس، مباراة نهائية على كأس، منضدة الأوتاد، لوحة السهام، جبن ونسليديل، الكرنب المشرح المسلوق، البنجر بالخل، كنائس القرن التاسع عشر القوطية، موسيقى الجاز(15). ويستطيع القارئ أن يصنع شيئًا من عنده. ومن ثم يكون علينا أن نواجه هذه الفكرة الغريبة: أنّ ما هو جزء من ثقافتنا هو أيضا جزء من ديننا الذي نعيشه.

ويجب ألّا نتصوَّر ثقافتنا على أنها موحدة كل التوحيد، وقد قصدت بالبيان الذي سردته أن أتجنب الإيحاء بهذه الفكرة. ولم يكن الدين الفعلي لأي من الشعوب الأوربية قط مسيحيًا صرفًا ولا أي شيء آخر صرفًا. فهناك دائمًا أجزاء وآثار من إيمانات أقرب إلى البدائية، قد تمثلت درجة من التمثُّل، وهناك دائمًا ميل إلى معتقدات طفيلية، وهناك دائما انحرافات كما يحدث للوطنية، التي تتصل بالدين الطبيعي وتعدُّ من ثم مشروعة بل تشجع عليها الكنيسة، حين يبالغ فيها حتى تتحول إلى صورة ساخرة من الوطنية. وكم يسهل على شعب أن يحتفظ بمعتقداتٍ متناقضةٍ وأن يسترضي قوى متعارضة.
صفحة 9
ولا شك أن ثمة ما يقلق في هذه الفكرة حين ندع خيالنا يسرح فيها: فكرة أن ما نعتقده ليس فقط هو ما نفصح عنه ونعلنه، بل إن السلوك هو أيضا اعتقاد، وأن أكثرنا وعيًا وتقدمًا يعيشون هم أيضًا على المستوى الذي لا يمكن فيه تمييز الاعتقاد عن السلوك. فهذه الفكرة تضفي أهمية على أتفه ما نمارسه، وعلى ما ننشغل به كل دقيقة من حياتنا، أهمية لا نستطيع أن نتأملها طويلًا دون أن نفزع كما نفزع من كابوس. إننا حين نفكر في صفة التكامل التي يتطلبها التفتح الكامل لحياتنا الروحية يجب أن نبقي على ذكر من إمكان الرحمة اللدنية ومُثُل القداسة حتى لا نسقط في هوة اليأس. وعندما ننظر في مشكلة التبشير بالإنجيل، وتنمية مجتمع مسيحي، يحق لنا أن نرتجف. فإن من البساطة التي تقرب من تشويه الحقيقة أن نعتقد أننا قوم أولو دين وأنَّ غيرنا من الناس لا دين لهم. وقد نجد ما يدعو إلى الجزع الشديد في فكرة أنَّ الدين ثقافة على جهة من النظر، وأنَّ الثقافة دين على جهة أخرى. وثمة ما يربك في سؤالنا: أليس للشعب دين بالفعل، يلعب فيه سباق دربي وسباق الكلاب دوريهما؟ وكذلك في تصورنا أن «الجيتر» والنادي الثقافي بعض دين رجل الكنيسة ذي المنصب السامي. ومما لا يستريح إليه المسيحيون أن يجدوا أنهم كمسيحيين لا يؤمنون إيمانًا كافيًا، بيد أنهم يشتركون مع كل امرئ آخر في الإيمان بأشياء أكثر مما ينبغي، ولكن هذه نتيجة للتفكير في أنَّ الأساقفة جزء من الثقافة الإنجليزية، وأنَّ الخيل والكلاب جزء من الدين الإنجليزي.

ومن المسلَّم به عادة أن هناك ثقافة، ولكنها ملك لقسم صغير من المجتمع، ويستتبع هذا الافتراض عادة إحدى نتيجتين: إمّا أنَّ الثقافة لا يمكن إلّا أنَّ تكون شغل فئة قليلة، ومن ثم فلا مكان لها في مجتمع المستقبل، وإما أن الثقافة التي كانت ملكا للقلة يجب أن توضع في متناول كل إنسان في مجتمع المستقبل. وهذا الافتراض وما يترتب عليه يذكّرنا بكراهة المتطهرين (البيوريتان) لحياة الأديرة والزُّهد. فكما تستنكر الآن تلك الثقافة التي لا تصل إليها إلّا القلِّة، فكذلك كانت البروتستنتية المتطرفة تستهجن حياة العزلة والتأمل، وتنظر إلى العزوبة باشمئزاز يكاد يعدل اشمئزازها من الانحراف الجنسي.

