eKtab
EN ع
عبد الرحمن البزاز - أول رئيس وزراء مدني في العراق الجمهوري
اقرأ عينة مجانية

عبد الرحمن البزاز - أول رئيس وزراء مدني في العراق الجمهوري

بقلم سيف الدين الدوري

صفحة 1
مقدمـة
 
في تاريخ العراق المعاصر الكثير من المنعطفات التاريخية البارزة، انتفاضات وثورات وانقلابات عسكرية قادها الشعب أو انفرد بها حزب أو مجموعة من الضباط بعضها اشعلت الروح الوطنية وكانت في مجموعها ارهاصات ادت إلى اندلاع ثورة العشرين وحركة مايس/ايار 1 4 9 1 ووثبة 8 4 9 1 وانتفاضة 2 5 9 1 وثورة 41 تموز/ يوليو 8 5 9 1 التي انحرفت عن مسارها وخلفت بعدها سلسلة من الانقلابات أو المحاولات الانقلابية العسكرية التي مزقت البلاد ووحدتها الوطنية وشتت العباد وخسر العراق خلالها ابرز شخصياته الوطنية والاسلامية والقومية التقدمية· ولكن مازال هذا التاريخ غامضا لدى الكثيرين ومجهولا للغالبية العظمى خاصة من الشباب الذين لا يعرفون شيئا عن تاريخ العراق الحديث والمعاصر الذي يعتبر الركيزة للانطلاق في الحاضر ونحو المستقبل·
 
وفي هذا الكتاب الذي نقدمه للقراء عن المرحوم عبد الرحمن البزاز اول رئيس وزراء مدني في العهد الجمهوري في العراق حيث يكشف هذا الكتاب اسرار فترة حكم البزاز ويكشف الوجه الحقيقي الذي اهمله التاريخ ويلقي الضوء على افكاره وارائه ويزيل الظلم الحيف الذي لحق بهذه الشخصية العراقية التي صنعت بعضا من تاريخ العراق خلال اشهر قليلة من توليه رئاسة الحكومة العراقية· كما يدحض الكتاب التهم والشبهات التي وجهت نحوه وهو ذو العقلية المتحضرة التي طواها النسيان واهملها الزمن ونالتها حملات التشهير والتشويه والتزييف فالبعض اتهمه بالعمالة للانكليز واخرون اتهموه بالعمالة لشركات النفط من خلال بيانات ومنشورات حزبية ضيقة الافق استهدفت تصفية حسابات شخصية مع البزاز حينما تسلم رئاسة الحكومة·
 
ان فكرة الكتابة عن البزاز راودتني منذ سنوات بعد ان شعرت انه السياسي والمفكر المفترى عليه وقد نشرت عام 9 9 9 1 ملخصا لمسيرة البزاز في جريدة الزمان التي تفضلت مشكورة بعرضها على حلقات اربع الا ان ظروفا خاصة حالت دون انجازي لهذا العمل المتكامل رغم اطلاعي على العديد ممن عاصروه وعملوا معه أو خاصموه والذين كان بامكاني لو كنت في بغداد لاستعنت بهم ليكشفوا بعض الغموض عن احداث تاريخية هامة عصفت اثناء حكم البزاز ·
 
ان رحلة البحث عن حياة البزاز ومسيرته ليست سهلة ولكنها في الوقت نفسه ليست صعبة خاصة بعد اتسعت في الاوساط السياسية والصحفية والتاريخية موجة المذكرات الشخصية التي تساعد الباحث في مهمته·
 
لقد تحيرت في نقطة البدء في الكتاب ولكن بعد تفكير طويل استقر الرأي ان اتخذ من عام 5 6 9 1 بداية الحديث عن سيرة البزاز لانه العام الذي تسلم فيه منصب نائب رئيس الوزراء ثم رئيسا للوزراء· وانه خلال الفترة القصيرة من حكمه التي لم تتجاوز العام الواحد حاول خلالها اقامة نظام التعددية الحزبية والديمقراطية وحرية الصحافة واصدار الدستور الدائم وحل القضية الكردية لوقف نزيف الدم بين الاخوة العرب والاكراد وكذلك معاجته للمشكلة المزمنة مع الجارة ايران وابعاد الجيش عن السياسة والدولة· وهي المحاولة التي خلقت ضده تكتلا عسكريا ممن اغرتهم مباهج السلطة ومكاسبها الشخصية فتآمروا عليه واجبروه على الاستقالة·
 
المؤلف
صفحة 2
حياة البزاز، نشأته ودراسته
 
ونظاله في العهدين الملكي والجمهوري
 
والبزاز هو عبد الرحمن عبد اللطيف حسن البزاز مواليد 4 1 9 1 من عشيرة(الاسلم) وهي فرع من عشيرة شمر قدمت من نجد إلى العراق قبل حوالي 0 0 6 عام واستوطنت الجبهة الغربية من نهر الفرات وبالذات في ناحية المعاضيد والواقعة على نهر الفرات بين قضائي عانة وحديثة على الحدود العراقية السورية· والده الحاج عبد اللطيف حسن البزاز كان تاجر قماش· ولعبد الرحمن اعمام هم احمد الحسن وهادي وابراهيم ومحمود اما خاله فهو نجم الدين الواعظ مفتي الديار العراقية الذي كان له تأثير كبير على حياة عبد الرحمن ونشأته الوطنية والقومية والدينية اذ كان ايمانه بالله والدين كبير ويؤدي فريضة الصلاة دون انقطاع وكذلك الحج اذ كان يعتبر ذلك جزءا اساسيا من تكوين ويعتقد ان هناك ترابطا قائما بين العمل القومي والعمل الديني ولذلك كانت لدى عبد الرحمن البزاز الرغبة منذ ان كان لاجئا في القاهرة للفترة من 0 6 9 1- 3 6 9 1 في انجاز مشروع القرآن المرتل الذي ساعده في انجازه السيد نوري فتاح الصناعي العراقي المعروف· ولعبد الرحمن اشقاءهم الحاج امين البزاز والدكتور فخري البزاز استاذ علم النبات في جامعة هارفرد في الولايات المتحدة الامريكية وصبري البزاز موظف سابق في الخطوط الجوية العراقية وعبد الحافظ وعبد المنعم والدكتور حسن البزاز استاذ جامعي واصغرهم عادل البزاز - اما عبد الرحمن البزاز فله ولدان هما عامر وعزام وثلاثة بنات هن غفار التي توفيت في القاهرة قبل عزام وبعده توفيت عامرة وفي اوائل عام 1 0 0 2 توفيت زاهرة رحمهم الله جميعا ورحل الاربعة بسبب وجود كميات كبيرة من الكوليسترول في الدم وبقي ابنه الاكبر عامر المقيم منذ سنوات طويلة في لندن اطال الله عمره وامده بالصحة·
 
يتحدث احمد الحبوبي الشخصية الوطنية والقومية العراقية في كتابه(اشخاص كما عرفتهم) عن البزاز اثناء لجوئهما في القاهرة في الستينات فيقول(وكأن القدر كان يترصده بفجيعة فقد مرض ابنه عزام 41 سنة تقريبا واشتد قلقه عليه اذ سبق ان فقد ابنتين له·
 
كانتا مصابتين بنفس المرض منذ عام أو اكثر وكان عزام فتى جميل المحيا مقبلا على الحياة مفرط الذكاء يعشق كرة القدم ولا ينقطع حديثه معي عن الكرة واللاعبين ومراكزهم دون ان يعرف خطورة مرضه وان الموت يحوم حوله ولم يمهله كثيرا فقد توفاه الله وكانت وفاته قاصمة لظهر عبد الرحمن البزاز فاخذ يبكي بكاء الثكلى وكان منظره يثير الحزن ويدعو للرثاء على حاله وتوليت انا والدكتور فيصل الوائلي تجهيز عزام وتم تسفير جثمانه إلى بغداد حيث دفن هناك) ص27·
 
