صفحة 1
شهوة الغائب عن ملكه
أُقبل عليها في هيئة الخارج منها·
ذلك أنهم ينسبون الإبداع غالباً إلى أفعال جليلة، سامية، فيبدو بعيداً، على منصة عالية، أقرب لأن يقع علينا من أن يصدر عنا· كما يجعلونه لا يتوجه إلينا، بل إلى الخلود في أبعد تقدير؛ أو يتوجه فيه المبدع إلى قرينه في أدنى تقدير· هكذا نغيب من المشهد، باقين في عتمة مقيمة· وفي ذلك يعرِّفون الإبداع انطلاقاً من وجه من وجوهه، أو يعاملون ما يصبو إليه على أنه واقعه الأكيد؛ ويبعدون الإبداع في ذلك عما ينطلق منه، ويقوم عليه، وهو أنه نوع من اللعب، وإن بمواد جليلة أو سامية· فما اللعب هذا؟
ما يخفى علينا، أو لا ننتبه إليه، هو أن المبدع يتسلى فيما يعمل، يلهو فيما يكد· يعبث بالموجودات فيما يفكر فيها· ينأى بالواقع إلى خلافه، إلى تخيل غيره، إلى طرحه في صورة مغايرة· بل يبدو الإبداع لعباً أكيداً في فعله نفسه، في عملياته الإنتاجية، إذ يتلهى التشكيلي بألوانه، والشاعر بمواد اللغة، ويريد هذا وذاك من التلهي فعلاً يتحقق في الممارسة نفسها، قبل التوجه إلى متلق أو قارىء·
هذا ما أقع عليه في صورة أكيدة ومباشرة في ألعاب التمثيل نفسها، على اختلافها، حيث يُقدم هذا على أداء دور ليس له في الواقع، بل يضع نفسه في أوضاع مشينة أو مضحكة، لا لشيء غير المتعة والتسلية، وقبل إسداء النصح أو الوعظ أو التوجيه· وهو ما يتبين في أفعال الغناء، على تنوعها، إذ أنها تستدعي وتثير الطرب، كما تقول العربية، والذي يعني حسب أقدم القواميس العربية ذهاب الحزن
وهو ما تفعله ممارسات إبداعية أخرى، أكثر جدية من غيرها، مثل الشعر، الذي يقوم في فعله الإنتاجي على تناول مختلف للكلمات والأوضاع والتراكيب· وهو اختلاف لا يبتعد في أساسه عن تبديل ما هو معمول به، أي عن التلهي به، ووضع الكلمات بما يحمل المباغتة ويثير الدهشة·
هذا ما يمكن التماسه في أفعال أخرى غير الإبداع نفسه، في ألعاب التسلية الاجتماعية نفسها، التي يقدم عليها هذا وذاك في السهرات والحفلات، حيث يرسم الكلام، سواء أكان في النكات أو في لعبة الأسئلة والأجوبة، حواراً وعلاقات يلتهون بها، لأنها تضعهم في أوضاع مفاجئة، مسلية ولاهية، وغير مكلفة كذلك·
فالإبداع نوع من اللعب الأكيد، إذ يضعنا أمام احتمالات مغايرة ومفاجئة، عدا أنه يولد مفارقات يمكن أن ترينا ما يمكن أن يتبدل، كأن يصبح الغني فقيراً، والحاكم العابس أضحوكة في نظر كثيرين· وهو في ذلك يرينا إمكان عالم آخر، مختلف، من دون كلفة أو جهد أو معاناة· بل يوفر لنا أكثر من ذلك، وهو إمكان التلهي بكل ما أُلزمنا به فوق الأرض من معطيات ومحددات·
لهذا فإن الإبداع الذي يدوم ويبقى في وجداننا، ويستثير فينا ملكة الانفعال الجمالي في كل مرة، هو الإبداع الذي يرتهن إلى مقادير واسعة من اللعب، والذي يعيدنا إلى أوضاع الطفولة اللاهية التي نرى فيها أنفسنا على أهبة بناء الحياة من جديد، في ألعاب نتسلى بها بقدر ما نظهر فيها جديين·
