صفحة 1
مدخل المجموعة الصفرية
في النظام العالمي لا يتمكن بلد واحد أو تحالف دائم للبلدان من مواجهة تحديات القيادة العولمية.
لقد وجدت نفسي على وادي نابا الجميل في تشرين الأول/ أكتوبر2011، وأنا أتحدث مع باول مارتن - مؤسس مجموعة العشرين - (المنتدى الذي اتفق فيه تسعة عشر بلداً) مع الاتحاد الأوروبي حول حلول للتحديات الدولية الملحة.
وقد وجهت خطاباً أكدت فيه أن مجموعة العشرين مؤسسة غير عاملة ومسؤولة عن العديد من المشاكل التي تريد حلها.
وكوزير مالية كندا من سنة1993 إلى سنة2002 ومن ثم رئيساً للوزراء من سنة2003 إلى سنة2006، فقد ضايق مارتن حلفاء بلده بإعلان أن الهيمنة الغربية للمؤسسات المالية الدولية كانت في حالة من التضاؤل. وأكد أن العالم بحاجة إلى النادي الذي يرحب بالأعضاء الجدد من بين القوى الجديدة الرئيسة.
وكان المسؤولون في واشنطن وأوروبا الغربية وطوكيو قد تجاهلوا فكرة مارتن على نحو مؤدب إلى أن أجبرتهم الأزمة المالية لسنة2008 على الاعتراف بأهميتها. وبعد ثلاث سنوات كانت مجموعة العشرين المنتدى الثابت للسياسات الدولية.
وقد بدأنا أنا ومارتن نقاشاً طيباً وأكدت - كما في خطابي - أن مجموعة العشرين كانت طموحاً أكثر مما هي منظمة وأن العشرين هو عدد كبير جداً، وهناك أرض مشتركة صغيرة جداً للتقدم الملموس حول القضايا المهمة باستثناء الظروف المتطرفة جداً. وواجه مارتن ذلك بالقول: «إن مجموعة العشرين تعطي البلدان أكثر من أي وقت مضى مصلحة في نجاح الاقتصاد العولمي وفي حل التحديات السياسية والأمنية للعالم» .
وبعد ذلك اتخذت المحادثة منعطفاً غير متوقع، حيث وضح مارتن أن دفاعه المبكر عن مجموعة العشرين كان معتمداً على رؤية الحاكمية العولمية لا على ما هو الأفضل لكندا. وكانت بلاده عضو مجموعة السبعة لمدة طويلة. وهو مركز متميز ولكن داخل منظمة غير ملائمة جداً. واعتقد مارتن أن بوسع كندا تبادل مقعدها من الدرجة الأولى على سفينة غارقة مع موقع آمن في قارب أكبر بتأكيده قبول الاتجاه الذي آمن بحتميته. وتمنى كسب أصدقاء قيمين جدد لبلاده من خلال قيادة الجهد المبذول لبناء ذلك القارب وكان لوفدها أسبابه الخاصة مثل أي وفد آخر.
وفي آخر ذلك المساء استعرضت المحادثة في ذهني، ووجدت نفسي أتخيل طاولة البوكر الضخمة التي يحمي كل متبار فيها أكداس فيشاته مشاهداً التسعة عشر الآخرين ومنتظراً فرصة لعبة اليد التي لعبها، فهذا ليس نظاماً عولمياً، بل كل أمة لنفسها. وما العالم الذي نعيش فيه الآن لو لم تعد مجموعة السبعة ذات تأثير يذكر وماذا لو لم تعمل مجموعة العشرين؟
نحن نعيش ولأول مرة في غضون سبعة عقود في عالم من دون قيادة عولمية، ففي الولايات المتحدة، كان الاقتتال الحزبي المستمر والدين الفيدرالي المتصاعد قد زادا المخاوف من ذهاب أفضل أيام أميركا، فعبر الأطلسي، كانت أزمة الدين قد أضعفت الثقة بأوروبا ومؤسساتها ومستقبلها. وفي اليابان كان الشفاء من الهزة الأرضية المدمرة والتسونامي والذوبان النووي قد برهن بأنه أسهل بكثير من إنهاء أكثر من عقدين من الاضطراب السياسي والاقتصادي فقبل جيل كانت هناك محطات طاقة عالمية شكلت مجموعة السبعة مع كندا، وهي مجموعة ديمقراطيات السوق الحرة التي تزود الاقتصاد العولمي بالطاقة، واليوم فإنها تناضل من أجل إيجاد موطئ قدم راسخ لها.
لا تقلق، يقول هؤلاء الذين رحبوا بظهور البقية(1)، فسوف يخلق الجيل الجديد من الدول حديثة النشأة التيار المتصاعد الذي يرفع كل الأمم لأن القوى المستقرة غارت في القرون الوسطى المتأخرة.
وقد دخل الاقتصاد العولمي الدورة الأقوى الجديدة التي يسوقها التصنيع وتمدين الأسواق الجديدة والتبادل العولمي(2). وكانت التكنولوجيات الجديدة وبروز أميركا قد رفعا من مستوى الاقتصاد العولمي ما بين1870 وبداية الحرب العالمية الأولى.
في النظام العالمي لا يتمكن بلد واحد أو تحالف دائم للبلدان من مواجهة تحديات القيادة العولمية.
لقد وجدت نفسي على وادي نابا الجميل في تشرين الأول/ أكتوبر2011، وأنا أتحدث مع باول مارتن - مؤسس مجموعة العشرين - (المنتدى الذي اتفق فيه تسعة عشر بلداً) مع الاتحاد الأوروبي حول حلول للتحديات الدولية الملحة.
وقد وجهت خطاباً أكدت فيه أن مجموعة العشرين مؤسسة غير عاملة ومسؤولة عن العديد من المشاكل التي تريد حلها.
وكوزير مالية كندا من سنة1993 إلى سنة2002 ومن ثم رئيساً للوزراء من سنة2003 إلى سنة2006، فقد ضايق مارتن حلفاء بلده بإعلان أن الهيمنة الغربية للمؤسسات المالية الدولية كانت في حالة من التضاؤل. وأكد أن العالم بحاجة إلى النادي الذي يرحب بالأعضاء الجدد من بين القوى الجديدة الرئيسة.
وكان المسؤولون في واشنطن وأوروبا الغربية وطوكيو قد تجاهلوا فكرة مارتن على نحو مؤدب إلى أن أجبرتهم الأزمة المالية لسنة2008 على الاعتراف بأهميتها. وبعد ثلاث سنوات كانت مجموعة العشرين المنتدى الثابت للسياسات الدولية.
وقد بدأنا أنا ومارتن نقاشاً طيباً وأكدت - كما في خطابي - أن مجموعة العشرين كانت طموحاً أكثر مما هي منظمة وأن العشرين هو عدد كبير جداً، وهناك أرض مشتركة صغيرة جداً للتقدم الملموس حول القضايا المهمة باستثناء الظروف المتطرفة جداً. وواجه مارتن ذلك بالقول: «إن مجموعة العشرين تعطي البلدان أكثر من أي وقت مضى مصلحة في نجاح الاقتصاد العولمي وفي حل التحديات السياسية والأمنية للعالم» .
وبعد ذلك اتخذت المحادثة منعطفاً غير متوقع، حيث وضح مارتن أن دفاعه المبكر عن مجموعة العشرين كان معتمداً على رؤية الحاكمية العولمية لا على ما هو الأفضل لكندا. وكانت بلاده عضو مجموعة السبعة لمدة طويلة. وهو مركز متميز ولكن داخل منظمة غير ملائمة جداً. واعتقد مارتن أن بوسع كندا تبادل مقعدها من الدرجة الأولى على سفينة غارقة مع موقع آمن في قارب أكبر بتأكيده قبول الاتجاه الذي آمن بحتميته. وتمنى كسب أصدقاء قيمين جدد لبلاده من خلال قيادة الجهد المبذول لبناء ذلك القارب وكان لوفدها أسبابه الخاصة مثل أي وفد آخر.
وفي آخر ذلك المساء استعرضت المحادثة في ذهني، ووجدت نفسي أتخيل طاولة البوكر الضخمة التي يحمي كل متبار فيها أكداس فيشاته مشاهداً التسعة عشر الآخرين ومنتظراً فرصة لعبة اليد التي لعبها، فهذا ليس نظاماً عولمياً، بل كل أمة لنفسها. وما العالم الذي نعيش فيه الآن لو لم تعد مجموعة السبعة ذات تأثير يذكر وماذا لو لم تعمل مجموعة العشرين؟
نحن نعيش ولأول مرة في غضون سبعة عقود في عالم من دون قيادة عولمية، ففي الولايات المتحدة، كان الاقتتال الحزبي المستمر والدين الفيدرالي المتصاعد قد زادا المخاوف من ذهاب أفضل أيام أميركا، فعبر الأطلسي، كانت أزمة الدين قد أضعفت الثقة بأوروبا ومؤسساتها ومستقبلها. وفي اليابان كان الشفاء من الهزة الأرضية المدمرة والتسونامي والذوبان النووي قد برهن بأنه أسهل بكثير من إنهاء أكثر من عقدين من الاضطراب السياسي والاقتصادي فقبل جيل كانت هناك محطات طاقة عالمية شكلت مجموعة السبعة مع كندا، وهي مجموعة ديمقراطيات السوق الحرة التي تزود الاقتصاد العولمي بالطاقة، واليوم فإنها تناضل من أجل إيجاد موطئ قدم راسخ لها.
لا تقلق، يقول هؤلاء الذين رحبوا بظهور البقية(1)، فسوف يخلق الجيل الجديد من الدول حديثة النشأة التيار المتصاعد الذي يرفع كل الأمم لأن القوى المستقرة غارت في القرون الوسطى المتأخرة.
وقد دخل الاقتصاد العولمي الدورة الأقوى الجديدة التي يسوقها التصنيع وتمدين الأسواق الجديدة والتبادل العولمي(2). وكانت التكنولوجيات الجديدة وبروز أميركا قد رفعا من مستوى الاقتصاد العولمي ما بين1870 وبداية الحرب العالمية الأولى.
صفحة 2
إن قيادة أميركا وإعمار أوروبا والنفط الرخيص وزيادة الصادرات الآسيوية، كانت قد ساقت النمو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى عقد السبعينيات. ويمكننا الاعتماد بصورة كبيرة على الأسواق الناشطة في الصين والهند والبرازيل وتركيا والأمم حديثة النشأة الأخرى لدعم الماكنة الاقتصادية العالمية لسنوات عديدة مقبلة. وبوسع الأميركيين والأوروبيين الارتياح من مسألة أن الدول الأخرى ستقوم بالجزء الأكبر من رفع الحمل نظراً إلى تحرك مكائننا صوب الأمام بسرعة أبطأ.
ولكن لم تكن الحاجة إلى التعاون الدولي أكبر في العالم الذي تتعالى فيه كثير من التحديات على الحدود من استقرار الاقتصاد العولمي وتغير المناخ إلى الهجمات الفضائية والإرهاب والأمن الغذائي والمياه. ويحتاج التعاون إلى القيادة حيث يمتلك القادة الرافعة لتنسيق الاستجابات متعددة الجنسيات للمشاكل المتخطية للحدود القومية ولديهم الثروة والسلطة لإقناع الحكومات باتخاذ الأفعال التي لم تتبعها في حالات أخرى. إنهم يشترون الشيكات التي لا يتمكن الآخرون من شرائها ويوفرون الخدمات التي لن يدفع لها أي شخص آخر. وهذه هي المسؤوليات التي لم تستعد أميركا افتراض وجودها إلى حد كبير.
وفي الوقت نفسه، فإن القوى الصاعدة هي غير مستعدة لقبول هذا البطء، لأن على حكوماتها التركيز على إدارة المراحل الحرجة المقبلة من تطورها الاقتصادي.
ولا نميل إلى رؤية القيادة من المؤسسات العولمية، ففي أوج الأزمة المالية لتشرين الثاني/ نوفمبر2008، تجمع القادة السياسيون لبلدان الدول المستقرة والجديدة المؤثرة جداً في واشنطن تحت راية مجموعة العشرين. وكان المنتدى قد ساعد على تحديد الضرر ولكن الإحساس بالأزمة الجمعية كان قد مات وتبخر التعاون ولم ينتج عن قمم مجموعة العشرين أي شيء جوهري منذ ذلك الحين؛ وإن مؤسسات مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي لا تميل إلى توفير القيادة الحقيقية؛ لأنها لم تعد تعكس توازن القوة السياسية والاقتصادية الحقيقي للعالم.
من الذي يقود؟ إذا لم يكن الغرب هو القائد أو الدول الأخرى أو المؤسسات التي يتجمعون فيها؟ الجواب هو لا أحد من هؤلاء لا مجموعة السبعة التي كانت مهيمنة يوماً ما، ولا مجموعة العشرين غير العاملة. لقد دخلنا المجموعة الصفرية.
إن هذا الكتاب هو ليس حول تدهور الغرب. وكانت أميركا وأوروبا قد تغلبتا على العدائية في ما بينهما وهما مجهزتان جيداً عبر أمد طويل للقيام بذلك مرة أخرى. وليس حول بروز الصين ومتباري السوق الحديثي الظهور الآخرين، حيث تعيش حكوماتهم مرحلة الاختبارات الكبيرة داخل البلد. ولن تستمر كلها بالبروز وسوف يتم استغراق وقت أطول مما يتوقع بكثير لتلك التي تظهر لبرهنة قوتها الباقية. ويفصل هذا الكتاب بالأحرى العالم الذي يعيش مرحلة الانتقال العنيف، المرحلة المتعرضة بصورة خاصة للأزمات التي تظهر فجأة، ومن اتجاهات غير متوقعة. وما زالت الطبيعة تكره الفراغ ولن تدوم المجموعة الصفرية إلى الأبد. ولكن عبر العقد المقبل، وربما أطول، سيُقوض العالم من دون قيادة قابليتنا لحفظ السلام، وتوسيع الفرص، وتجنب تأثير تغير المناخ وتغذية الأعداد الهائلة من السكان. وسيكون هناك شعور بهذه التأثيرات في كل منطقة من العالم حتى في الفضاء الخارجي.
وستحدد الصفحات التالية هذا العالم وتتوقع الاضطراب المقبل. يوضح الفصل الأول جوهر المجموعة الصفرية. ويتناول الفصل الثاني كيفية التحول من صعود القوة الأميركية والمؤسسات التي هيمن عليها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية إلى الاضطراب السياسي والاقتصادي للسنوات القلائل السابقة.
ويتناول الفصل الثالث تأثير المجموعة الصفرية في العالم من حولنا: السياسات - العمل - المعلومات - الاتصالات - الأمن - الأغذية - الهواء - والماء.