ولد عبد الرحمن البزاز عام 4 1 9 1 في بغداد ودرس الابتدائية في مدرسة الكرخ الابتدائية ثم تخرج في الاعدادية المركزية ثم كلية الحقوق التي تخرج فيها عام 4 3 9 1 وكان يحمل افكارا وطنية عربية وهو ما يزال طالبا غير انه لم يتخل عن القيم الدينية والاخلاقية التي نشأ عليها في صغره وترعرع شابا تشرّب افكارا سامية جمعت بين الدين والوطنية على الرغم من ان معظم زملائه على مقاعد الدراسة اعتمدوا الوطنية ونبذوا القيم الدينية· وفي عام 5 3 9 1 سافر عبد الرحمن البزاز إلى بريطانيا ومكث هناك اربع سنوات تلقى خلالها تعليما سليما في القانون في كلية الملك بجامعة لندن حصل خلالها على درجة عليا امام المحكمة العليا في بريطانيا وظل هناك حتى بداية الحرب العالمية الثانية سنة 9 3 9 1 وحينما عاد إلى بغداد اصطدم باول حاجز منعه من الاشتراك في النشاط الوطني في سنة 1 4 9 1 حين ناصر مع الوحدويين حركة رشيد عالي الكيلاني في مايس/ايار 1 4 9 1 التي اجهضت من قبل القوات البريطانية اعتقل عبد الرحمن البزاز ومكث في السجن للفترة من 1 4 9 1 - 5 4 9 1 وبعد الحرب العالمية الثانية وخروجه من المعتقل عمل في وزارة العدل لفترة قصيرة قبل ان يصبح عميدا لكلية الحقوق مما عزز مركزه في الاوساط الوطنية 0وراح يحاضر طوال عشر سنوات في القومية العربية ويكتب عنها وكان الهدف الرئيس من كتاباته هو تفسير القومية العربية على اساس اسلامي حيث كان يرى ان الاسلام تراث ثقافي لايعادي القومية العربية وانما يشكل احد عناصرهاولم يكن الهدف الرئيس لتفكيره اثارة الحماسة الدينية التقليدية وانما تهذيب روح الشبان الذين نادوا بالقومية العلمانية عن طريق العودة إلى القيم الدينية والاخلاقية وادخالها في مفهوم القومية العربية ·
صفحة 3
وفي عام 5 4 9 1 تزوج عبد الرحمن البزاز من (وفيـة) ابنة خاله نجم الدين الواعظ وسكن محلة سوق الجديد في منطقة الكرخ ثم انتقل إلى الاعظمية في جانب الرصافة حيث بنى له دارا في محلة راغبة خاتون بمنطقة الصيلخ ·
 
وبعد ثورة 32 تموز/يوليو 2 5 9 1 في مصر ودعوة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى الوحدة العربية التي اثارت حماسة الوحدويين في جميع انحاء العالم العربي اصبح البزاز اكثر نشاطا في الدوائر الوطنية· ورفع بالاشتراك مع فريق من المربين مذكرة إلى الملك الراحل فيصل الثاني في شهر تشرين الثاني /نوفمبر 7 5 9 1 تحتج على اعمال القمع التي يمارسها رئيس الوزراء انذاك نوري السعيد ضد حرية التعبير عن الاراء السياسية خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 6 5 9 1 حيث اعتقل هو ومن معه من الذين وقعوا على المذكرة وذلك في 92 تشرين الثاني من السنة نفسها وحوكموا وابعدوا من بغداد لمدة قصيرة بعد طرده من منصبه كعميد لكلية الحقوق وبعد الافراج عنه راح يمارس المحاماة حتى سنة 8 5 9 1 حيث قيام ثورة 14 تموز/يوليو وعاد إلى منصبه كعميد لكلية الحقوق غير انه لم يمض طويلا حتى اختلف مع قاسم لان البزاز ايد كتلة الوحدويين التي كان العقيد عبد السلام محمد عارف يمثلها في صراعه مع الزعيم عبد الكريم قاسم والتي كانت تنادي بالوحدة مع مصر· ونقل تحت ضغط الشيوعيين العراقيين إلى وزارة العدل كقاض في محكمة التمييز· ومن هناك تم اعتقاله عقب حركة الشواف في اذار /مارس 9 5 9 1· وحينما خرج من المعتقل سافر إلى لبنان في اجازة قرر من هناك الاستقالة من منصبه كقاض وتوجه إلى القاهرة حيث اقام فيها طوال السنوات الاربع عمل خلالها مديرا لمعهد الدراسات العربية وهو معهد لتدريب الشبان في الشؤون العربية برعاية جامعة الدول العربية ومكث في القاهرة حتى قيام حركة 8 شباط /فبراير 3 6 9 1 التي اطاحت بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم·
 
ظهر البزاز في المحكمة العسكرية العليا أو ما تسمى بمحكمة المهداوي عام 9 5 9 1 عندما جىء به شاهدا امام المحكمة وجرى حوار ساخن بينه وبين المدعي العام العسكري العقيد الركن ماجد محمد امين فاظهر البزاز شجاعة فائقة في عدم السماح للمدعي العام للتطاول الذي مارسه محمد امين مستغلا مركزه وموقعه في المحكمة حين طلب البزاز من المحكمة ان تحميه من تعديات وتجاوزات المدعي العام فكسب عطف الناس من خلال شجاعته ·
 
وكان البزاز قد اعتقل في عهد عبد الكريم قاسم وبالذات عقب فشل حركة العقيد عبد الوهاب الشواف وزج في سجن الدبابات الرهيب في معسكر الرشيد وقال في محاضرة له في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بغداد في 7/3/6 6 9 1 حول التحديات التي تواجه الامة العربية (كان احد ابناء الموصل اسمه عبد الرحمن البزاز معلم ابتدائية مرة اوفد إلى موسكو وانا كنت في السجن معتقلا وقرأت العبارة - اوفد الاستاذ عبد الرحمن البزاز وهو غير الخائن الرجعي الفاشستي المتآمر عبد الرحمن البزاز-)·
 
وقال البزاز(وانا اكرم بهذه الخيانة واكرم بهذه الرجعية واكرم بهذا التآمر فانا حاربت الاستعمار وحاربت العهد البائد وسابقى احاربه لكني لا اريد ان استبدل استعمارا باستعمار وانا اريد القومية العربية اصيلة تخطط طريقها بنفسها وتصطنع ما تشاء من نظم حرة غير مضغوط عليها وهي تعتقد العمالة واحدة سواء كانت لبريطانيا أو امريكا أو لغيرهما)·
صفحة 4
كانت حركة 8 شباط 3 6 9 1 هذه نقطة تحول في حياة البزاز فما ان اصبح عبد السلام عارف الذي كان يعرف البزاز معرفة شخصية ووثيقة رئيسا للجمهورية حتى تم تعيين البزاز من قبل علي صالح السعدي نائب رئيس الوزراء العراقي انذاك سفيراً للعراق لدى الجمهورية العربية المتحدة وذلك حينما كان البزاز ضمن وفد العراق لتهنئة الرئيس عبد الناصر بذكرى قيام الوحدة السورية المصرية واقامت نقابة المحامين المصريين حفل استقبال للوفد العراقي حضره الرئيس عبد الناصر وعلي صالح السعدي واثناء الاحاديث بين عبد الناصر والسعدي تقدم عبد الناصر نحو السعدي قائلا له لقد اخترت لكم سفيرا في بغداد هو السيد امين هويدي ثم اشار اليه وقدمه للحضور وهنا اشار السعدي إلى عبد الرحمن البزاز وقال لعبد الناصر ونحن اخترنا استاذنا عبد الرحمن البزاز سفيرا للعراق في القاهرة وقد لعب دورا جيدا في محادثات الوحدة الثلاثية التي جرت في القاهرة انذاك للفترة من اذار/,مارس - نيسان /،ابريل 3 6 9 1 وكان من المؤيدين للاتحاد الفيدرالي· ثم عمل سفيرا للعراق لدى بريطانيا وامينا عاما لمنظمة الاقطار المصدرة للنفط - اوبك - للفترة من 4 6 9 1 - 5 6 9 1 ·
 
