eKtab
EN ع
عبق الريحان في علوم القرآن
اقرأ عينة مجانية

عبق الريحان في علوم القرآن

بقلم د. نوح مصطفى الفقير

صفحة 1

القرآن الكريم تعريفه: ومصدره وهدايته

القرآن الكريم كتاب الله الخالد، عظيم الفوائد، جليل المقاصد، معجز، تحدى الله سبحانه وتعالى به الانس والجن، فعجزوا عن الاتيان بمثل أقصر سورة منه، فضلاً عن الاتيان بمثله كاملاً، فانتفى بعجزهم أن يكون القرآن بشرياً، وثبت كونه ربانياً، قال سبحانه: {قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس الا كفوراً} (1)

لقد صّرف الله سبحانه وتعالى في القرآن من الأمثلة ما يفوق قدرات البشر، من بلاغة، واخبار بالمغيبات، وعلوم كونية، وأرقام دقيقة، وتوجيهات كريمة، وأوامر ونواهٍ، وأخبار، وقصص، ومواعظ وعبر، وغير ذلك مما لا يحويه حصر، ولا يبلغه عدّ، {لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}(2)، وهو الذي لا تنقضي عجائبه، وهو فوق هذا محفوظ الى يوم الدين، لا تصل اليه أيدي المحرّفين ولا تناله مكائد المبطلين، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(3).

فما هو القرآن الكريم؟ وما هي اسماؤه؟ وما مصدره؟ وكيف نفرق بينه وبين كلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ هذا ما سيتبين – بإذن الله تعالى – تالياً:

تعريف القرآن لغة واصطلاحاً

إختلفت آراء اللغويين في مسألة اشتقاق لفظ القرآن وعدم اشتقاقه على النحو الآتي:

1 – ذهب الامام الشافعي الى أن لفظ القرآن المعرّف بأل غير مهموز، وغير مشتق، بل مرتجل، وضع علماً على الكلام المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، اذ كانيقول رحمه الله: (القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من "قراءة"، ولو أخذ من "قراءة" لكان كل ما قرىء قرآناً، ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوارة والانجيل)(4).

2 – ذهب آخرون الى أنه مشتق، وهؤلاء جرياً على عادتهم بحثوا في الاصل الاشتقاقي لهذا اللفظ، فاختلفت ارآؤهم، وفيما يلي أشهر أقوالهم(5).

أ – قال الاشعري(6): هو مشتق من قرنت الشيء بالشي، اذا ضممت أحدهما الى الآخر، وسمي به القرآن.

ب – وقال الفراء(7): القرآن مشتق من القرائن، لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضاً، ويشابه بعضها بعضاً، وهي قرائن.

ت – وقال اللحياني(8): القرآن مهموز، وهو مصدر لقرأت، كالرجحان والغفران، سمي به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر.

ث – وقال الزجاج(9): هو وصف على فعلان، مشتق من القَرء، بمعنى الجمع، ومنه: قرأت الماء في الحوض، أي: جمعته، قال ابو عبيدة(10): سمي بذلك لانه جمع السور بعضها الى بعض، وقال الراغب(11): لا يقال لكل جمع قرآن، ولا لجمع كل كلام قرآن، وإنما سمي قرآناً لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة(12).

صفحة 2

والظاهر أن لفظ القرآن مهموز، مشتق من قرأ، ومنه قوله تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}(13)، فهو مصدر مرادف للقراءة إذ هي: ضم الحروف والكلمات بعضها الى بعض في الترتيل، والقرآن مقروء مضموم، وعلى هذا يكون من باب تسمية المفعول بالمصدر، وخص بالكتاب المنزل فصار كالعلم الشخصي له، وقد يكون لفظ القرآن مصدراً استعمل بمعنى اسم الفاعل، فيكون القرآن بالاستعمالين السابقين مجموعاً وجامعاً، أما كونه مجموعاً فلأنه مجموع السور والآيات، أو مجموع المعاني السامية، والحقائق العظيمة، والحلول المحكمة لكل مشكلات الانسانية، وصنوف الخير والبر والعدالة، أو لأن الحفظة يحفظونه فهو مجموع(14)، وأما كونه جامعاً فلأنه جامع لثمرة الكتب، بل لجمعه ثمرة العلوم، كما أشار الى ذلك قوله تعالى: {تبياناً لكل شيء}(15).

أما ما روي عن الامام الشافعي من كون القرآن غير مهموز فصحيح، إذ هي قراءة صحيحة، قرأ بها قارىء مكة ابن كثير(16)، واختار السيوطي(17) هذا الرأي، إذ قال: (والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي) انتهى.