ولكي نفهم نظرية الدين والثقافة التي حاولت أن أعرضها في هذا الفصل، يجب أن نعمل على تجنب الخطأين المتعاقبين: خطأ اعتبار الدين والثقافة شيئين منفصلين بينهما علاقة، وخطأ المطابقة بين الدين والثقافة. وقد تحدثت في موضع سابق عن ثقافة شعب ما على أنها تجسيد لدينه. ومع أنني أدرك ما في استعمال مثل هذه اللفظة السامية من اجتراء، فإنني لا أستطيع أن أفكر في لفظة أخرى تعبر بمثل هذه الدقة عن القصد إلى تجنب «العلاقة» من ناحية «والتطابق» من ناحية أخرى. فكون دين ما حقًا، أو ذا نصيب من الحق، أو باطلًا، لا يقوم على المنجزات الثقافية للشعوب التي تعتنق هذا الدين، ولا يقاس بها. لأن ما يمكن أن يقال عن شعب ما أنه يعتقده، استدلالًا بسلوكه، هو دائمًا ـ كما ذكرت ـ أكثر بكثير وأقل بكثير من إيمانه المعلن في صورته الصافية. بل إنَّ شعبًا تكونت ثقافته مع دين ذي نصيب من الحق قد يعيش ذلك الدين (في فترة من تاريخه على الأقل) بصدق أعظم من شعب آخر أتيح له هدى أقوم. فما يكون لنا أن نتحدث عن الثقافة المسيحية على أنها أعلى الثقافات إلّا حين نتخيل ثقافتنا كما ينبغي أن تكون، لو أن مجتمعنا مجتمع مسيحي حقًا. إنما نستطيع أن نؤكد أنَّ هذه الثقافة هي أرقى ثقافة عرفها العالم في أي وقت حين نشير إلى جميع مراحل هذه الثقافة التي هي ثقافة أوربا. وحين نقارن ثقافتنا كما هي اليوم بثقافة الشعوب غير المسيحية فيجب أن نتوقع أننا سنجد ثقافتنا أحطُّ من ناحية أو أخرى. ولا أستبعد إمكان أن تزدهر في بريطانيا ثقافة أزهى مما نستطيع أن نقدمه اليوم، إن هي أتمت ردتها بإعادة تشكيل نفسها وفقًا لوصايا دين أحط أو دين مادي. ولكن ذلك لن يكون دليلًا على أن الدين الجديد حق، وأن المسيحية باطل. إنما يثبت أن أي دين، ما بقي، يعطي على مستواه معنىً ظاهرًا للحياة، ويقدم هيكلًا لثقافة، ويحفظ كتلة البشرية من الملل والقنوط.
صفحة 10
الفصل الثاني

الطبقة والصفوة

قد يبدو مما سبق أن قررنا في الفصل السابق عن مستويات الثقافة، أنَّ أرقى أنماط المجتمعات البدائية تتسم بمزيد من التمايز في الوظيفة بين أعضائها إذا قورنت بالأنماط الأدنى(16). وإذا مضينا علوَّا في المراحل فإننا نجد أن بعض الوظائف تعدُّ أشرف من بعضها الآخر، ويساعد هذا التقسيم على نمو الطبقات، حيث يُمنح الشخص مزيدًا من الشرف ومزيدًا من الامتياز، لا لمجرد كونه قائمًا بوظيفة، بل لكونه عضوًا في طبقة. وتكون للطبقة نفسها وظيفة، وهي رعاية ذلك القسم من ثقافة المجتمع الكليّة، الذي يتعلق بتلك الوظيفة. ويجب أن نحاول أن نبقي على ذكر أن هذه الرعاية لمستوى معين من الثقافة هي ـ في مجتمع سليم ـ مصلحة للمجتمع ككل لا للطبقة التي ترعاه فحسب. والتنبّه لهذه الحقيقة جدير بأن يمنعنا من افتراض أن ثقافة طبقة «عليا» هي ناقلة بالنسبة إلى المجتمع ككل، أو إلى الأغلبية، ومن افتراض أنها شيء ينبغي أن تشارك فيه جميع الطبقات الأخرى على السواء، كما أنه جدير بأن يذكِّر الطبقة «العليا»، بقدر ما تكون مثل هذه الطبقة موجودة، أن بقاء الثقافة التي تعنيها بوجه خاص يتوقف على سلامة ثقافة الشعب.

