eKtab
EN ع
عباس كيارستمي: سينما مطرزة بالبراءة
اقرأ عينة مجانية

عباس كيارستمي: سينما مطرزة بالبراءة

بقلم أمين صالح

صفحة 1
تقديم
 
إن معظم ما سمعتموه عن فرنر هيرزوغ غير صحيح وغير حقيقي· أكثر من أي مخرج آخر، حيّ أو ميت، هو تعرّض لوابل مذهل حقاً من الإشاعات الزائفة والأكاذيب المحضة حول شخصه وأفلامه· في التنقيب عن حياة وأعمال هيرزوغ، وهي العملية التي استلزمت تفتيشاً دقيقاً ودؤوباً عبر مصادر لا تحصى ولا نهاية لها، سرعان ما يتضح إلى أي حد هي متعارضة تلك الأخبار والتقارير، وتناقض بعضها البعض·
شخصياً أعترف، وأنا أقضي الوقت الطويل مع الرجل، أنني كنت أتوق، على نحو ملتو ومراوغ، إلى الإيقاع به وضبطه في غلطة أو زلّة لسان، أن أجد ثغرات في حججه، أن أكشف الغطاء عن كتلة من البيانات والتصريحات المتناقضة·· لكن محاولاتي باءت بالفشل ولم تكن مجدية· لذا توصلت إلى هذا الاستنتاج: إما أن يكون كاذباً بارعاً، أو - وهو المرجح - أنه يقول الحقيقة·
لحسن الحظ أن هناك بعض الحقائق الأساسية التي لا تقبل الجدل· لقد ولد في ميونيخ بألمانيا في 1942· عاش طفولته في ساشرانج Sachrang، وهي قرية جبلية نائية تقع قرب الحدود النمساوية· بدأ في السفر مشياً على القدمين وهو في الرابعة عشرة من عمره· وأجرى مكالمته الهاتفية الأولى عندما كان في السابعة عشرة·
من أجل تمويل أفلامه القصيرة الأولى، عمل ليلاً كلحّام في مصنع للصلب، فيما كان يدرس نهاراً· وقد نتج عن ذلك فيلمه الأول Herakles، الذي حققه في العام 1961·
مع الممثل كلاوس كينسكي حقق خمسة أفلام درامية طويلة·
وذات مرّة، اعتبره المخرج الفرنسي الراحل فرانسوا تروفو من أكثر المخرجين المعاصرين أهمية·
ملحوظة: هو، كمخرج، لم يوجّه كينسكي من خلف الكاميرا، مصوباً نحوه بندقية كي يلتزم بالتعليمات· ولم يجازف بحياة العاملين معه أثناء تحقيقه لفيلم Fitzcarraldo·· وهو ليس مجنوناً ولا شخصاً غريب الأطوار، وأعماله لا تنتمي إلى تقاليد الرومانتيكيين الألمان· وهو ليس مصاباً بجنون العظمة· بالأحرى، هو رجل دمث، لطيف جداً، سخي، متواضع·· وقد تصادف أن يكون موهوباً برؤية استثنائية، ببصيرة رائعة، وإدراك حدسي·
لديه حس دعابة عالٍ، إلى درجة أنه قادر أن يجعلك تستغرق في الضحك إلى حد الترنح، بالتالي يمكن للمقابلات المكتوبة مع هذا الرجل أن تكون غير وافية، وغير معبّرة· على سبيل المثال، كيف تدوّن بالنبرة التهكمية، على نحو مازح، التي بها يروي طرفته التالية: أذكر في مناقشة عامة مع أنييس فاردا (مخرجة فرنسية) وهي ضئيلة الحجم، لم يعجبها ما قلته عن الطول والحجم بالنسبة للمخرج أو المخرجة، الذي هو أهم من امتلاك هذه الخاصية أو تلك، واعتبرت ملاحظتي إساءة شخصية لها·
مع ذلك فإن مجموع أعماله التي تبلغ 45 فيلماً (11 فيلماً درامياً طويلاً، والبقية أعمال وثائقية ودرامية قصيرة) هي ليست مزحة، بل هي المجموعة الأكثر أهمية في السينما الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، وربما المفتاح لما اعتبرت الموجة الجديدة في السينما الألمانية·
علامات الحياة (1968) هو فيلمه الدرامي الطويل الأول، الواثق على نحو رائع، والذي فيه قدّم لنا البطل المضاد الكلاسيكي: المهووس، المعتزل، والخطير·
صفحة 2
في 1970 اتهمه اليسار بالفاشية عندما، كما يشرح هيرزوغ، عوضاً عن الترويج للثورة العالمية الحتمية فقد سخرت منها في فيلمي (حتى الأقزام بدأوا صغاراً) الذي هو عبارة عن حكاية غريبة عن أقزام يثورون ويستولون على المصح العقلي
فيلمه أرض الصمت والظلام (1971)، الذي يروي قصة الكفيفة والصماء فيني ستراوبنجر، يظل واحداً من أفضل الأعمال الوثائقية في تاريخ السينما·
أما الاختراق العالمي فقد حققه في العام 1972 مع فيلمه أغيري، غضب الرب، وهو التعاون الأول مع الممثل كلاوس كينسكي الذي يؤدي دور الفاتح المجنون الذي - في بحثه عن إل دورادو، مدينة الذهب الأسطورية - يقود رجاله عبر النهر، على طوف، نحو هلاكهم·
في 1974 استعان هيرزوغ بشخص يدعى Bruno S.، في الأربعين من عمره، وكان قد أمضى أغلب سنوات حياته في المصحات ودور الرعاية، ليمثل دور كاسبر هاوسر البالغ من العمر 16 سنة· بعد عامين جعل كل ممثلي فيلمه قلب الزجاج يؤدون أدوارهم وهم تحت تأثير التنويم المغناطيسي· ثم اندفع نحو جزيرة بركانية في الكاريبي، على وشك الانفجار، ليصور هذا الحدث في فيلمه الوثائقي La Soufriere· وبفيلمه نوسفراتو (1979) وجّه تحية تقدير وإعجاب إلى مخرج النسخة الأصلية، في ثلاثينيات القرن العشرين، الألماني فريدريك مورناو· وفي العام 1982 سحب سفينة عبر جبل في منتصف غابة أمازونية من أجل فيلمه فيتزكارالدو·
في ما بعد، نمّى هيرزوغ قواماً استثنائياً من العمل الوثائقي حيث عرض لنا آبار النفط المحترقة في الكويت، في دروس الظلام، وروى قصة كارلو جسوالدو (أمير فينوسا، الموسيقيّ النابغة والقاتل المتعدّد، الذي عاش في القرن 16) في الموت لخمسة أصوات، وتحرّى حياة ديتر دينجلر، الذي كان أسيراً في فيتنام وتمكّن من الهرب من معسكر الاعتقال الرهيب، في فيلمه الوثائقي ديتر الصغير يحتاج أن يطير
عبر السنوات العشرين الماضية حقق أكثر من دزينة من الأعمال الأوبرالية في مناطق مختلفة من أوروبا وأمريكا· نشر عدداً من الكتب النثرية، وظهر كممثل في عدة أفلام·