صفحة 2
حاسوبي بيتي
أُقبل عليها في صحبة حاسوبي، فيما يتحدث أحدهم عن الأدب بوصفه وطنه الآخر، وأقرأ لآخر أن الشعر حديقته السرية، وتفيد عبارة ثالثة أن الكاتب ينصرف في الكتابة إلى برجه العاجي، ورابع يصرح بأن اللغة منفاه الذي يستعيد فيه وطنه المفقود، وغيرهم كثيرون ممن وجدوا في الكتابة عالماً بديلاً عن العالم على أنه منه وفيه·
وهو ما أميل إليه بدوري، على أن حاسوبي هو بيتي الآخر، بعد أن وجدت نفسي، في غير مرة، أنقاد إلى إضاءة شاشته الألكترونية مثل من يهرب من إعصار مفاجىء، من إحباط مقيم· وتكون الكتابة في ذلك تعويضاً عما لا أفوز به في الخارج، في الواقع؛ بل أكون في ذلك أطلب إقامة في عالم متخيل، مخترع، أشبه بتخدير لا يلبث أن يتبدد مفعوله السحري·
إلا أن هذا الشعور ظاهري، لا يفيد فعلاً عن حقيقته، عن واقعه، عن دوافعه، بعد أن تحققت من أن فعل الكتابة فوق الشاشة المضيئة يتعدى اللجوء، أو التخفي، أو التلطي، بل ينبىء عن عكسه واقعاً· فما تُقدم عليه الكتابة فوق بياض الرغبة، المفتوح والمتجدد بمجرد الطلب عليه، لا يقوم على الاحتماء في علبة الحاسوب وإنما على تفجير احتمالات مخبوءة، وتركيب حالات مستبعدة، وتجريب الكتابة بما ينافي جاريها الذي اعتادته وانساقت إليه· أي أن الكتابة تنصب فوق خشبة مرتجلة، وقابلة للتبدل السريع، مسرحيةً لشخوص قد يتبادلون أدوارهم، فلا يقف هذا أو ذاك فوق الخشبة وقفة الخطيب في حفل، وإنما يتوزعون حواراً هو قيد الجدل والتخاصم والتجدد·
فاللجوء إلى الشاشة البيضاء يعوض طبعاً عن صراخ لا أقوى على فعله في الشارع أحياناً، وعن كلام لا أستطيع قوله في منتدى أو مع سائق أجرة· إلا أنه غير ذلك عند بعضهم الآخر ممن طلبوا منها شيئاً يتعدى أن يكون بدلاً عن ضائع· فالاحتماء بين جدران الشاشة الوهمية قد لا يعني تلطياً لقول الممنوع، بل القيام بلعبة أخرى تتعدى المسموح والممنوع· فأية لعبة هذه؟
جرى التعامل مع الكتابة، خاصة في مجتمعات مقموعة ومنساقة إلى السكوت والطاعة، على أنها قول الممنوع، فيما هي غير ذلك أيضاً· فالكتابة تصرح طبعاً وتغيِّب كذلك· وهي تسمح ولا تسمح· تصادر القول أو تسكت عما يمكن قوله، وعما يجب قوله· وفي ذلك تستجيب الكتابة لبعض دورها، وهي أنها ليست عمياء عما يجري حولها وفيها، إلا أنها لا تكتفي بذلك، إذ أنها في ذلك تكون بدلاً وحسب عن السياسة· وفي ذلك تعمل أحزاب وإيديولوجيات ومعارضات، وتريد من ذلك التعويض عما لا تقوى على فعله فوق أرض الوقائع·
الكتابة هي غير ذلك، إذ أنها تكون في ذلك تبخس دورها· والدليل على ذلك هو أن الكثير من الكتابة هذه يفقد فعاليته بمجرد قوله، بمجرد التلفظ به· وهو ما يمكن الانتباه إليه في عدد كبير من الكتابات التي تقيدت كثيراً بمناسبات، بظروف، بصراعات، من دون أن تتكلم عن الإنسان في إجماله، وهو ما تتطلع إليه الكتابة في تطلعها الأسمى والأبعد·