الفصل الرابع يتعامل مع قابلية البلدان والشركات والمؤسسات لبحث المخاطر والفرص التي يخلقها عالم المجموعة الصفرية، ويفصل رابحي العصر عن خاسريه. ويسأل الفصل الخامس ماذا بعد؟ ويقدم التكهنات حول النظام الدولي الذي يتولد من المجموعة الصفرية. ويوفر الفصل السادس الأخير الأفكار حول كيفية صوغ الأميركيين ذلك العالم الجديد والمساعدة على قيادته.
لقد دخل العالم مدة الانتقال والاضطراب الملحوظين تماماً. حيث ستتطلب المجموعة الصفرية أكثر من قوة عظيمة أو جيوب عميقة، من هؤلاء الذين قادوا الأمم والمؤسسات إلى هذه اللحظة المؤثرة. إنها بحاجة إلى الخفة والتكيف والمهارة لإدارة الأزمات ولاسيما تلك التي تأتي من اتجاهات غير متوقعة.
ولكن لم تكن الحاجة إلى التعاون الدولي أكبر في العالم الذي تتعالى فيه كثير من التحديات على الحدود من استقرار الاقتصاد العولمي وتغير المناخ إلى الهجمات الفضائية والإرهاب والأمن الغذائي والمياه. ويحتاج التعاون إلى القيادة حيث يمتلك القادة الرافعة لتنسيق الاستجابات متعددة الجنسيات للمشاكل المتخطية للحدود القومية ولديهم الثروة والسلطة لإقناع الحكومات باتخاذ الأفعال التي لم تتبعها في حالات أخرى. إنهم يشترون الشيكات التي لا يتمكن الآخرون من شرائها ويوفرون الخدمات التي لن يدفع لها أي شخص آخر. وهذه هي المسؤوليات التي لم تستعد أميركا افتراض وجودها إلى حد كبير.
وفي الوقت نفسه، فإن القوى الصاعدة هي غير مستعدة لقبول هذا البطء، لأن على حكوماتها التركيز على إدارة المراحل الحرجة المقبلة من تطورها الاقتصادي.
ولا نميل إلى رؤية القيادة من المؤسسات العولمية، ففي أوج الأزمة المالية لتشرين الثاني/ نوفمبر2008، تجمع القادة السياسيون لبلدان الدول المستقرة والجديدة المؤثرة جداً في واشنطن تحت راية مجموعة العشرين. وكان المنتدى قد ساعد على تحديد الضرر ولكن الإحساس بالأزمة الجمعية كان قد مات وتبخر التعاون ولم ينتج عن قمم مجموعة العشرين أي شيء جوهري منذ ذلك الحين؛ وإن مؤسسات مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي لا تميل إلى توفير القيادة الحقيقية؛ لأنها لم تعد تعكس توازن القوة السياسية والاقتصادية الحقيقي للعالم.
من الذي يقود؟ إذا لم يكن الغرب هو القائد أو الدول الأخرى أو المؤسسات التي يتجمعون فيها؟ الجواب هو لا أحد من هؤلاء لا مجموعة السبعة التي كانت مهيمنة يوماً ما، ولا مجموعة العشرين غير العاملة. لقد دخلنا المجموعة الصفرية.
إن هذا الكتاب هو ليس حول تدهور الغرب. وكانت أميركا وأوروبا قد تغلبتا على العدائية في ما بينهما وهما مجهزتان جيداً عبر أمد طويل للقيام بذلك مرة أخرى. وليس حول بروز الصين ومتباري السوق الحديثي الظهور الآخرين، حيث تعيش حكوماتهم مرحلة الاختبارات الكبيرة داخل البلد. ولن تستمر كلها بالبروز وسوف يتم استغراق وقت أطول مما يتوقع بكثير لتلك التي تظهر لبرهنة قوتها الباقية. ويفصل هذا الكتاب بالأحرى العالم الذي يعيش مرحلة الانتقال العنيف، المرحلة المتعرضة بصورة خاصة للأزمات التي تظهر فجأة، ومن اتجاهات غير متوقعة. وما زالت الطبيعة تكره الفراغ ولن تدوم المجموعة الصفرية إلى الأبد. ولكن عبر العقد المقبل، وربما أطول، سيُقوض العالم من دون قيادة قابليتنا لحفظ السلام، وتوسيع الفرص، وتجنب تأثير تغير المناخ وتغذية الأعداد الهائلة من السكان. وسيكون هناك شعور بهذه التأثيرات في كل منطقة من العالم حتى في الفضاء الخارجي.
وستحدد الصفحات التالية هذا العالم وتتوقع الاضطراب المقبل. يوضح الفصل الأول جوهر المجموعة الصفرية. ويتناول الفصل الثاني كيفية التحول من صعود القوة الأميركية والمؤسسات التي هيمن عليها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية إلى الاضطراب السياسي والاقتصادي للسنوات القلائل السابقة.
ويتناول الفصل الثالث تأثير المجموعة الصفرية في العالم من حولنا: السياسات - العمل - المعلومات - الاتصالات - الأمن - الأغذية - الهواء - والماء.
الفصل الرابع يتعامل مع قابلية البلدان والشركات والمؤسسات لبحث المخاطر والفرص التي يخلقها عالم المجموعة الصفرية، ويفصل رابحي العصر عن خاسريه. ويسأل الفصل الخامس ماذا بعد؟ ويقدم التكهنات حول النظام الدولي الذي يتولد من المجموعة الصفرية. ويوفر الفصل السادس الأخير الأفكار حول كيفية صوغ الأميركيين ذلك العالم الجديد والمساعدة على قيادته.
لقد دخل العالم مدة الانتقال والاضطراب الملحوظين تماماً. حيث ستتطلب المجموعة الصفرية أكثر من قوة عظيمة أو جيوب عميقة، من هؤلاء الذين قادوا الأمم والمؤسسات إلى هذه اللحظة المؤثرة. إنها بحاجة إلى الخفة والتكيف والمهارة لإدارة الأزمات ولاسيما تلك التي تأتي من اتجاهات غير متوقعة.
صفحة 3
الفصل الأول:ما هي المجموعة الصفرية؟
«أن تكون وحدك أفضل بكثير من معاشرة السيئين»
(جورج واشنطن)
ما هي المجموعة الصفرية؟
احتفلت ملكة الدنمارك الملكة مارغريت في17/12/2009 بقمة المناخ المتوقعة جداً مع عشاء فاخر في قصر كرستيانسبورغ في كوبنهاغن، وقد تمتع القادة والضيوف البارزون من جميع أنحاء العالم بعشاء السمك المالح والسكالوب والحلوى والأداء الموسيقي لفرقة «الحرس الملكي».
وإذا لم يكن الحرس الملكي كافياً لتأكيد موضوع تغير المناخ، فإن هذا الحدث الكبير تضمن تسجيلات غنائية لفرانك سيناثرا «هنا اليوم الممطر» وأداء جورج هاريون لأغنية «هنا تشرق الشمس». وتمكنت الملكة من تجاهل التفاصيل الديبلوماسية الرسمية التي أجلستها قرب الشخص الرفيع المقام والزائر الأطول مدة في المساء الرئيس الزمبابوي روبرت موغابي المعروف جيداً بإنهاك اقتصاد بلده تماماً أكثر من معرفته بحديث العشاء الجميل أو التزامه بحل مشكلة التدفئة العولمية. وقد وضح موظف البروتوكولات الدنماركي للصحف قائلاً: «نحن نعرف جيداً، بأن بعض الناس يريدون الجلوس قرب الآخرين، فهذا العشاء شبيه بالعشاء العائلي حيث أنك لا ترغب في جلوس العم لويس قرب العم ايرني»(1). وإن مراوغة الملكة هي التي منحت القمة نجاحها الأول والوحيد.
وبعد أسبوع من انتهاء هذا المؤتمر، نشرت أكسنهوا (وكالة الأخبار الصينية) قصة تزعم بأن رئيس الوزراء الصيني وين جياباو (Wen Giabao) كان قد علم خلال العشاء أن الرئيس الأميركي باراك أوباما كان قد دعا الأصدقاء والحلفاء إلى اجتماع سري فيما بعد في ذلك المساء لمناقشة إستراتيجية التفاوض، ولم يتم شمول الوفد الصيني بذلك الاجتماع(2)، وبقي من غير الواضح هل اجتماع كهذا كان مخططاً له أم أن وين حصل على معلومات سيئة، وربما تكون كل القصة من تلفيق الحكومة الصينية لتبرير غياب وين عن اجتماع رئيسي في اليوم التالي ورفض وفده الموافقة على الصفقة النهائية، ومهما كانت الحقيقة فإن وين كان قد انسحب إلى مقر إقامته في فندق Radisson Blue Hotel ولم تصل القمة إلى الهدف المقصود.
ومعظم ما نعتقد معرفته حول مفاوضات الباب المغلق لليوم التالي يأتي من التسجيل السري (ملفات صوتية)1.2 جيغابايت التي خلفهـا الحـدث، وحصلت عليهـا المجلة الألمانية دير شبيغل(3) (Der Spiegel) الإخبارية، وفي18 كانون الأول/ ديسمبر؛ اجتمع12 رئيس دولة في مؤتمر آرن جاكوبسون ( Arne Jacobson) في بلّا سنتر (Bella Center) في كوبنهاغن لحل الخلافات حول المدخل المشترك لتغير المناخ، وانتظر كثير من قادة العالم خارج الغرفة للحصول على اتفـاق هـؤلاء المجتمعين وبقـي رئيس وزراء الصين فـي مـاديسون (Radisson).
وبـدلاً مـن الاتفاق مع زميلـه رئيس الـدولـة ويـن جيابـاو (Wen Jiabao) وجد رئيس الولايات المتحدة نفسه يتفاوض مع السيد هي يافي (He Yafei) نائب وزير الخارجية الصيني الشهير لإتقانه اللغة الإنكليزية واستعداده لاستخدامها من أجل تقدم الرؤية العالمية لبلده بنقاشات استفزازية أحياناً. وكان نيكولاس ساركوزي قد أصر على التزام الصين والهند بالأهداف الرامية إلى تخفيف إشعاعات غاز البيوت الزجاجية وأعلنت الصين والهند عدم تمكنهما من دعم الوثيقة التي فرضت أهدافاً عديدة محددة حتى على الأميركيين والأوروبيين.
وســأل رئـيس الـوزراء النـرويـجـي جنـز ستولتنبـرغ (Jens Stolten Berg) المسؤولين الهنود كيف يمكنهم شجب الخطة التي اقترحوها قبل ساعات قلائل؟ وطلب الرئيس المالديفي محمد نشيد ورئيس سلسلة الجزر الواقعة في المحيط الهندي بحوالى7 أقدام فوق مستوى سطح البحر، أن يوضح الوفد الصيني كيف يطلب من بلده الانقراض، واتهم ساركوزي الصينيين بالرياء وألقى يافي محاضرة على المجموعة الخاصة بالتدهور البيئي من الثورة الصناعية واتهمت العديد من المنظمات غير الحكومية المسؤولين الغربيين بإعاقة الاتفاق، واتهم القليل من الصحفيين الرئيس أوباما بالبيع لأوروبا وجعل الصين خارج الصنارة، وكان الرئيس الفنزويلي شافيز قد أطلق على الرئيس أوباما اسم الشيطان، وكان التجمع الذي قال عنه رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون بأنه أهم مؤتمر منذ الحرب العالمية الثانية قد انتهى بفظاظة وتعليقات متنازعة حول ما حدث ومن دون أي تقدم نحو أي اتفاق هادف. ولكن النقطة الأساسية هنا هي أن القمة لم تفشل بسبب إهمال الصين أو عدم وصول الهند إلى قرار أو عناد الأوروبيين، أو لأن أوباما هو رئيس العالم، بل فشلت لأنها لم تكن هناك أرض مشتركة بين المتبارين الرئيسيين والجدد للوصول إلى الاتفاق الذي تُضحي له كل الجوانب، وكذلك عدم وجود البلد الواحد أو كتلة البلدان التي لها قدرة على فرض الحل، وهذا النقاش يبين لنا الـG - Zero ومن أين أتت.
حيث تدعي القوى الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا بأن150 سنة من التصنيع في الغرب كانت قد صبت كل الضرر الذي جعل علماء المناخ في حالة من الذعر، وقد أصروا على أن الأميركيين والأوروبيين ليس لهم حق توقع من البلدان النامية تحديد نموها لإزالة فوضى العالم الغني، ورد السلطات المستقرة في أن الدول النامية ستقوم بكل الضرر البيئي في العقود المقبلة، وأضافت بأن تغير المناخ هو مشكلة عولمية، المشكلة التي لا يمكن حلها من دون مساعدة مادية من البلدان النامية حتى لو خفضت أميركا وأوروبا الإشعاعات إلى الصفر، ولاسيما أن القضية الملحة هي أن العالم بحاجة إلى مشاركة القوى المستقرة والجديدة للمشاركة في الفوائد والأعباء كما هي الحالة مع العديد من القضايا الاقتصادية والسياسية اليوم، وعدم القيام بأي شيء يزيد الأمر سوءاً، وهذا هو تحدي الـG - Zero، ولمنع الصراع إذاً، يجب تنمية الاقتصاد العالمي، وإدارة حاجاتنا للطاقة وتنفيذ السياسات التجارية والاستثمارية الحكومية ومواجهة التهديدات عبر الوطنية للصحة العامة وإجراء كثير من الاختبارات الأخرى، فالعالم بحاجة إلى القادة المستعدين لتحمل الأعباء والقيام بالتسوية؛ وللتأكد فإن العديد من البلدان قوية جداً الآن لمنع المجتمع الدولي من القيام بأي فعل ولكن لا واحدة منها تمتلك القوة السياسية والاقتصادية لإعادة صوغ الوضع الراهن.
«أن تكون وحدك أفضل بكثير من معاشرة السيئين»
(جورج واشنطن)
ما هي المجموعة الصفرية؟
احتفلت ملكة الدنمارك الملكة مارغريت في17/12/2009 بقمة المناخ المتوقعة جداً مع عشاء فاخر في قصر كرستيانسبورغ في كوبنهاغن، وقد تمتع القادة والضيوف البارزون من جميع أنحاء العالم بعشاء السمك المالح والسكالوب والحلوى والأداء الموسيقي لفرقة «الحرس الملكي».