كمخرج سينمائي، صارت مكانته في تاريخ السينما أكيدة ومضمونة· وعندما نأتي إلى الرجل نفسه، فأنا لا أستطيع أن أجد شيئاً أكثر وضوحاً من هذا التعليق الصادر من أم هيرزوغ:
عندما كان فرنر في المدرسة، لم يتعلّم شيئاً على الإطلاق· لم يكن يقرأ الكتب التي من المفترض أن يدرسها· هو لم يدرس قط، لم يعرف ما هو مفترض منه أن يعرف· لكن في الحقيقة، فرنر كان دوماً يعرف كل شيء· حواسه غير عادية·· لو سمع صوتاً في غاية الانخفاض فسوف يتذكره بدقة بعد عشر سنوات، وسوف يتحدث عنه، وربما يستخدمه بطريقة ما· لكنه يعجز تماماً عن شرح أو تفسير شيء، هذه ليست طبيعته· كل شيء يدخل فيه، وإذا خرج فإنه يخرج متحولاً
هيرزوغ هو الشخص الذي لم يلق التقدير اللائق في بلاده ألمانيا، وتم تجاهله في البحوث الدراسية في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية· بالتالي هذا كتاب يصرخ منذ سنوات طالباً أن يُكتب، والعائق الرئيسي كان هيرزوغ نفسه· قبل عامين، عندما أجريت اتصالاً به للمرّة الأولى بشأن إمكانية تأليف هذا الكتاب، تلقيت منه رسالة بالفاكس مكتوبة بخط اليد تقول: أنا لا أقوم باستبطان دوافعي ومشاعري· إذا كنت أنظر إلى المرآة فلكي أحلق لحيتي دون أن أجرح نفسي· لكنني لا أعرف لون عينيّ· أنا لا أريد أن أساهم في تأليف كتاب عني
لذا فإن هذا الكتاب Herzog on Herzog ما كان يمكن تحريره من قِبل شخص أكاديمي أو منظّر في علم الجمال، نظراً لأننا أمام مخرج لا يستجيب جيداً إلى الاستقصاءات الأيديولوجية والنقدية في أعماله· لقد كتب يقول لي: عندما تسأل شخصاً عن ابنه، فأنت لا تتساءل عن الطريقة التي وُلد بها·· إذن لماذا يحدث ذلك مع الأفلام؟
صفحة 3
المحادثات في هذا الكتاب تتخذ المنحى الكرونولوجي (المتسلسل زمنياً) حيث مناقشة كل فيلم تباعاً وعلى نحو متعاقب· الكتاب أيضاً يوفّر منبراً لآراء هيرزوغ الثاقبة في الكثير من الأمور والأفكار التي رافقت عمله، إضافة إلى الأشخاص الذين عمل معهم لسنوات عديدة·
على نحو صريح، تخلينا عن الطريقة التحليلية لصالح النص الموجّه على نحو عملي جداً، وهي الطريقة التي آمل أن تمنح معنى جديداً لذلك الاقتباس، المستشهد به كثيراً، من نيتشه: عقيمة كل كتابة لا تحث على الفعل
أيضاً أنا مدرك لحقيقة أن هناك القليل جداً من الناس الذين شاهدوا كل فيلم أخرجه هيرزوغ، بالتالي حاولت أن أحرّر أحاديثنا بحيث أن القارئ، حتى لو لم يشاهد الفيلم الذي نتحدث عنه، سيكون قادراً على استيعاب وإدراك شيء مباشر وملموس: حكاية أو نادرة ربما، والتي بدورها قد تقود إلى ثيمة أو، إذا استخدمنا لغة هيرزوغ نفسه، إلى شيء أكثر إثارة للنشوة
أغلب الأوقات التي قضيناها معاً كانت في يناير وفبراير 2001، في لندن، حيث كان هيرزوغ يتابع مرحلة ما بعد إنتاج فيلمه الذي لا يُقهر في يناير 2002 جلسنا مرة أخرى في ميونيخ، ثم بعد شهر في لوس أنجلس· النص الناتج، المقدّم هنا، كان في الأصل عبارة عن مخطوطة ضخمة تعرضت للتشذيب والاختزال، حيث قمت بإزالة العناصر الاعترافية وتلك التي لا تتصل على نحو مباشر بالأفلام نفسها· هيرزوغ كان حريصاً دوماً على التمييز بين ما هو خصوصي وما هو شخصي، وكل ما لا يتصل مباشرةً بالأفلام يقوم باستبعاده·
الأكثر من ذلك، أننا طوال مسار أحاديثنا الطويلة كنا مراراً، وفي أحوال كثيرة، نتناول موضوعات معينة من زوايا مختلفة، بالتالي فإن أجوبة هيرزوغ هي عبارة عن تجميع وتوليف لردوده، لذا أحياناً تتكوّن لدينا إجابات مطوّلة على أسئلة قصيرة جداً· وكان هيرزوغ يقول لي: ينبغي أن يعرف القراء هذه الحقيقة لأنني أبدو ثرثاراً جداً في هذا الكتاب، مع أنني لست كذلك في الواقع
منذ بضعة شهور، وفيما كنت في غمرة تحرير النسخ، تحدثت إلى هيرزوغ عبر الهاتف، وسألني: متى سوف يجهز الكتاب؟·· إسمع، الكتاب لا يحتاج إلى بنية، بل يحتاج إلى حياة· دع الفجوات والانقطاعات في التسلسل، لا تسد الفجوات· لا تسد مساماته· زعزع البناء واكتب الكتاب فحسب
وهذا ما فعلته· لكنني مازلت أشعر بأن للنص بنية، والكثير من الحياة· ومع أن من المستحيل أسر حياة إنسان في 300 صفحة، ومع أنه يظل هناك الكثير من الأشياء متروكة دون إفصاح عنها (أو على الأقل غير منشورة) عن حياة وأعمال هيرزوغ، ومع أن الرجل هو، بالنسبة لي، قابل لأن يدرَك ويميَز الآن، على نحو طفيف فقط، أكثر مما كان عندما التقيت به للمرة الأولى، إلا أنني أشعر بأن هذا الكتاب يأسر بنجاح، وعلى نحو لائق، أفكار واستبصارات وحساسيات هذا المخرج السينمائي الهام·
بول كرونين، لندن، مارس 2002
في مواجهة التخيير الصارم بين أمرين: أن أرى كتاباً عني، هو حصيلة تجميع وتوليف لمقابلات مغبرّة معي، بكل التحريفات والتشويهات والأكاذيب الطائشة، أو التعاون·· فقد آثرت الخيار الأسوأ: أن أتعاون·
فرنر هيرزوغ، لوس أنجلس، فبراير 2002
صفحة 4
1- هاتف، آلة كاتبة، سيارة
 
قبل أن نبدأ، هل لديك أية استبصارات فلسفية تود أن تقدمها إلى قرائك بحيث يتسنى لهم النوم ليلاً في طمأنينة؟
- دعني أقول هذا فحسب، شيئاً للبشر في كل مكان، سواء أكانوا سينمائيين أم لا· أستطيع أن أجيب على سؤالك فقط بالاقتباس من أحد أقطاب الفنادق، كونراد هيلتون، الذي سُئل ذات مرّة عما يودّ أن ينصح به الأجيال القادمة، فقال: كلما دخلتَ الحمّام لتأخذ دشاً، تأكّد على الدوام من وضع الستارة داخل حوض الاستحمام هكذا، أنا جالس هنا، وأقدّم للناس النصيحة ذاتها: لا تنس، في أي وقت، ستارة الحمّام·
