eKtab
EN ع
عبد الرحمن البزاز فكره السياسي
اقرأ عينة مجانية

عبد الرحمن البزاز فكره السياسي

بقلم د. فاتن محمد رزاق

صفحة 1

تقديم

أجبرتنا الحقيقة ذاتها أن نردد دائماً القول القائل بأن التاريخ لا يدوّنْ نفسه، وأن الذين يسجلونه هم أنفسهم الذين يفرضون عليه – غالباً- ما يشأؤون. فلم توجد الحقيقة كي تبقى حبيسة. فلربما تختفي وراء ظلها ردحاً من الزمان، ولكنها بالنتيجة، ستظهر رغم ما يصيبها من تجاهل ونكران. وها نحن الآن أمام حقيقة تاريخية تكشف الوجه الحقيقي الذي أهمله التاريخ، لنلقي الضوء عليها ونضعها ناصعة أمام الناظرين إلى الحقيقة، والساعين إلى كشفها ومعرفتها.

والحديث هنا عن المفكر الكبير، والعربي الأصيل، والمواطن المخلص، والمسلم الملتزم، والقاضي الرصين، والسياسي المتين، والكفوء الموهوب عبد الرحمن البزّاز. هذه الشخصية التي ساهمت، وبشكل فاعل، في صياغة الفكر القومي العربي، والتي أنجزت خلال إحدى عشر شهراً من تولي مسؤولية قيادة العراق، ما لم ينجزه الأخرين في عقود، بل لم يقتربوا، ولو قليلاً، من تلك الإنجازات التاريخية. هذه العقلية المتحضرة والشخصية المتكاملة التي طواها النسيان لفترة من الزمان، حاولت النفوس الضعيفة النيل منها. لكن الحقيقة ظهرت، بعد أن اختفت وراء ظلها ردحاً طويلاً من الزمن، وبدأ الشعب يسعى للبحث عن الحقيقة منطلقاً من الوفاء الذي يحمله لهذا الإنسان العظيم، المخلص لوطنه وشعبه أشد الإخلاص وبأصدق النوايا، الطامح لبناء وطنه على أحسن حال، والناشد لشعبه الرفعة والتقدم، والساعي إلى رضاء ربه على أتم وجهه. منطلقاً من المقولة القائلة؛ بأن الشعب الذي لا يعرف الوفاء، شعب لا يعرف التقدم.

ولكي يكون الحديث شيقاً وقاصداً ومؤثراً، فقد آثرت في هذه الكلمات القليلة التي أقدّم بها لجهد وفيّ وكبير سعت إليه طالبة علم في مقتبل حياتها الأكاديمية، للحصول على الشهادة العليا، فكانت حقاً حاملة لرسالة العلم والوفاء في آن معاً، مقترناً ذلك باسمها وفاء محمد رزّاق. وأن تبدأ في اختيارها لمسيرتها العلمية المستقبلية بالبحث في هذه الشخصية القومية المنبع، الوطنية المسعى، والدولية السمعة. وكانت حقاً موفقة في شرحها لجزءٍ من مواصفات ذلك الرجل، وهو الجانب الفكري السياسي للبزّاز. وما أعمقها فكراً وأخلصها نيّة وأكثرها وضوحاً. ولكي لا تتكرر الأقوال والأفكار، فقد آثرنا أن نذكر بعض المقتطفات فيه من مختلف الأجناس والأطياف والانتماءات والألسنة، ومن أقوالهم النجيبة، لتكون مقدمة حيادية، سَلِسةً، قاصدة، ومكملة لما جاء في هذا الكتاب الذي نتقدم إلى كاتبته بالامتنان والعرفان وفاءً لوفاءها وأدائها وحرصها على كشف الحقيقة التي حاول الحاقدون طمسها، والمرجفون إخفاءها، وتدافع الفاشلون لتزويرها نذكر جزءاً يسيراً مما قيل فيه، اعترافاً واحتراماً وإعجاباً وندماً:

· لم تكن السلطة هدفاً بالنسبة له ولا المال؛ وهنا يقول البزّاز، «إن علة ذلك باختصار، الشعور بالتبعة، والحرص الشديد على الحق والحرية، ومرجع هذه التبعة اعتقادي بأن الجيل الذي إنا واحد من بنيّه مطالب لتقويم الاعوجاج، أنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه من فروض الكفاية التي إذا تركها الكل وجب العذاب على الجميع. وكنت أحسن أن جيلي- على العموم- قد شغلته متطلبات الحياة المادية، وألهته ضرورات الحياة ومتاعبها عن كل ما سوى ذلك؟. فركن في غالبيته العظمى إلى العافية وآثر الهدوء، واكتفى على أفضل الأحوال بالقول المأثور – اللهم هذا منكر لا أرضى به، ولا أقدر عليه-.. وهذا الموقف السلبي لا يمكن أن تتحقق معه البيئة الصالحة التي تمهد لروح ثورية، صرت أزداد كل يوم يقيناً بأنه لا سبيل للإصلاح الجذري غير سبيلها، ولا بد إذن من تغذية هذه الروح الثورية بالتضحية، ولا بد من الاستعداد لقبولها.

· كان شديد الحرص على الحق والحرية. فبالنسبة له، فإن الحق الذي هو رائد القاضي الأول- وهو القاضي-، والحرية هي مطلب المعلم الأساسي- وهو الأستاذ والمعلم- فقد لازمته روح القاضي والمعلم طوال حياته أثناء الدرس وميدان القضاء. يقول البزّاز؛ فحين تتعرض الحرية لخطر أساسي أشعر أنني مطالب بأن أقوم بقسطي بغض النظر عن النتائج المتوقعة، ولقد كنت في حماسي للحق وحرصي على الحرية أردد قول الشاعر العربي أبو ماضي:

إني لأغضب للكريم ينوشه
من دونه وألوم من لم يغضب

· أنه رجل قانون من الطراز الرفيع والنوعية النادرة، ومفكر وصاحب رؤى ثاقبة. ولم يَرقْ هذا السلوك أو يقبل لبعض الحاسدين، لكي يأخذ صداه في الساحة السياسية العراقية والعربية التي سيطر عليها العسكر وتوجهاته الفئوية الضيقة. واليقين الذي لا شائبة حوله هو أنه لو اختار السلوك والمنحى الذي ألفته الساحة السياسية العراقية ورموزها لكان قد أمسك بزمام السلطة وهو الخبير بها والعارف لمسالكها والمدرك لكيفية قيادتها. بيد أنه وجد أن السياسة لا يمكن إلا أن تكون في خدمة الناس.

· كان مؤمناً إيماناً قاطعاً بالديمقراطية والحياة النيابية والممارسة البرلمانية الدستورية، ومبدأ الفصل بين السلطات. وهذا واضح وجلي في الفكر والنظرية السياسية والقانونية التي بناها وسار عليها. ولكن زحف العسكر على السلطة وتحزبهم الأعمى لها، منع البزّاز من الاستمرار على رأس السلطة المدنية المتحضرة. وأن زحف الريف على المدينة وتفويض سلطانها وانحسار دورها، وتمسك العسكر بها، أفرز ميكانيكية بالغة السوء جعلت العنف السمة الغالبة في الحياة السياسية وحرمت العقل المدني المتنور من المساهمة في بناء المجتمع الحضاري المتقدم.

· المقال الذي نشرته جريدة التايمز اللندنية في اليوم الذي تولى فيه الشهيد المرحوم البزّاز مسؤولية رئاسة الوزراء، أشار بوضوح إلى أن العراق قد كوفئ بعد سنوات عجاف وطويلة برجل يعلم ما هي الدولة ويعلم مسؤولية الحكومة تجاه الشعب، ويعلم مسؤولية الدولة تجاه إقليمها القريب والبعيد والعالم كله. وأشير بإعجابي ودهشتي بالتقدير الذي يكنه خصوم البزّاز لشخصه وكأنهم يضعون أصابعهم على عناصر القوة التي يتمتع بها هذا الرجل العظيم.

· قال أحدهم، وددت أن أذكر بعض الأمور عن المرحوم البزّاز. نحن نعتبر البزّاز من أعظم رجالات القرن العشرين في العراق. وهذا رأيي. فهو رجل ولا كل الرجال، فتى ولا كمالك، عالم ولا يدعي العلم، ومثالي في مبادئه ولا يدعي ذلك، ويقوم بأعمال ولا يدعي بها.

· أبدع في طرح مفهوم العدالة وبشكل لا يقل بهاءً عما إعتدنا مطالعته في حلقات الفكر السياسي قديمه وحديثه. إن مجتمع العدالة الذي طمح البزّاز إلى تحقيقه لم يكن ينسجم مع واقع التسلط والفئوية والشللية والقبلية وإحلالها محل سلطة القانون وعدالته التي حاول أن يجد لها محلاً وسط هذا الركام من الأفكار والقيم والتقاليد البالية.

صفحة 2

· عاش البزّاز ستون عاماً ولكنها في الحقيقة سفر مهم وعظيم من تاريخه العظيم وتاريخ العراق أيضاً. فهو شخصية لامعة يمتاز بوطنيته الصادقة تكاد تكون هي الرائدة وهي الفتح في هذه المواضيع الإسلامية والقومية. ولو تناولنا كتابه في القومية العربية والإسلام نجد أن هذا الرجل حلل العلاقة بين الإسلام والقومية العربية تحليلاً علمياً موضوعياً ورصيناً لم يسبقه فيه أحد.