لكن بعد اشتداد الحملة الاعلامية المعادية بين النظامين في العراق ومصر شعر البزاز بحرج شديد في الاستمرار في وظيفته ممثلا لحكم يناهض عبد الناصر وفي الوقت نفسه كان يشعر في حرج اكبر امام المسؤولين البعثيين في العراق اذ كان يقدر جيدا فضلهم الكبير عليه وفي انهاء حكم قاسم فطلب من وزير الخارجية طالب شبيب ان ينقله إلى موقع اخر وبالفعل اصدر شبيب امرا بنقله بنفس وظيفته من القاهرة إلى لندن· هذا الموقف ظل في ذاكرة عبد الرحمن البزاز فحينما تولى رئاسة الوزارة عام 5 6 9 1 عمل جاهدا على تعيين طالب شبيب مديرا لمكتب الجامعة العربية في لندن وفاءا منه لموقف شبيب منه· لم تكن السلطة هدفا بالنسبة للبزاز ولا المال بل كانت رغبته الاكيدة في القيام بعمل اصلاح اجتماعي وسياسي ويقول البزاز في كتابه (صفحات من الامس القريب، ثورة العراق ··هل كانت حتمية) ص34 (ان علة ذلك باختصار - الشعور بالتبعة - والحرص الشديد على- الحق والحرية - ومرجع هذه التبعةاعتقادي بان الجيل الذي انا واحد من بنيه مطالب بتقويم الاعوجاج، انه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، انه من فروض الكفاية التي اذا تركها الكل وجب العذاب على الجميع· وكنت احس ان جيلي - على العموم - قد شغلته متطلبات الحياة المادية والهته ضرورات الحياة ومتاعبها عن كل ما سوى ذلك فركن في غالبيته العظمى إلى العافية وآثر الهدوء واكتفى على افضل الاحوال بالقول المأثور- اللهم هذا منكر لا ارضى به ولا اقدر عليه -وهذا الموقف السلبي لا يمكن ان تتحقق معه البيئة الصالحة التي تمهد لروح ثورية صرت ازداد كل يوم يقينا بان لا سبيل للاصلاح الجذري غير سبيلها ولابد اذن من تغذية هذه الروح الثورية بالتضحية ولابد من الاستعداد لقبولها) ·
 
ويضيف البزاز قائلا(وثمة دافع داخلي اخر لسلوكي هذا هو الحرص الشديد على - الحق والحرية - الحق الذي هو رائد القاضي الاول والحرية هي مطلب المعلم الاساسي، لقد بقيت روح القاضي المعلم أو المعلم القاضي تلازمني طوال حياتي لا اثناء الدرس وميدان القضاء - وقد بقيت نحوا من عشرين عاما قاضيا أو مدرسا وقاضيا ومدرسا - فصرت ارى ان الحق يجب ان يقال لا في المحكمة اثناء النظر في القضايا فحسب بل وفي كل قضية تعرض علي في الحياة وفي أي عمل اقوم به· والحرية التي اؤمن بها واتعشقها انتقلت معي من محيط الدراسة إلى اجواء الحياة ذاتها، فحين تتعرض الحرية لخطر اساسي اشعر انني مطالب بان اقوم بقسطي بغض النظر عن النتائج المتوقعة، ولقد كنت في حماسي للحق وحرصي للحرية اردد كثيرا قول الشاعر العربي ابو ماضي·
 
اني لاغضب للكريم ينوشه
 
من دونه وألوم من لم يغضب
 
فلقد غضبت لكل فرد كريم ولكل شعب كريم ولكل مطلب كريم، ولمت من لم يغضب واغضبت بسلوكي هذا الحاكمين في كل العهود وتعرضت بسببه لسخطهم ونقمتهم ولكني ارحت بذلك ضميري وشعرت بانني اديت واجبي وسلكت سبيل الحق والحرية) المصدر نفسه ص 54 ·
صفحة 5
كان البزاز معجبا بمحمد جواد الجزائري 1 8 8 1- 9 5 9 1 ويقول عنه انه اول زعيم روحي وضع مقدمات الثورة العراقية الكبرى عام 0 2 9 1 وكان مرجعية لجيل اخر نظمه في تيار عربي قومي حين دعا إلى انشاء دولة عراقية للخلاص من الاساطير القرون الاولى·
 
ويقول البزاز عن الجزائري كان فقيها ومتكلما وشاعرا وخطيبا ومتفقه في الدين ولد في النجف الاشرف لال الجزائري وكذلك شقيقه الشيخ عبد الكريم الجزائري 2 7 8 1 - 2 6 9 1 الذي كان احد زعماء ثورة العشرين وكان فقيها ايضا ·
 
يمتلك عبد الرحمن البزاز مكتبة كبيرة في بيته تشغل غرفتين في الطابق الارضي وغرفة ثالثة في الطابق العلوي اذ كان يقضي معظم اوقاته في المطالعة أو مقابلة الاصدقاء والزوار ويمارس البزاز رياضة المشي والسباحة والاعتناء في الحديقة اضافة إلى حبه للجلسات الثقافية في داره والتي كانت تضم خيرة المثقفين اذ كان البزاز يقيم علاقاته على اساس ثقافي واجتماعي فهو كان احد مؤسسي نادي المثنى ثم نادي البعث الذي اغلق بعد عام 6 5 9 1 بعد حرب السويس وهو ناد قومي ثقافي لا علاقة له باي حزب أو منظمة سياسية فاغلق لمجرد دعوته الفكرية للقومية العربية وعرف البزاز على مستوى الشارع السياسي العراقي ابان العدوان الثلاثي على مصر سنة 6 5 9 1 وذلك عندما رفع البزاز وكان يومئذ عمديا لكلية الحقوق مع مجموعة من اساتذة الجامعة مذكرة إلى وزير المعارف يشجبون فيها العدوان وينددون بموقف الحكومة العراقية المتخاذل ازاءه فكان جزاؤهم ان فصلوا من الجامعة وحددت اقامتهم في بنجوين وتكريت كما بعث ببرقية باسم نادي البعث العربي حيث كان البزاز رئيسا للنادي انذاك إلى جمال عبد الناصر للتهنئة مع حوالي ثلثمائة دينار كان قد تبرع بها اعضاء النادي استجابة لطبه العون من الاقطار العربية والاقطار المحبة للسلام كلها وكان النظام انذاك قد عطل مجلة النادي بعد ان ضاق ذرعا بنقدها ودعوتها القومية وظهر البزاز مرة اخرى على المسرح السياسي عام 9 5 9 1 عندما جىء به شاهدا امام محكمة المهداوي المشهورة والحوار الساخن الذي دار بين المدعي العام العسكري وبين البزاز ابدى شجاعة فائقة لرد تطاول المدعي العسكري الذي استغل مركزه وموقعه في المحكمة الامر الذي حدا بالمرحوم البزاز ان طلب من المحكمة ان تحميه من تعديات وتجاوزات المدعي العسكري فكسب عطف الناس وعرى مصداقية المحكمة التي تحكم وتتحكم بمصائر المحالين اليها· لم يكن عبد الرحمن البزاز من رواد المقاهي بل كانت لبنان من البلدان المحببة اليه لغرض الكتابة والتأليف وكذلك بريطانيا لغرض العلاج· ولم تكن لديه هواية الاستماع إلى الاغاني أو المطربين· وكان من اقرب الاصدقاء اليه الدكتور علي الصافي وعبد الغني الدلي وسلمان الصفواني ونعمان العاني وحسن الدجيلي· وكان من اصدقاء الطفولة الدكتور احمد صميم الصفار وكان باستمرار يتفقد اقاربه ويسأل عنهم ويقدم المساعدة المالية للمحتاجين منهم·
 