فالكتابة تنشىء لكلامها بيتاً، بل وجوداً يتعدى الوجود الماثل لهذا وذاك· وهي في ذلك تضطلع بالإنسان، لا ببعضه، ولا بظرفه الضيق· وهي تتكفل به كذلك على أنه احتمال للإنسانية، لا الانقلاب من حال إلى أخرى: تعنى في ذلك بالإنسان، لا بسياسته وحسب، وتنصرف إلى ضيقه الكياني، وترسم ما يمكن أن يكون عليه·
فالكتابة شاشة حاسوب، ضوء احتمالي قد يرقى إلى الفعل·
صفحة 3
عوليس يعود مختلفاً
أجدني أقرب إلى عوليس مني إلى بينيلوب، في إقبالي على الكتابة، في وفائي لها، وإن إثر غربات متعددة ومتجددة: عوليس يعود إلى زوجته الصابرة، ولكن بعد هجرات وأسفار ومغامرات لن يسلم من تأثراتها وتغيراتها؛ أما بينيلوب فتبقى جالسة أمام نولها، تعمل عليه من دون أن تنتهي من الحياكة· تَكرُّها وتبدأ من جديد··· إلى أن يعود عوليس أخيراً، فتضع اللمسة الأخيرة على نولها، وتنهي حوك النسيج بعد سنوات وسنوات· هو يأتي بين الوفاء والتجدد، فيما تأسر، هي، الزمن، وتوقفه عند واقعة بعينها تريدها أن تكون المعنى الوحيد والأكيد لعملها، ولحياتها·
أُقبل على الكتابة إقبال الحبيب على حبيبة واحدة، لا على اثنتين في الوقت عينه· هذا أقل الوفاء، وهذا أعلى الحب من دون شك· ذلك أنني لا أحسن الانصراف إلى الترجمة وأنا منهمك في كتابة بحث، ولا إلى كتابة في التاريخ الفني وأنا منغمس في تخويض الشعر وتقليبه على معانيه· مثل هذا التعدد يقلق البعض، لا يقلقني، أو ما عاد يقلقني بالأحرى، بعد أن وجدت سبيلاً إلى القبول، إلى الاعتياد عليه، إلى الاعتقاد بأنه نعمة، لا نقمة· إلا أن الأمر لم يخلُ من مصاعب، ولا يزال، طالما أنني لا أستطيع توجيه كتابتي، ولا سَوْقَها بقدرة ساحرة· عدا أن الكتابة سباحة في ماء، لا تقوم فيها حدود بينة أو أكيدة، فضلاً عن أن وسائل التعبير تلتقي حيث لا نتوقعها· فكيف أوزع نفسي في نفوس كثيرة، وهذه الأنا تسبقني إلى حيث تريد أو تميل بالأحرى!
هذا يعني التعدد في اجتماع الكتابة، في حاصلها، لكنه لا يعنيه في ممارسة الكتابة، في ممارسة نوع منها· إذ أن الانصراف التام إليها هو ما يفعله الكاتب، وهو ما يطلبه، وإن كان لا يحصله في أحيان كثيرة· طالما أن الترجمة، وإن عنت الأمانة في نقلها، تستدعي في عملياتها الكتابية شيئاً من التأليف· وهذا ما يمكن قوله في الشعر نفسه، إذ أن كتابته، حين تنفتح على مصادر وأساليب متنوعة، تجد في هذا التفلت ما يربكها، ما يجعلها تقتصد، باحثة عما يجعلها تسير فوق خيط دقيق، بين النثر والشعر، من دون أن تسلم من ميل إلى هذا على حساب ذاك، وبالعكس·
وأنا في ذلك أقرب إلى عوليس، كما قلت، إذ أنني أعود مثله من هجرات ومغامرات إلى بيتي، إلى كتابتي، على أن لي بيوتاً كثيرة في البيت الواحد، وأتنقل واقعاً من غرفة إلى أخرى· أعود في كل مرة مختلفاً، وإن أبدو بشهوة الغائب عن ملكه· الغائب يعود مختلفاً، وإن تحركه شهوة الاستعادة، استعادة ما كان عليه، ما سبق له أن توقف عنده، كما لو أنه يستعيده أو يباشره للمرة الأولى·