· نحن نتحرى تاريخ رجل عظيم في فكره وفلسفته ومنهجه. لقد أسهم في وضع مكونات أساسية لصرح الدولة العراقية والسياسة العراقية. لكن حينما نلتفت اليوم نجد أن كل شيء انهار وسقط. هذا هو الجانب المحزن والمؤلم. إذن في الوقت الذي نحرك فيه كنوز وذخائر لأمتنا ممثلة بالبزّاز فإننا حينما نقارن شأننا بما جرى نجد أن الأمر جد حزين وجد مؤلم. لذا فالمقارنة تصبح مؤلمة وربما غير مقبولة.

· لقد آمن أن العراق في وضعه الراهن تحده دول إسلامية غير عربية، وتحده من جهة أخرى أقطار شقيقة. وأن سياسات العراق تجاه الدول المجاورة غير العربية هي الرغبة الأكيدة في التعايش السلمي والتعاون المخلص في كل المجالات وتحقيق معاني حسن الجوار. وسياسته تجاه الأقطار العربية واضحة المعالم. فنحن جزء من الأمة العربية ومصيرها مرتبط بها، وليس لمدرك أن يغفل عنه ولو ساعة واحدة.

· كان متأثراً بتجربة الدول الديمقراطية، وخاصة المملكة المتحدة. وذكر في مؤتمر صحفي أن الإنكليز كانوا يقيمون في تلفزيون لندن منهجاً أسبوعياً يدعون إليه بعض المسؤولين وتعرض عليهم أسئلة الصحفيين وأصحاب الاختصاص، ويجيبون عنها حتى يكون أبناء الشعب على بصيرة من الأمور. وأكد أننا أحوج من الإنكليز لهذا، ويحسن أن نمهد لهذا وأن نلتقي مع الشعب. لذلك قام ببرنامج شبيه سمي «مع الشعب» أو ندوة الأربعاء واكتسب رغبة وإعجاب الشعب بكامله بهذه المبادرة الإعلامية الصحفية السياسية الديمقراطية الناضجة. وكانت سابقة في بلداننا، بل ربما في بلدان العالم الثالث.

· لأنه كان في طليعة السياسيين الذين يدعون إلى الديمقراطية والحرية قولاً وفعلاً. ولأنه من المؤمنين بهما، فقد عاش حياته في سبيل تحقيق أحلام وطنه في عراق ديمقراطي حر موحد، وبلد للعرب والأكراد وبقية الأقليات جميعاً، بلد المروءة والأنفة والإباء والسمو والكبرياء، عراق صلب دون أن يكسر وليّن دون أن يعصر، ولا يتكبر ولا يتجبر، كريم مضياف، ولكنه لا يدع أحداً يستغله أو يستغفله، عراق دمث صبور ودود لطيف.

· كان يرى في اختلاف الرأي نوعاً من التفكير ومصادرة الرأي نوعاً من التكفير، ويقول يجب أن نتعامل مع التفكير على أساس من افتراضات قابلة للتصحيح وآخر جهد عقلي، ولا خطر من أي تفكير حتى لو كان مليئاً بالأخطاء. فمواجهة الفكرة بالفكرة الأخرى. أما اتهام المفكرين ومصادرة آرائهم فتلك كلها أخطاء أكبر، فهي عدوان على كرامة البشر وإنسانية الإنسان المتمثلة في حرية العقل. وأن التفكير ليس خطأ ولكن رفض الحوار هو الخطر.

· وعن الإنجازات الاقتصادية، فقد انطلق عملياً في تصفية الآثار التي خلفتها عملية التأميمات والقرارات الاشتراكية التي جاءت بها الحكومة التي سبقته، وراح يطلق التصريحات ويتخذ الإجراءات التي من شأنها أن تطمئن المواطنين على أرزاقهم وتطمين التجار واستقرار السوق. وينتقد التطبيق السيئ للاشتراكية، ورفع شعار الاشتراكية الرشيدة التي يستهدي بها لتحقيق العدالة التي ينشدها الجميع.

· وظل اهتمامه منصب على إنجاز الدستور الدائم للبلاد، والاستفتاء الشعبي عليه، إضافة إلى اهتمامه في إعداد قانون الانتخابات التشريعية. فقد أعلن في مؤتمر صحفي أن حكومته قد انتهت من إعداد قانون الانتخابات، ومشروع المحافظات والحكومات المحلية وقانون الخدمة الموحد وغيرها الكثير، مما أخاف أعداء الديمقراطية ودفعهم إلى التآمر عليه وإبعاده قبل أن تتم هذه الإنجازات العظيمة، التي لو استمرت لفوتت الفرصة أمام الحاقدين المتخلفين، ووضعت العراق بالاتجاه المعاكس كلياً لما سار عليه وانتهى به المطاف إلى ما هو عليه.

· ووسط هذا الفيض الهائل من صفاته، كانت النزاهة معلماً لهذا الرجل، وسمعة لصيقة به. هذا تاريخ لا ينكره قاصٍ ولا دانٍ. إن معيار النزاهة الذي افتقدته النخب السياسية في العراق، والذي أضحى سمة بارزة في الحياة العراقية وعملة مفقودة، كان لا بد أن يجعل البزّاز ضحية من ضحايا تاريخ ملئ بالعنف كتبه السماسرة وأصحاب المصالح وإن ما دُوَّن من حقائق وآراء تبقى منسبوة لكاتبتها وهي حاملة الأمانة العلمية وصاحبة الحق فيها.

ونختتمُ قولنا بقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

والنَّاسُ صِنفان مَوتى في حياتهمُ

وآخرونَ ببطنِ الأرضِ أحياءُ

الأستاذ الدكتور

حسن البزّاز

صفحة 3

المقدمــــــة

عرف تاريخ العراق السياسي المعاصر الكثير من الشخصيات الوطنية التي كان لها دوراً بارزاً في أحداثه، وقد نال بعضهم العناية والدراسة الكافية أما البعض الأخر فلم ينل هذه العناية وذلك لأسباب مقصودة أو غير مقصودة ومن بين تلك الشخصيات عبد الرحمن البزّاز.

فالأستاذ الدكتور عبد الرحمن البزّاز يعد من أبرز الشخصيات الوطنية المثقفة في تاريخ العراق السياسي المعاصر، فكانت له مواقفه السياسية المناهضة للعهد الملكي والمؤيدة لثورة 14 تموز 1958م والرافضة لسياسة عبد الكريم قاسم المتحالفة مع الشيوعيين ضد الحركة القومية العربية وبسبب مواقفه تلك تعرض للاعتقال والمحاكمة والنفي داخل العراق وخارجه ولمرات عديدة.

كما كان للبزّاز دوره الفكري المميز وطروحاته الناضجة التي استطاعت أن تؤثر على الكثير من أبناء جيله ومن بعده الأجيال اللاحقة، فكان بحكم نشأته وتربيته مفكراً قومياً عربياً مسلماً سخر عصارة فكره لبناء جيل عربي قومي مؤمن بقدر أمته ومصيرها ومدافعاً عن كيانها ومصالحها القومية، وداعياً فكره القومي إلى الحرية والاستقلال والوحدة العربية رابطاً بين القومية العربية والإسلام.

وكان لمعايشة البزّاز للعهدين الملكي والجمهوري وما رافقها من انتقاص لحرية الإنسان وحقوقه وما نتج عن ذلك من انتكاسة للديمقراطية في العراق، الأثر الواضح على تبني البزّاز للديمقراطية فكراً وممارسة ولم يخلوا الجانب الاقتصادي من اهتمام البزّاز وعنايته فكان الاتجاهان السائدين في تلك الفترة «الفكر الرأسمالي والشيوعي» اثر هما على طروحاته فنادى بالاشتراكية الرشيدة المتميزة عن أي اتجاه من الاتجاهات الاشتراكية والاتجاه الرأسمالي.