وإذا لم يكن الحرس الملكي كافياً لتأكيد موضوع تغير المناخ، فإن هذا الحدث الكبير تضمن تسجيلات غنائية لفرانك سيناثرا «هنا اليوم الممطر» وأداء جورج هاريون لأغنية «هنا تشرق الشمس». وتمكنت الملكة من تجاهل التفاصيل الديبلوماسية الرسمية التي أجلستها قرب الشخص الرفيع المقام والزائر الأطول مدة في المساء الرئيس الزمبابوي روبرت موغابي المعروف جيداً بإنهاك اقتصاد بلده تماماً أكثر من معرفته بحديث العشاء الجميل أو التزامه بحل مشكلة التدفئة العولمية. وقد وضح موظف البروتوكولات الدنماركي للصحف قائلاً: «نحن نعرف جيداً، بأن بعض الناس يريدون الجلوس قرب الآخرين، فهذا العشاء شبيه بالعشاء العائلي حيث أنك لا ترغب في جلوس العم لويس قرب العم ايرني»(1). وإن مراوغة الملكة هي التي منحت القمة نجاحها الأول والوحيد.
وبعد أسبوع من انتهاء هذا المؤتمر، نشرت أكسنهوا (وكالة الأخبار الصينية) قصة تزعم بأن رئيس الوزراء الصيني وين جياباو (Wen Giabao) كان قد علم خلال العشاء أن الرئيس الأميركي باراك أوباما كان قد دعا الأصدقاء والحلفاء إلى اجتماع سري فيما بعد في ذلك المساء لمناقشة إستراتيجية التفاوض، ولم يتم شمول الوفد الصيني بذلك الاجتماع(2)، وبقي من غير الواضح هل اجتماع كهذا كان مخططاً له أم أن وين حصل على معلومات سيئة، وربما تكون كل القصة من تلفيق الحكومة الصينية لتبرير غياب وين عن اجتماع رئيسي في اليوم التالي ورفض وفده الموافقة على الصفقة النهائية، ومهما كانت الحقيقة فإن وين كان قد انسحب إلى مقر إقامته في فندق Radisson Blue Hotel ولم تصل القمة إلى الهدف المقصود.
ومعظم ما نعتقد معرفته حول مفاوضات الباب المغلق لليوم التالي يأتي من التسجيل السري (ملفات صوتية)1.2 جيغابايت التي خلفهـا الحـدث، وحصلت عليهـا المجلة الألمانية دير شبيغل(3) (Der Spiegel) الإخبارية، وفي18 كانون الأول/ ديسمبر؛ اجتمع12 رئيس دولة في مؤتمر آرن جاكوبسون ( Arne Jacobson) في بلّا سنتر (Bella Center) في كوبنهاغن لحل الخلافات حول المدخل المشترك لتغير المناخ، وانتظر كثير من قادة العالم خارج الغرفة للحصول على اتفـاق هـؤلاء المجتمعين وبقـي رئيس وزراء الصين فـي مـاديسون (Radisson).
وبـدلاً مـن الاتفاق مع زميلـه رئيس الـدولـة ويـن جيابـاو (Wen Jiabao) وجد رئيس الولايات المتحدة نفسه يتفاوض مع السيد هي يافي (He Yafei) نائب وزير الخارجية الصيني الشهير لإتقانه اللغة الإنكليزية واستعداده لاستخدامها من أجل تقدم الرؤية العالمية لبلده بنقاشات استفزازية أحياناً. وكان نيكولاس ساركوزي قد أصر على التزام الصين والهند بالأهداف الرامية إلى تخفيف إشعاعات غاز البيوت الزجاجية وأعلنت الصين والهند عدم تمكنهما من دعم الوثيقة التي فرضت أهدافاً عديدة محددة حتى على الأميركيين والأوروبيين.
وســأل رئـيس الـوزراء النـرويـجـي جنـز ستولتنبـرغ (Jens Stolten Berg) المسؤولين الهنود كيف يمكنهم شجب الخطة التي اقترحوها قبل ساعات قلائل؟ وطلب الرئيس المالديفي محمد نشيد ورئيس سلسلة الجزر الواقعة في المحيط الهندي بحوالى7 أقدام فوق مستوى سطح البحر، أن يوضح الوفد الصيني كيف يطلب من بلده الانقراض، واتهم ساركوزي الصينيين بالرياء وألقى يافي محاضرة على المجموعة الخاصة بالتدهور البيئي من الثورة الصناعية واتهمت العديد من المنظمات غير الحكومية المسؤولين الغربيين بإعاقة الاتفاق، واتهم القليل من الصحفيين الرئيس أوباما بالبيع لأوروبا وجعل الصين خارج الصنارة، وكان الرئيس الفنزويلي شافيز قد أطلق على الرئيس أوباما اسم الشيطان، وكان التجمع الذي قال عنه رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون بأنه أهم مؤتمر منذ الحرب العالمية الثانية قد انتهى بفظاظة وتعليقات متنازعة حول ما حدث ومن دون أي تقدم نحو أي اتفاق هادف. ولكن النقطة الأساسية هنا هي أن القمة لم تفشل بسبب إهمال الصين أو عدم وصول الهند إلى قرار أو عناد الأوروبيين، أو لأن أوباما هو رئيس العالم، بل فشلت لأنها لم تكن هناك أرض مشتركة بين المتبارين الرئيسيين والجدد للوصول إلى الاتفاق الذي تُضحي له كل الجوانب، وكذلك عدم وجود البلد الواحد أو كتلة البلدان التي لها قدرة على فرض الحل، وهذا النقاش يبين لنا الـG - Zero ومن أين أتت.
حيث تدعي القوى الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا بأن150 سنة من التصنيع في الغرب كانت قد صبت كل الضرر الذي جعل علماء المناخ في حالة من الذعر، وقد أصروا على أن الأميركيين والأوروبيين ليس لهم حق توقع من البلدان النامية تحديد نموها لإزالة فوضى العالم الغني، ورد السلطات المستقرة في أن الدول النامية ستقوم بكل الضرر البيئي في العقود المقبلة، وأضافت بأن تغير المناخ هو مشكلة عولمية، المشكلة التي لا يمكن حلها من دون مساعدة مادية من البلدان النامية حتى لو خفضت أميركا وأوروبا الإشعاعات إلى الصفر، ولاسيما أن القضية الملحة هي أن العالم بحاجة إلى مشاركة القوى المستقرة والجديدة للمشاركة في الفوائد والأعباء كما هي الحالة مع العديد من القضايا الاقتصادية والسياسية اليوم، وعدم القيام بأي شيء يزيد الأمر سوءاً، وهذا هو تحدي الـG - Zero، ولمنع الصراع إذاً، يجب تنمية الاقتصاد العالمي، وإدارة حاجاتنا للطاقة وتنفيذ السياسات التجارية والاستثمارية الحكومية ومواجهة التهديدات عبر الوطنية للصحة العامة وإجراء كثير من الاختبارات الأخرى، فالعالم بحاجة إلى القادة المستعدين لتحمل الأعباء والقيام بالتسوية؛ وللتأكد فإن العديد من البلدان قوية جداً الآن لمنع المجتمع الدولي من القيام بأي فعل ولكن لا واحدة منها تمتلك القوة السياسية والاقتصادية لإعادة صوغ الوضع الراهن.
صفحة 4
أميركا وتكاليف القيادة
أميركا أول أمة حديثة استخدمت قوتها العولمية لتعزيز السلام الدولي وإدامة تدفق التجارة، وكانت - إنكلترا وفي ما بعد بريطانيا - إحدى القوى البحرية الضخمة جداً في بداية القرن الثامن عشر ولعل اندحار نابليون سنة1815 هو الذي منحها المركز المهيمن لمدة قرن تقريباً، وخلال كل هذه المدة عملت بريطانيا كموفر أساسي للبضائع العامة العولمية، والخدمات التي تفيد كل شخص تقريباً والتي لا يريد أن يدفع لها أحد، مثلاً كانت بريطانيا قد ساعدت على حفظ السلام بالعمل على الحفاظ على توازن القوة بين القوى العظمى لأوروبا، وروجت الاقتصاد العالمي المفتوح جداً باستخدام قوتها البحرية الهائلة لحماية الممرات البحرية الدولية، ومكنت التدفقات الرأسمالية وحافظت على معيار الذهب، وخدم الباوند البريطاني كعملة احتياط عالمي أساسية.
وكان ظهور ألمانيا والولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر قد بدأ بتقويض هيمنة إنكلترا ولعل تدهور اتفاق أمم أوروبا هو الذي مهد الطريق للحرب العالمية الأولى، ولكن الحرب العالمية الثانية هي التي أعاقت بريطانيا من مواصلة هذا الدور، حيث برهنت الولايات المتحدة التي عانت الضرر الأقل بكثير من الصراعين أقل من أعدائها أو حلفائها، استعدادها وجاهزيتها وقدرتها على تبني القيادة العولمية، وقد حققت ذلك في العقود اللاحقة.
ومع نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة قد سعت إلى مدة ممتدة كقوة عظمى عالمية وحيدة، ولكن كانت ديون أميركا تلوح في الأفق كما توضح لنا في السنوات الأخيرة، فالعبء المالي الثقيل جداً على البلد لم يكن نتيجة الإنفاق في عهد جورج دبليو بوش الملهم بالحرب المتعددة الجبهات على الإرهاب أو الاستجابة التوسعية لإدارة أوباما للأزمة المالية لـ2008 -2009، فمشكلة ديون أميركا ولاسيما أزمة ديونها هي طوارئ بطيئة الحركة كانت تتطور لعقود أمام الأنظار وعلى مرأى ومسمع الرؤساء وأغلبيات الكونغرس لكلا الحزبين، وفي دراسة موسعة خاصة حول هذا الموضوع كان العالم ميخائيل مندلباوم قد وضح بالتفصيل كيف وازن المشرعون الأميركيون الميزانية الفيدرالية في خمس سنوات من جملة47 سنة قبل بدء الأسواق المالية بالتدهور في خريف2008.
وكانت برامج التأهيل مثل الضمان الاجتماعي (خطة التقاعد الأميركية) والرعاية الطبية (التأمين الصحي للمسنين) والمساعدة الطبية (التأمين الصحي للفقراء) قد أصبحت كبيرة بصورة كافية لاستهلاك نحو%40 من الميزانية الفيدرالية الأميركية. وتعجيلاً لهذه القضية فقد بدأ77 مليوناً من الأميركيين المولودين بين1946و1964 (Baby Boomers)، بالتأهل لفوائد التقاعد والفوائد الصحية سنة2011.
وبعد سحق تلك الموجة تماماً ستكون التكاليف الإجمالية أربعة أضعاف حجم الاقتصاد الأميركي لعام2010 (4) كله، وارتفع العجز الأميركي مع ارتفاع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية، وخلال جيل واحد ستنفق واشنطن أموالاً أكثر لسد ديون البلد أكثر من الإنفاق على الدفاع.
وللمساعدة على تمويل هذا الدين فإن الولايات المتحدة تقترض الآن نحو4 بلايين دولار يومياً تقريباً نصف كل ذلك من الصين، ولكن الحكومة الصينية غذت المخاوف الأميركية وزادتها بقولها إنها لن تستمر بتمويل الاستهلاك الأميركي، وكان المسؤولون الصينيون العاليو المستوى قد عبروا عن شكوكهم من بقاء الدين الأميركي كاستثمار سليم وطويل الأمد، وحذروا من أن طلبات الإصلاحات السياسية والاقتصادية داخل الصين سوف تجبر بكين على إنفاق أموالها داخل البلد، وفي سنة2009 اعترف Wen Jiabao «لقد أقرضنا مبالغ هائلة للولايات المتحدة وبالطبع نحن قلقون بشأن سلامة أصولنا ولكي أكون نزيهاً معكم فأنا ذو قلق قليل جداً»(5).
وقد قال ستيفان روتش (Stephen Roach) رئيس Morgan Stanley Asia هذه دعوة لإيقاظ الصين، فهي لن تتوقف عن شراء الأصول المعتمدة على الدولار، لا لأنها عصبية إزاءنا بل لأنها لا تحتاج إلى القيام بذلك(6)، ولمساعدة واشنطن على الإيفاء بالتزاماتها المتزايدة فإن على الأميركيين دفع ضرائب أعلى ولكن الضرائب العالمية وحدها لن تعيد موازنة السجلات وعلى المشرعين تخفيض الإنفاق على التأهيلات والدفاع، وعلى التقاعد الانتظار لمدة أطول بقليل بالنسبة إلى عشرات ملايين العمال وستكون فوائد التقاعد والصحة أقل وسيواجه صانعو السياسة الخارجية الأميركية خيارات صعبة حول ما تتمكن واشنطن من تقديمه وما لا تتمكن منه، وفي حالة غياب هذه التضحيات ستخاطر الأمة بكارثة مالية على مقياس لم نشهده منذ الثلاثينيات.
وتواجه السياسة الخارجية الأميركية تحديدات إضافية وتقترح الأعداد الكبيرة من الاقتراعات بأن الأميركيين قلقون كثيراً بشأن أعمالهم وبيوتهم وتقاعداتهم ورعايتهم الصحية أكثر من خوفهم من تصدير القيم الأميركية أو حتى المخاطر من الخارج وهو الاتجاه الذي اتسع عبر العديد من السنوات السابقة(7)، وفي عصر التقشف كان للأميركيين ميل أقل إلى المساعدة على إدارة الاضطراب في الشرق الأوسط والصراعات في شرق آسيا أو الأزمات الإنسانية في أفريقيا، وأصروا على زيادة المسؤولين المنتخبين تركيزهم على التحديات المحلية، وكانت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر قد زادت اهتمام عامة الأميركيين بالسياسة الخارجية ولكن كان ذلك نتيجة الوصول الذي لامثيل له للمشاكل الخارجية إلى التربة الأميركية وتأثير الإرهاب في الثقة بالاقتصاد الأميركي. وتوضح الاقتراعات الحديثة من مركز بحث Pew ومجلس العلاقات الخارجية بأن النسبة المئوية للمستجوبين التي قالت إن على الولايات المتحدة الاهتمام بعملها دولياً، كانت قد ارتفعت جداً أكثر من أية مدة في خمسين سنة، ولم تعد التجارة شائعة كما هو معتاد، فقد أصبح الأميركيون أكثر شكاً بأن العولمة (التي هي التدفق الحر جداً للأفكار والمعلومات والناس والمال والبضائع والخدمات عبر الحدود) تعمل لمصلتحهم(8)، والمنتجات الرخيصة والأعمال ما زالت مستمرة لكثير من العمال في قطاع التصنيع الأميركي. ونضيف إلى تركيز البلد على الداخل غياب أي تهديد مفرد قابل للتشخيص بسهولة للأمن الأميركي الذي بوسعه حشد جزء واسع من العامة حول السياسة الخارجية الأكثر فعالية.