يقول ابنه عامر شاهدت والدي يبكي مرتين الاولى عند وفاة احدى شقيقاتي والثانية عند انفصال سوريا عن مصر عام 1 6 9 1 ·
 
وكان البزاز محافظا في ملبسه فقد كان حريصا على ان يلبس ربطة العنق والروب فوق البيجاما طالما هو في الدار وكانت علاقاته مع اولاده واسرته قائمة على الانضباط اكثر منها إلى الصرامة·
 
حينما قام انقلاب 17 تموز/يوليو 8 6 9 1 كان البزاز في لندن للعلاج وعاد إلى بغداد ثم اعتقل عام 9 6 9 1 بتهمة التآمر والتجسس لحساب اسرائيل وخرج من السجن مشلولا وفاقدا للنطق بسبب جلطة في الدماغ وظل هكذا حتى انتقل إلى جوار ربه في 82حزيران/يونيو 3 7 9 1 اي قبل يومين من ما سمي بمؤامرة ناظم كزار مدير الامن العام الذي نفذ فيه الاعدام بعد ثلاثة ايام من وفاة البزاز الذي تعرض إلى تعذيب نفسي وجسدي على ايدي جلاوزة صدام حسين وناظم كزار الذين قلعوا له في ليلة واحدة اظافره العشرين من اجل ان يعترف لهم انه كان مواطئا مع الكويت للقيام بانقلاب ضد نظام حزب البعث الا ان البزاز كان يرفض ذلك لعدم وجود مثل هذه التهمة الا في مخيلة النظام· فقد طلبوا من البزاز ان يظهر على شاشة التلفزيون ليقول ان الكويتيين سلموه مبلغ ثلاثة ملايين ونصف مليون دينار لتمويل عملية الانقلاب المزعومة ونتيجة لاصرار البزاز على رفض ذلك كان يتعرض إلى المزيد من التعذيب فقد ربطوه واقفاعلى باب خشبية لمدة ثلاثة ايام دون ان يعطوه قطرة واحدة من الماء بل زيادة في التعذيب كانوا يفتحون حنفية الماء امامه كما وضعوه في زنزانة بمساحة متر مربع واحد ظل فيها واقفا لمدة ثلاثة ايام بعدها ثم وضعوه في زنزانة ورموه على ارضها المفروشة بالاسمنت المسلح دون اي فرش· كما تعرض ذات مرة إلى ضربة قوية على راسه وتعرض إلى صعقات بالتيار الكهربائي سببت له تخثراً في الدماغ التي ظل يعاني منها حتى وفاته ·واخيرا قدم إلى محكمة صورية وفي المحكمة دخل احد شهود الاثبات ضد البزاز واخبرهم انه كلفه بالاتصال بالكويتيين ضمن المؤامرة الانقلابية ·عندها شرح البزاز للمحكمة القصة الحقيقية لهذا الشخص الذي تبين فيما بعد انه احد عناصر اجهزة المخابرات العراقية الذي سبق له ان زار البزاز في بيته واخبره بان له قضية مع وزارة الدفاع الكويتية وطلب منه مساعدته بتزويده برسالة إلى وزير الداخلية انذاك الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح · الا ان البزاز اخبره انه لا علاقة له بالشيخ سعد لكن بالامكان مساعدته بتزويده برسالة إلى الدكتور محمد ناصر وزير الثقافة والاشاد في حكومة البزاز والذي كان مقيما في الكويت ويعمل استاذا في جامعتها · ورغم ذلك حكمت المحكمة على البزاز بالسجن لمدة 51 عاما بتهمة التجسس والتامر أكمل منها سنتين ونصف ثم اطلق سراح مشلولا وفرضت عليه الاقامة الجبرية في منزله وذلك بعد العديد من الوساطات التي بذلتها عدة شخصيا منها الزعيم الليبي معمر القذافي الذي زار بغداد لهذا الغرض ووعده الرئيس احمد حسن البكر قائلا اننا سنطلق سراحه بمجرد مغادرة طائرتك مطار بغداد الا ان ذلك لم يتم كما بذل الشخصية اللبنانية الوطنية كمال جنبلاط وساطة مماثلة لاطلاق سراحه كما توسط القادة السوفييت لاطلاق سراحه وكذلك بذلت المملكة العربية السعودية جهودا لاطلاق سراحه فتوجه إلى بغداد بطائرة خاصة الامير سلطان بن عبد العزيز كما بذل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات جهودا مماثلة لاطلاق سراح البزاز لكن كانت كل تلك الجهود دون جدوى كما بذل عدد من المسؤولين والوزراء العراقيين جهودا وتوسطوا لدى الرئيس البكر لاطلاق سراح ومنهم الدكتور احمد عبد الستار الجواري وزير التربية والدكتور عوة مصطفى وزير الصحة والسفير حمد دلي الكربولي لكن دون جدوى بل بالعكس كان التعذيب يزداد بعد كل محاولة توسط·
صفحة 6
لقد تطوع العديد من المحامين العراقيين للدفاع عن عبد الرحمن البزاز وبذلوا جهودا لتبرئته الا ان الحكم كان قد صدر قبل بدء المحاكمة ومن بين المحامين حسين جميل وفائق السامرائي وشوكت حبيب الشبيب · وكان السيد فائق السامرائي قد نصح البزاز قبل ذلك بان يبقى في لندن ولا يتوجه إلى بغداد عقب انقلاب 17 تموز 8 6 9 1 وقال له ان الرئيس عبد الناصر طلب مني ذلك ويحذرك من السفر إلى بغداد لان االحكم البعثي الجديد سوف لا يتركه وشأنه·
 
ويتحدث الحبوبي عن هذا الموضوع في كتابه المذكور اعلاه فيقول(حصل انقلاب 17 تموز 8 6 9 1 وكان البزاز في لندن ومن هناك ارسل برقية تهنئة لاحمد حسن البكر ليشعره انه ليس ضد السلطة الجديدة ولكنه ظل مترددا في العودة إلى العراق وقد علمت ان ابن خاله الدكتور مكي الواعظ نصحه بعدم العودة ولكنه عاد العراق وقيل تفسيرا لعودته انه مرتبط بقضايا مهمة موكل بها هي التي دفعته إلى العودة·· وجلس في داره يستقبل الناس من شتى الطبقات تتوافد للسلام عليه مما اوغر صدر السلطة عليه وراحت تحصي عليه حركاته وسكناته واتصالاته ·· ولم يطل به الوقت فقد انتزع من داره واودع المعتقل دون توجيه تهمة معينة له وراحت الاخبار تتسرب عن تعذيبه لانتزاع اي اعتراف منه بالتامر أو غيره وطال الاعتقال اعدادا كبيرة من الناس ومن شتى الطبقات وبعد اعتقالي اكثر من مرة غادرت العراق وتركت البزاز نزيل المعتقل ويتعرض للتعذيب الجسدي وقيل ان السلطة اتهمته بالاشتراك في - مؤامرة - فبركت خيوطها فاحيل مع اخرين إلى محكمة - الثورة - وادخل القفص وساءت صحته بعد ان حكم عليه بالسجن وراح الاعلام الخارجي يتناول قضية البزاز ويسلط الضوء على سوء معاملته وانه مريض أو محتضر وانه فقد النطق من شدة التعذيب مما شكل ضغطا سياسيا كبيرا على السلطة الحاكمة فاضطرت إلى اطلاق سراحه والسماح له بمغادرة العراق للعلاج فسافر إلى لندن مع زوجته حيث رقد في احد مستشفياتها)·
 
ويضيف الحبوبي(ولا انسى الصورة التي نشرتها له مجلة - الحوادث- وهو راقد على السرير كشبح أو هيكل عظمي ووجهه عبارة عن عظام بارزة واحدى عينيه مقفلة تماما والاخرى نصف مقفلة وقد رفع سبابته امام مصور الحوادث وكانه يجيب بنعم بناء على طلب المجلة عندما سالته - هل تعرضت للتعذيب؟- فرفع اصبعه بمعنى - نعم - تعرضت كما ترى امامك)·
 