الفصل الأول

النشأة والأصول الفكرية لعبد الرحمن البزّاز

النشأة

هو عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن حسن بن حمادي بن حمد بن ظاهر بن مرعي بن حسين بن مرعي بن حسن بن عبد بن حسين بن محمد بن عبد الله بن خلف بن عبد الله بن محمد بن مشرف بن عمرو بن معاضد المعاضيدي([1]) وينتمي عبد الرحمن البزّاز اجتماعياً إلى فخذ البو حسن احد أفخاذ المعاضيد الذين هم فرع من قبيلة الاسلم من شمر طي([2]).
كان حسن ووالده حمادي الذّين سكنوا وعاشوا أبان العهد العثماني في بغداد، ومن القدماء، وعرف عنهما الرحمة ومساعدة المحتاجين والفقراء. وكان حسن وحيد أبويه. ورزق بخمسة أولاد وبنتان كان من بينهم عبد اللطيف الذي ولد عام 1875 في بغداد([3]).
لقب عبد اللطيف (بالملا) لمكانته الدينية، كما لقب (ابو اللمعي) لحلاوة لسانه و(ابو الصابونة) لنعومة كلامه وسلاسة شخصيته وقدرته على الإقناع أما الأكراد فقد اطلقوا عليه لقب (شيك) ([4]) وكان لعبد اللطيف زوجتان أحداهما شقيقة الحاج نجم الدين الواعـظ مفتي الديار العراقية ائنذاك، والأخرى كريمة الشيخ فتنة العبد الغني رئيس عشيرة المعاضيد.
وله منهما (امين، عبد الرحمن، فخري، صبري، حسن، حافظ، منعم، عادل، وعدد من الأخوات) ([5]).
أما عبد الرحمن البزّاز فقد ولد في 20 شباط 1913م بالكرخ في بغداد لعائلة معروفة بتدينها وتمسكها بالتعاليم الإسلامية([6]) وادخله والده مدرسة دار السلام الابتدائية في الكرخ في العاشر من أيلول عام 1923م وتخرج منها في 22 ايلول عام 1928م وحصل على مجموع (559) من مجموع (600) درجة مما اهله للقبول في المدارس الثانوية عام 1928م([7]).
وجـاء لقـب (البزّاز) عندمـا دخل الثانويـة حيث كان معه زميل يدعى عبد الرحمن أيضا فأراد المدير أن يفرق بينهما فسألهما عن عمل والد كل منهما فاجابه الاول بأن والده يعمل بصنع ألفروه فسماه (عبد الرحمن الفروجي)، اما الثاني فجاوبه بأن والده يعمل ببيع القماش فسماه (عبد الرحمن البزّاز). وتخرج في الاول من تموز عام 1932م من المدرسة ودخل كلية الحقوق في أيلول عام 1932م وتخرج منها في الخامس من حزيران عام 1935م([8]).
لقـد كـان الأستـاذ ساطع ألحصري عميدا للكلية، معجبا بالبزّاز وكذلك استاذ القانون الدولي منير القاضي شديد العناية والاعجاب بالبزّاز وبمواهبه وفخورا به، وكان يتنبأ له بمستقبل راق([9])، وعندما حدثت ضغوطات من قبل احد الوزراء ليجعل اخاه الاول على اقرانه اصر منير القاضي على اخذ الحق له وبذلك اصبح البزّاز الاول على اقرانه وحصل على جائزة الملك غازي وهي ساعة ذهبية كتب عليها اسم الملك([10]).
وبعـد تخـرج (البزّاز) رشح لاكمال دراسته في كلية الملك بجامعة لندن ولكن لـم تقبل شهادته الجامعية فعاد لدراسته أربع سنوات اخرى في الكلية([11]) ومنذ دراسته في لندن انصرف للعمل السياسي فعمل في القضايا القومية حيث استطاع تأسيس الجمعية العربية والتي عرفت (بالمؤتمر الاول للطلاب العرب) مع عدد من الرفاق في لندن([12]).
والجدير بالذكر أن المؤتمر الاول للجمعية انعقد في بروكسل في السابع والعشرين من كانون الاول عام 1938 وحضره ممثلون عن الطلبة العرب في بلجيكا وفرنسا وإنكلترا واختير البزّاز وحليم عز الدين نائبين للرئيس وكذلك كان البزّاز رئيسا للجنة الاجتماعية في الجمعية([13]) التي سعت الى بث فكرة القومية العربية لدى أبناء الشعب العربي ومنع الهجرة اليهودية الى فلسطين وتأسيس حكومة دستورية مستقلة([14]) كما عمل البزّاز في الجمعية الإسلامية التي كان معظم اعضاءها من الهنود المسلمين([15]) وبعد عودة البزّاز من لندن عام 1939م عين في كلية الحقوق محاضرا لمادة القانون الروماني وتاريخ القانون للمرحلة الأولى ومادة إحكام الأراضي للمرحلة الرابعة في السابع والعشرين من تشرين الثاني عام 1939م([16]) كما استمر نشاطه في تلك الفترة في العمل القومي من خلال جمعية الجوال العربي([*]) ([17]).
لقد استمر (البزّاز) بعمله في كلية الحقوق من الثالث والعشرين من نيسان عام 1940م حتى التاسع من تموز عام 1941م حيث فصل من وظيفته واعتقل بسبب موقفه المؤيد لحركة مايس عام 1941م وتعرض للتعذيب في معتقل الفاو والعمارة ونقرة السلمان([18]) التي كاد أن يموت فيها لأنه مرض حتى نقل الى مستشفى في الديوانية وبقي مدة ثلاث سنوات ونصف في المعتقل([19]).
وبعد خروجه من المعتقل عمل البزّاز في وزارة العدل قبل أن يصبح عميدا في كلية الحقوق مما عزز مركزه في الأوساط الوطنية فاستمر في عمله هذا من الاول من تموز عام 1945م حتى الحادي عشر من كانون الاول عام 1945م([20]).
وفي عام 1945م تزوج (البزّاز) من (وفية) ابنة خاله نجم الدين الواعظ وسكن منطقـة سـوق الجديد في الكرخ ثم انتقل الى الاعظمية في جانب الرصافة حيث بنى له داراً في محلة راغبة خاتون بمنطقة الصليخ([21]). وكان للبزاز ثلاثة اولاد وبنتان هم (عامر، عزام، غفار، زاهرة، عامرة) وكانوا يعانون من زيادة كبيرة في كولسترول الدم مما أدى الى وفاة الأربعة عدا (عامر) المقيم في لندن حاليا([22]).

صفحة 4

وفي الثاني عشر من كانون الثاني عام 1945م انتقل البزّاز الى وظيفة حاكم بداءة واستمر في وظيفة حاكم بداءة حتى الثامن والعشرين من تشرين الاول عام 1947م([23]) وبسبب مشادة كلامية بين البزّاز والمدون القانوني عوقب البزّاز بالإنذار من وزارة العدل في الخامس عشر من حزيران عام 1947م ونقل الى وظيفة مدون قانوني حتى الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1949م([24]) بعدها انتدب البزّاز الى مجلس التميز الشرعي في بغداد وادى واجبه بكل كفاءة ودقة مما ادى الى رفع الإنذار عنه واعيد الى وظيفته حاكم بداءة في الاول من كانون الثاني عام1950م واستمر حتى الثاني والعشرون من نيسان عام 1951م وبعدها رقى الى وظيفة حاكم بداءة بغداد الاقدم ومن ثم رقى الى الدرجة الأولى من الصنف الثالث في التاسع عشر من كانون الاول عام 1951م([25]) ثم انتدب الى هيئة الامم المتحدة في نيويورك للأمور القانونية في الرابع من تشرين الثاني عام 1952م حتى التاسع من كانون الاول عام 1953م([26]) وبعدها مثل البزّاز وزارة العدل في اعداد مشروع قانون نقابة الصحفيين الذي اقترحه مجلس الوزراء في الثامن من أيلول عام 1953م ثم انضم الى لجنة التدقيق العامة التابعة لضريبة الدخل العامة في السادس من تشرين الثاني عام 1953م([27]) وفي التاسع من كانون الثاني عام 1954م عين البزّاز عضوا في لجنة لائحة الاستثمار للأموال الأجنبية في المرافق العامة([28]).
وعاد ( البزّاز ) الى وظيفة حاكم بداءة بغداد الأقدم. وفي هذه الأثناء اختاره الأستاذ ساطع ألحصري (المعهد العالي للدراسات العربية) لإلقاء المحاضرات في تاريخ العراق الحديث من الخامس عشر من كانون الثاني عام 1954م حتى الخامس عشر من تموز عام 1954م([29]) ثم انتدب لوكالة عمادة كلية التجارة والاقتصاد في العشرين من تموز عام 1954م حتى العشرون من كانون الثاني عام 1955م واستمر في وظيفته في وزارة العدل حتى نقل الى وزارة المعارف([30]) وعين عميداً لكلية الحقوق في العاشر من تشرين الاول عام 1955م حتى الثامن من كانون الاول عام 1956م([31]) وفي ربيع عام 1956م مثل البزّاز العراق في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إضافة الى كونه عميدا لكلية الحقوق وفيما بعد فصل البزّاز من وظيفته كعميد لكلية الحقوق([32]) في الثامن من كانون الاول عام 1956م وذلك بسبب المذكرة التي قدمها مع مجموعة من زملائه([*]) ([33]) في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1956م الى الملك فيصل الثاني التي اعترضوا فيها على انعدام الحرية والديمقراطية وما تعرض له طلاب المعاهد والكليات من إجراءات تعسفية نتيجة لموقفهم المؤيد الى مصر والقضايا القومية العربية([34]).
وبعد تقديم المذكرة تم اعتقال (البزّاز) في مركز شرطة بغداد الجديدة مع كل من(د.حسين الدجيلي، د.فيصل الوائلي، محمد علي البصام) وقضى البزّاز مدة شهر في المعتقل، وبعدها وقف مع زملائه إمام المجلس العرفي (محكمة عسكرية خاصة) حيث اتهموه بتهمة الترويج للشيوعية والتحريض على قلقلة امن الدولة([35]) ولكن لم تثبت التهمة الأولى وهي اشتغاله بالسياسة وكذلك لم تثبت التهمة الثانية وهي الترويج للشيوعية فحكم عليه بالإبعاد ولمدة سنة نفياً الى بنجوين في لواء السليمانية ثم تكريت([36]) كما قدم البزّاز ومجموعة من السياسيين المعارضين مذكرة الى رئيس الوزراء آنذاك نوري السعيد وصورة منه الى رئيس الديون الملكي في الخامس عشر من اذار عام 1958م اعترضوا فيها على إقامة الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن في الرابع عشر من شباط عام 1958م ودعو الى الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة وإقامة الديمقراطية والحرية السياسية وكذلك دعوا الى الإفراج عن المحكومين السياسيين واجراء انتخابات سليمة([37]).
وبعد قيام ثورة 14تموز 1958م عاد البزّاز الى منصبه كعميد لكلية الحقوق غير انه لم يمض وقت طويل حتى اختلف مع الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم وايد كتلة الوحدويين التي كان عبد السلام عارف الناطق باسمها والتي كانت تنادي بالوحدة مع مصر ونقل تحت ضغط الشيوعيين الى وزارة العدل كقاض في محكمة التمييز([38]) وبعد ساعات من اعلان نبأ حوادث الموصل في الثامن من اذار عام 1959م (حركة الشواف) تم اعتقال البزّاز في وزارة الدفاع([39])، ثم حجز في معتقل أبي غريب نحو شهرين وبعدها نقل الى معتقل الدبابات في معسكر الرشيد وعانى البزّاز هناك معاناة قاسية وشهد أنواع الإهانات والتعذيب والتجويع([40])، وبعد هذه الاحداث قرر تقديم استقالته الى وزير العدل كقاض دائم في محكمة التمييز([41]) وكعميد في كلية الحقوق في 31 من تشرين الثاني عام 1959م وقد ذكر في المذكرة ما عاناه من سوء معاملة واحتجاز أكثر من مئة يوم بدون إطلاعه على مذكرة التوقيف أو على المادة القانونية التي تم وفقها احتجازه على التهمة الموجهة اليه واضافة الى انه لم يجر بحقه أي تحقيق قضائي([42]) وبعد إطلاق سراحه من المعتقل في الثامن من أب عام 1959م قرر الهجرة الى لبنان من اجل الاستقرار في أجواء الأمن والطمأنينة والحرية وفوق كل هذا من اجل كرامته الفردية وعزته القومية([43]) ثم انتقل البزّاز من لبنان الى القاهرة حيث عهدت اليه عمادة المعهد العالي للدراسات العربية خلفا للدكتور طه حسين وبدرجة استاذ غير متفرغ لكلية الحقوق بجامعة عين شمس في القاهرة عام 1960م([44])، كما نشط البزّاز حينما كان مقيما في القاهرة من خلال التجمع القومي هناك الذي تأسس بعد ثورة الشواف عام 1959م وضم مجموعة من العراقيين الذين هاجروا أو لجأ بعضهم الى الجمهورية العربية المتحدة بإقليمها الشمالي والجنوبي وضم التجمع ممثلين عن([45]):
1- حـزب الاستقلال وهم: (فائق السامرائي، سلمان ألصفواني، احمد الجزائري).
2- القوميون المستقلون وهـم: (عبد الرحمن البزّاز، احمد فوزي، د.جابر عمر).
3- حركة القوميون العرب وهم: (محمود الدرة).
4- الرابطة القومية وهم: (هشام الشاوي، عدنان الراوي).
5- حزب البعث العربي الاشتراكي وهم: (مدحت إبراهيم جمعة، وعبد الكريم الشيخلي).
6- جماعة الأخوان المسلمين وهم: (حبيب السامرائي، احمد الكبيسي، عبد الكريم ألشوكه). وبعض الجماعات من الحزب الإسلامي والأكراد منهم شوكت عقراوي وآخرين([*]) ([46]).