أميركا أول أمة حديثة استخدمت قوتها العولمية لتعزيز السلام الدولي وإدامة تدفق التجارة، وكانت - إنكلترا وفي ما بعد بريطانيا - إحدى القوى البحرية الضخمة جداً في بداية القرن الثامن عشر ولعل اندحار نابليون سنة1815 هو الذي منحها المركز المهيمن لمدة قرن تقريباً، وخلال كل هذه المدة عملت بريطانيا كموفر أساسي للبضائع العامة العولمية، والخدمات التي تفيد كل شخص تقريباً والتي لا يريد أن يدفع لها أحد، مثلاً كانت بريطانيا قد ساعدت على حفظ السلام بالعمل على الحفاظ على توازن القوة بين القوى العظمى لأوروبا، وروجت الاقتصاد العالمي المفتوح جداً باستخدام قوتها البحرية الهائلة لحماية الممرات البحرية الدولية، ومكنت التدفقات الرأسمالية وحافظت على معيار الذهب، وخدم الباوند البريطاني كعملة احتياط عالمي أساسية.
وكان ظهور ألمانيا والولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر قد بدأ بتقويض هيمنة إنكلترا ولعل تدهور اتفاق أمم أوروبا هو الذي مهد الطريق للحرب العالمية الأولى، ولكن الحرب العالمية الثانية هي التي أعاقت بريطانيا من مواصلة هذا الدور، حيث برهنت الولايات المتحدة التي عانت الضرر الأقل بكثير من الصراعين أقل من أعدائها أو حلفائها، استعدادها وجاهزيتها وقدرتها على تبني القيادة العولمية، وقد حققت ذلك في العقود اللاحقة.
ومع نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة قد سعت إلى مدة ممتدة كقوة عظمى عالمية وحيدة، ولكن كانت ديون أميركا تلوح في الأفق كما توضح لنا في السنوات الأخيرة، فالعبء المالي الثقيل جداً على البلد لم يكن نتيجة الإنفاق في عهد جورج دبليو بوش الملهم بالحرب المتعددة الجبهات على الإرهاب أو الاستجابة التوسعية لإدارة أوباما للأزمة المالية لـ2008 -2009، فمشكلة ديون أميركا ولاسيما أزمة ديونها هي طوارئ بطيئة الحركة كانت تتطور لعقود أمام الأنظار وعلى مرأى ومسمع الرؤساء وأغلبيات الكونغرس لكلا الحزبين، وفي دراسة موسعة خاصة حول هذا الموضوع كان العالم ميخائيل مندلباوم قد وضح بالتفصيل كيف وازن المشرعون الأميركيون الميزانية الفيدرالية في خمس سنوات من جملة47 سنة قبل بدء الأسواق المالية بالتدهور في خريف2008.
وكانت برامج التأهيل مثل الضمان الاجتماعي (خطة التقاعد الأميركية) والرعاية الطبية (التأمين الصحي للمسنين) والمساعدة الطبية (التأمين الصحي للفقراء) قد أصبحت كبيرة بصورة كافية لاستهلاك نحو%40 من الميزانية الفيدرالية الأميركية. وتعجيلاً لهذه القضية فقد بدأ77 مليوناً من الأميركيين المولودين بين1946و1964 (Baby Boomers)، بالتأهل لفوائد التقاعد والفوائد الصحية سنة2011.
وبعد سحق تلك الموجة تماماً ستكون التكاليف الإجمالية أربعة أضعاف حجم الاقتصاد الأميركي لعام2010 (4) كله، وارتفع العجز الأميركي مع ارتفاع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية، وخلال جيل واحد ستنفق واشنطن أموالاً أكثر لسد ديون البلد أكثر من الإنفاق على الدفاع.
وللمساعدة على تمويل هذا الدين فإن الولايات المتحدة تقترض الآن نحو4 بلايين دولار يومياً تقريباً نصف كل ذلك من الصين، ولكن الحكومة الصينية غذت المخاوف الأميركية وزادتها بقولها إنها لن تستمر بتمويل الاستهلاك الأميركي، وكان المسؤولون الصينيون العاليو المستوى قد عبروا عن شكوكهم من بقاء الدين الأميركي كاستثمار سليم وطويل الأمد، وحذروا من أن طلبات الإصلاحات السياسية والاقتصادية داخل الصين سوف تجبر بكين على إنفاق أموالها داخل البلد، وفي سنة2009 اعترف Wen Jiabao «لقد أقرضنا مبالغ هائلة للولايات المتحدة وبالطبع نحن قلقون بشأن سلامة أصولنا ولكي أكون نزيهاً معكم فأنا ذو قلق قليل جداً»(5).
وقد قال ستيفان روتش (Stephen Roach) رئيس Morgan Stanley Asia هذه دعوة لإيقاظ الصين، فهي لن تتوقف عن شراء الأصول المعتمدة على الدولار، لا لأنها عصبية إزاءنا بل لأنها لا تحتاج إلى القيام بذلك(6)، ولمساعدة واشنطن على الإيفاء بالتزاماتها المتزايدة فإن على الأميركيين دفع ضرائب أعلى ولكن الضرائب العالمية وحدها لن تعيد موازنة السجلات وعلى المشرعين تخفيض الإنفاق على التأهيلات والدفاع، وعلى التقاعد الانتظار لمدة أطول بقليل بالنسبة إلى عشرات ملايين العمال وستكون فوائد التقاعد والصحة أقل وسيواجه صانعو السياسة الخارجية الأميركية خيارات صعبة حول ما تتمكن واشنطن من تقديمه وما لا تتمكن منه، وفي حالة غياب هذه التضحيات ستخاطر الأمة بكارثة مالية على مقياس لم نشهده منذ الثلاثينيات.
وتواجه السياسة الخارجية الأميركية تحديدات إضافية وتقترح الأعداد الكبيرة من الاقتراعات بأن الأميركيين قلقون كثيراً بشأن أعمالهم وبيوتهم وتقاعداتهم ورعايتهم الصحية أكثر من خوفهم من تصدير القيم الأميركية أو حتى المخاطر من الخارج وهو الاتجاه الذي اتسع عبر العديد من السنوات السابقة(7)، وفي عصر التقشف كان للأميركيين ميل أقل إلى المساعدة على إدارة الاضطراب في الشرق الأوسط والصراعات في شرق آسيا أو الأزمات الإنسانية في أفريقيا، وأصروا على زيادة المسؤولين المنتخبين تركيزهم على التحديات المحلية، وكانت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر قد زادت اهتمام عامة الأميركيين بالسياسة الخارجية ولكن كان ذلك نتيجة الوصول الذي لامثيل له للمشاكل الخارجية إلى التربة الأميركية وتأثير الإرهاب في الثقة بالاقتصاد الأميركي. وتوضح الاقتراعات الحديثة من مركز بحث Pew ومجلس العلاقات الخارجية بأن النسبة المئوية للمستجوبين التي قالت إن على الولايات المتحدة الاهتمام بعملها دولياً، كانت قد ارتفعت جداً أكثر من أية مدة في خمسين سنة، ولم تعد التجارة شائعة كما هو معتاد، فقد أصبح الأميركيون أكثر شكاً بأن العولمة (التي هي التدفق الحر جداً للأفكار والمعلومات والناس والمال والبضائع والخدمات عبر الحدود) تعمل لمصلتحهم(8)، والمنتجات الرخيصة والأعمال ما زالت مستمرة لكثير من العمال في قطاع التصنيع الأميركي. ونضيف إلى تركيز البلد على الداخل غياب أي تهديد مفرد قابل للتشخيص بسهولة للأمن الأميركي الذي بوسعه حشد جزء واسع من العامة حول السياسة الخارجية الأكثر فعالية.
صفحة 5
وكانت الصين قد زادت من نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري في السنوات الأخيرة، ولاسيما في شرق آسيا وأن بعض المسؤولين الأميركيين سيعملون جاهدين لتشويه سمعة الصين وحكومتها حول ممارسات التبادل غير العادلة وانتهاك حقوق الإنسان وتهديد الأمن الفضائي والأخطاء المدركة الأخرى ولكن في الوقت الحاضر كان التزام الصين المعلن بالنهوض السلمي والاستعداد لتمويل معظم الدين الأميركي، والفرص التي تستمر الصين في توفيرها للشركات الأميركية قد جعل من الصعب وصف البلد الهائل السكان بالوغد على الأسلوب السوفياتي أو استحضار التهديدات على المقياس السوفياتي للنظام الدولي، ولم يهدد القادة الكبار للصين بدفن الولايات المتحدة، ولم يضعوا أحذيتهم على طاولة المفاوضات في الأمم المتحدة ولم يرنوا إلى وضع قاعدة صواريخ في كوبا.
وأصبح المقاتلون الإسلاميون العدو المراوغ، الأقل أهمية في السياسة الخارجية منذ أن قتل سنة2011 قائد القاعدة أسامة بن لادن الذي قوض الدعم العام لالتزام القوات المنتشرة في أفغانستان(9).
وبوسع الدول الفاشلة مثل اليمن والصومال خلق مرافئ الأمان الإرهابية التي جذبت انتباه المسؤولين الأميركيين، وأبدت بلدان مثل باكستان وإيران التحديات الأمنية الخاصة بها، وسوف تُجبر المشرعين الأميركيين للاعتماد على الضغط الاقتصادي والقسر الديبلوماسي لحل هذه المشاكل لأن العامة من الأميركيين فقدت صبرها مع التزامات القوات الجديدة في أفغانستان وأماكن أخرى.
وفي واقع الحال، فإن النسبة المئوية المتزايدة من الأميركيين ليست من الكبار جداً ليتذكروا الحرب الباردة ولم يستوعبوا الفكرة كما استوعبتها أجيال سابقة على أن أميركا تؤدي دوراً مميزاً وحتمياً في ترويج الديمقراطية وحفظ السلام.
وربما تثير الهجمات الإرهابية الأخرى على التربة الأميركية اهتمام العامة من الأميركيين بالسياسة الخارجية الجازمة ولكن ربما تفعل العكس بزيادة الطلب الشعبي للعلامة الجديدة للانعزالية.
وإذا كانت هذه أخباراً سيئة للسياسة الخارجية الأميركية، فإنها أسوأ لكثير من البلدان الأخرى، لأن أميركا كانت قد عملت لعقود موفراً أساسياً للبضائع العامة العولمية وكان الحضور الأمني الأميركي في أوروبا وآسيا قد بلور الثقة بالمنطقتين، على أن النزاعات والصراعات لا تحتاج إلى إثارة الحرب، فبوسع أوروبا الاستثمار في الوحدة الاقتصادية والسياسية لا بالماديات العسكرية، فحضور القوات الأميركية في شرق آسيا يطمئن الصين واليابان والكوريين، على أن اليابان لا تحتاج إلى جيش. وتحمي البحرية الأميركية الطرق التجارية المهمة، فواشنطن وحدها لا تتمكن من إيقاف الإكثار من الأسلحة الفتاكة في العالم، والعقدان السابقان هما شاهدان على ذلك، ولكن الولايات المتحدة كانت قد عملت أكثر من أي بلد آخر للإثبات بأن التطور النووي في دول مثل كوريا الشمالية وإيران له تكاليف ومخاطر عالية جداً تمنع دول الأسلحة النووية الأخرى من اتباع مثالها.
ولكن القلق العام المتزايد بشأن الديون الفيدرالية المتزايدة يؤكد لنا أن على الولايات المتحدة أن تكون حساسة أكثر في السنوات المقبلة لتكاليفها ومخاطرها عند صنع الخيارات المكلفة جداً، وداخل البلد سيُسلط الضغط على الرؤساء لإقناع دافعي الضرائب والمشرعين بأن بلورة استقرار بلدان مثل العراق أو أفغانستان جدير بالمخاطرة بالقتال الدموي المكلف.
وهذا يعني إيقاف الدعم للقوة العسكرية، وهو الموقف الشعبي الدائم من الضمانات الأمنية للبلدان التي لم تعد تفي بالتعريف الضيق للمصالح الأميركية الأساسية، نتيجة لذلك ستظهر الأسئلة في الخارج حول التزام أميركا بأمن مناطق معينة وسوف تقوم بعض الدول القوية باختبار العزم الأميركي وتستفيد من مواطن الضعف التي تعتقد بأنها وجدتها، والقليل من هؤلاء الذين اعتمدوا على القوة الأميركية يريدون رجل الشرطة العولمي ولكن معظمهم يفتقدون الحماية ضد الثور المجاور، وللبلدان الأخرى أيضاً سبب لتقييم الاقتصاد الأميركي القوي والمرن، وعبر كثير من العقود السابقة كان المستهلكون الأميركيون قد ساعدوا على النمو الكبير في كثير من البلدان النامية وعند قياس الأميركيين لإنفاقهم سيشعر العالم بكل هذا التأثير.
وقد وضح لنا التاريخ أنه ليست بالفكرة الجيدة أن نراهن ضد الولايات المتحدة وما زال هذا الأمر صحيحاً حيث ما زالت ثقافة الإبداع الأميركية وإيمانها بالمستقبل ومرونتها الاقتصادية وجامعاتها الكبيرة ذات تأثير أكبر، وأن التزامها بالأمن يضمن لنا بأنه حتى التخفيضات الحادة في الإنفاق على الدفاع لا تقوض الميزة العسكرية العولمية لواشنطن وسوف يستمر تقدمها الثقافي (وجذبها الثقافي) بالترجمة إلى كل اللغات العالمية.
وربما هذه المدة من الانتقال تسمح للولايات المتحدة ببناء مؤسستها المالية ومعاودة الظهور على المسرح الدولي بقوة جديدة ولكن لدى واشنطن كثير من العمل الذي عليها القيام به لاسترداد الثقة بالمؤسسة المالية للبلد واستمرار القوى الجديدة بمقاطعة الزعامة السياسية والاقتصادية لأميركا.
وأصبح المقاتلون الإسلاميون العدو المراوغ، الأقل أهمية في السياسة الخارجية منذ أن قتل سنة2011 قائد القاعدة أسامة بن لادن الذي قوض الدعم العام لالتزام القوات المنتشرة في أفغانستان(9).
وبوسع الدول الفاشلة مثل اليمن والصومال خلق مرافئ الأمان الإرهابية التي جذبت انتباه المسؤولين الأميركيين، وأبدت بلدان مثل باكستان وإيران التحديات الأمنية الخاصة بها، وسوف تُجبر المشرعين الأميركيين للاعتماد على الضغط الاقتصادي والقسر الديبلوماسي لحل هذه المشاكل لأن العامة من الأميركيين فقدت صبرها مع التزامات القوات الجديدة في أفغانستان وأماكن أخرى.