كان مشلولا فاقدا للنطق ولم يكن سليما فيه غير سمعه ومن خلاله كان يجيب بسبابته ولم يمكث كثيرا اذ عاجلته المنية في بغداد ودفن فيها رحمه الله ·بعد ان مكث في احد مستشفيات لندن سبعة اشهر كانت الاشهر الثلاثة الاخيرة منها على نفقة قائد الثورة الليبية العقيد معمر القذافي ·
 
وعبد الرحمن البزاز هو السياسي والقانوني والمفكر ورئيس وزراء العراق الاسبق ولانه كان في طليعة السياسيين الذين يدعون إلى الديمقراطية والحرية قولا وفعلا ولان من المؤمنين فيهما فقد عاش حياته في سبيل تحقيق احلام وطنه في عراق ديمقراطي حر موحد وبلدا للعرب والاكراد وبقية الاقليات جميعا بلد المروءة والوفاء والانفة والاباء والسمو والكبرياء· عراق صلب دون ان يكسر ولين دون ان يعصر لا يتكبر ولا يتجبر كريم مضياف لكنه لا يدع احد يستغله أو يستغفله، عراق دمث صبور ودود ولطيف· فقد كان يرى في اختلاف الرأي نوع من التفكير ومصادرة الرأي نوع من التكفير ويؤكد دائما انه من انصار الاختلاف الحر بين الاراء وضد التكفير ويقول يجب ان نتعامل مع التفكير على اساس انه افتراضات قابلة للتصحيح بتفكير اخر وجهد عقلي ولا خطر من أي تفكير حتى لو كان مليئا بالاخطاء فمواجهة الفكرة بالفكرة الاخرى اما اتهام المفكرين ومصادرة ارائهم فتلك كلها اخطاء اكبر فهي عدوان على كرامة البشر وانسانية الانسان المتمثلة في حرية العقل وان التفكير ليس خطرا ولكن رفض الحوار هو الخطر ولانه غير صدامي ويؤمن بالحوار طريقا إلى الفهم الصحيح· ومن هنا يأتي اعجاب البزاز بالامام الشافعي فيروي عنه في المحاضرة التي القاها امام طلبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد حول التحديات التي تواجه الامة العربية قائلا(انا معجب بالامام الشافعي ومن دواعي اعجابي به كلمة كان يرددها لطلابه - مذهبنا انه صواب يحتمل الخطأ ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب - هذا هو الخلق العلمي وبهذه الروح ممكن ان يلتقي الناس ويتناظرون ويتجادلون ويتفاهمون ويصلون إلى الحلول المعقولة) ومن هنا ايضا اصدر البزاز في 10/11/5 6 9 1 قانونا بشأن تأكيد مبدأ سيادة القانون والمحافظة على الحرية الشخصية اذاعه راديو بغداد ينص على عدم جواز توقيف أو قبول توقيف أي شخص الا بامر صادر من جهة ذات اختصاص وبموجب مذكرة توقيف صادرة حسب احكام القانون· وطلب البزاز في قراره من السجون ومراكز التوقيف عدم قبول أي موقوف دون مذكرة رسمية· ونص القرار كذلك على عدم جواز حجز الاشخاص أو ابعادهم الا بموجب امر تحريري صادر عن رئيس الوزراء أو من يخولهم ممارسة هذه الصلاحية أي وزير الداخلية وقائد الميدان في شمال العراق· ودعا القرار محاكم امن الدولة إلى العمل في اوقات الدوام وخارجها للنظر في قضايا التوقيف السابقة التي قال البيان ان بعضا منها تعود الى(ثورة) شباط/فبراير 3 6 9 1·
 
وجاء في الاسباب الموجبة ان هذا القرار صدر تأكيدا لمبدأ سيادة القانون وضمان المحافظة على الحرية الشخصية وحماية حقوق المواطن ·
 
ومن جهة اخرى ذكرت صحيفة الثورة العربية البغدادية لسان حال الاتحاد الاشتراكي التنظيم القومي انذاك في عددها الصادر في 10/11/5 6 9 1 انه تم الغاء سجن السليمانية في شمال العراق وسجن الكوت في الجنوب وقالت ان اسباب الالغاء تعود إلى قلة عدد السجناء فيها إلى حد سمح باغلاقهما·
صفحة 7
وفي اليوم التالي اصدر البزاز امرا بتشكيل لجنة لتحري الحقاق للكشف عن المخالفات والتصرفات غير القانونية التي يقوم بها الاشخاص والمسؤولون من ذوي النفع العام ·
 
وتألفت اللجنة برئاسة محكمة التمييز وعضوية احد القضاة والمدير العام للاوقاف وتقوم اللجنة بالتحقيق في القضايا التي يحيلها رئيس الوزراء وتقدم توصياتها اليه لاتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بشأنها ·
 
كان عبد الرحمن البزاز شخصية قومية ورجل قانون بل انه كان رجلا فذا عظيما من نوابغ العلم واساطين القانون وفقهاء الدستور وجهابذة الدبلوماسية عراقيا عربيا وشخصية دولية مفاوضا ممتازا ومحدثا ساحرا ذكيا لبقا ظريفا يجمع بين المرونة والبساطة والتواضع والوداعة وبين الصلابة والاعتداد بالنفس وبالاصالة والعلم والثقافة والمركز المرموق· يقول عنه احمد الحبوبي في كتابه(اشخاص كما عرفتهم(كان عبد الرحمن البزاز ذا خلق رفيع عف اللسان لا يستغيب احدا ولا يرضى ان يستغاب احد في مجلسه، طويل البال، يسيطر على اعصابه، واسع الاطلاع خاصة في الشريعة الاسلامية، صادق التدين، كثير الاعتداد بنفسه إلى الحد الذي يعتبره البعض تعاليا لذا كانت صداقاته قليلة ونادرة وعلاقاته محدودة، رغم مظهره الدال على الصلابة الا انه يخفي في جانحيه خوفا ورعبا من المرض والموت يحاول ان يداريهما باللامبالاة والتماسك ·· رحمه الله)·
 
كان البزاز يعرف قدر نفسه ولا يتدخل في امور ليست من اختصاصه وفي محاضرة له بعنوان (التحديات التي تواجه امتنا العربية) والتي القاها امام طلبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بغداد قال (ان في القومية العربية من حيث اللغة هذا المعنى انها تجاوب لاستفزاز خارجي والقول في العربية كما يعرف اللغويون والادباء· وقد لا يكون من حقي ان اتحدث في اللغة- والادب وبين شهود هذا الحفل الاستاذة الجليلة الدكتورة سهير القلماوي التي ابت بالرغم من زيارتها الخاطفة لبغداد الا ان تشرف هذه الكلية وتشرفني بالاستماع إلى هذه المحاضرة) ونظرا للمكانة القومية المرموقة التي كان يتمتع بها البزاز اضافة إلى الخبرة القانونية فقد اعلن السيد عبد الله الاصنج احد قادة الحركة العمالية في جنوب اليمن وزعيم حزب الشعب الاشتراكي وزعيم جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل سابقا في تصريح له في القاهرة يوم 11/8/5 6 9 1 قال فيه(··· ان منظمة تحرير جنوب اليمن المحتل تريد استعارة خدمات البزاز السفير العراقي في لندن لمدة شهر بحيث يستطيع السفر إلى عدن وتقديم مشورة دستورية وقانونية للمنظمة)· للبزاز مواقف صلبة ظهرت ابان العدوان الثلاثي على مصر عام 6 5 9 1 حينما رفع وكان يومئذ عميدا لكلية الحقوق مع مجموعة من اساتذة الجامعة بينهم الدكتور جابر عمر والدكتور فيصل الوائلي والدكتور محمد علي البصام مذكرة إلى الملك فيصل الثاني يشجبون فيها العدوان الثلاثي على مصر وينددون بموقف الحكومة العراقية الذي وصفوه بالمتخاذل ازاء العدوان· وكان نتيجة هذا الموقف القومي الشجاع ان فصلوا من الجامعة وحددت اقامتهم الجبرية في مدينة تكريت (0 8 1 كيلومتر شمال بغداد)· وقد جاء في المذكرة ما يلي (نحن فريق من ابناء هذا الشعب من رجال التعليم العالي خاصة نرفع لمقامكم السامي هذه العريضة يحدونا إلى ذلك شعور عميق بالتبعات الجسام الملقاة على عواتقنا في هذه امرحلة العصيبة من تاريخ امتنا ويدفعنا إلى سلوك هذا المسلك اخلاصنا الشامل واعتزازنا بمهمتنا التعليمية وجدنا انفسنا ملزمين بولوج هذا الباب حين سدت علينا وعلى الشعب بمجموعه الطرق الديمقراطية المفتحة امام امثالنا في الامم الاخرى من احزاب سياسية ومنظمات نقابية وحرفية ومؤسسات عامة وصحافة حرة وحياة نيابية سليمة تعكس حال الامة وتعبر عن مشاعرها في كل الاحوال وتكون متنفسا امينا يحول دون الكبت الذي لا يؤدي في النتيجة - مهما طال مداه - الا إلى الانفجار)·
 