متى أدركت، للمرّة الأولى، أن تحقيق الأفلام هو الشيء الذي سوف تفعله طوال حياتك؟
- من اللحظة التي بدأت فيها بالتفكير على نحو مستقل، عرفت أني سوف أحقّق أفلاماً· أبداً لم يكن لدي خيار بشأن ما سأكونه، أعني أن أصير مخرجاً سينمائياً· هذا صار واضحاً لي خلال بضعة أسابيع درامية، وأنا في الرابعة عشرة من عمري، حين بدأت في السفر مشياً على القدمين، وتحوّلت إلى الإيمان الكاثوليكي· بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات، خطوت خطوة صغيرة نحو صنع الأفلام، مع أنني - حتى هذا اليوم - أجد صعوبة في النظر إلى الإخراج السينمائي كمهنة حقيقية·
أنت معروف بكونك صانع الفيلم الذي يحب أن يرتاد ويتحرى البقاع النائية من العالم·· متى بدأت تسافر للمرة الأولى؟
- حتى قبل أن أترك المدرسة بشكل رسمي، عشت في مانشستر بانجلترا لبضعة شهور بسبب وجود صديقتي هناك· كنت قد اشتريت بيتاً متهدماً في أحد الأحياء الفقيرة بالمدينة مع أربعة أشخاص من البنغال وثلاثة من نيجيريا· وهو من تلك البيوت المزودة بمصاطب، كما في القرن 19، والمبنية من أجل الطبقة العاملة· الفناء الخلفي كان مكتظاً بالأنقاض والنفايات، والبيت كان مليئاً بالجرذان· هناك تعلمت اللغة الانجليزية·
بعد ذلك، عندما بلغت التاسعة عشرة، مباشرةً بعد امتحاناتي الدراسية النهائية في 1961، غادرت ميونيخ قاصداً اليونان، وقد توليت قيادة شاحنة كجزء من قافلة متوجهة إلى أثينا· من هناك ذهبت إلى جزيرة كريت، حيث كسبت بعض النقود، ثم انتقلت بالباخرة إلى الإسكندرية بمصر، ناوياً السفر إلى الكونغو البلجيكية· في ذلك الحين، حصلت الكونغو على استقلالها، وفي الحال اندلعت فوضى عارمة وعنف شديد القتامة· أنا في الواقع مفتون بفكرة أن حضارتنا هي أشبه بطبقة رقيقة من الجليد فوق محيط عميق من الهيولية والفوضى والظلمة، وأن في هذه البلاد (الكونغو) كل ما هو خطر على نحو غامر قد بات مكشوفاً وصريحاً· فقط في ما بعد، علمت أن أولئك الذين نجحوا في الانتقال إلى أكثر الأقاليم الكونغولية الشرقية خطورةً في ذلك الحين، جميعهم تقريباً هلكوا·
إذن إلى أين ذهبت بعد الإسكندرية؟
صفحة 5
- سافرت في محاذاة نهر النيل إلى السودان· واليوم، وأنا جاثٍ على ركبتيّ، أحمد الرب لما حدث لي وأنا في طريقي إلى جوبا، وهي منطقة غير بعيدة عن الكونغو الشرقية، إذ أصبت بمرض شديد، وكان عليّ أن أعود بأسرع وقت ممكن، إذا كنت راغباً في البقاء على قيد الحياة· لحسن الحظ، تمكنت من العودة إلى أسوان· في ذلك الوقت، كان السد لا يزال تحت قيد الإنشاء· الروس بنوا الأسس المتينة الصلبة، وكان هناك عدد كبير من المهندسين الألمان يعملون في الأجزاء الكهربائية للسد· واحد من هؤلاء المهندسين عثر عليّ بعد لجوئي إلى سقيفة ما· كنت مصاباً بحمّى عالية شديدة، حتى أني لم أعرف كم مضى على وجودي هناك· ذكرياتي عن تلك الفترة غير واضحة، ضبابية جداً· الفئران عضتني في مرفقي وفي إبطي· أذكر أني صحوت ذات مرّة ورأيت فأراً يجري نحوي ويعضني على خدّي ثم يعدو مسرعاً نحو ركن· الجرح لم يلتئم إلا بعد عدة أسابيع، ولا زلت أحمل الندبة·
في النهاية تمكنت من العودة إلى ألمانيا حيث حققت أخيراً أول فيلمين قصيرين· كنت قلّما أتواجد في جامعة ميونيخ، حيث من المفترض أن أدرس التاريخ والأدب، لكنني بالتأكيد لا أستطيع الإدعاء بأني كنت طالباً جاداً· كنت أكره الأدب في المدرسة، غير أني أستمتع بالإنصات إلى أستاذة في الجامعة هي على درجة عالية من الثقافة، وكثيرة المطالب· أعرف أنها منحتني استبصارات معينة لا زلت حتى الآن سعيداً بالحصول عليها·
كيف استجاب والداك إلى غايتك لأن تصبح مخرجاً سينمائياً؟
- لا ينبغي أن نتحدّث عن الوالدين بصيغة الجمع، بما أن أبي لم يلعب قط أي دور في حياتي· لكن في أغسطس 1961، بعثتْ إليّ أمي، إليزابيث، رسالتين في يومين متعاقبين، وكنت حينذاك في كريت· كتبت تقول أن أبي، ديتريش، قلق البال عليّ وأنه ينصحني بالعدول عن فكرة التحوّل إلى مخرج سينمائي، إذ أني، قبل مغادرتي ميونيخ، كنت قد أعلنت عن رغبتي بالعمل كمخرج سينمائي لدى عودتي من الخارج·
لقد سبق أن كتبت بضعة سيناريوهات، وأرسلت عدة عروض واقتراحات إلى عدد من المنتجين والمحطات التلفزيونية منذ أن كنت في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمري·
لكن أبي كان مقتنعاً تماماً بأن مثاليتي سوف تتحطم في سنوات قليلة، لأنه ظن بأني سوف لن أحقّق أبداً ما أردت أن أكونه· لقد اعتقد بأني لا أملك الطاقة أو الدأب أو المثابرة، وإدراك المراد من العمل، للبقاء حياً في محيط صناعة الفيلم، الذي هو وسط خادع وشاق·
كيف كان موقف أمك؟
- أمي اتخذت طريقة فهم مختلفة، أكثر وعياً وحساسية· هي لم تطلب مني العدول عن الفكرة، بالأحرى هي حاولت أن تعطيني فكرة واقعية لما سوف أواجهه، وما أجلبه لنفسي، وما يمكن أن تكون خطوة حكيمة· شرحت لي ما يحدث اقتصادياً في ألمانيا الغربية، في ذلك الحين· وفي رسائلها طلبت مني أن أفكر في مستقبلي بعناية ودقة شديدة·· من المؤسف جداً أننا لم نتحدث أبداً عن هذا بالتفصيل، هكذا كتبت·