وفي واقع الحال، فإن النسبة المئوية المتزايدة من الأميركيين ليست من الكبار جداً ليتذكروا الحرب الباردة ولم يستوعبوا الفكرة كما استوعبتها أجيال سابقة على أن أميركا تؤدي دوراً مميزاً وحتمياً في ترويج الديمقراطية وحفظ السلام.
وربما تثير الهجمات الإرهابية الأخرى على التربة الأميركية اهتمام العامة من الأميركيين بالسياسة الخارجية الجازمة ولكن ربما تفعل العكس بزيادة الطلب الشعبي للعلامة الجديدة للانعزالية.
وإذا كانت هذه أخباراً سيئة للسياسة الخارجية الأميركية، فإنها أسوأ لكثير من البلدان الأخرى، لأن أميركا كانت قد عملت لعقود موفراً أساسياً للبضائع العامة العولمية وكان الحضور الأمني الأميركي في أوروبا وآسيا قد بلور الثقة بالمنطقتين، على أن النزاعات والصراعات لا تحتاج إلى إثارة الحرب، فبوسع أوروبا الاستثمار في الوحدة الاقتصادية والسياسية لا بالماديات العسكرية، فحضور القوات الأميركية في شرق آسيا يطمئن الصين واليابان والكوريين، على أن اليابان لا تحتاج إلى جيش. وتحمي البحرية الأميركية الطرق التجارية المهمة، فواشنطن وحدها لا تتمكن من إيقاف الإكثار من الأسلحة الفتاكة في العالم، والعقدان السابقان هما شاهدان على ذلك، ولكن الولايات المتحدة كانت قد عملت أكثر من أي بلد آخر للإثبات بأن التطور النووي في دول مثل كوريا الشمالية وإيران له تكاليف ومخاطر عالية جداً تمنع دول الأسلحة النووية الأخرى من اتباع مثالها.
ولكن القلق العام المتزايد بشأن الديون الفيدرالية المتزايدة يؤكد لنا أن على الولايات المتحدة أن تكون حساسة أكثر في السنوات المقبلة لتكاليفها ومخاطرها عند صنع الخيارات المكلفة جداً، وداخل البلد سيُسلط الضغط على الرؤساء لإقناع دافعي الضرائب والمشرعين بأن بلورة استقرار بلدان مثل العراق أو أفغانستان جدير بالمخاطرة بالقتال الدموي المكلف.
وهذا يعني إيقاف الدعم للقوة العسكرية، وهو الموقف الشعبي الدائم من الضمانات الأمنية للبلدان التي لم تعد تفي بالتعريف الضيق للمصالح الأميركية الأساسية، نتيجة لذلك ستظهر الأسئلة في الخارج حول التزام أميركا بأمن مناطق معينة وسوف تقوم بعض الدول القوية باختبار العزم الأميركي وتستفيد من مواطن الضعف التي تعتقد بأنها وجدتها، والقليل من هؤلاء الذين اعتمدوا على القوة الأميركية يريدون رجل الشرطة العولمي ولكن معظمهم يفتقدون الحماية ضد الثور المجاور، وللبلدان الأخرى أيضاً سبب لتقييم الاقتصاد الأميركي القوي والمرن، وعبر كثير من العقود السابقة كان المستهلكون الأميركيون قد ساعدوا على النمو الكبير في كثير من البلدان النامية وعند قياس الأميركيين لإنفاقهم سيشعر العالم بكل هذا التأثير.
وقد وضح لنا التاريخ أنه ليست بالفكرة الجيدة أن نراهن ضد الولايات المتحدة وما زال هذا الأمر صحيحاً حيث ما زالت ثقافة الإبداع الأميركية وإيمانها بالمستقبل ومرونتها الاقتصادية وجامعاتها الكبيرة ذات تأثير أكبر، وأن التزامها بالأمن يضمن لنا بأنه حتى التخفيضات الحادة في الإنفاق على الدفاع لا تقوض الميزة العسكرية العولمية لواشنطن وسوف يستمر تقدمها الثقافي (وجذبها الثقافي) بالترجمة إلى كل اللغات العالمية.
وربما هذه المدة من الانتقال تسمح للولايات المتحدة ببناء مؤسستها المالية ومعاودة الظهور على المسرح الدولي بقوة جديدة ولكن لدى واشنطن كثير من العمل الذي عليها القيام به لاسترداد الثقة بالمؤسسة المالية للبلد واستمرار القوى الجديدة بمقاطعة الزعامة السياسية والاقتصادية لأميركا.
صفحة 6
لا تنظر إلى أوروبا أو اليابان
إن جعل هذا العالم بلا قيادة ليس قصة أميركا المقلصة الحجم فهناك حاجة إلى سنين عديدة ليشغل أي بلد أو تحالف بلدان يمتلك الموارد والثقة بالنفس فراغ القيادة المتسع. ولأن الـG7 هي مفارقة تاريخية والـG20 هي طموح أكثر مما هي منظمة فقد أطلق بعضهم الـG3 على التحالف الذي يمكن أميركا وأوروبا واليابان من جمع مواردها لتحقيق الأهداف المشتركة؛ ولكن العقبات أمام الـG3 الفاعل أو أي شيء قريب منه هائلة، أولاً مع تدهور مفاوضات قمة المناخ في كوبنهاغن وظهور الأزمة المالية في الأفق كان مصير المحاولات في عالم اليوم الفشل في مواجهة التحديات من دون تعاون وتضحية فعالة من الصين والهند والبلدان الجديدة الأخرى، ثانياً يختلف الأميركيون والأوروبيون حول العدد المتزايد من القضايا المركزية، من تقييم العمل المتساوي داخل الناتو إلى كيفية تجديد الاقتصاد العولمي وتنظيم البنوك والسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
والأهم هو أن المشرعين الأوروبيين كانوا قد واجهوا سنوات من المساومة المرة لاسترجاع الثقة بالمنطقة الأوروبية بعد أزمات الائتمان في العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي وربما أن عملية الشفاء تسترجع قوة أوروبا من الداخل ولكن ستولد عدم الثقة والاستياء الكبيرين بين الحكومات الأوروبية على طول الطريق والخلاف الواضح جداً سوف يأتي من الصدامات حول السياسة والثقافة السياسية بين بلدان الاتحاد الأوروبي الجوهري مثل ألمانيا التي يجب أن تدفع الثمن لدعم المنطقة الأوروبية وما يسمى بالبلدان المحيطة بها مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا التي رفضت لسنوات العيش وفق وسائلها الخاصة.
وقد وضح وارين بوفيت تناقض الوحدة النقدية للاتحاد الأوروبي في مقابلة في آب/ أغسطس2011 مع سي إن بي أس قائلاً: إن هناك سبعة عشر من البلدان التي التحقت بالوحدة النقدية الأوروبية التي تخلت عن حق طبع عملتها الخاصة. . . وقد ارتبطت في ما بينها، وأعطى بعضها لبعض بطاقاتها الائتمانية وقالت: دعنا نخرج، وتصرف بعضها أفضل من الأخريات(10)، حيث كان هناك صراع داخل الاتحاد الأوروبي بين البلدان الأوروبية مثل ألمانيا الرامية إلى صوغ اليورو أو تلك (مثل بريطانيا) التي لا تريد أن تكون جزءاً منه (أي اليورو) .
وألمانيا مثال في هذا الصدد، حيث عاودت الأمة الظهور من الأزمة المالية مع إحدى أصح اقتصادات العالم وشكراً للتعرض المحدود للمراهنات الخطيرة للبنوك الأميركية والأوروبية الأخرى التي خلقت الأزمة التي تجاوزت بقية القارة، وكانت ألمانيا قد شهدت النمو وزيادة الأجور. وبقيت بطالتها منخفضة نسبياً وبقي فائض تبادلها أصح من أي بلد آخر في العالم باستثناء الصين، وكان على هذا النجاح أن يعرض لألمانيا دوراً عولمياً بارزاً أكبر ولكن من سوء حظ دافعي ضرائبها أن اقتصادات المنطقة الأوروبية الآن تعتمد على القوة الاقتصادية الألمانية للمساعدة على تمويل الإسعافات التي تحتاج إليها للبقاء عائمة، وبهذا المعنى كان لدى برلين الكثير من أوجه التشابه مع بكين أكثر مما مع واشنطن وكذلك أصبحت الثقافة السياسية لألمانيا أقل تعاطفاً من السنوات السابقة بكثير مع البلدان التي تنفق أكثر مما تأخذ. تتمعن في التعليقات الحديثة لوزير مالية ألمانيا فولفكانك شوبل الذي صرح بأنها لحقيقة راسخة على أن إنفاق الدولة المفرط كان قد أدى إلى مستويات غير دائمة للدين والعجز تهدد رفاهيتها الاقتصادية(11). ومن غير المدهش أن المسؤولين في حكومة المستشارة أنجيلا ميركيل قد حاولوا تهدئة دافعي الضرائب الألمان والشركاء الحاكمين بوعدهم بقول ما في كيفية إنفاق أموالهم وكانت برلين قد رفضت تقديم أي نقد للبيروقراطيين في بروكسل لاستخدامه بأفضل صورة كما اعتقدوا، وعوضاً عن ذلك فقد أصرت على مساعدة ألمانيا لتقرير عمليات الإصلاح داخل كل بلد يعاني مالياً.
كل شيء حسن حتى الآن، فأمم أوروبا المسرفة لن تشفى ما لم تعالج مسألة الإنفاق على الأجور الحكومية والتقاعد والرعاية الصحية والضرائب التي تفرضها هذه الحكومات على مواطنيها وشركاتها، والعناصر الأخرى للإصلاح المالي والصيرفي وسوف يضيف السياسيون المحليون التحفيز لشيطنة اتجاهات ألمانيا ما دامت إجراءات التقشف طويلة الأمد في البلدان المكفولة مالياً تفرض ضريبتها على المزاج العام، والزبدة هنا أنه بوسعنا توقع رؤية كثير من الصراع قريب الأمد الأكبر داخل الاتحاد الأوروبي والاستعداد الأقل في أوروبا لتبني التحديات الخارجية.
إن جعل هذا العالم بلا قيادة ليس قصة أميركا المقلصة الحجم فهناك حاجة إلى سنين عديدة ليشغل أي بلد أو تحالف بلدان يمتلك الموارد والثقة بالنفس فراغ القيادة المتسع. ولأن الـG7 هي مفارقة تاريخية والـG20 هي طموح أكثر مما هي منظمة فقد أطلق بعضهم الـG3 على التحالف الذي يمكن أميركا وأوروبا واليابان من جمع مواردها لتحقيق الأهداف المشتركة؛ ولكن العقبات أمام الـG3 الفاعل أو أي شيء قريب منه هائلة، أولاً مع تدهور مفاوضات قمة المناخ في كوبنهاغن وظهور الأزمة المالية في الأفق كان مصير المحاولات في عالم اليوم الفشل في مواجهة التحديات من دون تعاون وتضحية فعالة من الصين والهند والبلدان الجديدة الأخرى، ثانياً يختلف الأميركيون والأوروبيون حول العدد المتزايد من القضايا المركزية، من تقييم العمل المتساوي داخل الناتو إلى كيفية تجديد الاقتصاد العولمي وتنظيم البنوك والسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
والأهم هو أن المشرعين الأوروبيين كانوا قد واجهوا سنوات من المساومة المرة لاسترجاع الثقة بالمنطقة الأوروبية بعد أزمات الائتمان في العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي وربما أن عملية الشفاء تسترجع قوة أوروبا من الداخل ولكن ستولد عدم الثقة والاستياء الكبيرين بين الحكومات الأوروبية على طول الطريق والخلاف الواضح جداً سوف يأتي من الصدامات حول السياسة والثقافة السياسية بين بلدان الاتحاد الأوروبي الجوهري مثل ألمانيا التي يجب أن تدفع الثمن لدعم المنطقة الأوروبية وما يسمى بالبلدان المحيطة بها مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا التي رفضت لسنوات العيش وفق وسائلها الخاصة.
وقد وضح وارين بوفيت تناقض الوحدة النقدية للاتحاد الأوروبي في مقابلة في آب/ أغسطس2011 مع سي إن بي أس قائلاً: إن هناك سبعة عشر من البلدان التي التحقت بالوحدة النقدية الأوروبية التي تخلت عن حق طبع عملتها الخاصة. . . وقد ارتبطت في ما بينها، وأعطى بعضها لبعض بطاقاتها الائتمانية وقالت: دعنا نخرج، وتصرف بعضها أفضل من الأخريات(10)، حيث كان هناك صراع داخل الاتحاد الأوروبي بين البلدان الأوروبية مثل ألمانيا الرامية إلى صوغ اليورو أو تلك (مثل بريطانيا) التي لا تريد أن تكون جزءاً منه (أي اليورو) .
وألمانيا مثال في هذا الصدد، حيث عاودت الأمة الظهور من الأزمة المالية مع إحدى أصح اقتصادات العالم وشكراً للتعرض المحدود للمراهنات الخطيرة للبنوك الأميركية والأوروبية الأخرى التي خلقت الأزمة التي تجاوزت بقية القارة، وكانت ألمانيا قد شهدت النمو وزيادة الأجور. وبقيت بطالتها منخفضة نسبياً وبقي فائض تبادلها أصح من أي بلد آخر في العالم باستثناء الصين، وكان على هذا النجاح أن يعرض لألمانيا دوراً عولمياً بارزاً أكبر ولكن من سوء حظ دافعي ضرائبها أن اقتصادات المنطقة الأوروبية الآن تعتمد على القوة الاقتصادية الألمانية للمساعدة على تمويل الإسعافات التي تحتاج إليها للبقاء عائمة، وبهذا المعنى كان لدى برلين الكثير من أوجه التشابه مع بكين أكثر مما مع واشنطن وكذلك أصبحت الثقافة السياسية لألمانيا أقل تعاطفاً من السنوات السابقة بكثير مع البلدان التي تنفق أكثر مما تأخذ. تتمعن في التعليقات الحديثة لوزير مالية ألمانيا فولفكانك شوبل الذي صرح بأنها لحقيقة راسخة على أن إنفاق الدولة المفرط كان قد أدى إلى مستويات غير دائمة للدين والعجز تهدد رفاهيتها الاقتصادية(11). ومن غير المدهش أن المسؤولين في حكومة المستشارة أنجيلا ميركيل قد حاولوا تهدئة دافعي الضرائب الألمان والشركاء الحاكمين بوعدهم بقول ما في كيفية إنفاق أموالهم وكانت برلين قد رفضت تقديم أي نقد للبيروقراطيين في بروكسل لاستخدامه بأفضل صورة كما اعتقدوا، وعوضاً عن ذلك فقد أصرت على مساعدة ألمانيا لتقرير عمليات الإصلاح داخل كل بلد يعاني مالياً.