وجاء في المذكرة (ان فريقا كبيرا من رجال التعليم في المعاهد العالية لم يعودوا قادرين على اداء رسالتهم الفكرية في التوجيه والاسهام في بناء هذه الامة وقد اصبحوا حائرين في تحديد نوع الاتجاه الذي يرسمونه فهم يصطدمون بالواقع الذي يقوم عليه كل يوم دليل والذي يسعى اليه فريق من المسؤولين فيما يبدو في جعل العراق قطرا معزولا عن بقية اجزاء الوطن العربي لا يتحسس بمشاعره ولا يتجاوب مع ما يرن في اجوائه)·
 
وقالت المذكرة (ويؤسفنا يا صاحب الجلالة ان نسجل ان الشعور القومي الصحيح لم يزل ضعيفا وغير موجه وتقع تبعة ذلك على المسؤولين عن سياستنا العامة فشكوكهم المغالي فيها من الطلاب والفئات المثقفة ومحاربتهم لكل اوجه النشاط في فترات طويلة وتجميد كافة الفعاليات ادى إلى هذه النتيجة المؤلمة)·
 
وقدم البزاز وزملاؤه مقترحات لتفادي السوء الذي يستشري حسبما جاء في المذكرة وهي :
 
1- اسباغ الحرمة اللازمة على المعاهد العالية ورجال التعليم ومنع حدوث ما وقع من بعض الحوادث المؤلمة في بعض الكليات من قبل رجال الشرطة مما يثير الاشمئزاز في نفوس الطلاب والاساتذة والمجتمع كله·
 
2- ضمان الحرية الفكرية لرجال التعليم العالي في نطاق ما هو جار في العالم في الحدود المعقولة وفسح المجال امامهم للعمل وفق شعورهم القومي ·
 
3- فسح المجال اللازم لنشاط الطلاب داخل الكليات تحت اشراف الاساتذة مع الرقابة الموجهة المعقولة وادخال نظام الفتوة وجعل الخدمة العسكرية بشكل يزيل ما استقر في اذهان البعض منهم من انها بمثابة العقوبة لهم وللحد من حرياتهم وحمايتهم من الاساليب التي تحطم الخلق الرفيع وخاصة شيوع الشرطة السرية فيما بينهم ·
 
4- اطلاق سراح الموقوفين من الطلاب والطالبات بسبب التظاهر من اجل قومية عامة يحس الناس جميعا بها·
 
5- اجراء تحقيق سريع وعادل مع الذين اساءوا إلى بعض رجال التعليم وانتهكوا حرمة المعاهد ومنع التحدي والاستفزاز الذي تقوم به الشرطة في حراستها للمعاهد العالية مدججة بالسلاح ·
 
6- الاسراع في اتخاذ الخطوات العملية لتنفيذ قانون الجامعة وتحقيق الحياة الجامعية واعداد ما يلزم لذلك فقد اخذت الشكوك في عدم جدية السير بموضوع الجامعة والحرص على تجميد الوضع الراهن وتقوى في نفوس الكثيرين منا·
 
7- ان تعطيل الدراسة لامد غير مسمى مظهر سلبي ودليل على فقدان الخطة الايجابية وفيها تبديد لاعز الثروات - اننا نرى ان من الواجب تعبئة طلاب المدارس العالية واعدادهم بالاضافة إلى الدراسة - إلى شتى المسائل لمجابهة الاخطار الداهمة التي تهددنا من اسرائيل وحلفائها الذين اوجدوها ولم يزالوا يمدونها بكل اسباب القوة للتمادي في بطشها وعدوانها ·
صفحة 8
وختاما - يا صاحب الجلالة - نود ان نعلن لجلالتكم ان الفئة المثقفة وخاصة من رجال التعليم يكونون جزءا مهما من هذا الشعب ولكنهم يشعرون انهم لم ينالوا العناية الكافية ولم تحاول السلطات الافادة منهم كما يجب ان تستفيد بل لم تحاول الاستنارة بارائهم في المسائل الجوهرية المتصلة بمسلكهم)·
 
وفي اواخر عهد الرئيس عبد الرحمن عارف وحكومة الفريق طاهر يحيى وحينما تدهور الوضع السياسي نتيجة الضغوط التي تعرض النظام لها عقب الاجراءات الاقتصادية المعادية لشركات النفط الاجنبية في العراق فقد قدم البزاز مع مجموعة من المفكرين العراقيين رسالة إلى الرئيس عارف والفريق يحيى في 27/21/7 6 9 1 يحذرون فيها من تفاقم خطر الوضع القائم في العراق ويطالبون بتأليف وزارة انتقالية تعمل على فترة الانتقال المنصوص عليها في الدستور المؤقت واقامة حكم ديمقراطي نيابي وانهاء الازمة الخطيرة والتأزم النفسي الشديد الذي يعانيه الشعب· وفيما يلي نص الرسالة التي تحمل 22 توقيعا بينها توقيع البزاز :
 
تحية طيبة
 
انطلاقا من هذا الشهر المبارك الذي ترنو فيه النفوس وتتسامى واتباعا لقوله تعالى (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واستجابة لمطالب شعبنا ورعاية لحقوقه نرى لزاما علينا نحن فريق من اتباع هذا الشعب ممن يعرف احواله ويتجاوب مع الكثرة الكاثرة من ابنائه ان نصارحكم بامور تتعلق بحقيقة الاوضاع القائمة والمشكلات الاساسية التي تتطلب الحل العاجل والدين النصيحة الافتقار إلى السند الشعبي ·
 
يمر العراق اليوم كما تمر الامة العربية كلها بمرحلة من ادق المراحل واصعبها فلقد تعرضنا لهوان ما بعده هوان بعد نكسة حزيران التي كان من اسبابها الرئيسة افتقار انظمة الحكم في عدد من الدول العربية السند الشعبي الذي لاغنى عنه في اية معركة مصيرية كالتي خاضتها الامة العربية دفاعا عن حقوقها وكيانها ووجودها ·
 
وقد كان من اضرار فردية الحكم هذه ان جانبنا كبيرا حتى الرأي العام العالمي لم يتجاوب مع الامة العربية بما يتناسب وعدالة قضيتنا في هذه المعركة المصيرية الخطيرة وبينما نجد ان بعض الدول العربية الشقيقة قد اخذت تراجع نفسها بجرأة في بعض الاسس التي قامت عليها انظمة حكمها نجد العراق اليوم معني في هذه السياسة الشاذة حتى بدا ان الظاهرة التي يمتاز بها الحكم القائم هو القضاء على كل ما تبقى من مفاهيم الحكم الدستوري في البلاد خلافا لكل القيم الديمقراطية وقد تناست بيان الثورة الاولى الذي وعد الشعب بان الثورة انما قامت لكي تمهد الطريق امام قيام حكومة تنبثق عن الشعب وتعمل بوحي منه·
 