صفحة 5

وهدف التجمع الى الإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم ومعارضته من خلال استخدام راديو القاهرة ونشر الكتب الدعائية ضد النظام وإرسالها الى العراق وكذلك وجود نشاطات في دمشق تقوم بدور الدعاية ضد النظام([47]) وكان المكتب مرتبطا بمكتب شوؤن اللاجئين التابع لرئاسة الجمهورية العربية المتحدة ويقوم بإعمال السفارة في القاهـرة علـى الرغم مـن وجود السفارة العراقية([48]) الا إن البزّاز لم يكن راضيا تماما عـن التجمـع ودعى الى تأسيس جبهة هي (جبهة أحرار العراق) تضم العراقيين فـي الجمهورية العربية المتحدة والمعارضين لحكم قاسم، إلا إن السلطات لم توافق عليه([49]).
وكمـا اقتـرح البزّاز ميثـاقاً يضـم جميع القوى القومية وكان ينص: تمكين شعب العراق بإرادته الحرة لتحقيق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة وفق أسس مرضية.
إلا إن فؤاد ألركابي اقترح تجميد الفكرة وأيده جابر عمر في ذلك([50]) واستمر التجمع حتى قيام انقلاب الثامن من شباط عام 1963م، حيث أغلق مكتبه بعد انتهاء الغرض الذي أسس من أجله([51]) وعاد البزّاز بعد قيام انقلاب 8 شباط 1963م مستفيداً من قرار أصدره المجلس الوطني لقيادة الثورة بيان رقم (19) حول عودة الوطنيين من الخارج، فعاد البزّاز مسـاء الثالث عشر من شباط مع عشرة من الوطنين السياسيين في الساعة 6.5 مساء([52]) بالرغم من طلب أصدقاء البزّاز البقاء في القاهرة وان يستمر في عمله كمدير للمعهد العالي للدراسات العربية لان المعهد بحاجه إلى أيدي قديرة كالبزّاز خاصة بعد استقالة ألحصري من المعهد في عام 1958م([53]).
وفي الحادي والعشرين من شباط عام 1963م عين البزّاز سفيرا للجمهورية العراقية في القاهرة حتى السادس عشر من أب عام 1963م([54])، وشارك في مباحثات الوحدة الثلاثية (العراق ومصر وسوريا) عندما كان سفيرا في القاهرة وانتهت المحادثات بتوقيع ميثاق 17 نيسان الذي كان للبزّاز دورا فاعلا ورئيسا في صياغة الميثاق وإزالة الغموض عن كثير من المصطلحات وتفسيرها([55]).
ثم عين البزّاز سفيرا للعراق في لندن منذ عام 1963م حتى الأول من شباط عام 1965م([56]) ثم سكرتيرا عاما لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) ورئيس مجلس المحافظين في الأول من أيار عام 1964م حتى نيسان عام 1965م وفي السادس من أيلول عام 1965م كلف عبد السلام عارف (رئيس الجمهورية)، عارف عبد الرزاق([*]) بتشكيل حكومة جديدة بعد استقالة حكومة طاهر يحيى وعند تشكيل الحكومة الجديدة([57]) تسنم عبد الرحمن البزّاز منصب نائب رئيس الوزراء ووزيراً للخارجية والنفط وكالة في السادس من أيلول عام 1965م، حتى الحادي والعشرين من أيلول عام1965م([58]) وبعد عشرة أيام من تشكيل الحكومة الجديدة حاول عارف عبد الرزاق الانقلاب على الحكم مستغلا غياب الرئيس عبد السلام عارف في الدار البيضاء في المغرب إثناء حضوره مؤتمر القمة العربية([59])، واتهم عبد السلام عارف مصر بالمؤامرة فتوترت العلاقة بين البلدين لولا الجهـود التي بذلها البزّاز لرد هذه التهم([60]) وبعد فشل محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية، كلف عبد السلام عارف البزّاز بتشكيل الحكومة الجديدة التي استمرت برئاسة البزّاز من 21 أيلول عام 1965م حتى الثامن عشر من نيسان عام 1966م([61]) حيث تعتبر أول حكومة مدنية([*]) منذ ثورة 14 تموز 1958م أخذت على عاتقها مهمة تسيير نهج البلاد([62]).
وأعلن (البزّاز) نهج وزارته على المستوى الداخلي والعربي والدولي فدعا إلى السلام([63]) وضرورة الاستقرار السياسي ووقف القتال مع الأكراد ووضع مشروع تسوية للقضية الكردية، وسيادة حكم القانون واختيار الحكام من قبل الشعب بعيدا عن الثورات والانقلابات العسكرية وأيد استمرار الاتحاد الاشتراكي وفق أسس نظامية بعيد عن التكتل([64]).
كما تظمن نهج وزارة (البزّاز) على المستوى الإقليمي الدعوة إلى الوحدة العربية والالتزام بميثاق الأمم المتحدة وبناء علاقات وثيقة مع دول الجوار الإسلامية وإعطاء أهمية كبيرة للقضية الفلسطينية واعتبارها القضية المركزية([65]) وأكد البزّاز رغبته في التعايش السلمي والتعاون المخلص في كافة المجالات مع الدول غير العربية([66]).
لقـد حظـي (البزّاز) باحتـرام غيـر قليـل فـي أوسـاط المعتدليـن ممـن اضـر بهـم طول الاستبـداد العسكـري([67]). كمـا أكد عبد الرحمن عارف إن البزّاز رجل دولة من الطراز الأول وهـو يعمـل لصالـح العراق والأمة العربية ولا شائبة على مسيرته القانونية والسياسية([68]).
وفـي الثالـث عشـر مـن نيسـان عام 1966م احترقت الطائرة التي كانت تنقل الرئيس عبد السـلام عارف في البصرة حينما كان يقوم بجولة في المحافظات الجنوبية([69]) وأعلن رئيس الـوزراء (البزّاز) بيانـا فـي اليوم التالي لوفاة الرئيس نعى فيه الرئيس عبد السلام عـارف([70])، وأعلـن منـع التجول وإغلاق الحدود واتخاذ الترتيبات اللازمة لاختيار رئيساً للجمهوريـة خلال أسبوع مـن وفـاة الرئيـس السابـق([71])، ولكي يتم أختيار الرئيس الجديد لابد مـن جلستيـن مشتركتيـن لمجلـس الدفاع الوطني ومجلس الوزراء وقد تم ذلك خلال يومي السـادس عشـر والسابع عشـر مـن نيسـان عام 1966([72])، لقد وجد البزّاز في ذلك فرصة لإنهـاء الحكـم العسكـري الـذي استمـر ثمـان سنوات([73]) وإعادة الحكم إلى المدنيين لأنه يؤمن بأن الشعب يختار من يشاء سواء كان عسكرياً أو مدنياً ولا يشترط أن يكون عسكرياً كما يريد الضباط([74]).
وكـان مـن بيـن المرشحين وزير الدفاع (عبد العزيز العقيلي) الذي حضي بتأييد كتلة ضبـاط الموصل([75])، أما بعض الضباط الآخرين فوجدوا أنهم سينقسمون على أنفسهم في حالة إصـرار (البزّاز) وعبـد العزيز العقيلي على ترشيح نفسه، لذلك اختاروا عبد الرحمن عارف رئيساً وفـي حالـة عدم فوزه سيجري انقلاب عسكري يعلن عبد الرحمن عارف رئيساً للجمهورية فيه وجهـز سعـد صليبـي (آمـر موقـع بغداد) بالاتفاق مع ضباط آخرين سيارتين لنقل البزّاز والعقيلـي خارج بغداد وشوهدت دبابات وآليات مصفحة في بعض المناطق الحساسة([76])، ويمكن القـول أن البزّاز تعـرض للتهديـد ومـن كـان معه بعد مجيء اللواء بشير الطالب (آمر الحـرس الجمهـوري) وهـذا مـا أوضحـه عبد الرزاق الأسدي بقوله: (عنـد خروجـه من قاعة مبنى المجلس الوطني التي تجري فيها عملية اختيار الرئيس للبلاد، صـرخ فـي وجهـه الضابــط طـارق الجبـوري بقولـه: (أنظر إذا لم ينتخبوا عبد الرحمن عـارف رئيساً للجمهورية، لـن يخرج أحد حياً من القاعة)، وسمع ذلك التهديد من كان في القاعة ومنهـم البزّاز([77]).