كل شيء حسن حتى الآن، فأمم أوروبا المسرفة لن تشفى ما لم تعالج مسألة الإنفاق على الأجور الحكومية والتقاعد والرعاية الصحية والضرائب التي تفرضها هذه الحكومات على مواطنيها وشركاتها، والعناصر الأخرى للإصلاح المالي والصيرفي وسوف يضيف السياسيون المحليون التحفيز لشيطنة اتجاهات ألمانيا ما دامت إجراءات التقشف طويلة الأمد في البلدان المكفولة مالياً تفرض ضريبتها على المزاج العام، والزبدة هنا أنه بوسعنا توقع رؤية كثير من الصراع قريب الأمد الأكبر داخل الاتحاد الأوروبي والاستعداد الأقل في أوروبا لتبني التحديات الخارجية.
صفحة 7
وسوف ينشغل الاتحاد الأوروبي بالمعارك على الحدود، وشكراً لاتفاقية شنڠن (Shengen) الموقعة سنة1985 والمجددة في السنتين1990 و1997 والتي لا يحتاج بموجبها المواطنون من الدول الأعضاء الأوروبية إلى جوازات عند انتقالهم من بلد عضو إلى آخر، والاتفاقية غير قابلة للجدال ما دام الأوروبيون الأصلاء هم الذين ينتقلون بلا جواز عبر الحدود، ولكن كل ذلك تغير لأن الاحتجاجات والعنف في شمال أفريقيا هددا أعداداً كبيرة من الناس الذين هربوا بالقوارب بسبب الاضطرابات.
وفي نيسان/ أبريل2011 تمكن أكثر من20 لاجئاً تونسياً من الوصول إلى جزيرة لامبيدوس الإيطالية وكانت إيطاليا قد طلبت من بعض الحكومات الأوروبية المشاركة في العبء وقبول بعض المهاجرين ولكن لا حياة لمن تنادي، وبسبب إحباطهم قام المسؤولون الإيطاليون بإصدار تراخيص الإقامة الموقتة للاجئين وتشجيعهم على الانتشار عبر أوروبا وكانت فرنسا قد اعترضت الكثير من المهاجرين وأرسلتهم إلى إيطاليا(12) وبدأ التوانسة بإضرابهم بسبب الجوع على الحدود الإيطالية الفرنسية، والآخرون شقوا طريقهم إلى باريس، وحينما حاولت السلطات الفرنسية ترحيلهم احتلوا مبنى مهجوراً وبدأوا بتسمية أنفسهم بالتجمع التونسي للأمبيدوس(13)، وكانت الأحزاب السياسية الأوروبية أقصى اليمين قد بددت المخاوف من أن فيضاناً من المهاجرين سوف يجتاح البلدان فقيرة النقد، واستجابة لذلك بدأ الاتحاد الأوروبي بدراسة إجراءات استرجاع السيطرة على الحدود في ظروف استثنائية، واليوم يخلق الاتحاد الأوروبي المتسع العقبات الجديدة للدخول، فإن حالات قتال كهذه تجعل أوروبا تتجه صوب الداخل للسنوات العديدة المقبلة.
لم يكن هناك الكثير من الزخم صوب سياسة الدفاع الأوروبي المشترك الحقيقية التي تمنح القارة نفوذاً دولياً أكبر حول القضايا الأمنية، حيث كانت ألمانيا قد حدت من قابلية إسقاط القوة في الخارج ورفضت بريطانيا الالتحاق وتمكن القليل من الدول الأوروبية من زيادة إنفاق الدفاع، حيث ستعمل فرنسا وبريطانيا وأعضاء حلف الناتو الآخرون في ظروف استثنائية كما فعلوا سنة2011 مانعين القائد الليبي معمر القذافي من ذبح أعداد كبيرة من شعبه، ولكن فرنسا وبريطانيا كانتا قد خفضتا إنفاق الدفاع إلى حد كبير لاسترداد صحة ميزانيتها الفيدرالية واليابان التي ما زالت أكبر ثالث اقتصاد عالمي لم تكن مستعدة لأداء الدور العولمي الأكثر من حيث المطاليب، وكانت اليابان (بعد افتراض تاريخها الأمبراطوري) مثل ألمانيا ممتنعة عن افتراض الحضور السياسي والعسكري الدولي الأكبر، ومثل الولايات المتحدة، فإن اليابان كانت تعاني مشاكل الدين الكبيرة الواجب حلها، وبقيت سياسات البلد لا وظيفية إلى حد كبير حتى بعد تمتع السياسة الخارجية الطموحة بالدعم الشعبي الأكبر، وفي أيلول/ سبتمبر2009 كسب الحزب الديمقراطي لليابان الانتخابات بصورة ساحقة أنهت عقوداً من حكم الحزب الواحد الذي يقوده الحزب الديمقراطي الليبرالي، ولكن عوضاً عن النظام ذي الحزبين بدت اليابان وكأنها نظام خال من الأحزاب، وقد وجد رئيس الوزراء الأول للحزب الديمقراطي الياباني يوكيو هاتوياما نفسه عاجزاً عن الإيفاء بوعود الحملة وأصبح منشغلاً بالفضيحة المالية وفي آب/ أغسطس2011 أصبح يوشيهيكو نودا رئيس وزراء اليابان السابع عشر في الـ22 سنة السابقة وهو السجل الآسيوي الحديث، ونضيف إلى ذلك المزيج المحبط لنضال الاقتصاد مع التنمية الضعيفة والنفقات العامة لمواجهة التأثيرات المدمرة للكوارث الطبيعية والنووية الحديثة واليابان الآن هي أقل ميلاً إلى قبول المسؤوليات الكبرى التي تقع وراء حدودها.
ولجيل كامل كانت القوى المستقرة قد عاملت العولمة كمباريات غربية، وكانت قد أملت أساساً بناء حجم القدر من خلال الترحيب بمئات ملايين المتبارين الجدد لطاولة البوكر، وكان هذا توقعاً جذاباً لهؤلاء الذين يصوغون القواعد وهؤلاء الذين يتوقعون بناء أعلى أكداس الفيشات (Chips) ، وبعد العمل بموجب مجموعة من التوجهات والمعايير والمؤسسات المصوغة والمسيسة من قبل حكوماتها المحلية، كانت الشركات متعددة الجنسيات الواقعة في الديمقراطية الصناعية المتقدمة قد التحقت بالمباريات مغوية داخل العالم النامي بالعمل الرخيص والمدخلات الرخيصة والبيئة النظامية الأقل إرهاقاً والزبائن الجدد، ولكن الطريق الغربي إلى العولمة يواجه اختباراً لا مثيل له لأن المتبارين الجدد يريدون أكثر من مجرد مقعد حول الطاولة، إنهم يريدون صنع القواعد الجديدة ويريدون إدارة مبارياتهم في البلدان المجاورة لهم، ولديهم القوة للقيام بذلك أقله في سباقهم المحلي للحصول على بعض ما يريدونه ولاسيما عندما يكونون مستعدين للوقوف للاتحاد معاً للمطالبة بما يريدون.
وفي نيسان/ أبريل2011 تمكن أكثر من20 لاجئاً تونسياً من الوصول إلى جزيرة لامبيدوس الإيطالية وكانت إيطاليا قد طلبت من بعض الحكومات الأوروبية المشاركة في العبء وقبول بعض المهاجرين ولكن لا حياة لمن تنادي، وبسبب إحباطهم قام المسؤولون الإيطاليون بإصدار تراخيص الإقامة الموقتة للاجئين وتشجيعهم على الانتشار عبر أوروبا وكانت فرنسا قد اعترضت الكثير من المهاجرين وأرسلتهم إلى إيطاليا(12) وبدأ التوانسة بإضرابهم بسبب الجوع على الحدود الإيطالية الفرنسية، والآخرون شقوا طريقهم إلى باريس، وحينما حاولت السلطات الفرنسية ترحيلهم احتلوا مبنى مهجوراً وبدأوا بتسمية أنفسهم بالتجمع التونسي للأمبيدوس(13)، وكانت الأحزاب السياسية الأوروبية أقصى اليمين قد بددت المخاوف من أن فيضاناً من المهاجرين سوف يجتاح البلدان فقيرة النقد، واستجابة لذلك بدأ الاتحاد الأوروبي بدراسة إجراءات استرجاع السيطرة على الحدود في ظروف استثنائية، واليوم يخلق الاتحاد الأوروبي المتسع العقبات الجديدة للدخول، فإن حالات قتال كهذه تجعل أوروبا تتجه صوب الداخل للسنوات العديدة المقبلة.
لم يكن هناك الكثير من الزخم صوب سياسة الدفاع الأوروبي المشترك الحقيقية التي تمنح القارة نفوذاً دولياً أكبر حول القضايا الأمنية، حيث كانت ألمانيا قد حدت من قابلية إسقاط القوة في الخارج ورفضت بريطانيا الالتحاق وتمكن القليل من الدول الأوروبية من زيادة إنفاق الدفاع، حيث ستعمل فرنسا وبريطانيا وأعضاء حلف الناتو الآخرون في ظروف استثنائية كما فعلوا سنة2011 مانعين القائد الليبي معمر القذافي من ذبح أعداد كبيرة من شعبه، ولكن فرنسا وبريطانيا كانتا قد خفضتا إنفاق الدفاع إلى حد كبير لاسترداد صحة ميزانيتها الفيدرالية واليابان التي ما زالت أكبر ثالث اقتصاد عالمي لم تكن مستعدة لأداء الدور العولمي الأكثر من حيث المطاليب، وكانت اليابان (بعد افتراض تاريخها الأمبراطوري) مثل ألمانيا ممتنعة عن افتراض الحضور السياسي والعسكري الدولي الأكبر، ومثل الولايات المتحدة، فإن اليابان كانت تعاني مشاكل الدين الكبيرة الواجب حلها، وبقيت سياسات البلد لا وظيفية إلى حد كبير حتى بعد تمتع السياسة الخارجية الطموحة بالدعم الشعبي الأكبر، وفي أيلول/ سبتمبر2009 كسب الحزب الديمقراطي لليابان الانتخابات بصورة ساحقة أنهت عقوداً من حكم الحزب الواحد الذي يقوده الحزب الديمقراطي الليبرالي، ولكن عوضاً عن النظام ذي الحزبين بدت اليابان وكأنها نظام خال من الأحزاب، وقد وجد رئيس الوزراء الأول للحزب الديمقراطي الياباني يوكيو هاتوياما نفسه عاجزاً عن الإيفاء بوعود الحملة وأصبح منشغلاً بالفضيحة المالية وفي آب/ أغسطس2011 أصبح يوشيهيكو نودا رئيس وزراء اليابان السابع عشر في الـ22 سنة السابقة وهو السجل الآسيوي الحديث، ونضيف إلى ذلك المزيج المحبط لنضال الاقتصاد مع التنمية الضعيفة والنفقات العامة لمواجهة التأثيرات المدمرة للكوارث الطبيعية والنووية الحديثة واليابان الآن هي أقل ميلاً إلى قبول المسؤوليات الكبرى التي تقع وراء حدودها.
ولجيل كامل كانت القوى المستقرة قد عاملت العولمة كمباريات غربية، وكانت قد أملت أساساً بناء حجم القدر من خلال الترحيب بمئات ملايين المتبارين الجدد لطاولة البوكر، وكان هذا توقعاً جذاباً لهؤلاء الذين يصوغون القواعد وهؤلاء الذين يتوقعون بناء أعلى أكداس الفيشات (Chips) ، وبعد العمل بموجب مجموعة من التوجهات والمعايير والمؤسسات المصوغة والمسيسة من قبل حكوماتها المحلية، كانت الشركات متعددة الجنسيات الواقعة في الديمقراطية الصناعية المتقدمة قد التحقت بالمباريات مغوية داخل العالم النامي بالعمل الرخيص والمدخلات الرخيصة والبيئة النظامية الأقل إرهاقاً والزبائن الجدد، ولكن الطريق الغربي إلى العولمة يواجه اختباراً لا مثيل له لأن المتبارين الجدد يريدون أكثر من مجرد مقعد حول الطاولة، إنهم يريدون صنع القواعد الجديدة ويريدون إدارة مبارياتهم في البلدان المجاورة لهم، ولديهم القوة للقيام بذلك أقله في سباقهم المحلي للحصول على بعض ما يريدونه ولاسيما عندما يكونون مستعدين للوقوف للاتحاد معاً للمطالبة بما يريدون.
صفحة 8
لا ترنو إلى القوى الجديدة
إذا كانت هوليوود قد صاغت علم السياسات الجغرافي، فإن البرازيل هي قائدة قضايا البيئة العولمية والهند قائدة القضايا حول الفقر العالمي والصين حول الطاقة النظيفة، فلكل واحدة منها خبرة عميقة ومصلحة راسخة في موضوع ما، وكلها تساعد العالم المحاصر على قطع أشواط طويلة للتقدم، ولكن المجموعة الصفرية هي ليست الفيلم الرائج لسنة معينة وأن هذه القوى والقوى الجديدة الأخرى لا تميل إلى المزايدة من أجل الحصة الكبرى من القيادة العولمية. لماذا؟
لأنها تواجه العديد من التحديات الهائلة داخل الوطن الأم في إدارة المراحل القادمة من التطور الاقتصادي وفي حماية شعبيتها السياسية المحلية وبالنسبة إلى بلدان السوق الجديدة فإن الجديد هو العمل بالنظام الكلي والطلبات التي يفرضها على الحكومات هي متنازعة مع تلك التي صاغتها الحكومات الأخرى في اجتماعات القمة الدولية مثل اجتماع كوبنهاغن.
ويبدو أن الصين كانت قد أدت على نحو ممتاز دور القوة العظمى العولمية الجديدة فتوسعها الاقتصادي البارز لمدة ثلاثة عقود ونفوذها الجغرافي السياسي الكبير وزياداتها الثابتة في الإنفاق على الدفاع، كلها أقنعت بعض المراقبين بتسميتها بـG2 وهو الترتيب الذي تلتحق به أميركا والصين بالقوى لتوحيد المتبارين الأساسيين والجدد في مزايدة طموحة لتبني المشاكل عبر الوطنية الملحة.
ولكن كما أخبر وين جيابو (Wen Jiaboo) الجمعية العامة للأمم المتحدة في خطابه في أيلول/ سبتمبر2010 قائلاً: إن «الصين ما زالت في المرحلة الأولية للاشتراكية وتبقى بلداً نامياً وهذه هي أوضاعنا القومية الأساسية.