لكن أمي كانت دوماً مشجعة وداعمة إلى حد بعيد· كنت أهرب من المدرسة وأذهب بعيداً، مختفياً لأسابيع أحياناً دون أن تعرف هي مكاني· ولأنها تدرك بأني سأكون بعيداً لفترة من الوقت، فقد كانت تقوم على الفور بكتابة رسالة إلى المدرسة تقول فيها أني مصاب بداء الرئة· كانت تدرك حقيقة أني واحد من أولئك الذين لا ينبغي إبقاءهم في المدرسة لمدّة غير محدودة·
صفحة 6
في عدة مناسبات، كنت أمشي وأتنقل في شمالي ألمانيا عبر سيارات أشير لها بالتوقف لأركبها مجاناً، وهناك أسكن في بيوت أو فلل خالية من قاطنيها·· كنت بارعاً جداً في دخول هذه الأماكن والإقامة فيها دون أن أترك أثراً·
في رسائلها، حاولت أمي أن تقنعني بالعودة إلى ألمانيا لكي أباشر في تعلّم حرفة كانت قد دبّرتها لي في معمل مصوّر فوتوغرافي· كان عليّ أن أعود مع حلول سبتمبر حتى لا أفوّت سنة أخرى· كان طلباً مفاجئاً وملحّاً· هي تحدثت إلى خبير في التوظيف، أخبرها بأن صنع الأفلام مهنة يصعب الخوض فيها، ولأنني أنهيت امتحانات المدرسة الثانوية فقط، يتوجب عليّ أن أباشر العمل في معمل تصوير، وبعد ذلك بإمكاني أن أنتقل إلى معمل سينمائي والذي سيكون، حسب قوله، الأساس للبدء كمساعد مخرج في شركة سينمائية·
غير أن شيئاً آخر كان يدور في ذهني، وليس بوسع أحد أن يقنعني بغير ذلك·
أنت وُلدت في 1942، في ميونيخ، المدينة الأكبر في بافاريا· ما الذي يعنيه أن تنشأ في مرحلة ما بعد الحرب مباشرة؟
- بعد أيام قليلة من مولدي، تعرّض البيت المجاور لنا إلى التدمير بفعل قنبلة، وتضرّر بيتنا· كنا محظوظين لنجاتنا من القصف، فقد تعرّض مهْدي لرشاش من الزجاج المتطاير، لهذا قامت أمي بنقلي مع أخوتي إلى خارج المدينة، إلى ساشرانجSachrang وهي قرية جبلية صغيرة تقع على الحدود الألمانية - النمساوية·جبالKaisergebirge حول ساشرانج كانت أحد الجيوب الأخيرة للمقاومة في ألمانيا مع نهاية الحرب، وأحد المواقع الأخيرة التي انتقلت إليها القوات الأمريكية المحتلة· في ذلك الحين، كانت القوات النازية الخاصة (SS) (1) والـ (Werewolves(2)، الهاربة من قوات التحالف، تمرّ عبر القرية مخبئة أسلحتها وبزّاتها العسكرية تحت قشّ المزارعين قبل إيجاد ملاذ آمن لهم في الجبال·
كطفل، كنت مدركاً تماماً للتخوم بين ألمانيا والنمسا، نتيجةً لأن أمي غالباً ما تأخذني مع أخي الأكبر نحو الجانب الآخر من Wildbichl في النمسا· كانت تستخدمنا نحن الاثنين في مساعدتها لتهريب أشياء متنوعة إلى ألمانيا، أشياء لا يمكن إيجادها في الجانب الألماني من الحدود· في فترة ما بعد الحرب، التهريب كان أمراً من المقبول تماماً فعله·· حتى الشرطة كانت متورطة في ذلك·
طفولتي كانت منفصلة تماماً عن العالم الخارجي· لم أكن أعرف شيئاً عن السينما، وعن التليفون· السيارة حدث مثير بالنسبة لي· وساشرانج مكان معزول في ذلك الحين، مع أنها تبعد عن ميونيخ بالسيارة أكثر من 90 دقيقة· حتى أني لم أعرف ما هو الموز قبل بلوغي الثانية عشرة، ولم أجر مكالمتي الهاتفية الأولى إلا عندما بلغت السابعة عشرة· كذلك لم يكن لدينا في البيت مرحاض بماء دافق، ولا حتى مياه جارية· لم يكن لدينا فراش· كانت أمي تحشو الخنشار الجاف في كيس من الكتان· في الشتاء كان الجو بارداً جداً إلى حد أنني كنت أستيقظ في الصباح لأجد طبقة من الثلج متكوّمة على البطانية بفعل الأنفاس المتجمدة·
لكنه أمر رائع أن تكبر في جو ومحيط كهذا· كان علينا أن نبتكر ألعابنا الخاصة، مسلحين بقوة المخيّلة، والبنادق أو الأسلحة التي عثرنا عليها - من بقايا جنود الـ SS - أصبحت جزءاً مما نملكه·
في صباي شاركت كعضو في عصابة محلية· كنا نخترع عالماً كاملاً من حولنا· جزء مني لم يتكيّف أبداً مع الأشياء التي أجدها حولي، حتى يومنا هذا· حتى الآن لا أحسن التعامل مع التليفون· لازلت أجفل عندما أسمع رنين التليفون·
قد يبدو هذا غريباً، بالنسبة للناس اليوم، لكن أشياءَ مثل اكتشاف مخبأ للأسلحة تعزّز طفولةً رائعة· كل شخص يعتقد أن العيش والنشأة في خرائب وأنقاض المدن هي تجربة رهيبة وبغيضة، وبالنسبة للآباء الذين فقدوا كل شيء تماماً، ليس لديّ شك في أنها كانت تجربة مروعة، لكن بالنسبة للأطفال، تلك في الحقيقة من أكثر الأوقات روعةً وإدهاشاً· الصغار في المدن سيطروا على كل المباني التي تعرّضت للقصف، وأعلنوا أن أنقاض المباني ملك لهم يلعبون فيها ويجسدون المغامرات العظيمة· حقاً لا ينبغي أن ترثي لهؤلاء الصغار· كل شخص أعرفه، والذي قضى طفولته في خرائب ألمانيا، في مرحلة ما بعد الحرب، يطري ذلك الزمن ويتكلم بحماسة بالغة عنه· كانت مرحلة فوضى بالمعنى الأفضل للكلمة· لم يكن حولنا آباء يحكمون، ولا قوانين نتبعها أو نمتثل لها· علينا أن نخترع كل شيء من لا شيء·(3)
ما هي ذكرياتك المبكرة؟
صفحة 7
- من تلك الذكريات هناك اثنتان متميزتان جداً· الذكرى الأولى عن قصف روزنهايم Rosenheim ذات ليلة· أمي انتزعتنا، أنا وأخي، من السرير وحملتنا بين ذراعيها بعد أن لفّت كل واحد منا بدثار، ثم انطلقت بنا نحو منحدر قائم وراء منزلنا· في البُعد، كان بوسعنا أن نرى السماء كلها وقد اكتست بلون برتقالي وأحمر· قالت لنا: يا أولاد، لقد انتزعتكما من السرير لكي تشاهدا هذا·· مدينة روزنهايم تحترق