أعرفُ، بل أُقر بأن في ذلك مقادير كبيرة من الهجرات، من الخيانات، من العودات التائبة أو الفاجرة· وأدرك كذلك أن الرغبات في الكتابة مختلفة، متفاوتة، وإن تؤدي في نهاية المطاف إلى إبقاء الجذوة مشتعلة· فالشعر يبقى بين غيره من هذه الرغبات الشهوة الأبقى، والتي تثير في الجسد وتستنهض قواه الأبعد والأعمق، حيث يتقدم الشاعر فوق خيط دقيق، أقرب إلى المُرَوْبِص، مثلما كتبت ذات يوم، بين الظن والحقيقة·
أجدني أقرب إلى عوليس، وإن كنت أمدح بينيلوب في الظاهر· أقرب إلى نفسي التي أستقصيها في السفر، في الابتعاد، لا في القربى الأليفة التي تخفي أكثر مما تظهر، والتي تراكم أكثر مما تجلو· أستقصيها في الشعر الذي يقربني من نفسي، إذ يواقعني ويخادعني، فأبدو مخاتلاً أكثر مني مصمماً، ومراهناً أكثر مني صادحاً بالأقوال الأكيدة· هذه المخاتلة يوفرها الشعر وحده، فيبدو في خفته شديد الجدية، وفي لعبه جسيماً، وفي سفره أكثر إقامة في جسد الكائن، في جسد الكون، بوصفه بيت الرغبة·
صفحة 4
يدي مبلولة
أُقبل مقتنعاً بما قاله لي صانع تقليدي في فاس، وهو أنه يحتاج دوماً إلى أن تكون يده مبلولة بالماء؛ أي أن لا ينفك عن العمل يوماً بعد يوم، مثل طفل مع طينته، أو خباز مع عجينه·
أُقبل من دون دعوة على طاولة الكتابة، على أن لي دعوة مفتوحة معها، تسمح لي بالمجيء ساعة أشاء، ولا تني تجدد وليمتها بمجرد أن أنصرف إلى أحد مقاعدها، بل إلى مقعدي الذي يبقى دافئاً، في انتظاري·
هذا ما أكتبه عن الكتابة· هذا ما أتمناه لي معها· وهو أن تكون في متناولي، في عهدتي، بتصرفي، تصرفِ القادر والواثق والذي يحسن العفو عند المقدرة هذا ما أحلم به معها، وهو أن تكون لي أمينة وعلى أهبة، مثل عداء قبل الصفارة الأخيرة· وأن تكون لي معها الخفة التي لبهلوان فوق خيطه الدقيق بين بنايتين شاهقتين وبعيدتين·
هذا ما أكتبه، لا ما أشعر به· ولا شيء يخفف من حدة الفارق هذا، إذ أن ما يربكني يقع في بداية الفعل، لا في وسطه، ولا في نهاية الحبل الواصل بين ريبتي ووصولي· ذلك أن فعل الإقدام نفسه يربكني، فعلَ الإقبال نفسه على هذه المهمة التي لم يكلفني أحد بها، ولم يتعهد لي أحد بأنه سيكون في عداد مستقبليها· وهو فعل تسبقني إليه عوامل التردد والتساؤل والخشية، من دون أن أنعم بما للممثل من عوامل مشجعة، ومقوية بالأحرى: الممثل يروح ويجيء في غرفة الانتظار، إلا أن بين يديه أو على شفاهه ما له أن يقوله، وإن يقوله بتردد وخشية وتلعثم، فضلاً عن أنه ينعم (في المسرح الكلاسيكي) بـملقن، على مقربة منه، يسبقه إلى تلفظ حوارات المسرحية·