هذه هي الصين الحقيقية(14) وبالنسبة إلى السنوات المقبلة فإن الصين سوف تستمر في التطور تحت قيادة الحكومة التي تؤمن بأن احتكار الحزب الحاكم للسلطة يعتمد على مستويات العيش العالمية والتجهيز المستمر للأعمال الجديدة، وبأن أجندة كهذه تخلق الحوافز الواضحة للصين لتجنب أنواع من التضحيات المطلوبة للقيادة الدولية».
والأكثر هو أن نمو الصين يبدو أقل تأثيراً عند الفحص الأدق، فإجراءات دخلها لكل شخص تذكرنا بأن المسؤولين السياسيين في بكين لهم الحق في تسمية الصين بالبلد النامي، إن هذا الأمر منح اليابان السابقة الفرصة لتصبح أكبر ثاني اقتصاد عالمي2010، ففي2010 قدر صندوق النقد الدولي GDP الصين لكل شخص مسوياً الفروق في القوة الشرائية عند7.519 دولاراً، وهذا جيد لترتيب94 في العالم، حوالى نصف الدخل لكل شخص في لتوانيا و2/1 في البرتغال(15).
والأكثر هو أن قادة الصين كانوا قد اعترفوا علناً بأن الإستراتيجية التي ولدت معدلات النمو الانفجاري للعقود الثلاثة المقبلة لا تتمكن من رفع الصين إلى المرحلة المقبلة من تطورها، وللتقدم فإن على الصين موازنة (مرة أخرى) إنتاجيتها بعيداً عن المراكز المدنية المزدهرة للساحل والاقتراب من المدن الجديدة في الأقاليم الوسطى والغربية للبلاد التي ستتطلب الاستثمار المكثف في البنية التحتية الجديدة على مقياس لم تشهده من قبل، وعلى الصين تغيير طريقة استهلاك البلد للطاقة لتجنب الضرر الكارثي لهوائها ومياهها والاعتماد المفرط على مستوردات النفط من الأماكن غير المستقرة سياسياً ومواصلة رفع مستوى اقتصادها في سلسلة القيمة مع استثمار لا مثيل له في تكنولوجيا معلومات الجيل الجديد والعلوم البايولوجية والهندسة البايولوجية ووسائل الطاقة البديلة، وهي مهمات شاقة للحكومة التي تبقى في شك عميق من تأثير الأنترنت.
وعلى الصين أيضاً إنشاء شبكة السلامة الاجتماعية الإقليمية الرسمية لشعبها البالغ1.34 بليون نسمة في بلد لا يحتوي حتى على شبكة واحدة كهذه. وفي الوقت نفسه ينبغي للحكومة إدارة التوقعات بين العمال لأجور أعلى أو تحسين مستوى المعيشة ومواجهة المخاطر والآلام التي تأتي مع عشرات ألوف الاحتجاجات العامة كل سنة من دون دعم الفوضى الاجتماعية المضادة للحكومة والمنظمة أيضاً، فالصين سوف تواصل توسيع حضورها الدولي لتطوير الروابط التجارية الجديدة التي تساعد بكين على إنجاز كل هذه الأهداف ولكن هذه ليست الحكومة التي ترغب في الأعباء العولمية الأثقل.
إذا كانت هوليوود قد صاغت علم السياسات الجغرافي، فإن البرازيل هي قائدة قضايا البيئة العولمية والهند قائدة القضايا حول الفقر العالمي والصين حول الطاقة النظيفة، فلكل واحدة منها خبرة عميقة ومصلحة راسخة في موضوع ما، وكلها تساعد العالم المحاصر على قطع أشواط طويلة للتقدم، ولكن المجموعة الصفرية هي ليست الفيلم الرائج لسنة معينة وأن هذه القوى والقوى الجديدة الأخرى لا تميل إلى المزايدة من أجل الحصة الكبرى من القيادة العولمية. لماذا؟
لأنها تواجه العديد من التحديات الهائلة داخل الوطن الأم في إدارة المراحل القادمة من التطور الاقتصادي وفي حماية شعبيتها السياسية المحلية وبالنسبة إلى بلدان السوق الجديدة فإن الجديد هو العمل بالنظام الكلي والطلبات التي يفرضها على الحكومات هي متنازعة مع تلك التي صاغتها الحكومات الأخرى في اجتماعات القمة الدولية مثل اجتماع كوبنهاغن.
ويبدو أن الصين كانت قد أدت على نحو ممتاز دور القوة العظمى العولمية الجديدة فتوسعها الاقتصادي البارز لمدة ثلاثة عقود ونفوذها الجغرافي السياسي الكبير وزياداتها الثابتة في الإنفاق على الدفاع، كلها أقنعت بعض المراقبين بتسميتها بـG2 وهو الترتيب الذي تلتحق به أميركا والصين بالقوى لتوحيد المتبارين الأساسيين والجدد في مزايدة طموحة لتبني المشاكل عبر الوطنية الملحة.
ولكن كما أخبر وين جيابو (Wen Jiaboo) الجمعية العامة للأمم المتحدة في خطابه في أيلول/ سبتمبر2010 قائلاً: إن «الصين ما زالت في المرحلة الأولية للاشتراكية وتبقى بلداً نامياً وهذه هي أوضاعنا القومية الأساسية.
هذه هي الصين الحقيقية(14) وبالنسبة إلى السنوات المقبلة فإن الصين سوف تستمر في التطور تحت قيادة الحكومة التي تؤمن بأن احتكار الحزب الحاكم للسلطة يعتمد على مستويات العيش العالمية والتجهيز المستمر للأعمال الجديدة، وبأن أجندة كهذه تخلق الحوافز الواضحة للصين لتجنب أنواع من التضحيات المطلوبة للقيادة الدولية».
والأكثر هو أن نمو الصين يبدو أقل تأثيراً عند الفحص الأدق، فإجراءات دخلها لكل شخص تذكرنا بأن المسؤولين السياسيين في بكين لهم الحق في تسمية الصين بالبلد النامي، إن هذا الأمر منح اليابان السابقة الفرصة لتصبح أكبر ثاني اقتصاد عالمي2010، ففي2010 قدر صندوق النقد الدولي GDP الصين لكل شخص مسوياً الفروق في القوة الشرائية عند7.519 دولاراً، وهذا جيد لترتيب94 في العالم، حوالى نصف الدخل لكل شخص في لتوانيا و2/1 في البرتغال(15).
والأكثر هو أن قادة الصين كانوا قد اعترفوا علناً بأن الإستراتيجية التي ولدت معدلات النمو الانفجاري للعقود الثلاثة المقبلة لا تتمكن من رفع الصين إلى المرحلة المقبلة من تطورها، وللتقدم فإن على الصين موازنة (مرة أخرى) إنتاجيتها بعيداً عن المراكز المدنية المزدهرة للساحل والاقتراب من المدن الجديدة في الأقاليم الوسطى والغربية للبلاد التي ستتطلب الاستثمار المكثف في البنية التحتية الجديدة على مقياس لم تشهده من قبل، وعلى الصين تغيير طريقة استهلاك البلد للطاقة لتجنب الضرر الكارثي لهوائها ومياهها والاعتماد المفرط على مستوردات النفط من الأماكن غير المستقرة سياسياً ومواصلة رفع مستوى اقتصادها في سلسلة القيمة مع استثمار لا مثيل له في تكنولوجيا معلومات الجيل الجديد والعلوم البايولوجية والهندسة البايولوجية ووسائل الطاقة البديلة، وهي مهمات شاقة للحكومة التي تبقى في شك عميق من تأثير الأنترنت.
وعلى الصين أيضاً إنشاء شبكة السلامة الاجتماعية الإقليمية الرسمية لشعبها البالغ1.34 بليون نسمة في بلد لا يحتوي حتى على شبكة واحدة كهذه. وفي الوقت نفسه ينبغي للحكومة إدارة التوقعات بين العمال لأجور أعلى أو تحسين مستوى المعيشة ومواجهة المخاطر والآلام التي تأتي مع عشرات ألوف الاحتجاجات العامة كل سنة من دون دعم الفوضى الاجتماعية المضادة للحكومة والمنظمة أيضاً، فالصين سوف تواصل توسيع حضورها الدولي لتطوير الروابط التجارية الجديدة التي تساعد بكين على إنجاز كل هذه الأهداف ولكن هذه ليست الحكومة التي ترغب في الأعباء العولمية الأثقل.
صفحة 9
وحقاً أصبحت القوة العسكرية للصين أقوى بكثير وحتى أكثر عدوانية في شرق آسيا في السنوات الأخيرة، ففي سنة2011 اتهمت الحكومات الفيتنامية والفيليبينية قوارب الدورية الصينية بإطلاق طلقات التحذير وحتى التهديد باختراق سفن اكتشاف الطاقة التي تعمل في الإقليم المتنازع عليه في بحر الصين الجنوبي، ويبدو أنه لا أحد يعرف من هو المخول هذه الأعمال داخل القيادة الصينية ولكن من الواضح تماماً أن القوى المسلحة داخل البلد تريد توسيع نفوذها الكبير ضمن بيروقراطية الحكومة واختبار مجالها الإقليمي للمناورة. وتعمل الصين على بناء بحرية الماء الأزرق القادرة على العمل بعيداً عن شواطئها ولدعم هذا المشروع فقد طرحت البلاد أولى ناقلة طائرات في آب/ أغسطس2011.
ولكن لا أحد يتوقع قيام هذا التطور بتحويل قابليات الصين العسكرية إلى مركز أفضل وهذه حالة فن واحدة، وكانت الـ Varyag المبنية في الاتحاد السوفياتي قد طرحت أولاً سنة1988 وبعد عشر سنوات اشترت الصين السفينة بمزاد بـ20 مليون دولار وأعلنت أنها سوف ترسو خارج ماكاو (Macau) وتخدم كفندق وكازينو، وعوضاً عن ذلك فقد تهيأت لتوفير الطائرات النفاثة المقاتلة الصينية، وتم اختبارها أولاً في صيف2011، وتدعى Varyag الآن بـShi Lang ولن تعدل ميزان القوى الآسيوي، والأكثر هو أن لبحرية الماء الأزرق استخدامات لا تهدد أمن أي أحد حيث على الحزب الشيوعي الصيني مواصلة خلق ملايين من الأعمال كل سنة، ولخلق تلك الأعمال إذاً، يجب أن ينمو الاقتصاد ولإنجاز ذلك النمو فإن الصين تحتاج إلى الوصول إلى النفط والغاز والمواد المعدنية والتكنولوجية المتقدمة من خارج البلاد، وبوسع بحرية الماء الأزرق المساعدة على حماية ذلك الوصول وربما تكون شريكاً يوماً ما مع السفن الأميركية للقيام بذلك.
وما وراء هذه الرسالة لا ينبغي على الصين تبني المخاطر والأعباء التي تأتي مع المسؤوليات الكبرى في الخارج؟، فالبحرية الأميركية تقوم بتفتيش الطرق التجارية الرئيسة وكانت قد ساعدت في السابق على تحديد مخاطر الصراع في كل منطقة من العالم، وكانت الصين قد أفادت من ذلك الالتزام، وبوسع بكين بالطبع تخصيص مبالغ كبيرة من المال للمشاركة في هذه المسؤولية ولكن ما الحافز الذي تمتلكه للقيام بذلك؟
إن المشكلة التي تواجه الصين والآخرين هي تحديد الولايات المتحدة وسائل حمل ذلك الوزن ويميل الأميركيون إلى الانسحاب من بعض التزاماتهم عبر البحار بصورة أسرع من الصينيين أو أية دولة أخرى بوسعها ملء ذلك الفراغ.
النتيجة الجوهرية: إن الاستنتاج من هذا الدليل بأن البلد يبني السياسة الخارجية الأكثر توسعية هو استنتاج مفاجئ، فالحروب ضد البلدان القوية الأخرى هي خطيرة وتوسعية للدولة التي تحتاج إلى إبقاء اقتصادها مستقراً مع القيام بإصلاحات اقتصادية طموحة مطلوبة للتحول إلى المرحلة المقبلة من التطور.
والمتبارون الجدد الآخرون هم ليسوا أكثر ميلاً من الصين إلى تبني الدور العولمي. وحكومة روسيا ميالة جداً إلى استرجاع العظمة الامبريالية لموسكو. ولإحراز تلك الغاية فقد اتخذ فلاديمير بوتن قرار الاستقلال التام عن البلدان الجارات لروسيا. ولكن كان على البلد تنويع قوته العسكرية إلى حد أكبر من تصدير النفط والغاز ومن دون النفوذ العسكري للاتحاد السوفياتي أو جذبها الأيديولوجي لمعظم العالم النامي فإن روسيا لاتتمكن من أداء مباريات حمل الاثقال خارج مجال نفوذها التقليدي. ومنذ استقلالها سنة1947، كانت الهند قد افتخرت بعدم استعدادها للاتحاد مع أي بلد آخر. وفي واقع الحال، فإن جواهر لال نهرو - رئيس الوزراء الأول للبلاد - كان قد رفض المقعد الدائم للهند في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة(16). وكان أخلافه أكثر تركيزاً على إدارة العلاقات مع الصين المتسعة والتهديد دائم التطور من باكستان أكثر مما على توسيع النفوذ الجيو سياسي للبلاد ما وراء الصين. والمهم هو أن أجزاء كبيرة من اقتصاد الهند المحلي بقيت موصدة أمام الاستثمار الأجنبي كبير المقياس محدداً رافعة البلد في السياسات الدولية.
وكانت الدول الجديدة مثل البرازيل وتركيا قد استعدت للإفادة من الفرص الجديدة لأداء الدور الديبلوماسي الأكثر بروزاً ولكن ضمن مناطقها الخاصة. مثلاً كانت البرازيل قد ساعدت على حل الصراعات بين فنزويلا وكولومبيا في حين استمرت تركيا كبطل لدعم قضية الدولة الفلسطينية. ولكن الوسائل المحدودة نسبياً والضغوط الداخلية ستضمن لكلتا الحكومتين الحصول على أهدافهما متى ما رفعت من مستوى ظهورها.
ولكن لا أحد يتوقع قيام هذا التطور بتحويل قابليات الصين العسكرية إلى مركز أفضل وهذه حالة فن واحدة، وكانت الـ Varyag المبنية في الاتحاد السوفياتي قد طرحت أولاً سنة1988 وبعد عشر سنوات اشترت الصين السفينة بمزاد بـ20 مليون دولار وأعلنت أنها سوف ترسو خارج ماكاو (Macau) وتخدم كفندق وكازينو، وعوضاً عن ذلك فقد تهيأت لتوفير الطائرات النفاثة المقاتلة الصينية، وتم اختبارها أولاً في صيف2011، وتدعى Varyag الآن بـShi Lang ولن تعدل ميزان القوى الآسيوي، والأكثر هو أن لبحرية الماء الأزرق استخدامات لا تهدد أمن أي أحد حيث على الحزب الشيوعي الصيني مواصلة خلق ملايين من الأعمال كل سنة، ولخلق تلك الأعمال إذاً، يجب أن ينمو الاقتصاد ولإنجاز ذلك النمو فإن الصين تحتاج إلى الوصول إلى النفط والغاز والمواد المعدنية والتكنولوجية المتقدمة من خارج البلاد، وبوسع بحرية الماء الأزرق المساعدة على حماية ذلك الوصول وربما تكون شريكاً يوماً ما مع السفن الأميركية للقيام بذلك.