أقول: الظاهر أن القولين في اللغة سواء، ولكن المهموز أشهر وأكثر.

القران اصطلاحا:القرآن الكريم كلام الله تعالى، وكلام الله مع مغايرته لكلام البشر يبقى ضرباً من الكلام، والكلام مصطلح له عند العلماء اطلاقات، وفيه اختلافات، ومن ثمّ غاير تعريف المتكلمين للقرآن تعريف الفقهاء والاصوليين وعلماء العربية، فانقسموا الى قسمين أساسيين، وقبل الحديث عن تينك القسمين يجدر بنا أن نقف على إطلاقات مصطلح الكلام، إذ يُراد بالكلام البشري شيئان:

الاول : المعنى المصدري وهو التكلم.

والثاني : المعنى الحاصل بالمصدر وهو المتكلم به، قال الزرقاني (18):

وكل من هذين المعنيين لفظي ونفسي، فالكلام البشري اللفظي بالمعنى المصدري: هو تحريك الانسان للسانه وما يساعده في إخراج الحروف من المخارج، والكلام اللفظي الحاصل بالمصدر: هو تلك الكلمات المنطوقة، التي هي كيفية في الصوت الحسي، وكلا هذين ظاهر لا يحتاج الى توضيح.

وأما الكلام النفسي بالمعنى المصدري فهو تحضير الانسان في نفسه بقوته المتكلمة الباطنة للكلمات التي لم تبرز الى الجوارح، فيتكلم بكلمات متخيلة يرتبها في الذهن بحيث اذا تلفظ بها بصوت حسي كانت طبق كلماته اللفظية.

والكلام النفسي بالمعنى الحاصل بالمصدر: هو تلك الكلمات النفسية والالفاظ الذهنية المترتبة ترتباً ذهنياً منطبقاً عليه الترتب الخارجي.

ومن الكلام البشري النفسي بنوعية قوله تعالى: {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكاناً}(19) اذ هو كلام نفسي وسماه الله تعالى قولاً.

ولا يخفى أن مصطلح الكلام واحد، وإن اختلف المتكلم، فالقرآن كلام الله، قد يطلق ويراد به الكلام النفسي، وقد يطلق ويراد به الكلام اللفظي، والذين يطلقونه اطلاق الكلام النفسي هم المتكلمون، وأما الذين يطلقونه اطلاق الكلام اللفظي فالاصوليون والفقهاء وعلماء العربية وهو الذي يعنينا في هذا المجال، وهؤلاء لما رأوا أنه يتعذر تحديد القرآن الكريم بالتعاريف المنطقية بحيث يكون تعريفه حداً حقيقياً، جامعاً مانعاً عرّفوه بما يقرب معناه الى الاذهان، وبما يميزه عن غيره، فقالوا: القرآن الكريم هو:

(كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، المنقول تواتراً).

محترزات القيود

الكلام : جنس يشمل كل كلام، واضافته الى الله تخرج كلام غيره من الانس والجن والملائكة وغير ذلك.(20)

المنزل : خرج به الكلام الذي استأثر الله بعلمه، أو الذي أوحاه الى ملائكته، وقد قال سبحانه: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}(21).

على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: قيد خرج به الكلام المنزل على رسل الله من قبل، كالتوراة والانجيل.

المتعبد بتلاوته : خرج به الأحاديث القدسية فانه لا تصح الصلاة بقراءَته فيها.

المنقول تواتراً : يخرج به القراءات غير المتواترة، ومنسوخ التلاوة، فان خرجا بالقيد السابق، كان هذا القيد زيادة في البيان والايضاح، ومثله زيادة (المعجز والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس)، وغير ذلك مما يزاد قصد تجلية المعنى وايضاحه.

صفحة 3

أسماء القرآن الكريم وصفاته

نقل صاحب البرهان عن القاضي أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك أنه قال: (إعلم أن الله تعالى سمى القرآن بخمسة وخمسين اسماً)(22)، ثم عد تلك الاسماء مستشهداً على كل اسم بنص قرآني، ولم يرق ذلك للزرقاني إذ قال: (تجاوز صاحب البرهان حدود التسمية، فبلغ بعدتها خمسة وخمسين، وأسرف غيره في ذلك حتى بلغ بها نيفاً وتسعين، كما ذكره صاحب التبيان(23)، واعتمد هذا وذاك على اطلاقات واردة في كثير من الآيات والسور، وفاتهما أن يفرقا بين ما جاء من تلك الالفاظ على أنه اسم، وما ورد على أنه وصف، ويتضح ذلك لك على سبيل التمثيل في عدهما من الاسماء لفظ قرآن ولفظ كريم أخذاً من قوله تعالى: {انه لقرآن كريم}(24)، كما عدّا من الاسماء لفظ ذكر ولفظ مبارك، اعتماداً على قوله تعالى: {وهذا ذكر مبارك انزلناه}(25) على حين أن لفظ قرآن وذكر في الآيتين مقبول كونهما اسمين، أما كريم ومبارك فلا شك انهما وصفان كما ترى، والخطب في ذلك سهل يسير، بيد أنه مسهب طويل)(26).