كما ان هذه السياسة الشاذة تكون خروجا على الدستور المؤقت الذي اعلن في 28/7/8 5 9 1 والذي وعد الشعب بالاسراع في تشريع الدستور الدائم باستفتاء يعرب فيه الشعب بحرية تامة عن رأيه باسلوب الحكم الديمقراطي الذي يختاره لنفسه كما نص الدستور المؤقت نفسه على تحقيق سياسة الشعب والعمل على منع اغتصابها ضمان حقوق المواطنين وصيانتها ·
 
لقد جاء الدستور المؤقت لسنة 4 6 9 1 مؤكدا لها في نصوصه وفحواه والذي حدد فترة الانتقال التي كان يرجو الا يطول امرها حيث يوضع دستور البلاد الدائم أن تكون الكلمة الاخيرة فيه للشعب ·
 
الوضع الحاضر
 
واليوم وقد انقضى نحو من عشرة اعوام هالنا الوضع الذي صارت اليه شؤون هذا الوطن وروعنا الاخلال المتزايد باستقراره وساءنا ما نشهده من تردي اوضاع الحكم وضعف الشعور بالمسؤولية مما ادى إلى تدني الادارة الحكومية وارتباك اجهزة الدولة نتيجة للاوضاع الشاذة التي سبقت الاشارة اليها بالاضافة إلى تهديد المواطنين بارزاقهم وموارد عيشهم وابعاد عدد من اكفاء الموظفين واحلال المحسوبين والمتحزبين محلهم بالاضافة إلى القضاء على حرية الصحافة ومخالفة نصوص الدستور المؤقت وروحه بشكل واضح وصريح ·
 
ان الاوضاع التي ضج الشعب منها بامر الشكوى والفساد الذي اخذ يستشري يوما بعد يوم والتمادي في تجاهل مصالح الشعب وحقوقه الاساسية من شأنه ان يؤدي إلى احداث لا تحمد مغبتها ما لم يتدارك الامر وينظر مطالب الشعب الاساسية بجد واهتمام تامين·
صفحة 9
الاهداف الاساسية
 
ونرى ان الاهداف الاساسية يكمن اجمالها بما يلي :
 
1- تحقيق الوحدة الوطنية التي هي المنطلق الطبيعي لاية وحدة اشمل لا بالفعل وبالقول المجرد ولا يتأتى ذلك الا باحكام مبدأ سيادة القانون والقضاء على اسباب الفرقة والتمايز والتعصب والنظر إلى الشعب كله نظرة واحدة بغض النظر عن معتقدات افراده واصولهم ومسالكهم وجعل مغانم هذا الوطن لهم كلهم كما تكون عليهم مغارمه وتنفيذ بيان 29 حزيران 6 6 9 1 نصا وروحا بصورة كاملة وباسرع وقت مستطاع ·
 
2- الاستمرار في العناية بالجيش من كل الوجوه وتعزيز قياداته بالاكفاء من الضباط الذين ادت ظروف الماضي إلى تركهم الجيش حينما تكون الحاجة إلى خبراتهم اشد ما تكون اليوم· ونحن نقارع خصما شرسا كما يجب العمل بدأب على تخليص الجيش من شؤون الامن الداخلي ليتفرغ لمهمته الاصلية الكبرى ويستعد لها الاستعداد اللازم ليحقق اخر الامر للعراق الامن التام والاحترام الدولي ويمكنه من الاسهام في معركة العرب الكبرى في فلسطين ·
 
3- وما من شك في ان تحقيق الهدفين المشار اليهما اعلاه من شأنه ان يمهد الطريق للسير بالبلاد حثيثا لانهاء فترة الانتقال التي طال امدها وتشريع قانون جديد الانتخابات يضمن حرية الانتخاب المباشر ويعبر وبصدق عن ارادة الشعب الحرة لانتخاب مجلس تأسيسي يضع الدستور الدائم الذي يجب ان تصان فيه الحريات العامة بصورة جلية لتقدم اسس الحياة الديمقراطية السليمة في هذا الوطن ·
 
4- وضع قانون لمحاسبة الذين اثروا على حساب الشعب باية كيفية كانت (قانون من اين لك هذا) وذلك لصيانة الاموال العامة ووضع حد للعبث والاستغلال والتحزب والاختلاس ·
 
5 - اتباع سياسة واضحة المعالم في علاقاتنا العربية والخارجية بحيث يكون للعراق دوره الفعال بما يتناسب مع مطامحه وطاقاته وبذلك يظهر وجه العراق الحقيقي في السياسة الدولية وفي المجال العربي وفي كل المؤتمرات والاجتماعات واللقاءات ويستطيع العمل بصورة جدية لتحقيق وحدة الامة العربية ·
 
6 - اتباع سياسة مالية سليمة والغاء الضرائب عن غير القادرين على دفعها وتخفيف الاعباء عن كاهل صغار الموظفين واصحاب الدخل المحدود من العمال والفلاحين وضمان مكاسبهم وايجاد موارد حقيقية للدولة من ثروات البلاد الطبيعية وتمكين الشعب من الاطلاع علي ما يجري بهذا الشأن بصورة جلية كاملة والاستنارة باراء ذوي الخبرة كافة وتحقيق مبادىء العدالة الاجتماعية على اساس من سياسة اقتصادية رشيدة·
 
وزارة انتقالية
 
ونود في الختام ان نؤكد لكم ايها السيد الرئيس ان النهوض بهذه المهام الجسام لا يتأتى الا عن طريق وزارة انتقالية تعمل على انهاء فترة الانتقال والعمل على اقامة حكم ديمقراطي نيابي وانهاء الازمة الخطيرة والتأزم النفسي الشديد الذي يحسه الشعب وتفاديا للهزات والفتن التي لن تصيب الذين ظلموا منا خاصة·
 
والسلام على من القى السمع وهو شهيد
 
التواقيع
 
الدكتور عبد الرحمن البزاز· طالب مشتاق· الحاج نعمان العاني· سلمان الصفواني· الدكتور عبد الحميد الهلالي· الدكتور سليم النعيمي· الدكتور احمد كمال عارف· الدكتور علي الصافي· السيد مظهر العزاوي· الدكتور خالد الهاشمي· نجيب الصائغ· السيد حسين جميل· عامر حسامي· احمد عدنان حافظ· شاكر ماهر المحامي· حسن عباس الربيعي· نور الدين الواعظ· ابراهيم الراوي· فائق السامرائي· عبد اللطيف البدري· حسن الثامر· شكري صالح زكي·
 
وفي كتاب البزاز (صفحات من الامس القريب· ثورة العراق هل كانت حتمية) كتب معظم فصوله في اواخر عام 6 5 9 1 كما يقول في مقدمة الكتاب(كتبت معظم فصـول الكتاب وانا مقيـد الحرية في مـوقف شرطـة (بغداد الجديدة) أو في مدينتي (بنجوين) و(تكريت) اذ فيها تحددت اقامتي مع فريق من زملائي من رجال التعليم العالي، وكان ذلك في الفترة التي كان نفوذ (العهد السعيدي) في العراق قد بلغ خلالها ذروته· فقد كان حلف بغداد لم يزل قويا فعالا وكانت الملكية في العراق تبدو مستقرة ثابتة· وكان في البلاد شيء من الرفاه النسبي· وكانت دول الغرب تعتقد ان الازمة الشديدة التي تعرض لها الحكم في العراق، بسبب حرب السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، قد مرت بسلام وان (الرجل الحديدي) هكذا كانوا يلقبون نوري السعيد صحفهم ومجلاتهم- قد وفق لاقرار السكينة، واعادة النظام على الوجه الامثل الذي يودون) ص5 ·
 