وما وراء هذه الرسالة لا ينبغي على الصين تبني المخاطر والأعباء التي تأتي مع المسؤوليات الكبرى في الخارج؟، فالبحرية الأميركية تقوم بتفتيش الطرق التجارية الرئيسة وكانت قد ساعدت في السابق على تحديد مخاطر الصراع في كل منطقة من العالم، وكانت الصين قد أفادت من ذلك الالتزام، وبوسع بكين بالطبع تخصيص مبالغ كبيرة من المال للمشاركة في هذه المسؤولية ولكن ما الحافز الذي تمتلكه للقيام بذلك؟
إن المشكلة التي تواجه الصين والآخرين هي تحديد الولايات المتحدة وسائل حمل ذلك الوزن ويميل الأميركيون إلى الانسحاب من بعض التزاماتهم عبر البحار بصورة أسرع من الصينيين أو أية دولة أخرى بوسعها ملء ذلك الفراغ.
النتيجة الجوهرية: إن الاستنتاج من هذا الدليل بأن البلد يبني السياسة الخارجية الأكثر توسعية هو استنتاج مفاجئ، فالحروب ضد البلدان القوية الأخرى هي خطيرة وتوسعية للدولة التي تحتاج إلى إبقاء اقتصادها مستقراً مع القيام بإصلاحات اقتصادية طموحة مطلوبة للتحول إلى المرحلة المقبلة من التطور.
والمتبارون الجدد الآخرون هم ليسوا أكثر ميلاً من الصين إلى تبني الدور العولمي. وحكومة روسيا ميالة جداً إلى استرجاع العظمة الامبريالية لموسكو. ولإحراز تلك الغاية فقد اتخذ فلاديمير بوتن قرار الاستقلال التام عن البلدان الجارات لروسيا. ولكن كان على البلد تنويع قوته العسكرية إلى حد أكبر من تصدير النفط والغاز ومن دون النفوذ العسكري للاتحاد السوفياتي أو جذبها الأيديولوجي لمعظم العالم النامي فإن روسيا لاتتمكن من أداء مباريات حمل الاثقال خارج مجال نفوذها التقليدي. ومنذ استقلالها سنة1947، كانت الهند قد افتخرت بعدم استعدادها للاتحاد مع أي بلد آخر. وفي واقع الحال، فإن جواهر لال نهرو - رئيس الوزراء الأول للبلاد - كان قد رفض المقعد الدائم للهند في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة(16). وكان أخلافه أكثر تركيزاً على إدارة العلاقات مع الصين المتسعة والتهديد دائم التطور من باكستان أكثر مما على توسيع النفوذ الجيو سياسي للبلاد ما وراء الصين. والمهم هو أن أجزاء كبيرة من اقتصاد الهند المحلي بقيت موصدة أمام الاستثمار الأجنبي كبير المقياس محدداً رافعة البلد في السياسات الدولية.
وكانت الدول الجديدة مثل البرازيل وتركيا قد استعدت للإفادة من الفرص الجديدة لأداء الدور الديبلوماسي الأكثر بروزاً ولكن ضمن مناطقها الخاصة. مثلاً كانت البرازيل قد ساعدت على حل الصراعات بين فنزويلا وكولومبيا في حين استمرت تركيا كبطل لدعم قضية الدولة الفلسطينية. ولكن الوسائل المحدودة نسبياً والضغوط الداخلية ستضمن لكلتا الحكومتين الحصول على أهدافهما متى ما رفعت من مستوى ظهورها.
صفحة 10
لا توجد قوة بالأرقام
هل بوسع المؤسسات العولمية الرئيسة في العالم سد فراغ القيادة هذا؟ إن هذا غير محتمل في المستقبل القريب، فالجهود المنسقة لمخاطبة القضايا المتعلقة بالعلاقات بين الأمم والاقتصاد العولمي كانت تلك التي قامت بها الـG7 يوماً ما – القادة المنتخبون ووزراء مالية الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا - القوى الصناعية القيادية في العالم. وكانت ديمقراطيات السوق الحرة هذه قد وضعت (مع القيادة الأميركية) الأجندة منذ السبعينيات إلى أول عقد من القرن الجديد.
وكانت الأزمة المالية لسنة2008 قد وضعت حداً لذلك معجلة الانتقال الحتمي إلى النظام الجديد، النظام الذي احتضن الأهمية السياسية والاقتصادية المتنامية للقوى الجديدة مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا والسعودية، والإمارات العربية المتحدة وجنوب أفريقيا. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر2008، جاءت الـG20 لأن المسؤولين من19 بلداً بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي كانوا قد تجمعوا في واشنطن لإنقاذ الاقتصاد العولمي.
وكان بعضهم قد رحب بوصول الـ G20 كإنجاز عظيم وهو المنتدى الذي عكس في النهاية ليس توازن القوة الدولي الصحيح بل تنوعه الاجتماعي والثقافي أيضاً. وفي سنة2008 أعلن رئيس وزراء الهند مانموهان سنجلا: لقد أصبحت الـ G20 المنتدى المهم جداً الوحيد لمخاطبة قضايا العالم المالية والاقتصادية(17).
لقد برهن الواقع تعقيده الأكبر حيث تميل الـ G20 إلى القيام بتقدم مهم فقط عندما يشعر كل عضو بالتهديد بالمشكلة نفسها وفي اللحظة نفسها. وأنتجت لنا الـ G20 في قمتي واشنطن في تشرين الثاني/ نوفمبر2008 ولندن في نيسان/ أبريل2009 النتائج الإيجابية المتواضعة وذات اللغة الأكثر انسجاماً حتى عندما ألهمت الأزمة المالية الخوف من الذوبان الاقتصادي العولمي الوشيك.
وليس لغزاً: أن يكون اتفاق المتفاوضين العشرين على أي شيء مع تجاهل بيان المبادئ السامية والواضحة جداً، صعباً جداً، ويكون مستحيلاً عند عدم اشتراكهم في القيم السياسية والاقتصادية الأساسية، فهذا الأمر شبيه بتربية القطط مع حيوانات لا تحب القطط.
ولم يكن قادة الـ G20 بحاجة إلى مناقشة فضائل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الكلام ورأسمالية السوق الحرة.
وكانت أميركا وأوروبا واليابان قد أسست منذ زمن طويل هذه المبادئ الأساسية على الرغم من اختلافاتها حول القضايا الفردية. حيث تقدم الـ G20 تنوعاً واسعاً جداً من وجهات النظر حول هذه الموضوعات، وهناك تعارض تام بالطبع، بين مصالح القوى المستقرة والجديدة حول العالم. وهذه هي أحد أسباب تحول الـ G20 إلى ساحة للصراع مثلما هي منتدى للتعاون. وعبر السنوات القلائل المقبلة سيكون لقلة القيادة هذه مضامين بعيدة المدى لكل أقوى تحدياتها.
وهناك المؤسسات متعددة الجنسيات الأقدم والأكثر ألفة. حيث استيقظ النيويوركيون في صباح15/5/2011، على أخبار تفيد بأن دومنكيو شتراوس المدير الإداري لصندوق النقد الدولي كان قد أخرج من الطائرة بالقوة وألقي القبض عليه في مطار جون أف كنيدي متهماً بالاعتداء الجنسي على خادمة في فندق بمنهاتن. وفي الأيام اللاحقة، أعلنت الصحف الصغيرة للمدينة كل منعطف جديد في القضية على نحو هزلي وكلمات جنسية ذات مغزى فرنسي(18).
وجذب المسؤولون في بكين ونيودلهي والبرازيل وموسكو وبريتوريا الاهتمام بقضية ذات أهمية أكبر: هل كان سيستبدل صندوق النقد الدولي شتراوس بمدير أوروبي آخر في الوقت الذي ركزت وسائل الإعلام على ما حدث في سويت ذلك الفندق؟ أو ربما حان الوقت للقوى الجديدة لإنهاء الاحتكار الغربي لقيادة المؤسسة العالمية متعددة الجنسيات الأكثر نفوذاً في العالم؟
إن السهولة التي سوى بها مجلس الإدارة التنفيذي لصندوق النقد الدولي قضية وزير المالية الأسبق كريستين لاكارد كمدير جديد بعد ستة أسابيع تؤكد لنا حقيقة مهمة حول السياسات الدولية اليوم ومستقبلها قريب الأمد، فالقوى الجديدة هي على وشك جعل القوة الأميركية والأوروبية مهجورة مع أنها تمتلك النفوذ الأكبر مما اعتادت عليه من قبل. واختير لاكارد الأوروبي الحادي عشر لشغل المنصب منذ تمويل الصندوق سنة1945 (19) على الرغم من الوعود غير الرسمية من المسؤولين الأوروبيين عاليي المستوى عندما أنيط بشتراوس كان العمل سنة2007 ذلك أن رئيس صندوق النقد الدولي القادم سيكون الأول من خارج أوروبا.
هل بوسع المؤسسات العولمية الرئيسة في العالم سد فراغ القيادة هذا؟ إن هذا غير محتمل في المستقبل القريب، فالجهود المنسقة لمخاطبة القضايا المتعلقة بالعلاقات بين الأمم والاقتصاد العولمي كانت تلك التي قامت بها الـG7 يوماً ما – القادة المنتخبون ووزراء مالية الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا - القوى الصناعية القيادية في العالم. وكانت ديمقراطيات السوق الحرة هذه قد وضعت (مع القيادة الأميركية) الأجندة منذ السبعينيات إلى أول عقد من القرن الجديد.
وكانت الأزمة المالية لسنة2008 قد وضعت حداً لذلك معجلة الانتقال الحتمي إلى النظام الجديد، النظام الذي احتضن الأهمية السياسية والاقتصادية المتنامية للقوى الجديدة مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا والسعودية، والإمارات العربية المتحدة وجنوب أفريقيا. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر2008، جاءت الـG20 لأن المسؤولين من19 بلداً بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي كانوا قد تجمعوا في واشنطن لإنقاذ الاقتصاد العولمي.
وكان بعضهم قد رحب بوصول الـ G20 كإنجاز عظيم وهو المنتدى الذي عكس في النهاية ليس توازن القوة الدولي الصحيح بل تنوعه الاجتماعي والثقافي أيضاً. وفي سنة2008 أعلن رئيس وزراء الهند مانموهان سنجلا: لقد أصبحت الـ G20 المنتدى المهم جداً الوحيد لمخاطبة قضايا العالم المالية والاقتصادية(17).
لقد برهن الواقع تعقيده الأكبر حيث تميل الـ G20 إلى القيام بتقدم مهم فقط عندما يشعر كل عضو بالتهديد بالمشكلة نفسها وفي اللحظة نفسها. وأنتجت لنا الـ G20 في قمتي واشنطن في تشرين الثاني/ نوفمبر2008 ولندن في نيسان/ أبريل2009 النتائج الإيجابية المتواضعة وذات اللغة الأكثر انسجاماً حتى عندما ألهمت الأزمة المالية الخوف من الذوبان الاقتصادي العولمي الوشيك.
وليس لغزاً: أن يكون اتفاق المتفاوضين العشرين على أي شيء مع تجاهل بيان المبادئ السامية والواضحة جداً، صعباً جداً، ويكون مستحيلاً عند عدم اشتراكهم في القيم السياسية والاقتصادية الأساسية، فهذا الأمر شبيه بتربية القطط مع حيوانات لا تحب القطط.
ولم يكن قادة الـ G20 بحاجة إلى مناقشة فضائل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الكلام ورأسمالية السوق الحرة.
وكانت أميركا وأوروبا واليابان قد أسست منذ زمن طويل هذه المبادئ الأساسية على الرغم من اختلافاتها حول القضايا الفردية. حيث تقدم الـ G20 تنوعاً واسعاً جداً من وجهات النظر حول هذه الموضوعات، وهناك تعارض تام بالطبع، بين مصالح القوى المستقرة والجديدة حول العالم. وهذه هي أحد أسباب تحول الـ G20 إلى ساحة للصراع مثلما هي منتدى للتعاون. وعبر السنوات القلائل المقبلة سيكون لقلة القيادة هذه مضامين بعيدة المدى لكل أقوى تحدياتها.
وهناك المؤسسات متعددة الجنسيات الأقدم والأكثر ألفة. حيث استيقظ النيويوركيون في صباح15/5/2011، على أخبار تفيد بأن دومنكيو شتراوس المدير الإداري لصندوق النقد الدولي كان قد أخرج من الطائرة بالقوة وألقي القبض عليه في مطار جون أف كنيدي متهماً بالاعتداء الجنسي على خادمة في فندق بمنهاتن. وفي الأيام اللاحقة، أعلنت الصحف الصغيرة للمدينة كل منعطف جديد في القضية على نحو هزلي وكلمات جنسية ذات مغزى فرنسي(18).
وجذب المسؤولون في بكين ونيودلهي والبرازيل وموسكو وبريتوريا الاهتمام بقضية ذات أهمية أكبر: هل كان سيستبدل صندوق النقد الدولي شتراوس بمدير أوروبي آخر في الوقت الذي ركزت وسائل الإعلام على ما حدث في سويت ذلك الفندق؟ أو ربما حان الوقت للقوى الجديدة لإنهاء الاحتكار الغربي لقيادة المؤسسة العالمية متعددة الجنسيات الأكثر نفوذاً في العالم؟
إن السهولة التي سوى بها مجلس الإدارة التنفيذي لصندوق النقد الدولي قضية وزير المالية الأسبق كريستين لاكارد كمدير جديد بعد ستة أسابيع تؤكد لنا حقيقة مهمة حول السياسات الدولية اليوم ومستقبلها قريب الأمد، فالقوى الجديدة هي على وشك جعل القوة الأميركية والأوروبية مهجورة مع أنها تمتلك النفوذ الأكبر مما اعتادت عليه من قبل. واختير لاكارد الأوروبي الحادي عشر لشغل المنصب منذ تمويل الصندوق سنة1945 (19) على الرغم من الوعود غير الرسمية من المسؤولين الأوروبيين عاليي المستوى عندما أنيط بشتراوس كان العمل سنة2007 ذلك أن رئيس صندوق النقد الدولي القادم سيكون الأول من خارج أوروبا.