بالنسبة لنا، روزنهايم هي المدينة الكبيرة الواقعة في الطرف الأقصى من العالم· كان هناك واد، وعلى بُعد 12 كيلومتراً من نهاية الوادي، تقع بلدة Aschau حيث يوجد بها مستشفى ومحطة قطار، ووراء ذلك توجد روزنهايم·· ذلك كان، بطريقة أو بأخرى، التخم الكوني· في طفولتي، لم أذهب قط أبعد من روزنهايم· لقد اتضحأن الطيارين الأمريكان حلّقوا بطائراتهم متوجهين إلى إيطاليا، لكن لم يتمكنوا من قذف قنابلهم هناك بسبب رداءة الطقس وعدم وضوح الرؤية، ولدى عودتهم محلّقين فوق جبال الألب، رموا قنابلهم على أول مكان تمكنوا من رؤيته بوضوح لكي لا يعودوا إلى قواعدهم دون أن يقصفوا شيئاً·· كان المكان يدعى روزنهايم·(4)
الذكرى الثانية الحيّة جداً هي رؤيتي للرب نفسه· كان ذلك في يوم سانتا كلوز، السادس من ديسمبر، عندما يظهر سانتا كلوز (بابا نويل) حاملاً كتاباً، مدرجاً فيه كل آثامك وذنوبك طوال العام، وبرفقته مخلوق يشبه الشيطان·
لقد انفتح الباب الأمامي، وفجأة ظهر قبالتي ذلك الرجل· أعتقد أنني كنت في الثالثة من عمري· هربت واختبأت تحت الأريكة وبلّلت بنطالي ببولي· كان الرجل يرتدي بزّة عمالية بنيّة، بلا جوارب، وله يدان مشبعتان بالزيت· نظر إليّ في إشفاق، وكان مهذباً جداً· مباشرة عرفت أنه الرب نفسه· لكن اكتشفت، في ما بعد، أنه مجرّد شخص يعمل في شركة الكهرباء، عابر سبيل تصادف مروره وقتذاك·
ثمة أمر أخبرتني به أمي ذات مرّة: يوماً ما، وأنا في الخامسة أو السادسة، أصبت بمرض شديد، ولم نستطع استدعاء سيارة الإسعاف، وحتى لو تمكنا من توفير سيارة فسوف لن نستطيع عبور الثلج· هكذا راحت أمي تلفّني بالبطانية، وتربطني إلى مزلجة جرّتني طوال الليل إلى بلدة Aschau حيث أدخلوني إلى المستشفى· بعد ثمانية أيام، زارتني أمي، وكانت قادمة مشياً عبر الثلج العميق· أنا لا أستطيع تذكّر هذا، لكن أمي كانت مندهشة جداً لأنني لم أظهر أية بادرة شكوى أو تذمر· من الجلي أنني قد انتزعت قطعة من خيط البطانية، ولثمانية أيام رحت ألهو بها دون أن أشعر بالضجر: هذا الخيط، بالنسبة لي، كان حافلاً بالقصص والتخيلات·
بافاريا كانت ضمن نطاق الاحتلال الأمريكي·· هل تتذكّر الجنود الأمريكان؟
- بالطبع، أذكر سيارات الجيب العسكرية وهي تدخل، وكنت أحسب أن هؤلاء هم كل الأمريكان في العالم بأسره، مع أن عددهم كان حوالي 65 جندياً فقط· الجنود جميعهم كانوا يقودون سياراتهم تاركين الساق الأخرى تتدلى إلى الخارج، وجميعهم يمضغون العلك· ولأول مرّة في حياتي أرى رجلاً أسود بين الجنود· كنت أنظر إليه مسمّراً تماماً كالمسحور، فأنا لم أسمع عن الناس السود إلا من الحكايات الخرافية· كان رجلاً ضخماً، رائعاً، له صوت جهوري· لا يزال صوته حاضراً في ذاكرتي حتى هذا اليوم· كنت أتحدث معه لساعات· ذات مرّة سألتني أمي كيف أستطيع الاتصال به والتفاهم معه، فأجبتها، حسب قولها، نحن نتحدث باللغة الأمريكية مرّة أعطاني بعض العلك فاحتفظت به لعام كامل، وأنا أعلكه على نحو متواصل· طبعاً باستمرار كنا جوعى وفي حالة بحث عن الطعام، هذا أحد الأسباب التي جعلتني أشعر بارتباط عميق مع ديتر دينجلر، بعد سنوات طويلة (وعنه حققت فيلماً وثائقياً)·
في هذا الفيلم ديتر الصغير يحتاج أن يطير هو يتحدث عن تقشير الورق الزيتي الذي يكسو جدران البيوت المقصوفة بالقنابل· كانت أمه تطهو هذه الأوراق لأن في الغراء مواداً مغذّية· هذا شيء لم نضطر نحن إلى فعله· بالنسبة لعائلتنا، الأمور لم تكن بذلك السوء· ذات مرّة صادفت بعض العمال الذين اصطادوا غرابا وطبخوه في قدْر بجوار الطريق· كانت المرّة الأولى في حياتي التي أشاهد فيها عيناً تطفو على سطح الماء· كان شعوراً مثيراً حقاً·
برشّاش صغير، عثرت عليه في الغابات التي تحيط بالبلدة، حاولت أن أصطاد غراباً لكني لم أفلح· الرشاش، أثناء ارتداده بقوة، طرحني أرضاً· وأمي - التي كانت تحسن إطلاق النار من البندقية - على نحو مخالف لتوقعاتي، لم تغضب مني ولم تعاقبني، بل أخذت السلاح وقالت: دعني أريك كيف تستخدم هذا علّمتني كيف أثبّته وأفرغه من شحنته، ثم أخذتني إلى الغابة وأطلقت طلقة واحدة نحو جذع خشب الزان السميك· الرصاصة اخترقت الجذع مباشرة ومن الطرف الآخر كان بوسعي أن أرى شظايا الخشب وهي تتطاير· عندئذ قالت لي: هذا ما ينبغي أن تتوقعه من أي قطعة سلاح· لا يجب أبداً أن توجّه المسدس، حتى لو كان خشبياً أو بلاستيكياً، نحو أي شخص
كنت مصعوقاً جداً من عنف السلاح إلى حد أنني شفيت على الفور من هوسي الكلي بهذه الأشياء، ومنذ ذلك اليوم لم أوجّه حتى إصبعي نحو أي شخص·
كيف كانت طفولتك؟
صفحة 8
- كنت وحيداً جداً· تعلمت كيف أركّز بدافع الضرورة أو الحاجة الملحّة· في ميونيخ كانت العائلة بأسرها تعيش في حجرة واحدة فقط· أربعة منا في ذلك الحيّز الصغير، وكل منا يمارس أشياءه الخاصة· كنت أستلقي على ظهري فوق أرضية الحجرة، ومعي كتاب أقرأ فيه لساعات، غير مكترث بالأحاديث والأفعال التي تدور حولي· غالباً ما كنت أقرأ طوال النهار، وعندما أنتهي، أتطلّع حوالي لأكتشف بأن الجميع غادروا الحجرة منذ ساعات·
في الواقع، أخي الأكبر تيلبرت هو الذي تولى مسؤولية العائلة منذ انتقالنا إلى ميونيخ· لم يكن يميل إلى المدرسة، لذلك طُرد منها بعد سنتين· مباشرة شرع في العمل في مجال التجارة، وحقّق نجاحاً سريعاً، بعدها انطلق صاعداً مثل مذنّب عبر الطبقات الاجتماعية· عند بلوغه السادسة عشرة من عمره كان المعيل الرئيسي في العائلة، وبفضله صرت قادراً على مواصلة الدراسة، مع أنني كنت أعمل وأعيل نفسي كلما سنحت لي الفرصة· أنا حقاً مدين له بالكثير·