صفحة 6

كما كان هناك تدخل خارجي متمثل بوصول عبد الحكيم عامر من القاهرة الى بغـداد علـى عجـل وتدخلاتـه السافـرة فـي تنصيب خلف لعبد السلام عارف تنفيذاً لرغبة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عدم وصول المرشحين الاثنين اللذين كان ضدهما للرئاسة في العراق: العسكري عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، والمدني الدكتور عبد الرحمن البزّاز رئيس الوزراء، وفـرض بدلهما اخو عبد السلام عارف([78]) الفريق عبد الرحمن عارف رئيس اركان الجيش وكالة، وقد ضـرب بالدستور عرض الحائط، ولأول مرة يرث رئيس جمهورية اخاه في الحكم كان في العراق([79])!.
فكانت مصر وراء إقصاء عبد الرحمن البزّاز من رئاسة الجمهورية وعن ابعاد العراقيين عن أي حكم مدني، فعبد الناصر كان يعرف البزّاز منذ ان عمل سفيراً في مصر وشارك في مباحثات الوحدة عام 1963، فكيف يأتي هذا السفير وهو من ابرز رجال القانون في العراق كي يشكل حكماُ مدنياً في العراق([80])؟.
وبعد إجراء الانتخابات فاز البزّاز بأربعة عشر صوتاً وحصل عبد العزيز العقيلي على صوت واحد فقط هو صوته، وعبد الرحمن عارف بثلاثة عشر صوتاً، ولكون ان أحدا لم يفز بأغلبية الثلثين بموجب الدستور فقد جرت دورة ثانية كان فيها تأثير الضباط حاسماً فتنازل البزّاز عن صوته لصالح عبد الرحمن عارف([81])، بالرغم من تأييد السيد مهدي الحكيم الذي طلب منه أن يكون رئيساً للجمهورية إلا أن البزّاز رفض ذلك([82]).
ويقـول إبراهيـم الـداود: (أن البزّاز تنـازل عـن الحكـم بعد أن قلـت لـه أنك أستـاذي واحبـك وأقـدرك ولكـن الجيش لديـه حساسية منك فالأفضل أن تتنازل عن الحكم فتنازل عن الحكم([83]) وانتخب عبد الرحمن عارف([*]) رئيساً للجمهورية فقدم البزّاز استقالته في الثامن عشر من نيسان عام 1966م وفي اليوم نفسه كلفه عبد الرحمن عارف بتشكيل الوزارة الجديدة(*[*]) ([84]) وفي الحقيقة تكتل العسكريين حول رئيس الجمهورية ضد البزّاز وخاصة (عبد الكريم فرحان، أحمد حسن البكر، صبحي عبد الحميد، طاهر يحيى، ناجي طالب، عبد العزيز العقيلي، رشيد مصلح) إلا أن عارف أصر على بقائه في رئاسة الوزارة([85])، كما أن سياسة (البزّاز) لم تكن مقبولة من قبل القوميين ضباطاً وحركة عربية اشتراكية([*]). وتنظيماً طليعياً([*]*) حيث اعتبروا منهجه يمينياً صرفاً([86]) لتمسكه الشديد بالإسلام وتدينه الواضح ولأفكاره خاصة الاشتراكية([87]) وعلى الرغم من استقلالية البزّاز إلا إن محاولتـه إقامة علاقة ودية مع الجارتين (تركيا وإيران) اعتبرت مهادنة للسياسة الغربية وهذه السياسة لا تتفق خصوصاً مع السياسة الناصرية([88]) حيث هاجمت العناصر الناصرية الرئيس عبد الرحمن عارف والبزّاز فوصفته بالعميل البريطاني ومهادن الاستعمار ولعل هذا التهجم يعود للأسباب التالية([89]):
1- تريد مصر من العراق أن يكون تابعاً لها فعندما تقطع علاقاتها مع دولة ما على العراق ان يتبعها في ذلك.
2- اختلاف مفهوم الاشتراكية الرشيدة التي يؤمن بها البزّاز وهي غير الاشتراكية العربية التي طرحتها مصر و تؤمن بها.
3- استغـلال العراق اقتصادياً ويتجلى ذلك بوجود جيش مصري والعراق ينفق عليه مع شراء العراق للمكائن والآلات القديمة من مصر بالجنيه الاسترليني وبسعر أعلى من سعرها في السوق إضافة الى شراء الاسمنت من العراق بثمن بخس.
وفي الحقيقة أن (البزّاز) رد على هذه الاتهامات بتاكيده ان السياسة التي اتبعها ليس من خوف أو ضعف بل أن السلطة تحتاج الى الصبر والحكمة والحلم والعمل الدائم وعلى سياسة الحوار وليس الاستسلام، كما أن الثورية لا تعني إثارة الخصومات مع الجيران والدول الأخرى لأن القومية أو الثورية المتحررة لا تتطلب ذلك([90]).
كما برر العسكريون هجومهم على البزّاز بأن وزارته مؤلفة من موظفين غير سياسيين وأنه ينوي أجراء انتخابات شعبية واتهم بتآمره مع الشيعة على الوقف السني وأشركهم وعينهم في أكثر مناصب([*]) الدولة خاصة في المجال الاقتصادي([91]).
وبعد محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية الثانية في 30 حزيران 1966م([92]) بدأ الضباط العسكريون بالضغط على رئيس الجمهورية لإقالة ( البزّاز ) خاصة بعد ان شعروا برغبة البزّاز في إجراء انتخابات كخطوة تالية من أجل حكومة تمثيلية (برلمانية)([93]) حيث وجد المعارضون للبزاز أن إجراء الانتخابات يعني إعادة الاعتراف بالحزب الشيوعي خاصة أن الحزب ما زال المؤثر على الرغم من القمع والتصفية التي تعرض لها منذ شباط عام 1963، وبما أن حزب البعث ممقوت من قبل الغالبية العظمى من العراقيين بسبب إعماله الوحشية عام 1963م، وأن كلا من الحزب الديمقراطي والاستقلال لم يعودا موجودين فان فرصة الشيوعية في الوصول الى السلطة تكون اكبر اذا ما أجريت انتخابات و هذا ما يرفضه المعارضون([94]) وفعلاً استجاب عبد الرحمن عارف لضغوط العسكريين وعطل قرارات مجلس الوزراء ونتيجة لذلك قرر البزّاز تقديم استقالته في 6 آب 1966م وتم قبولها وكلف ناجي طالب بتشكيل الحكومة الجديدة([95]) على الرغم من تقديم البزّاز استقالته من منصب رئيس الوزراء إلا أن روحه وحماسته الوطنية والقومية وشعوره بالمسؤولية تجاه بلده العراق والأمة العربية لم تتوقف، ففي 4 كانون الأول 1967م قدم البزّاز مذكرة مع زملائه([*]) الى رئيس الجمهورية حيث كانت أول المذكرات التي رفعت الى رئيس الجمهورية وانتقدت سوء الأوضاع الداخلية بانتهاك الدستور المؤقت والقضاء على حرية الصحافة وارتباك أجهزة الدولة أما أهم المطالب التي تضمنتها المذكرة فهي([96]):
1- تحقيق الوحدة الوطنية.
2- أتباع سياسة واضحة المعالم عربياً ودولياً.
3- إقامة حكم ديمقراطي نيابي.
4- تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية.
5- وضع قانون المحاسبة للإثراء غير المشروع.
6- أتباع سياسة مالية سليمة وإلغاء الضرائب على غير القادرين على دفعها.