وقد أصبح من الأقوال السائرة في الفكر المعاصر أنَّ مجتمعًا هذه صورته ليس بالنمط الأعلى الذي يمكننا أن نطمح إليه، بل إنَّ من طبائع الأشياء بالنسبة إلى مجتمع تقدميّ أن يتغلب على هذه الفوارق في وقتٍ ما، وأنه في قوة توجيهنا الواعي أيضًا أن يوجِد مجتمعًا بلا طبقات، ومن ثم يصبح ذلك واجبًا علينا أن نقوم به إلّا أنه مع شيوع القول بأن الطبقة ـ بأي معنى يحتفظ بارتباطات الماضي ـ سوف تختفي، فثمة بعض العقول الأكثر تقدما في الوقت الحاضر ترى أنه يجب الاعتراف ببعض الاختلافات بين الأفراد في الصفات، وأنَّ الأفراد الممتازين يجب أن تتشكل منهم جماعات مناسبة، تتمتع بسلطات مناسبة، وقد تتمتع أيضًا بأنواعٍ شتى من المكافآت وعلامات التشريف وتتولى هذه الجماعات المشكلة من أفراد ذوي أهلية للحكم والإدارة توجيه الحياة العامة للأمة، ويقال عن الأفراد الذين تتألف منهم أنهم «قادة» ويكون هناك جماعات تُعنى بالفن، وجماعات تعنى بالعلم، وجماعات تعنى بالفلسفة، كما تكون هناك جماعات تتألف من رجال عَمل: وجميع هذه الجماعات هي ما نسميه بالصفوة.

وواضح أنه إذا كانت الحالة الحاضرة للمجتمع يوجد فيها ارتباط اختياري بين الأفراد المتشابهين في منازع التفكير، وارتباط مؤسَّسٌ على المصالح المادية المشتركة، أو على الاشتراك في العمل أو المهنة، فإن جماعات الصفوة في المستقبل ستختلف عن كل الجماعات التي نعرفها من الصفوة في أمر هام: وهو أنها ستخلف طبقات الماضي، وستنهض بوظائفها الإيجابية. وهذا التحول لا يُصَرَّح به دائمًا. فمن الفلاسفة من ينظرون إلى الفوارق الطبقية على أنها أمر لا يحتمل، ومنهم من ينظرون إليها على أنها سائرة إلى الموت فقط. وهؤلاء الأخيرون قد يتجاهلون الطبقة ـ في يسر ـ حين يخطِّطون لمجتمع تحكمه الصفوة، ويقولون: «إنَّ جماعات الصفوة سوف تُسْتَمد من جميع قطاعات المجتمع». ولكن قد يبدو أنه مع إتقان وسائل تعرّف الأفراد الذين سيكوِّنون طوائف الصفوة في سن مبكرة، وتربيتهم ليقوموا بدورهم المستقبلي، واستقرارهم في مراكز السلطة، سوف تصبح كل المميزات الطبقية السابقة مجرد ظل أو أثر، ويكون المميز الاجتماعي الوحيد للمنزلة قائمًا بين جماعات الصفوة وبين سائر المجتمع، إلّا أن يوجد ثمة نظام للتفاضل والمكانة بين شتى طوائف الصفوة نفسها، وهو أمر ممكن الحدوث.

ومهما تكن الصورة التي يوضع فيها مذهب الصفوة معتدلة غير مستغربة، فإنه ينطوي على تغيير جذري للمجتمع. فهو في الظاهر لا يرمي إلى أكثر مما يجب أن نرغب فيه جميعًا: أي إلى أن تُشغل جميع المراكز في المجتمع بأولئك الذين هم أكثر صلاحية لأداء وظائف مراكزهم. فكلنا قد لاحظنا أفرادًا يتولون مراكز في الحياة لا تؤهلهم لها شخصيتهم ولا عقليتهم، وإنما وضعوا فيها بفضل تعليمهم الأسمى أو مولدهم أو قرابتهم. وما من رجل شريف إلا ويثيره مثل هذا المنظر. ولكن مذهب الصفوة ينطوي على أشياء أكثر بكثير من علاج هذا الظلم. إنه يضع نظرة ذرِّية للمجتمع.

والفيلسوف الذي تستحق آراؤه عن موضوع الصفوة أقصى الاهتمام لقيمتها في ذاتها ولما لها من تأثير هو الأستاذ الراحل الدكتور كارل مانهايم. بل إنَّ الدكتور مانهايم هو الذي رسم خطوط كلمة «الصفوة» في هذه البلاد. ويجب أن أنبه إلى أن وصف الدكتور مانهايم للثقافة يختلف عن الوصف الذي قدمته في الفصل السابق من هذه المقالة. فهو يقول في («الإنسان والمجتمع» ص81):

«إنَّ البحث الاجتماعي عن الثقافة في مجتمعٍ حرٍ يجب أن يبدأ بحياة أولئك الذين يخلقون الثقافة، أي المثقفين ومكانهم في المجتمع ككل».