أخي الأصغر لوكي هو الشخص الذي عملت معه عن قرب طوال سنوات· هو أخي من جهة الأم، لكني أعتبره شقيقاً· كانت لديه موهبة موسيقية عظيمة لكنه أدرك سريعاً بأنه سوف لن يكون بارعاً بما يكفي ليتنافس مع عدد وافر من عازفي البيانو· لهذا انخرط في التجارة أيضاً، وبدوره انطلق مثل مذنّب· وأظن أن ذلك أفزعه، إذ سرعان ما رحل إلى آسيا ليستقر هناك فترةً من الزمن، زائراً الهند، بورما، النيبال، أندونيسيا· كتبت إليه رسالة أطلب منه المساعدة في إنتاج فيلم أغيري Aguirre، وقد عبَرَ المحيط الهادئ حتى بيرو ليقدّم لنا ما نحتاجه من عون· انتهى به الأمر إلى العمل معي بدوام كامل، مديراً شركة الإنتاج السينمائية الخاصة بي·
هل هيرزوغ هو اسمك الحقيقي؟
- عندما انفصل أبي عن أمي، أصبح اسمي الشرعي ستيبتك Stipetic، الذي هو اسم أسرة أمي قبل الزواج· اسم هيرزوغ يعني دوق باللغة الألمانية·· وكنت أظن أن هناك شخصاً ما - مثل الكونت باسي أو الدوق إيلينغتون - يحقّق أفلاماً· أي شيء يحميني من شر العالم الساحق·
ما هي الأفلام الأولى التي شاهدتها؟
- كان هناك مشغّل جهاز عرض جوّال بين المدارس الريفية النائية، والذي يجلب معه مجموعة من الأفلام مقاس 16 ملي· عندما بلغت الحادية عشرة شاهدت أول فيلمين في حياتي· ومع أنني كنت مصعوقاً تماماً بإمكانية وجود هذا النوع من الأشياء، إلا أنني لم أكن مفتوناً جداً بالفيلم الأول، والذي هو عن سكان الاسكيمو وهم يبنون كوخاً من ألواح الثلج على شكل قبّة· الفيلم اشتمل على تعليق ثقيل وأخرق، وكان مضجراً جداً· بإمكاني الجزم بأن سكان الاسكيمو لم يكونوا ينجزون عملاً جيداً· الفيلم الثاني عن أقزام يبنون جسراً من النبتات المتسلقة عبر نهر غابة في الكاميرون، كان أفضل قليلاً· الأقزام عملوا على نحو جيد، وتأثرت كثيراً لأنهم استطاعوا أن يبنوا مثل ذلك الجسر بطريقة جيدة، وبلا أدوات حقيقية· كنتَ ترى الواحد من الأقزام يتأرجح عبر النهر بواسطة النبتات المتعرشة أو المتسلقة، تماماً مثل طرزان، ويتدلون من الجسر المعلق مثل عناكب· كانت تجربة حسّية بالنسبة لي، ولا زلت أميل إلى الأقزام لأنهم بنوا الجسر بتلك الطريقة·
في ما بعد شاهدنا أفلاماً مثل: زورو، طرزان، دكتور فومانشو·· أغلبها أفلام أمريكية رخيصة، ذات ميزانية ضئيلة، مع أن أحد أفلام سلسلة فومانشو كان بمثابة لحظة كشف وإلهام بالنسبة لي، ففي هذا الفيلم يصاب شخص بطلق ناري ويسقط من صخرة ارتفاعها 60 قدماً، وهو يتشقلب بحركة بهلوانية في الجو ثم يقوم بحركة ارتدادية صغيرة بساقه· بعد عشر دقائق، اللقطة ذاتها تظهر في معركة أخرى بالبنادق·· وقد تعرّفت على اللقطة من ذلك الارتداد· لقد قاموا بإعادة استخدام اللقطة معتقدين أن باستطاعتهم خداعنا من غير عواقب· بعدها تحدثت إلى أصدقائي عن هذا وسألتهم: كيف يمكن للقطة ذاتها أن تُستخدم مرتين؟
قبل هذه اللحظة كنت أحسب أن ما نشاهده على الشاشة هو ضرب من الواقع، وأن الفيلم شيء شبيه بالوثائقي· فجأة صار بوسعي أن أفهم كيف يتم سرد الفيلم ومونتاجه، كيف يتم خلق التوتر والتشويق· ومن ذلك اليوم فصاعداً، أصبحت السينما، بالنسبة لي، شيئاً مختلفاً·
تحدثت مراراً عن إعجابك بأفلام مورناو F. W. Murnau·· متى كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها الأفلام التعبيرية الألمانية المنتجة في العشرينيات؟
- في طفولتي لم أشاهد أياً من تلك الأفلام· في الواقع، لم أشاهد تلك الأفلام التعبيرية إلا بعد سنوات، بعد أن سمعت لوته إيسنر(5)(Lotte Eisner) تتحدث عنها في برلين·
هل سنحت لك الفرصة لمشاهدة أيٍ من الأعمال الطليعية التي نُفذّت في تلك الفترة؟
- أذكر عندما بلغت الحادية والعشرين، جاء إلى ألمانيا شاب يدعى ب· آدمز سيتني Sitney(6)) وأحضر معه العديد من الأشرطة السينمائية، من بينها أفلام لمخرجين طليعيين مثل ستان براكهيج وكينيث أنجر· مشاهدة تلك الأفلام المختلفة تماماً عن ما تعودت أن أشاهده في السينما، تركت في نفسي أثراً قوياً، حتى لو لم تكن تلك الأفلام تنسجم مع ما أردت أن أعمله· إن مشاهدة أعمال أفراد جسورين جداً، يقدمون أشياء مختلفة على نحو غير متوقع، أثارت اهتمامي كثيراً، إلى حد أنني كتبت عن تحقيق الفيلم الرؤيوي في مقالة نشرت في إحدى المجلات، في مايو 1964·
صفحة 9
عرضت عليك قائمة باختيارات ناقد بريطاني لأفضل مئة فيلم في تاريخ السينما، وقد كانت دهشتي بالغة عندما قلت بأنك لم تسمع، وبالطبع لم تشاهد، العديد منها··
- أنا في الواقع لست مثقفاً سينمائياً، ليس بالمقارنة مع العديد من المخرجين· يمكن اعتباري متوسط الثقافة· ربما فيلم واحد في الشهر، وعادةً في المهرجانات السينمائية أشاهد الأفلام دفعةً واحدةً· قد أتذكّر فيلماً شاهدته منذ سنوات ولا أزال أتوق إلى مشاهدته ثانيةً بسبب جماله البالغ· عندما أشاهد فيلماً عظيماً فإنه يذهلني ويصعقني·· يكون لغزاً، بالنسبة لي· أنا لا أستطيع أن أحدّد ما يشكّل الشعر والعمق والرؤية والإشراق في السينما· الأفلام السيئة هي التي تعلّمت منها معنى السينما· التعريف السلبي: بالله عليك، لا تنفّذ مشهداً بهذه الطريقة· الخطايا يسهل تحديدها وتسميتها·