والظاهر أن كثرة الاسماء تدل على شرف المسمى، ومن هنا نفهم حرص بعض العلماء على استنباط اسماء كثيرة للقرآن، وتجاوز ذلك الاستنباط الى حد الخلط بين الاسماء والصفات، ومن أشهر أسمائه:

1 – القرآن، لقوله تعالى {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(27).

2 – الكتاب، فقد ورد ذكر هذا الاسم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}(28)، وقوله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا}(29)، ووجه تسمية القرآن كتاباً أن الكتابة ضم الحروف بعضها الى بعض، كما أن القراءة ضم الالفاظ بعضها الى بعض، ولا تنس أن هناك حكمة في إطلاق هذين العلمين (القرآن والكتاب) على كلام الله تعالى ذكرها العلامة محمد عبدالله دراز فقال: (روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالالسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين اشارة الى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً)(30).

3 – الفرقان، وهو يلي الاسمين السابقين في الشهرة وقد ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}الفرقان 1، وهو مصدر استعمل بمعنى اسم الفاعل، أي أنه كلام فارق بين الحق والباطل أو استعمل بمعنى اسم المفعول، أي: أنه كلام مفروق بعضه عن بعض في النزول أو في السور والآيات.

4 – الذكر، يقول الله سبحانه وتعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(31) وسمي ذكراً لانه يذكّر الناس بربهم، وبالحقائق التي يجب عليهم الايمان بها، قال تعالى: {وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم}(32).

5 – التنزيل، قال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين}(33).

هذه أشهر اسماء القرآن الكريم، وللقرآن أوصاف أيضاً منها: أنه نور قال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا اليكم نوراً مبيناً}(34)، ومنها أنه مجيد، يقول الحق عز وجل: {بل هو قرآن مجيد}(35)، ومنها أنه هدى وبشرى: قال تعالى: {مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين}(36) الى غير ذلك من الصفات الكثيرة التي وصف الله بها القرآن الكريم.

خلوده وهدايته:نزل الروح الأمين بالقرآن الكريم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، وتحدى الله تعالى بالقرآن البشر ليأتوا بمثل سورة منه فعجزوا، واحتوى كثيراً من الغيبيات والكونيات والاشارات التي لا يسع النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الاتيان بمثلها، مما يدل دلالة قاطعة على أن القرآن من عند الله تعالى، وسيأتي – باذن الله – بيان ذلك عند الحديث عن ربانية القرآن الكريم قريباً، والقرآن باقٍ ما بقيت الدنيا، وعلى مر الدهور والعصور يتحدى عوامل الفناء والافناء، إذ تولى الله سبحانه وتعالى حفظه، وتكفل ببقائه فقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(37)، وحفظ القرآن ميزة تميز بها عن سائر الكتب السماوية السابقة، تلك الكتب التي وكلت الى من نزلت عليهم، قال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء}(38)، ومن ثمّ لا يستغرب تحريفها، وضياع كثير من تشريعاتها وتفصيلاتها، ولقد كان لخلود القرآن الأثر البين في كثير من المجالات، إذ حفظ الله سبحانه وتعالى بحفظه الشريعة، وأبقى على الأمة، وحفظ لها لغتها التي هي مناط حضارتها ورفعتها، ولما تقدمت الامم في المجالات العلمية لم تزدد الحقائق القرآنية الا رسوخاً وثباتاً، ولم يسع العلماء الا السجود والانصياع لعظمة الباري، ودقيق صنعته وباهر حكمته، بالاضافة الى معالجة القرآن شتى المشكلات الانسانية في مرافق الحياة كافة علاجاً حكيماً، عزز أسباب خلوده وإعجازه، وسعادة الناس به، ولن يضيق القرآن باتباعه طول الزمان، وبقاء الانسان، مهما تقدم وتعلّم وتطور.