طبعاً، ذلك أن خروجي إلى الكتابة فعل فردي بامتياز، لا تخفف من مفاعيله لعبةٌ مسرحية تسمح بالتلطي والتخفي والازدواج، بل بالتهرب منها عند الضرورة· فعلٌ علني، شفاف، تتنازعني فيه رغبات ورغبات، لي أن أجملها في أنني أرغب في قولِ أخصِّ ما عندي: فكيف أكون نفسي فيما أنا أتوجه إلى غيري؟ أو بإمكاني صياغة السؤال في صيغة أخرى: كيف أتوجه إلى غيري فيما أطمع في أن أكون لنفسي بالكتابة وفيها؟
أعرف أن عديدين سبقوني إلى الإجابة عن هذا السؤال بأقوال تفيد عن علاقة الخاص بالعام، والفردي بالاجتماعي، وغير ذلك من الأجوبة المتحذلقة والفارغة في آن· وهي أجوبة أشيح النظر عنها، ولا أصيخ السمع إليها، طالما أنها لا تتبين حقيقة الاعتمالات التي تصيب الكاتب في الكتابة· اعتمالاتٌ تصيبه كما تصيبها، على أن العلاقة بينه وبينها تشبه علاقة الكواليس بخشبة المسرح: الأبواب مفتوحة بينهما، تتبادل الحوار وتناقلَ الأدوار، فلا تخدم هذه تلك، أو تهيء لها الخشبة، بل يحدث العكس أيضاً، في لعبة خافية حتى على الكاتب نفسه· ذلك أنه، في هذا كله، ناطق فردي وناقل حوار، متكلم وخشبة، ذات وميدان، صوت ورجع أصداء· لهذا يحلو لي الحديث عن الكتابة بوصفها لعبة، بمعنييها اللاهي والجسيم، وفي آن· لعبة يكون فيها الكاتب لاعباً وساحة لعب···
هذا ما أقوله وقد لا يجد فيه كاتبون عديدون صورتهم، أو ما يناسبهم عن الكتابة وعن أنفسهم· هذا كلام يلزمني على الأقل، وأجد فيه مبتغى الكتابة، وسلواي فيها: أن تكون لي ويقرأها غيري· أن أطرحها على نفسي عبر الصفحات لأتبينها، فيما يتنبه غيري إليها على أنها تومىء إليه، وتتوجه إليه وإن بخفر أو بإمالات للكلام وحسب·
كتابة فيها جلبة، وفيها صوتي· أحدهم يسمعها على أنها له وحده، بل قد يتبناها ويتوجه بها إلى غيره على أنها من كلامه المخصوص·
صفحة 5
نميمة إلكترونية
النَّم: التَّوريش والإغراء ورفعُ الحديث على وجه الإشاعة والإفساد، وقيل: تزيينُ الكلام بالكذب (···)· النَّمّام معناه في كلام العرب الذي لا يُمسك الأحاديث ولم يحفظها (···)· وقد تكرر في الحديث ذكر النميمة، وهو نقلُ الحديث من قوم إلى قوم على وجه الإفساد والشر· ونم الحديثَ: نقله· ونمَّ الحديثُ: إذا ظهر (···)، والنميمة: صوتُ الكتابة والكتابةُ، وقيل: هو وسواس همسِ الكلام (···)· والنميمة: الهمس والحركة (···)· ونمنمت الريحُ التراب: خطَّتْه وتركت عليه أثراً شبه الكتابة (···)· والنمنمة خطوط متقاربة قصار (···)، ولكل وشيٍ نمنمةٌ· وكتابٌ منمنمٌ: منقَّش· ونمنم الشيءَ نمنمةً أي رقَّشه وزخرفه
(ابن منظور: لسان العرب، مدخل: ن م م)·
من فضلك هل بإمكانك أن تقول لي: إذا انطلقتُ من هذا المكان فمن أين يتعين عليَّ المرور؟
أجاب القط: هذا رهين المكان الذي ترغبين في الذهاب إليه، قالت أليس: الأمر سيان عندي (···)
قال القط: إذن لا يعنيك من أي مكان ستمرين، أجابت أليس: (···) المهم أن أصل إلى مكان ما
(لويس كارول، أليس في بلاد العجائب)·
صفحة 6