هذا أيضاً ينطبق على أفلامي· الدرس الأكثر فورية وجذرية جاء من خطوتي المضطربة الأولى، أعني فيلمي Herakles· كان أمراً جيداً أن أبدأ بتحقيق هذا الفيلم الصغير، بدلاً من القفز إلى شيء له معنى ودلالة أكبر لأن، من تلك اللحظة فصاعداً، صار لدي فكرة أفضل بشأن كيفية الشروع في عملي· الاستفادة من أخطائك هي الطريقة الحقيقية الوحيدة للتعلّم·
هل يمكنك أن تتحدث أكثر عن المرحلة الدينية الكثيفة التي مررت بها؟
- كما قلت سابقاً، عشت طوراً دينياً دراماتيكياً وأنا في سن الرابعة عشرة، حيث تحوّلت إلى الكاثوليكية· ومع أنني لم أعد عضواً في الكنيسة الكاثوليكية، إلا أن - حتى يومنا هذا - ثمة صدى دينياً بعيداً في بعض أفلامي·
أيضاً في هذه السن بدأت للمرة الأولى في السفر سيراً على القدمين· أردت أن أذهب إلى ألبانيا، تلك البلاد الغامضة، التي كانت منغلقة تماماً أمام سائر دول العالم في ذلك الوقت، لكنهم لم يسمحوا لي بالدخول· لذلك واصلت سيري حتى الأدرياتيك، ملازماً الحدود الألبانية- اليوغوسلافية طوال الوقت، ربما خمسون متراً تقريباً· برغم ذلك لم أجرؤ أبداً على دخول ألبانيا·
كان ذلك هروبي الحقيقي الأول عن الحياة العائلية·
كوّنت شركة إنتاج خاصة بك وأنت في سن مبكرة جداً· في الواقع، كل فيلم حققته - إضافة إلى الأفلام القصيرة الأولى - تم انتاجه من خلال شركة فرنر هيرزوغ للإنتاج السينمائي· ما الذي حرّضك على أن تقوم بهذا الدور العملي والنشط في الانتاج؟
- أعتقد أنني كنت في السابعة عشرة تقريباً عندما تلقيت مكالمة هاتفية من بعض المنتجين الذين أعجبهم العرض الذي قدّمته لهم· في السابق، تحاشيت الالتقاء بأي شخص ينتسب إلى هذا الصنف من البشر، ذلك لأنني كنت شاباً جداً، وشعرت أنهم سوف لن يتعاملوا معي بجدية· سبب ذلك ربما يعود إلى واقع أن سن البلوغ لدي جاء متأخراً، فكنت أبدو أشبه بتلميذ صغير حتى بلغت 16 أو 17 سنة· عوضاً عن ذلك، كنت أفضّل أن أكتب الرسائل للمنتجين أو أتحدث إليهم عبر الهاتف· لكن أخيراً، بعد الأحاديث الهاتفية، بدا هؤلاء المنتجين راغبين في القبول بي كمخرج مبتدئ·
عندما دخلت مكتب المنتجين رأيت رجلين جالسين خلف ذاك المقعد المصنوع من خشب السنديان· أذكر جيداً تلك اللحظة ثانية بثانية· وقفت هناك، عرضة للإذلال تماماً، فيما كانا يتطلعان إلى ما يوجد خلفي، منتظرين حضور مرافق راشد معي· المنتج الأول صاح قائلاً شيئاً بذيئاً مسحته من ذاكرتي، فيما ضرب الآخر فخذه وهو يضحك، ثم صاح قائلاً: روضة الأطفال في هذه الأيام تحاول أن تصنع أفلاماً
اللقاء بأكمله دام 15 ثانية، بعدها استدرت ببساطة وغادرت المكتب، عارفاً تماماً بأن عليّ أن أكون منتج أفلامي· ذلك اللقاء كان ذروة العديد من النكسات وحالات الإذلال، وثبت أنها نقطة محورية بالنسبة لي· لقد عرفت في الحال، وفي ذلك المكان، أنني سوف أواجه على الدوام، وحتى نهاية حياتي، هذا النوع من المواقف إذا لجأت إلى آخرين لإنتاج أفلامي·
إحدى صديقات أمي كانت متزوجة من صناعي ثري، يسكن في منزل ضخم، وقد أخذتني أمي إلى هناك لأقابل هذا الرجل الذي سوف يشرح لي كيفية تأسيس شركة إنتاج· هذا الرجل شرع يتكلم بصوت عالٍ وسخيف، وظل يصرخ فيّ لمدة ساعة تقريباً، قائلاً: أيها المعتوه، هذه حماقة تامة! أنت لم تعمل قط في التجارة، فكيف ستعرف ما ينبغي أن تفعله! بعد يومين أنشأت شركة فرنر هيرزوغ للإنتاج السينمائي·
لكنك بعيد تماماً عن نموذج المنتج الهوليوودي··
- شركتي كانت، في الواقع، مجرد إجراء طارئ فرضته الحاجة الملحّة، ذلك لأن أحداً سوف لن يموّل أفلامي·
حتى هذا اليوم لم أنتج إلا أفلامي الخاصة· وحتى وقت إنتاجي لفيلم نوسفراتو، كنت أعمل في شقة صغيرة في ميونيخ، تحتوي على تليفون وآلة كاتبة· لم يكن هناك انقسام جلي بين الحياة الخاصة والعمل· بدلاً من حجرة الجلوس كان لدينا غرفة مونتاج، وكنت أنام هناك أيضاً· لم يكن لدي سكرتيرة، لا أحد يساعدني في مسألة الضرائب، مسك الحسابات، العقود، طباعة السيناريو، التنظيم· كنت أفعل كل شيء بنفسي· إنها مسألة إيمان، مسألة لياقة إنسانية بسيطة لإنجاز العمل الشاق قدر المستطاع·
ثلاثة أشياء - هاتف، آلة كاتبة، سيارة - هي كل ما تحتاجه لإنتاج الأفلام· لكن على نحو متعذر اجتنابه، فيما صارت أعمالي تصل إلى جمهور عالمي أكبر، إضافة إلى التخطيط لإقامة عروض خاصة واستعادية للأفلام، والحرص على الاتصال بالعديد من الأفراد، فإن إدارة المكتب لوحدي، دون مساعدة من أحد، صارت صعبة جداً·
صفحة 10
أذكر أن مدراء شركة فوكس للقرن العشرين، عندما أبدوا اهتمامهم بالمساهمة في إنتاج نوسفراتو، أرادوا مني السفر إلى هوليوود لإتمام الإجراءات· لكنني لم أرغب في الذهاب إلى هناك، لذلك دعوتهم إلى ميونيخ·
التقيت بهم في المطار، وحشرت المدراء الأربعة داخل حافلتي الصغيرة التي لا يوجد بها جهاز تدفئة، رغم أنه كان صباحاً شتوياً قارس البرودة، وأخذتهم إلى الريف البافاري· في ما بعد، أبدوا ذهولهم عندما طالبت، ضمن الميزانية، بدولارين فقط مقابل السيناريو، حيث كنت بحاجة إلى 200 ورقة بيضاء وقلم رصاص·
من أين حصلت على المال لتمويل أفلامك الأولى؟