هذا عن خلوده، وأما عن هدايته فهو المشعل المضيء الوقاد، الهادي الى سبيل الرشاد، قال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(39)، وهو تذكرة المتقين، وحق اليقين، أنزله الله تعالى رحمة للعالمين، وشفاء لصدور المؤمنين،ودعاهم للفرح به، واستمطار خيراته فقال سبحانه: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدوروهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}(40)،إن تقرير الهداية القرآنية ثابت في مطلع القرآن الكريم في أول سورة البقرة {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}(41)، كما أنه يسطع في ثنايا السور والآيات، حتى فاق عدد الفاظ الهدى باشتقاقاته المئات، فقرن حيناً بالبينات والبشرى والرحمة، اذ قال سبحانه وتعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}(42)، وقرن حيناً آخر بالبصائر والرحمة، إذ قال سبحانه وتعالى: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}(43)، والحاصل أن الآيات القرآنية متآزرة على اثبات الهداية للقرآن، شهد بذلك القرآن نفسه، وأيده المرسلون، ووقع موقع القبول والحب لدى المسلمين من الانس، ولم يتردد الجن لما رأوا الهدى القرآني فسارعوا الى الايمان، وقالوا:{وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساًولا رهقاً}(44)،إن الهداية هدف للقرآن نبيل، ومقصد شريف، وغاية سامية، وفي سبيل تحقيقها انتهج القرآن أساليب نظيفة شتى، من أشهرها:

صفحة 4

1 – ترسيخ أسس العقيدة السليمة الصحيحة، التي تحل للانسان أعظم مشكلة تلح على وجدانه، وهي سبب خلقه ومصيره وثمرة عمله، قال سبحانه: {وما خلقت الجنوالانس الا ليعبدون}(45)، وأرست هذه العقيدة نظرة متميزة للانسان والكون والحياة فليس الكون عدواً للانسان، وليست الطبيعة خصماً له يصارعه ويغالبه، انما هي ممن خلق، وسخر الارض مذللة للانسان، قال تعالى: {هو الذي جعل لكم الارض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}(46)، والكون مناط تفكيره وسعيه، كما قرر القرآن العقيدة السليمة في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

2 – شرع من التشريعات ومقومات الاصلاح والصلاح ما يكفل الحياة الكريمة، ويقوم جميع جوانب الانسان المادية والروحية والنفسية والفكرية، فالمتدبر لأحكام القرآن المتتبع لآيات التشريع يجد عطاءً ثراً ثرياً من التشريعات في أبواب المعاملات كافة من بيع وشراء، ونكاح وطلاق، ورهن، وكفالة، ووكالة، وغير ذلك من المعاملات الكفيلة باسعاد البشرية متى التزمت بها، فهو نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعها، دولة ووطناً، خلقاً وقوة، عدالة ورحمة، جهاداً ودعوة، ثقافة وكرامة، قال تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون) الجاثية 8.

3 – توثيق صلة العبد بربه، واشعاره بأنه قريب منه، يلتجىء اليه مباشرة من غير واسطة، ويقف بين يديه مرات في اليوم والليلة، ويحج البيت إن استطاع اليه سبيلاً، فيرجع وقد غفرت ذنوبه كحاله يوم ولدته أمه، ويصوم رمضان كل عام فيغفر له به ما اقترف من الآثام، وهكذا في كل عبادة من العبادات موسم يستطيع المسلم من خلاله تطهير نفسه وتزكيتها ورفعها واكرامها.

4 – تشريع نظام أخلاقي شامل لا يتجاهل طبيعة النفس الانسانية بل يسعى بها لتحقيق المثل الاعلى من مكارم الاخلاق مثال ذلك قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدلوالاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}(47)، ومثاله أيضاً قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم الا تشركوا به شيئاً وبالوالدين احساناً ولا تقتلوا أولادكم من املاق نحن نرزقكم واياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لانكلف نفساً الا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}(48).

هذه أنماط من الاخلاق الايجابية الفاضلة التي دعا اليها القرآن الكريم، وبهذا يظهر أن القرآن الكريم حوى أسس النظام الاجتماعي والاقتصادي والاخلاقي والسياسي، فأقام الأسرة على قواعد متينة من التراحم والتعاون والتكافل، وحقق الكفاية والعدالة والرفاهية وحرم الاستغلال والربا والعدوان، وأرسى قاعدة الدولة التي تقوم على الشورى والعدل والمساواة، وقد أثبتت الايام والتجارب أن دستور القرآن صالح لكل زمان ومكان، وأن أحكامه هي العلاج الناجع لأمراض الحياة(49) بالاضافة الى أنه شرع من العقوبات الرادعة ما تستقيم به الحياة ويأمن الأحياء.