يفتح لي الكلام مصيدة
لا قصيدة،
ويُطبق علي
في ورطة ملتبسة؛
بأقوى ما يسعني سأسعى:
هذا وعدي،
بما يقيمني في فتنة قلقي
ويجعل من خوفي خلاصي الأبيض؛
وعدٌ أقطعه على نفسي
وقد يلتم على غيري
في زي تنكري·
صفحة 7
أضيقُ من ثقب إبرة لكي تسحب أصابعي
خيطاً من بكرة يتقاذفونها،
وأرتقَ فجوة في سماءِ غافلين؛
أصعبُ من أن تدخل، أو تصطف، أو تنتظر
لكي أسجلها على فيديو
أو على لوح غبار:
فعلٌ ماضٍ إلى الاستقبال
بتصميم انتحاري·
هذا ما رأيت، لا ما عرفت:
كوة لا يتلصصون فيها على أحد،
لطخة من دخان
وضعوها واندسوا فيها
ونفق نار، بين جدارين،
لإثارة فضول المارة·
هذا ما أكتب في هيئة مجرم من دون جريمة
عن جريمة قضى فيها القاتل قبل ضحاياه،
أكتب من علو اعتراف طويل
لشاهدة قبر
من دون جثة:
هذا ما يقوى عليه عزاء متأخر·
صفحة 8
فُتحة من دون أن تفضي
تدافعوا فيها، حجبوا الرؤية عني
وشغلوا مكالمات الملائكة وممرات الخائفين،
رسائل من دون ساعي بريد
بلغتْ عناوينَها من دون أن يستلموها:
عن سمسونايت لامعة من دون قبضة صاحبها،
عن أكواب قهوة من دون رسومها الصباحية،
عن بطاقات وملفات وأسنان وكفالات وهواتف محمولة في متحف غبار،
عمن نزل على الدرج من دون أن يصل حتى كتابة هذه القصيدة،
عمن لم تكمل ضبط موعد عطلة نهاية الأسبوع،
عمن طلبت من السماء إيفاء ما تستحق،
عما يجري هناك ويجري هنا،
عن أصابع طاولت عبر المحيط راكضاً في جلابيته،
وعن فواتير مستحقة
ما أن أفض بريدي الإلكتروني؛
رسائل مختومة من دون تحقيق،
راسية في شاطىء من بياض،
تتقافز فيها هيئات خرجت من كوابيسها
وتنتظر···
صفحة 9
إذ أنسى قد أكتب
قد أُقدمُ على الكلام
إذ أحيد بنفسي عن نفسي،
عن وهج النار في عيون قراء
بما يخفف زعيق أصوات متمادية في شاشات أَرِقة؛
قد أكتب بما يشبه الاعتراف طمعاً بكتابة:
ما نفعه، والجريدة تستبق نهايات الجمل!
قد أكتب، لكنني أخشى من أن يكتبني غيري،
من أن يستردني القراء في ما أقول،
أو الانتربول في صورتي:
ما نفعها، وقد ظهرتُ بما لا يقبل إعادة التصوير!
صفحة 10
تمرينُ النظر على ما يبدو من دون أن يظهر
على ما يـظهر من دون أن يكون راجحاً،
تمرين العين على ما سبق أن رأت،
والتحققُ من الصور في إبلاغها،
والتحسُّبُ من خطر كامن
في وقائع داهمة بمجرد الرؤية·
الدخان الأبيض الوسخ، المتصاعد من نافذة مغلقة لا يسد أنفي، بل عيني، لمتابعة النظر إليه، لتخيلِ ما يحدث خلف الزجاج الشاهق، لمعرفة عدم وصول أي نجدة إليه ولتلاشيه عالياً في السماء؛
لا ينقطع الدخان عن التدخين،
والتمتمة منتفخة بصرير مكتوم،
والصدى متأخر لما يضيق به صدر البناء،
عطرٌ كريه من زجاجة نارية فارعة،
وسوادُ أسماء فاحمة فوق بلاطة زرقاء،
هذه السماء أبعد من أن تصل إليها أصوات دفينة؛ لاهية بما يشغلها، بما يعنيها، بما لا أعرف له وصفاً ولا خريطة أو فهرساً: غطاء طنجرة في أحسن تقدير تَردُّ ما يعلو صوبها·