- خلال سنواتي النهائية في المرحلة الثانوية، كنت أكسب المال بالعمل في نوبة ليلية كلحّام في مصنع للصلب، وكعامل في موقف للسيارات، وأشياء من هذا القبيل· ربما النصيحة الأكثر أهمية التي أستطيع تقديمها لأولئك الذين يتجهون نحو عالم السينما هو هذا: طالما أنك قوي البنية، وتستطيع أن تكسب نقودك بنفسك، فلا تذهب وتبحث عن مهن مكتبية لدفع الإيجار· كذلك لا أرى جدوى في الأعمال السكرتارية في شركات الإنتاج السينمائي· لذا عليك أن تخرج وتذهب إلى حيث يوجد العالم الحقيقي، إذهب واعمل كحارس أمن في ملهى للعروض الجنسية، أو كحارس في مصح عقلي، أو عامل في مسلخ·
سر على قدميك، تعلّم لغات، تعلّم مهنة أو حرفة لا علاقة لها بالسينما, يجب على من يحقّق أفلاماً أن يحوز تجربة حياتية· أعرف أن الكثير مما يوجد في أفلامي ليس مجرد ابتكار أو اختراع، إنها الحياة نفسها، حياتي الخاصة· تستطيع أن تكتشف عندما تقرأ كونراد أو همنجواي كم من الحياة الحقيقية توجد في تلك الكتب· هؤلاء هم الأشخاص القادرين على تحقيق أفلام عظيمة، مع إنني أحمد الله أنهم كتّاب آثروا الكتابة على الأفلام·
بالنسبة لفيلمي القصير الأول Herakles فقد كنت بحاجة إلى مبلغ كبير من المال، ذلك لأنني أردت أن أصوره بكاميرا 35 ملي وليس 16 ملي· إن صنع الأفلام، بالنسبة لي، يعني أن يتم تصويرها بكاميرا 35 ملي فقط، وكل ما عدا ذلك يبدو لي غير متقن· لكاميرا 35 ملي، أكثر من أي شيء آخر، القدرة على إثبات ما إذا كان لدي (أو ليس لدي) ما أقدمه· وعندما بدأت، قلت لنفسي: إذا فشلت فسوف أفشل بعنف شديد بحيث سوف لن أسترد عافيتي أبداً·
وجدت نفسي عضواً ضمن مجموعة من السينمائيين الشبان· كنا ثمانية أشخاص، معظمهم أكبر سناً مني قليلاً· من مجموع ثمانية أفلام خططنا لتنفيذها، أربعة أفلام فقط دخلت مرحلة الإنتاج· ثلاثة أفلام تم تصويرها لكن لم تُنجز بشكل نهائي بسبب مشاكل في الصوت·
إن فشل الآخرين كان ذا مغزى لي: لقد اتضح لي أن التنظيم والالتزام هما من الأشياء الهامة التي تجعل الأفلام تبدأ وتنتهي، وليس المال· وعندما نأتي إلى فيلم مثل فيتزكارالدو فإننا نعلم بأن ما سحب السفينة عبر الجبل ليس المال بل الإيمان·
قلت بأن Herakles هو تمرين في المونتاج أكثر من أي شيء آخر، وأنك تجرّب مع وسط كنت فيه شخصاً مبتدئاً تماماً··
- عندما أنظر إلى هذا الفيلم اليوم، أجده غبياً وتافهاً، مع أن الفيلم في ذلك الوقت كان اختباراً هاماً لي· من خلاله تعلمت عن المونتاج وكيفية لصق مادة متعددة الأشكال جداً والتي عادةً لا تستقر على نحو مريح كوحدة كليّة· لهذا الفيلم اخترت شريطاً مصوراً لحادث في سباق للسيارات أدى إلى موت ثمانين شخصاً تقريباً بعد أن تطايرت أجزاء سيارة نحو مدرج المتفرجين، وأدخلت مع هذا شريطاً لمسابقة في كمال الأجسام·
بالنسبة لي، كان أمراً فاتناً أن أركّب، عبر المونتاج، أكثر من مادة معاً والتي لها حيوات منفصلة ومستقلة قائمة بذاتها· الفيلم كان ضرباً من التدرّب على الصنعة بالنسبة لي· لقد شعرت فحسب بأن من الأفضل لي أن أحقق فيلماً على أن ألتحق بمعهد للفيلم·
ما هي وجهة نظرك بشأن معاهد السينما؟ أعتقد أنك تفضّل أن يخرج الشباب ويحققوا أفلامهم على أن يبدّدوا سنوات في المعهد··
- شخصياً لا أؤمن أبداً بمعاهد السينما التي تجدها في كل أنحاء العالم اليوم· أنا لم أعمل قط مساعداً لمخرج ما، ولم يكن لدي أبداً أي تدريب أساسي في هذا المجال· أفلامي الأولى تشكّلت من التزامي العميق جداً تجاه ما كنت أفعله، تجاه ما كنت أشعر أن لا خيار آخر لدي غير أن أفعله· بالتالي هي أفلام غير متصلة تماماً بما يحدث في معاهد السينما - وفي السينما - في ذلك الحين· إنها سلسلة متصلة من التعليم الذاتي·· هذا التصميم القوي وإيماني بأعمالي الخاصة هو الذي ساعدني أن أستمر أكثر من أربعين سنة·
عازف البيانو يمكن خلقه في مرحلة الطفولة، بينما صانع الفيلم يمكن أن يتخلق في أي سن، أي مرحلة عمرية· أقول هذا فقط لأن، بدنياً ومن أجل عزف البيانو بشكل جيد، يحتاج الجسم أن يكون مكيّفاً منذ عمر مبكّر جداً· الموسيقيون الحقيقيون لديهم إحساس فطري، متأصل، تجاه كل الموسيقى وكل الآلات الموسيقية· إنه شيء لا يمكن غرسه إلا في سن مبكرة· بالطبع، محتمل جداً أن يتعلم إنسان بالغ العزف على البيانو، لكن السجايا والخاصيات الحدسية الضرورية سوف لن تكون موجودة·
كصانع فيلم شاب، قرأت في الانسكلوبيديا 15 صفحة عن تحقيق الأفلام· كل ما كنت أحتاجه لتهيئة نفسي والشروع في العمل السينمائي جاء من هذا الكتاب·
يبدو لي أن كل ما تكون مرغماً على تعلمه في المدرسة، سوف تنساه في ظرف عامين· بينما الأشياء التي تشرع في تعلمها بنفسك، من أجل إرواء عطش ما، أو إشباع توق شديد، فإنها تبقى ولن تنساها أبداً·
كان ذلك درساً مبكراً وأساسياً بالنسبة لي، جعلني أدرك بأن المعرفة المكتشفة من كتاب ما سيكون وافياً لأسبوعي الأول في الموقع، والذي هو ضروري طوال الوقت لتعلّم كل ما تحتاج أن تعرفه كمخرج سينمائي· حتى يومنا هذا، المعرفة التقنية التي أمتلكها هي أوليّة وبدائية· إذا واجهتني أمور تبدو معقّدة إلى حد بعيد، فإنني أجرّب· وإذا لم أستطع فهمها والسيطرة عليها فإنني ألجأ إلى تقنيّ يساعدني·
لقد تحدثت في الماضي عن المدى الذي يكون فيه الفيلم مجالاً تعاونياً، وكم من المهارات المختلفة والمتنوعة يحتاجها الفيلم··