ولا يعزبن عن بالك أن القرآن الكريم في طريقة عرضه للهداية والاعجاز حاكم الناس الى عقولهم، وفتح عيونهم الى الكون، وتحدث عنه حديث العليم بأسراره الخبير بدقائقه، المحيط بعلومه ومعارفه، على حين أن الذي جاء بالقرآن أمي نشأ في أمة أمية، لاصلة لها بتلك العلوم وتدوينها ولا المام لها بكتبها ومباحثها بل إن بعض تلك العلوم لم ينشأ الا بعد عهد النبوة ومهبط الوحي بقرون وأجيال، فأنى يكون لرجل أمي ذلك السجل الجامع لتلك المعارف كلها إن لم يكن تلقاه من لدن حكيم عليم، قال تعالى: {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا الا الظالمون}(50).

صفحة 5

ربانية القرآن

ثبتت ربانية القرآن الكريم بداية نزول آياته على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لما نزل به الروح الامين، بلسان عربي مبين، تحدى الله عز وجل البشر أن يأتوا بمثله فعجزوا، وهو باق ما بقيت الدنيا وعلى مر الدهور والعصور يتحدى عوامل الفناء والافناء، وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه فقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(51) بخلاف الكتب السماوية السابقة التي وكلت الى من نزلت عليهم قال تعالى: {إنا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء}(52).

لقد كان لهذا الخلود الاثر البين في كثير من المجالات اذ حفظ الله سبحانه وتعالى بحفظه الشريعة، وأبقى على الامة، وحفظ لها اللغة التي هي مناط الحضارة والرفعة، إضافة الى معالجة القرآن شتى مشكلات الانسانية في مرافق الحياة كافة علاجاً حكيماً مما عزز في أسباب خلوده واعجازه وسعادة الناس به، كتاباً الهياً بين يدي البشر من أحب أن يكلمه الله فعليه بالقرآن، ينهل من معينه العذب الذي لا ينضب.

أدلة ربانية القرآن

يدل على ربانية القرآن العظيم أدلة كثيرة اذ تضمن القرآن فيضاً من الشواهد على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وتلقيه الوحي، ومن هذه الأدلة:

1 – بداية نزول القرآن وكيفية استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم، له، إذ روى الامام البخاري عن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين أنها قالت: أول مابدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبّب اليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع الى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارىء؟ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارىء؟ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم}(53) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)(54).

إن التماس النبي صلى الله عليه وسلم الدثار والتزميل مع رجفة الفؤاد واللجوء الى الفراش كل ذلك يشير الى خوف شديد ألمّ به نتيجة مؤثر خارجي فلو كان القرآن من نفسه أتراه يخاف؟ ولكنه الوحي الذي أتاه لأول وهلة بما أفزعه ليروض نفسه على استقبال الزائر المعلم الكريم.

2 – العتاب الالهي للرسول صلى الله عليه وسلم في بعض مواضع القرآن، فقد كان يأتيه الوحي على غير ما يهوى ويحب، ويأذن له في شي لا يميل اليه، ويعاتبه على فعل مباح كما في أسرى بدر الذين قبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم الفداء، فعاتبه ربه فقال: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)الانفال68، ومثل تلك المعاتبة في سبب نزول {عبس وتولى أن جاءه الاعمى} عبس1 وغيرهما، ولو كانت هذه المعاتبة غير صادرة عن الله تعالى أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلنها لتقرأ على مر الدهور والعصور! إنه لو كان كاتماً شيئاً لكتم أمثال هذه الآيات لأن الذي يدقق النظر يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا خُير بين أمرين اختار الأقرب الى رحمة قومه وهدايتهم والأبعد عن الغلظة والجفاء واثارة الشبه في دين الله، من غير علم منه ما هو الأرجح في ميزان الحكمة الالهية، فهل هذا من الذنوب التي تستوجب التأنيب؟

3 – الانذار والتهديد للرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الآيات القرآنية لئلا يتقول على الله، كقوله تعالى: {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثملقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين}(55) وقوله سبحانه: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئاً قليلاً وإذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا}(56) إن هذا الاسلوب في الانذار يقرر بلا تردد أن القرآن كلام الله، إذ لا يتسنى لمن يدعى الوحي من البشر أن يهدد نفسه بمثل هذا التهديد.