صفحة 7

وعند حدوث انقلاب 17-30 تموز 1968م كان (البزّاز) في لندن للعلاج وأرسل برقية تهنئة لأحمد حسن البكر لاستلامه السلطة وبعد أن أكمل البزّاز العلاج قرر العودة على الرغم من تحذير ابن خاله نجم الدين الواعظ بعدم العودة إلا أن البزّاز أصر على العودة لأن قضايا عديدة ومهمة قد وكل بها كمحامي واستلم نصف مبالغها فعاد من أجلها([97]) وفي 14 كانون الأول 1968م أعلن عن وجود شبكة من التجسس الصهيوني في البصرة([98]) تنقل معلومات سرية الى إسرائيل وإيران والأكراد والرئيس اللبناني السابق كميل شمعون و شركة فورد للسيارات، ويضم التنظيم أربعة عشر عضواً تسعة منهم من اليهود وأتهم تاجر الأدوات المطبخية اليهودي (ناجي زلخة) بأنه مدبر شبكة التجسس([99])، وبعدها تم تشكيل محكمة الثورة وهي محكمة خاصة لم يسمح فيها بوجود أي محام للدفاع عن المتهمين وكان رئيسها و أعضاؤها غير مؤهلين قانونياً لمثل هذا العمل أبداً وقال رئيس المحكمة علي وتوت في السادس من شباط عام 1969: (من أول تحوطات إجراء المحكمة اشتراط عدم تعيين أي محام عضو في المحكمة وان للمحكمة نوعاً ما مشاورها القانوني الذي ينجز الأعمال القانونية لها وتتم استشارة المشاور عندما يراد اتخاذ قرارات قانونية([100]».
وفعلاً تم إعدام المتهمين في ساحة التحرير علناً أمام الجمهور، وفي وسط الخطابات الحماسية وكثير من ضجيج الاحتفال، فهناك تجمع آلاف المشاهدين لحضور الحدث ومن الأرياف المجاورة هبط الفلاحون المؤيدون للحزب والثورة كي يروا ويستمتعوا ويشاركوا في رقصة الغرائز، فكانت أول محاكمة علنية في الخامس من كانون الثاني 1969م قد بثت على التلفزيون([101]).
أن لهذا الكم الكثير من التهم والإعدامات الذي بدأ منذ إعلان الدستور المؤقت 1964 دليلاً على شدة خوف النظام وضعفه وقلقه وعدم مناعته بسبب عدم قدرته على كسب التأييد له([102]).
أن الأساس لهذا السلوك كان يكمن في مكان آخر ذاك أن طبيعة السلطة وضعفها أكثر ما يفسر في أخر المطاف هذا الهوس بالمؤمرات المصنوعة والمتخيلة وهما ما يجعلان الحركات والسكنات والإيماءات دلالات مبالغاً فيها الى حد الوسوسة([103])، فالبعث لم يكن أعضاؤه يتجاوزن المئات القليلة حيث حكم العراق لم يملك من الثقة بالنفس ما يتيح له ممارسة الحكم بأعصاب مسترخية ثم أن افتقاره الى أي مبرر للوجود في السلطة ما عدا الإمساك بالسلطة نفسها يحيل علة وجود مادة تشكيك متواصل([104]).
لقـد ابتـدأ النظام بما كان سيصبح سياسة روتينية مألوفة للجميع الا وهي شن حملات إرهابيـة، فقمع البعث في هـذه المرحلة وبدون تمييز اليمين واليسار ثم اعتقال الشيوعيون والقوميون والبعثيين المؤيدين لسوريـا وزراء وضباط سابقين وكبار موظفين([*]) وأسيئت معاملتهم في السجن لحد أن مات قسم منهـم فـي السجـن او بعد خروجهم بوقت قصير بينما تم إعدام الآخرين علناً بسبب اشتراكهـم المزعـوم فـي محاولات لقلب النظام او لجرائم افترض انهم ارتكبوها في الماضي([105]) ومن بيـن هـذه الشخصيات عبد الرحمن البزّاز الذي القى القبض عليه في تشرين الأول عام 1969م ولفقت اليه تهمة العمالة لإسرائيل وتعرض في المعتقل الى أشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي([106]).
وفي الحقيقة كان الاتهام بالعمالة الصهيونية من الصنف السهل والمربح فاكتشاف مؤامرة تجسس بعد هزيمة 1967م كفيل بأن يعطي انقلاب 1968 معنى قومياً لأنه يفتقر الى هذه الحماسة اللفظية للقضايا العربية واخصها القضية الفلسطينية التي كانت تلح على تقديم براهين عملية([107]).
كما ان الحملات المتكررة ضد "الجواسيس" المزعومين لم تدع ادنى مجال للشك بأن الجميع قد اصبح تحت الرقابة الدقيقة، ولا يسمح بوجود أي شخص يمثل أدنى خطورة على حزب البعث، فمنحت تلك الحملات البعث حرية واسعة في اختيار وتحديد أعدائه من بين أفراد الشعب([108]).
لقد انتهت حياة (البزّاز) باعتباره ابرز مثقف قومي في سجن السلطة البعثية بعد أن حكمت عليه بالسجن لمدة خمسة عشر([109]) عاماً كما حكمت بالسجن على خليل كنه (وزير المعارف سابقاً في العهد الملكي)، وعبد العزيز العقيلي، باعتبارهم أعضاء منظمة سرية مع البزّاز هدفها إسقاط الحكم البعثي وتأسيس حكومة جديدة برئاسة البزّاز وعضوية العقيلي وكنة وممثلين للعرب والأكراد([110])، ولم يحكم عليهم بالإعدام لأن النظام اعتبر أعمالهم سياسية وليست إجرامية([111]).
ولقد حاول الرئيس الفلسطيني الراحل (ياسر عرفات) و الزعيم اللبناني (كمال جنبلاط) والرئيس الليبي (معمر القذافي) في التوسط للأفراج عن البزّاز وعلى الرغم من وعود الرئيس أحمد حسن البكر للقذافي لكن دون جدوى وكذلك توسطت بعض الشخصيات العراقية منهم وزير التربية أحمد عبد الستار الجواري، ود. عزت مصطفى وزير الصحة([112]) وبعد صراع طويل من المرض والتعذيب في السجن وما لاقاه من قلع الأظافر وصدمات كهربائية أدت الى تخثر الدم في الدماغ وبالتالي أصيب بالشلل فأفرج عنه بعد سنة وسافر الى لندن للعلاج وتحمل القذافي تكاليف العلاج الأخيرة إلا أنها دون جدوى فأعيد الى بغداد حتى توفى في 28 حزيران 1973([113]) وبهذا تعتبر تصفية المفكر القومي البزّاز من قبل سلطة البعث قد جاءت ضمن برنامج واسع لإنهاء ما يمكن أن يشكل أساساً لتعاون قومي وديني أو عربي إسلامي فاعتقدت السلطة أن أفكار البزّاز تساهم في إيجاد نوع من تحالف بين هذه الأطراف وقد يكون البزّاز مرشحاً للعب دور قيادي بحكم نظريته التوفيقية القائلة (بعدم تعارض الإسلام مع القومية العربية) والى ضرورة ان يتسلح القوميون العرب بروح الإسلام ومثله([114]).
ومن جانب أخر تنسجم تصفية (البزّاز) مع رغبة ميشيل عفلق في رؤية التيار القومي العربي بلا إسلام، وفي الحقيقة إن عودة البعث الى الاتجاه العلماني جاءت نتيجة الصراع الذي دار بين البعث والمفكر القومي العلماني ساطع الحصري بعد نشر كتابه (الإقليمية جذورها وبذورها عام 1963) حيث ندد بحزب البعث واعتبرهم إقليميين معادين للوحدة العربية لكن موقف البعث تغير في السنوات الأخيرة بعد أن قرروا العودة الى الحصري وأفكاره العلمانية([115]).

صفحة 8

الأصول الفكرية للبزاز

لقـد تأثـر (البزّاز) بمجموعة من الأصول المؤثرة التي ساهمت وساعدت في تكوين وإنضاج فكــره ثم نشاطه السياسي فجاءت أفكاره تلبية وانعكاسا لتلك المؤثرات التي يمكن تصنيفها إلى ما يلي:

أ. الأصول الدينية:

ينتمي (البزّاز) الى عائلة عرفت بتدينها الشديد وتمسكها بالتعاليم الإسلامية فكان والده من الذين يلقون الخطب والأحاديث والمواعظ الدينية في المساجد وقد سار في تربية أولاده على هذا النهج فكان من الطبيعي أن يتأثر البزّاز بهذه التنشئة الدينية([116]) وكما تأثر البزّاز بخاله نجم الدين الواعظ([*]) مفتي الديار العراقية آنذاك حيث كان يصطحبه معه في المناسبات الدينية والوطنية فانعكس ذلك في بلورة شخصية البزّاز الفكرية وتهيئة فكرة السياسي، القومي والعقائدي، الديني([117]) كما اثر ذلك على أخلاقه وتربيته الشخصية فعرف بالخلق الرفيع وعفة اللسان لا يستغيب أحداً ولا يرضى أن يستغاب أحد في مجلسه، طويل البال، مسيطر على أعصابه، واسع الإطلاع خاصة في الشريعة الإسلامية وصادق التدين([118])، لذلك كان قومياً محافظاً وكان الالتصاق بالمبادئ الإسلامية مهماً له سواء كان في مجالسه الخاصة أو في المحافل العامة([119])، وبقي (البزّاز) متمسكاً بالدين الإسلامي وتعاليمه في كافة أمور العبادات والمعاملات حتى أيام سفره الى لندن لإكمال دراسته حتى أن أغلب زملائه ومن الإنكليز خاصة يستغربون ويعجبون بشخصيته الصادقة مع نفسه وربه والآخرين، فكانوا يحثونه على الملذات المادية الا انه رفضها باستمرار وسار على منهجه الديني دون تردد([120]).
وقد تعمق الاتجاه الديني للبزاز بعد عودته من لندن وإكمال دراسته فألقى العديد من الخطب والمقالات والأحاديث الدينية وبمناسبات عديدة (كمولد النبوي الشريف، ذكرى العام الهجري الجديد،ليلة الإسراء والمعراج، أحاديث بمناسبة شهر رمضان الكريم).
وكان (البزّاز) يلقى الخطب في الجمعيات الإسلامية كجمعية الآداب الإسلامية وجمعية الشبان المسلمين وكانت أول خطبة له فيها عام 1940م بعنوان (ذكرى المولد الشريف صلى الله عليه وسلم) ليلة الثاني عشر من ربيع الأول عام 1359هـ في جمعية الشبان المسلمين، وكذلك من خلال المساجد التي كانت تنقل أحاديثه وخطبه أيضا عبر الإذاعة([121]) فكانت تلك الأحاديث تدل على الموعظة الدينية والأخلاقية وتسعى إلى تهذيب النفس البشرية عن طريق الإقناع والاستشهاد بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ومن خلال السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم)([122]) ويمكن إن نعتبر كتاب الله (القران الكريم) والسنة النبوية والسيرة احد المصادر الدينية التي أثرت في التكوين الفكري للبزّاز فقد سار على هذا النهج في حياته الشخصية والعملية حتى لا تكاد تخلو نتاجاته الفكرية من أية من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، أو حدث من إحداث الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين ويمكننا توضيح ذلك من خلال الجدول الأتي:

كما كان البزّاز معجبا بالسيد قطب المعروف باتجاهه الإسلامي فلقد وجد البزّاز في مؤلف السيد القطب (العدالة الاجتماعية) التي يدعو لها الإسلام خير ضامن لحقوق الإنسان. كما يرى البزّاز في مؤلف السيد قطب (التصوير الفني في القران ) الذي يبين الأسلوب الرفيع والأدب الرائع للقران الكريم خير ما مثل اللغة العربية فلم يكن كتاب دين فقط([134]).
ب. الأصول القومية:
لقد تأثر البزّاز بآراء وأفكار المفكر القومي ساطع ألحصري خاصة عندما كان طالبا في كلية الحقوق والحصري عميدها، فكان ألحصري منتبها لأراء ومناقشات البزّاز الفكرية فأوفده إلى إنكلترا لإكمال دراسته([135]) كما وجد البزّاز في أستاذه ألحصري رائدا من رواد القومية العربية ومؤمنا بالقضية العربية، وكان البزّاز كثير القراءة لكتابات ألحصري مثل (ما هي القومية، دفاع عن العروبة، ونشوء القومية العربية)([136]) وكان يشبه أستاذه ومكانته بالنسبة للعرب بمكانة ومنزلة المفكر الألماني فخته وأثره على الفكر القومي الألماني، ويصف البزّاز أسلوب ألحصري بالأسلوب (السهل الممتنع) أسلوب الأدباء، وبعمق تفكيره والاحاطة الشاملة بالبحث والطريقة المنطقية وتمتاز مؤلفاته كما يرى بالحجة البالغة والمنطق السليم والشواهد الصادقة وكذلك معالجته القضية بأسلوب علمي منطقي([137])، الا ان ما يجب أن نلحظه إن البزّاز لم يتوافق مع الاتجاه القومي العلماني في فكر ألحصري فكانت أفكاره تجمع مابين العروبة والإسلام([138]).
كما كان البزّاز من المعجبين والمتأثرين بجمال عبد الناصر بوصفه زعيما قوميا فكان دائم الاستماع إلى خطبه وأحاديثه في الوقت نفسه كان البزّاز يتمتع بثقة الرئيس عبد الناصر الشخصية ولكن الاخير لا يرغب ان يكون البزّاز رئيسا للجمهورية ([139]).
وعلى الرغم من انشغال البزّاز بدراسته في لندن إلا انه كان متحمسا للقضايا القومية فكان اتجاهه القومي غير مقتصر على الإطار النظري إنما ترجم أفكاره إلى واقع ملموس بعيد عن الخيال المثالي فساهم في تأسيس الجمعية العربية أو المؤتمر الأول للطلبة العرب في أوربا عام 1938م فكان البزّاز ممثلا عن العراق([140]) ومع كل من (عبد العزيز الدوري، قاسم البزركان، عبد الغني الدلي).

صفحة 9

وكان ميثاق المؤتمر يبين الاتجاه القومي لدى هؤلاء الشباب من الطلبة وقد نص على ما ياتي:- (إنا عربي أؤمن بالعرب امة واحدة حقها المقدس إن تكون كاملة السيادة في تصريف شؤنها تدفعها قوميتها المتحفزة إلى تحرير الوطن العربي وتأسيس نظم سياسية واقتصادية واجتماعية اعدل وأصلح من النظم الراهنة فيه، وتستهدف ترقية مستوى المعيشة وزيادة الخير المادي والمعنوي للشعب تساهم في العمل لخير المجموع الإنساني وتسعى إلى إن تحقق ذلك العمل الدائب على أساس التنظيم القومي، وأعاهـد على إن أجاهد في هذا السبيل ما استطعت واضعا كلمة القومية فوق كل اعتبار([141]).
كما ساهم (البزّاز) في تأسيس الجمعية الإسلامية والتي أغلب أعضائها من الهنود المسلمين وعند عودته من لندن عمل في جمعية الجوال العربي المعروفة باتجاهها ونشاطها القومي وكذلك نادي المثنى([142])، ونادي البعث العربي الذي أسسه البزّاز مع مجموعة من الشباب القومي الذين ساهموا في العمل من خلال جمعية الجوال العربي ونادي المثنى بن حارثة الشيباني والذي تم تأسيسه في التاسع من مايس عام 1950م وانتخب البزّاز رئيساً للنادي، وأستمر في عمله حتى عام 1954م([143])، حيث عطل بموجب مرسوم الجمعيات رقم (19) لسنة 1954 الذي أصدره نوري السعيد، وفي 20 كانون الأول عام 1954 أعيد تأسيس النادي بعد تقديم طلب الى وزارة الداخلية، وفي عام 1956 أغلق النادي بسبب موقفه المؤيد لمصر أثناء العدوان الثلاثي، والقضايا العربية الأخرى([144])، كالقضية الفلسطينية وتضامنه مع الشعب الليبي والتونسي في نضالهما ضد الاحتلال الإيطالي والفرنسي واستضاف النادي بعض الشخصيات العربية المعروفة كأمثال (علال الفاسي من المغرب، علي البهلوان من تونس).
وكان النادي يعتمد في أفكاره وأرائه على كتابات ومصادر الأستاذ ساطع الحصري([145]) ويهدف النادي الى بث الفكرة القومية وإنماء الشعور القومي الصادق وتشجيع البحث العلمي للقضايا العربية العامة ورفع المستوى الثقافي والاجتماعي والعمل على تحقيق الدولة العربية الموحدة أما قسم أنتماء النادي فهو نفس قسم انتماء الجمعية العربية([146]) كما كان البزّاز شديد الإعجاب والتأثر بالشيخ محمد جواد الجزائري (1881-1959) فيقول البزّاز عنه: (أنه أول زعيم روحي وضع مقدمات الثورة العراقية الكبرى عام 1920 وكان مرجعية لجيل أخر نظمه في تيار قومي عربي حينما دعى الى إنشاء دولة عراقية للخلاص من الاستعمار وكان يرى فيه الفقيه والمتكلم والشاعر والخطيب والمتفقه في الدين ويرى في أخيه (الشيخ عبد الكريم الجزائري) أحد زعماء الثورة والفقيه الديني([147]) كما تأثر بكل من عبد العزيز الدوري وقسطنطين زريق وعبد الله عبد الدائم وكتاباتهم عن القومية([148]).
وكما كان البزّاز على صلة بالكثير من زعماء العرب وقادة الفكر القومي في الأقطار العربية والذي كان في نقاش مستمر معهم في القضايا القومية العربية وكيفية معالجتها أمثال (عبد الكريم الخطابي، علال الفاسي، الحبيب بو رقيبة)([149]).
جـ الأصول الفكرية الأخرى:
فضلا عن المؤثرات السابقة أثرت عوامل أخرى في البزّاز ومنها التثقيف الذاتي حيث كان شديد الاعتماد على نفسه بالقراءة والإطلاع على مختلف المصادر العربية والأجنبية التي كونت وأنضجت فكرهُ فكانت له مكتبة كبيرة ذات طابقين في منزله أحداهما في الطابق الأرضي والأخرى في الطابق العلوي([150])، فكانت الكتب لا تفارقه في كل مكان حتى أيام اعتقاله عام 1941، 1956، 1959م، فكان شديد الحرص على تزوده بالمصادر حتى في السجن فيرى في الكتب الغذاء الروحي الذي يمده بالطاقة والحياة([151]).
كما تأثر باللغة العربية وخاصة الشعر العربي فما نكاد نطلع على مؤلفاته وأحاديثه ومقالاته إلا وجدنا مجموعة من الأبيات الشعرية ذات المعنى المقصود في الحديث ويمكننا الدلالة بذلك من خلال الجدول التالي:

كما كان لدراسته في إنكلترا أثرها وعمقها في الآراء الفكرية للبزّاز وآرائه في الشؤون العامة([163])، فقد ميز و أدرك البزّاز حياة الغرب وأبصر نقاط قوتهم وضعفهم وكان دائم الموازنة بينها وبين حياة ومحيط العالم العربي الإسلامي ويرى أن لكل منهما مساوئه ومحاسنه وطابعه وخصائصه([164]) فتأثر ببعض خصائص وصفات الفرد الإنكليزي كروح المثابرة والتعاون الذي وجده فيهم والمحافظة والابتعاد عن التقليد والانسلاخ عن واقعهم الا أن هذا لا يعني لدى البزّاز الجمود وتقديس الماضي والتنكر لسنن التقدم وعدم الإيمان بتغير الأحكام وتبدل الأزمان([165]) وكان متأثراً بالواقعية التي أمتاز بها الفرد الإنكليزي وابتعادهم عن الخيال والسبح في فضائه اللانهائي إلا أن من نتائج الواقعية ضعف الخيال والفتور العاطفي التي يؤكد البزّاز على ضرورة تجنبها([166]) فنجد أفكار البزّاز في القومية العربية قائمة على أساس الواقعية التي لا تعني الخضوع والاستسلام وإنما التطلع الى ما وراء الأفق حيث الخيال البناء لبناء مستقبل زاهر يجمع الأمة العربية فالخيال البناء كما يراه البزّاز هو الذي يدفع الأفراد والجماعات الى تحقيق أهدافهم فخيال (هرتزل) أوجد إسرائيل وخيال (غاندي) كان له أثره البالغ في استقلال القارة شبه الهندية المتعددة الأجناس واللغات والديانات وخيال (ديلسبس) ربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط([167]).

صفحة 10

د. تأثير البيئة العراقية السياسية على الفكر السياسي للبزّاز:
أن الفكر عبارة عن مجموعة من التأملات العقلية التي يصوغها الإنسان ليؤسس من خلالها المعادلة الفكرية التي تعالج ظاهرة من الظواهر المجتمعية المحيطة به وهذا الفكر ليس منقطع عن محيطه بل يتأثر به سلباً أو إيجاباً ويعكس مرحلة التطور التاريخي التي يمر بها الإنسان والمجتمع([168])، فالبيئة تشمل مجموع المؤثرات المادية والأدبية التي تحيط بالفرد والجماعة سواء كانت تلك المؤثرات طبيعية أم إقليمية، اجتماعية بكل ما تعنى وتشمل من مؤثرات دينية واقتصادية وسياسية وثقافية([169]).
ومن هنا كانت شخصية (البزّاز) وأفكاره انعكاساً للواقع السياسي العراقي فقد شهد البزّاز الكثير من أحداث العراق السياسية وكذلك الأحداث العربية المحيطة التي انعكست على أفكاره فجاءت مرة مناهضة ومرة مؤيدة لهذه الأحداث([170]) فقد ولد البزّاز في ظل ظروف كان الشعب العراقي قد استيقظ فيه على أصوات مدافع الحرب العالمية الأولى وخسارة الدولة العثمانية واحتلال بريطانيا للعراق وإعلانها الانتداب عليه بموجب مؤتمر سان ريمو عام 1920([171]) فما كان إعلان الانتداب حتى أعلنت جماهير الشعب العراقي الثورة التي بالرغم من فشلها وخسارتها عسكريا أمام بريطانيا الا إنها استطاعت ان تمهد لنوع من الاستقلال الذاتي متمثلة بإعلان الحكومة العراقية الأولى بقيادة عبد الرحمن النقيب وتنصيب الأمير فيصل بن حسين شريف الحجاز ملكا على العراق بعد مؤتمر القاهرة في 12 آذار عام 1921م([172]). إلا ان بريطانيا سعت الى حفظ مصالحها بصيغة أخرى غير الانتداب متمثلة بالمعاهدات التي تعكس جوهر الانتداب فعقدت معاهدة عام 1922م والتي لم يصدق عليها المجلس التأسيسي الا في عام 1924م ومعاهدة عام 1926م و1927م1930م التي نصت على استقلال العراق بدخوله عصبة الأمم عام 1932م([173]).
وفي عام 1933م توفي الملك فيصل وتولى العرش ابنه الأمير غازي فأصبح ملكا للعراق وكان معروفا بسياسته المعادية للإنكليز ومواقفه القومية المؤيدة للعرب ونظالهم ضد الاستعمار الفرنسي خاصة في سوريا ومحاولة ضم الكويت إلى العراق وعرف بمعارضته للادعاءات الصهيونية([174]).
لقد وجدت بريطانيا في سياسة الملك ما يعارض مصالحها فدبرت حادث اغتياله في الرابع من نيسان عام 1939م واتهم كذلك نوري السعيد بمحاولة اغتيال الملك([175]) وذلك في لرغبة نوري السعيد في هذا الاغتيال بعد مقتل صهره جعفر العسكري في انقلاب بكر صدقي بوصفه أول انقلاب عسكري في العراق والوطن العربي والذي اعتبر الملك غازي مشاركا فيها أدى الى دخول العراق في مرحلة سياسية جديدة تميزت بتدخل الجيش بالحياة السياسية حيث شهد العراق طيلة الفترة ما بين عامي 1936ـ1941م ما يقارب سبعة انقلابات عسكرية([176]) أولها انقلاب بكر صدقي الذي فسر بان أسباب شخصية دفعت صدقي للانقلاب لإقامة دولة كردية تضم أكراد العراق وتركيا وإيران([177]).
بينما يذكر البعض ان تدخل الجيش في الحياة السياسية يعود للأسباب التالية([178]):
1- ضعف وفساد الحكومات المتعاقبة وغياب الشخصية السياسية القوية القادرة على قيادة البلد خاصة بعد غياب الملك فيصل الأول.
2- تنافس السياسيين العراقيين لملى الفراغ السياسي ولجوءهم لوسائل غير شرعية كتحريض العشائر ضد الحكومة.
3- حب السلطة والانتهازية من بعض قادة الجيش وتأثرهم بالأحداث العربيـة والعالمية.
وفي 11اب عام 1937م رد على انقلاب بكر صدقي بانقلاب ثاني حيث اغتيل صدقي في الموصل مع آمر القوة الجوية أثناء تهيئتهما للسفر الى تركيا وبذلك حلت حكومة حكمت سليمان وشكلت حكومة جميل المدفعي([179]). أما الانقلاب الثالث فقد جاء نتيجة ضغط قادة الجيش القوميون للإطاحة بحكومة جميل المدفعي فاستقالت في 25 كانون الاول عام 1938م وطلب قادة الجيش من الملك غازي ان يعهد بتشكيل الوزارة إلى نوري السعيد والذي اعتقد الكتلة القومية ان ذلك من حقهم ([180]) وتم تشكيل حكومة نوري السعيد الى انها اتسمت بالضعف خاصة بعد مقتل وزير المالية (رستم حيدر) وقد قدم نوري السعيد استقالة حكومته في 18 فبراير عام 1940م وبعدها استقالت الحكومة([181]) فوجد العقداء الأربعة (كامل شبيب، محمود سلمان، فهمي سعيد، صلاح الدين الصباغ ) انه لابد من اخذ رأيهم في تشكيل الحكومة الجديدة ورشحوا السعيد لتشكيل الحكومة وهو ما تم فعلا([182]) الا ان الوزارة استقالت في 28مارس عام 1940م وشكلت وزارة جديدة بقيادة رشيد عالي الكيلاني التي ما لبثت ان استقالت في 31يناير عام 1941م نتيجة الضغوط او طلب الوصي منها([183]) وشكلت حكومة جديدة برئاسة طه الهاشمي والتي لم تستمر طويلا بسبب انقلاب الكيلاني ضد حكومة الهاشمي مع العقداء الأربعة وفي ابريل عام 1941م شكلت حكومة رشيد عالي الكيلاني التي سميت بحكومة الدفاع الوطني واختير الشريف شرف وصيا على العراق([184]).
لقد جاءت حكومة الكيلاني بالانقلاب كرد فعل على سياسة نوري السعيد لإدخال العراق في الحرب العالمية الثانية الى جانب بريطانيا، وبعد تشكيل حكومة الكيلاني أعلنت التزامها بمعاهدة 1930م ووقوفها على الحياد من الحرب العالمية الثانية([185]) إلا ان بريطانيا لم تكتف بذلك فأرسلت جواسيسها وقواتها العسكرية وأمرت بفتح الطريق ولو بالقوة مخترقة نصوص المعاهدة مما أدى الى قيام الحرب العراقية البريطانية([*]) ([186]) والتي تمكنت فيها بريطانيا من إسقاط حكومة الكيلاني وإعادة الوصي عبد الإله وتشكيل حكومة برئاسة جميل المدفعي([187]).
لقد وصفت حركة الكيلاني بالانتفاضة القومية التي تهدف الى تحقيق الاستقلال السياسي للعراق وأبعاد النفوذ الأجنبي عن أراضيه فكانت تمثل عند البعض نتيجة حتمية لنضوج الفكر القومي التحرري في العراق و الشعور بوطأة النفوذ الأجنبي البريطاني على الاقتصاد العراقي ومنعهُ من التقدم الاجتماعي([188]).