تم توقيف البزاز مع عدد من اساتذة الجامعة بامر من قائد القوات حسب احكام المادة الاولى من ذيل قانون العقوبات البغدادي رقم 15 لسنة 8 3 9 1 المتعلقة بالشيوعية وكذلك المادة السادسة من الباب الثاني عشر المتعلق بامن الدولة الداخلي وهذه المادة تعاقب كل من يقوم بعمل من شانه الاخلال بالراحة العامة واضعاف الحكومة أو تقوية نفوذ الاجنبي· وبذلك وجهت للبزاز ورفاقه (تهمتين خطيرتين) هما الترويج للشيوعية والعمل على اقلاق الراحة العامة واضعاف الحكومة· كما وجهت للبزاز اثناء التحقيق تهمة التقصير في عمله عميدا لكلية الحقوق فلم يتخذ اجراءات لمنع اضرابات الطلاب بشان الجزائر ومن اجل مصر ولم يساعد على كشف المحرضين والقائمين بتلك النشاطات في الكلية· ويتحدث البزاز عن هاتين التهمتين فيقول (وعلى الرغم من شعوري العميق ببطلان هاتين التهمتين وتهافت ادلتهما وعلى الرغم من اجوبتي الصريحة القوية في التحقيق فقد احسست بشيء من الالم ذلك انني لم اكن اتصور ان شخصا أو اية جهة رسمية يتجرأ علي يوما ما فيتهمني ولو لمجرد الاتهام بالشيوعية وذلك لان سلوكي وعقائدي وارائي واوجه نشاطي الفكرية والاجتماعية واضحة كل الوضوح وهي في جوهرها قومية اصلاحية تجددية) المصدر نفسه ص27 ·
صفحة 10
ويتحدث البزاز عن اعتقاله عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 6 5 9 1 في كتابه صفحات من الامس القريب فيقول (جاءني إلى داري في الاعظمية في حوالي الساعة الثالثة بعد ظهر الخميس المصادف 29تشرين الثاني /نوفمبر 6 5 9 1 ضابط شرطة - من الشعبة الخاصة - البوليس السري - ومعه بعض افرادها بسيارة خاصة كبيرة وطلب الي بصوت خافت ان ارافقه إلى حيث يقتادني فاستأذنته ان يمهلني بضع دقائق لكي اضع علي ثيابي واجمع على عجل بعض حاجاتي الشخصية الضرورية وبعض الكتب اذ شعرت انني ساعتقل إلى انه قد يطول ولا بد من التزود لهذا السفر ببعض الغذاء الروحي) المصدر نفسه ص 74 ·
 
ويقول البزاز (وكان لتقديمي مع عدد كبير من رجال التعليم العالي عريضة إلى البلاط شرحنا فيها الحالة النفسية التي يقاسي منها رجال التعليم العالي من امور مستعجلة شأن في استثارة المسؤولين الذي عز عليهم ان يروا هذه الفئة الكبيرة مجمعة على استهجان الاوضاع القائمة في العراق ومستنكرة خاصة ما لقيت معاهد العلم وطلابها وبعض اساتذتها من عنت واستفزاز وتحد سافر من بعض رجال الشرطة بناءاً على أوامر بعض المسؤولين) المصدر نفسه ص 84 ·
 
ويضيف البزاز قائلا(وبلغنا معاونية شرطة بغداد الجديدة وتوجهت إلى غرفة المعاون الذي استقبلني بادب جم واستحياء ظاهر وقد عرفني بنفسه وذكرني بانه كان احد طلابي في دورة ضباط الشرطة العالية - حيث كنت ادرسهم قانون العقوبات - فسرني ان اكون موقوفا في مركز ضابطه من طلابي القدماء وزاد سروري اني وجدت في الغرفة الاستاذ حسن الدجيلي بانتظارنا وكنت اتوقع وجوده فعلا فقد كان من بين الذين وقعوا على العريضة وساهموا في اعدادها والدعوة لفكرتها· وبينما كنا نتحث اذ بزميلين اخرين يصلان هما الدكتور فيصل الوائلي والدكتور محمد علي البصام وكانا في الحق نشيطين في جمع التواقيع على العريضة والترويج لفكرتها· وبقينا نرتقب الضيف الخامس وهو الدكتور جابرعمر حيث اعلمنا الضابط ان الاوامر قد صدرت بالقاء القبض عليه· ومرت ايام ولم يقبض عليه وعلمنا انه استطاع الفرار ولجأ إلى سوريا) المصدر نفسه ص 15 ·
 
وفي العشرين من كانون الاول /ديسمبر 6 5 9 1 احيل البزاز وزملاؤه إلى المجلس العرفي للمنطقة الاولى في معسكر الوشاش ببغداد· وتلا البزاز الدفاع عن التهم الموجهة اليهم نيابة عن زملائه· كما تولى المحامي سعد عمر مهمة الدفاع عن المتهمين وارتجل كلمة بليغة في الدفاع عنهم واشاد بماضيهم وجهادهم القومي واشار إلى انعدام أي دليل مادي يمكن الركون اليه في اصدار الحكم· ورغم ذلك اعلن المجلس العرفي وضع المتهمين تحت مراقبة الشرطة لمدة سنة استنادا لاحكام المادة 09 من قانون اصول المحاكمات الجزائية البغدادي· ورغم ذلك لم يطلق سراح البزاز وزملائه وبقي في معاونية بغداد الجدية عدة ايام حتى صدر قرار ترحيلهم إلى بنجوين في لواء السليمانية حيث مكث فيها قليلا تم نقله وزملاءه إلى قضاء تكريت
 
وللبزاز كتاب اخر بعنوان(ابحاث واحاديث في الفقه والقانون) طبعه في ربيع عام 8 5 9 1 أي قبيل الثورة بشهور معدودات· ويقول البزاز (في الايام الاولى من الثورة لم يخطر لي خاطر نشر هذه الصفحات وعلى الاخص انه كان فريق من العراقيين يلح علي في نشرها ولكن شعورا داخليا غامضا تغلب في صرفي عن ذلك، فكنت احس بان عملي هذا قد يفسر بنوع من الانتهازية أو على الاقل قد يوصم بالتسرع الذي لا يتسق مع مهام رجال التربية والتعليم ممن يحملون رسالة ويدينون بمثل عليا· واكثر من هذا فقد كنت اشعر بان العهد الماضي قد مضى وقد لا يكون من المروءة في مثل تلك الفترة الحادة، ذكر حوادث ووقائع تمس اشخاصا قد اصبحوا زائلين، أو بحكم الزائلين خاصة وان بعض الناس في العراق اخذوا يدعون بطولات وهمية لاشخاصهم ويلفقون حوادث ليس لها أي وجود) المصدر نفسه ص 7 ·
 
ان صفاء سريرة البزاز وطبعه الذي تغلب على المجاملة ورقة اخلاقه واستقامته المطلقة ونزاهته في العمل قد اوجد قناعة مطلقة لدى الجميع بانه الشخصية المؤهلة لتحديث العراق· فهو على غزارة علمه ومعلوماته كان حريصا على ان يقرأ ويطالع ويعّلم ويتعلم وقال في لقاء له مع طلبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في 7/3/6 6 9 1 (لا ادري كيف ابدأ ولا كيف اعبر عما اشعر به وقد عدت بعد غيبة نافت على عشر سنوات عن هذه الكلية التي عملت فيها ما وسعني الجهد لا عميدا فقط وانما وهذا الذي اعتز به محاضرا كان يجلس امام المنصة ويحاضر طلابه ويشعر باللذة التي ما فوقها لذة ويشعر بالعزة التي ما بعدها عزة حينما يجلس على مثل هذا الكرسي وامام هذه المنضدة· وقلت في مناسبة سابقة لو اتيح للمتنبي ان يكون استاذا لَحَوّرَ في بيته المشهور الذي يقول فيه :
 
اعز مكان في الدنا سـرج سـابح