4 – انقطاع الوحي لفترات مختلفة، كما في تحويل القبلة، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوق شوقاً للتوجه في الصلاة الى البيت العتيق، وبقي على ذلك ستة عشرشهراً حتى أنزل الله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام}(57)، ومثله في سورة الكهف اذ سأل المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين فوعدهم باخبارهم غداً، فتأخر الوحي خمس عشرة ليلة، حتى أرجف أهل مكة فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نزل قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً الا أن يشاء الله}، وغير ذلك من النوازل التي من شأنها أن تحفزه على القول وتلح عليه أن يتكلم ولو كان الامر اليه لوجد له مقالاً ومجالاً ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.

صفحة 6

5 – الاخبار عن أمور مغيبة مستقبلية ليس بمقدور أحد أن يعلمها لولا الوحي، كاخباره عن الروم وأنها ستغلب في قوله تعالى: {الم غلبت الروم}(58) وكذا الاخبار عن دخول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة آمنين قال تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين}(59)، وذلك يوم الحديبية قبل فتح مكة، فهل يسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف هذه الاخبار وغيرها لولا الوحي وصدق الله العظيم تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا}(60).

6 – الارقام الدقيقة، إذا القارىء للقرآن يجد فيه ارقاماً طبق الارقام، ففي قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية وفي القرآن أنهملبثوا في كهفهم {ثلاثمائة سنين وازداوا تسعاً} وهذه السنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية(61).

إن هذا غيض من فيض دلائل ربانية القرآن، ومن اراد الاستزاده فليتأمل العلوم التي تضمنها القرآن والصفات التي تحلى بها من نزل عليه القرآن، وسيرته الطاهرة، وعدم تناقض أخبار القرآن رغم طول فترة نزوله منجماً وتصدير بعض الآيات والسور بقوله تعالى: {قل} للاشارة الى انه من عند الله، ومن تأمل وجد خيراً كثيراً.

مميزات الهداية القرآنية

تتميز الهداية القرآنية عن غيرها من ألوان الهداية بمزايا عظيمة جليلة فذة، من أشهرها أنها:

أولاً : هداية شاملة عامة لكل البشر، مهما اختلفت أمصارهم وعصورهم ولغاتهم وأساليب حياتهم، ومن ثم جعل الله سبحانه وتعالى العلماء ورثة النبي صلى الله عليه وسلم يبينون هداية القرآن بعد وفاته، ويوضحون معانيه للعوام، عرباً كانوا أو عجماً.

ثانياً : هداية دائمة خالدة، تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها، ولهذا لم تفترق قراءة المسلم لكتاب الله تعالى في عصرنا، وكذا في كل عصر، عن قراءة الصحابي لكتاب الله في عصر النبوة.

ثالثاً : هداية تامة، شملت جوانب الحياة كافة، ووسعت احتياجات الانسان، وشرعت له من التشريعات ما يسمو بها على سائر المخلوقات.

رابعاً : هداية ناجحة، إذ أثبتت نجاحاً باهراً من عصر النبوة والى يومنا هذا، وكان نجاحها منقطع النظير، وليس له مثيل، يشهد بذلك القاصي والداني، في الوقت الذي فيه عجزت ألوان الهداية الاخرى عن تقديم مثل هذا النموذج الفريد.

هذا قبس من نور أوصاف هداية القرآن، التي يعجز الانسان مهما أوتي من علم أن يبلغ غايتها، فهدايات القرآنية لا منتهى لها، اذ كلمات القرآن لا تنفد، قال تعالى: {قل لو

كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}(62) وكذلك هداياته.

صفحة 7

الفرق بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي

سبق في تعريف القرآن الكريم أنه بلفظه ومعناه من عند الله سبحانه وتعالى، فهل الحديث بنوعيه القدسي والنبوي من عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما الفرق بينهما وبين القرآن الكريم؟

للاجابة على السؤالين السابقين لا بد من الوقوف على معنى الحديث النبوي في اللغة والاصطلاح وكذا الحديث القدسي.

الحديث النبوي لغة واصطلاحاً

الحديث لغة نقيض القديم، يقال: أخذني ما قَدُمَ وما حَدُثَ والحديث الخبر، يأتي على القليل والكثير، ويجمع على أحاديث على غير قياس، لأن واحد الأحاديث أحدوثه، ثم جعلوه جمعاً للحديث(63).

وفي القرآن الكريم اطلق الحديث على الكلام الذي يبلغ الانسان من جهة السمع او الوحي قال تعالى: {ومن أصدق من الله حديثاً}(64)، فسمى القرآن – وهو كلام الوحي – حديثاً، كما اطلق الحديث في القرآن على ما يحدث به الانسان في نومه، كما في سورة يوسف عليه السلام: {وعلمتني من تأويل الأحاديث}(65).

أما في الاصطلاح فالحديث هو:( ما أضيف الى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلقي أو خُلقي)،وعلى هذا التعريف لا يدخل الموقوف، وهو ما أضيف الى الصحابي كما لا يدخل المقطوع، وهو ما أضيف الى التابعي، وهو مذهب بعض العلماء(66) لكن الجمهور ذهبوا الى ان ما أضيف اليهما من الحديث أيضاً، وسووا في الدلالة بين الحديث والخبر، فأضافوا قولي الصحابي والتابعي.

ومثال قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)(67).

مثال الفعل: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم(68).

مثال التقرير: اقراره صلى الله عليه وسلم لمن صلى العصر في الطريق الى بني قريظة، مع أنه أمرهم قائلاً: "لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة"(69)، ولكن بعضهم أدركه العصر في الطريق فصلى، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يُعنف أحداً، ولو كان باطلاً لأنكره.

مثال الوصف الخُلقي: حديث: (كان رسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان)(70).

مثال الوصف الخلقي: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير)(71).

صفحة 8

بين الحديث والسنة

السنة في اللغة من مادة سنَّ، وتطلق على معانٍ، منها:

1 – جريان الشيء واطراده في سهولة(72)، تقول: سننت الماء على وجهي، إذا ارسلته ارسالاً.

2 - الصقل(73)، تقول: سنَّ الحديد سناً، وسنَّ الابل، اذا أحسن رعْيتها حتى كأنه صقلها، وسنَّ المنطق، اذا حسَّنه، فكأنه صقله، وهكذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أحكامها سهلة مطردة، وهي مما تتكرر وتعاد، لتصقل النفس البشرية، وتهذبها، وتقوم الحياة الانسانية.

وأما في الاصطلاح فهي: ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلقية من مبدأ بعثته حتى وفاته، وقد تأتي السنة قولاً أو فعلاً من الصحابة باعتبارهم شهود عصر النبوة المقتبسين من مشكاتها، أو من التابعين باعتبارهم شهود عصر الصحابة وأقرب الناس الى عصر النبوة.

إن الحديث – إذن – أعم من السنة من وجوه، أشهرها:

1 – أنه يتناول كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو لم يكن عليه العمل، كالمنسوخ، وأخبار الجاهلية التي أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2 – أنه يتناول صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية من حيث لونه وجسمه وشعره وطوله، وصفاته الجبلية من حيث صحته ومرضه وما يميل اليه من الطعام وما لا يرغب فيه وغير ذلك مما لا يقصد بروايته الاتباع.

والخلاصة أن الحديث أعم من السنة، فكل سنة حديث، وليس كل حديث سنة، والسنة هي غاية الحديث وثمرته.

بين القرآن والحديث القدسي

القدس – بضمتين، واسكان الثاني – هو الطهر(74) أما نسبة الاحاديث اليها فلأن معناها مضاف الى الله تعالى وحده فان ما أخبر الله به بالالهام أو بالمنام فأخبر عنه النبي بعبارة نفسه هو الحديث القدسي، والقرآن مفضل عليه لأن لفظه منزل أيضا (ً75)

فالحديث القدسي هو: المسند الى الله تعالى، بأن جعل من كلامه سبحانه وتعالى، ولم يقصد الى الاعجاز به، ويسمى الحديث الالهي الرباني (76)والفرق بينه وبين الحديث النبوي من وجهين:

الأول: أن الحديث القدسي معناه من عند الله يلقى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكيفية من كيفيات الوحي لا على التعيين، أما الفاظه فمن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على القول الأصح، ونسبته الى الله نسبة لمضمونه لا نسبة لالفاظه، ولو كان لفظه من عند الله لما وجدنا فرقاً بينه وبين القرآن.

صفحة 9

أما الحديث النبوي فقد يكون توفيقياً، أي: مستنبطاً بالاجتهاد، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشير بالرأي، فيقول له بعض الصحابة: أوحي أم رأي يا رسول الله؟ فاذا علم أنه رأي أشار بخلافه، فيعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورته.

هذا اذا كان الحديث النبوي توفيقياً استنبطه النبي صلى الله عليه وسلم بفهمه لكلام الله تعالى أو بتأمله حقائق الكون واجتهاده، أما اذا كان توقيفياً تلقى مضمونه من الوحي فبينه للناس بكلامه فيفترق عن الحديث القدسي من جهة أخرى يوضحها الوجه الثاني.

الثاني: أن الحديث القدسي نسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الله تعالى، ولم ينسب الحديث النبوي الى ربه، والجميع مرده الى الوحي، قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى}(77).

وهنا تثور مسألة؛ هي: أن الحديث القدسي مختلف في لفظه؛ هل هو من عند الله أم من عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ والقول الأصح أنه من عند رسول الله ، فإن كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم فما وجه نسبته الى الله؟

والجواب: أنه يسوغ في العربية ان تنسب الكلام باعتبار مضمونه لا باعتبار الفاظه، فقد حكى لنا القرآن الكريم باللغة العربية كلام أنبياء لم يتكلموا العربية ونسبها اليهم.

بين القرآن والحديث القدسي:

يفترق الحديث القدسي عن القرآن باعتبارت متعددة، منها:

1 – المصدرية : اذ القرآن لفظاً ومعنى من عند الله سبحانه وتعالى، نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، أما الحديث القدسي فلفظه من عند الرسول صلى الله عليه وسلم. ومعناه وحي أوحاه الله تعالى الى النبي صلى الله عليه وسلم بالالهام او بالمنام او بواسطة يعلمها الله تعالى.

2 – التحدي والاعجاز : فقد وقع بالقرآن التحدي والاعجاز، اذا تحدى الله سبحانه وتعالى به البشر فعجزوا عن الاتيان بمثل سورة منه، اما الحديث القدسي فلم يقع به التحدي والاعجاز فهو في هذا المجال كالحديث النبوي.

3 – التعبد بالتلاوة : فالقرآن متعبد بتلاوته لا تصح الصلاة الا بقراءة القرآن، لأنها ركن من أركان الصلاة، ومن قرأ حرفاً منه كتب له عشر حسنات، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول : "الم" حرف ولكن الف حرف، ولام حرف، وميم حرف)(78)، أما الحديث القدسي فلا تجوز الصلاة بقراءته، وثواب قراءته لا يعادل ثواب قراءة القرآن.

4 - التواتر والثبوت : القرآن الكريم قطعي الورود، متواتر النقل، فالمؤمن اليوم يقرأ القرآن الذي تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم من وحي السماء، أما الحديث القدسي فكالاحاديث النبوية، منها قطعي الثبوت متواتر، وأكثرها ظني في ثبوته، كما أن وصفها بالقدسية ليس عنواناً لصحتها وصلاحيتها للقبول.

5 – الحفظ والصون: القرآن الكريم محفوظ مصان قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(79)، اما الحديث بنوعيه فلم يسلم من التحريف والوضع.

6 – النسبة : القرآن الكريم ينسب لله تعالى، فهو كلامه، ولا ينسب الى أحد سواه، أما الحديث القدسي فيروى مضافاً الى الله تعالى، فيقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى، وتسمى هذه النسبة نسبة انشاء، وقد يروى مضافاً الى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه، وتسمى نسبة

اخبار(80).

7 – الرواية بالمعنى : لا تجوز قراءة القرآن الا بنصه، ولا تجوز قراءته بالمعنى، أما الحديث القدسي فتجوز روايته بالمعنى لمن كان أهلاً لذلك.

8 – باعتبار كفر جاحده: اذ جاحد القرآن كافر، لأنه قطعي الثبوت، أما جاحد غير المتواتر من الحديث فلا يكفر، لأنه ظني الثبوت.

صفحة 10

ظاهرة الوحي

خاطب الله سبحانه وتعالى البشرية بالوحي، وحدثهم بحديث السماء ما شاء، وتتابع الرسل والانبياء في الأرض، ينشرون الفضيلة، وينهون عن الرذيلة، ويوثقون علاقة العبد بخالقه، ويبشرون وينذرون، قال تعالى: {وإن من أمة الا خلا فيها نذير}(81)، وقال سبحانه: {ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً}(82).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد خاتم الرسل والنبيين، وسمى القرآن ما نُزّل منجماً على قلبه وحياً، ونفى أن يكون عن الهوى ناطقاً، فقال سبحانه: {والنجم اذا هوى ماضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى}(83).

ومن ثم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الوحي، وافتخر به، وكان كلما أنكر عليه الناس فعلاً فعله ردد ما أمره الله سبحانه وتعالى به، اذ قال: {قل انما اتبع ما يُوحى اليَّ من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}(84)، ولطالما أنكر القرآن الكريم على الناس أن عجبوا الوحي، قال تعالى: {أكان للناس عجباً أن أوحينا الى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين}(85)، وذلك لأن الوحي ثابت بالأدلة النقلية السمعية والعقلية، وله كيفيات يقينية، وبالوحي تنتفي بشرية القرآن، وتثبت ربانيته، وهو الذي يقرر العلاقة بين الكتب السماوية السابقة على القرآن وبين القرآن.