eKtab
EN ع
عقد الجمان في أحكام القرآن
اقرأ عينة مجانية

عقد الجمان في أحكام القرآن

بقلم د. نوح مصطفى الفقير

صفحة 1

التفسير الفقهي للقرآن الكريم

القرآن كتاب الله الخالد؛ أنزله على قلب النبي محمد ( شاملاً كاملاً؛ متضمّناً الكثير من الأحكام الفقهية؛ التي تصلح شؤون العباد، وتهديهم سبيل الرشاد؛ قال الله تعالى: {إنَّ هَذَا القرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أنَّ لَهُمْ أجْراً كَبِيراً}1؛ ولذا كانت هذه الآيات الشريفة مناط بحث العلماء المتخصصين على مرّ الدهور والعصور، وكانت أساليب المسلمين متمايزة بعض الشيء في كيفية فهم النص القرآني؛ من أجل استنباط الأحكام الفقهية المناسبة منه، وقالوا: ينبغي لطالب العلم أن يتعلم أحكام القرآن؛ فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه؛ فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو.
ولقد كان الصحابة الكرام يفهمون ما تحمله الآيات القرآنية من الأحكام الفقهية بسهولة ويسر؛ وذلك لأسباب كثيرة؛ منها:
1. أن القرآن نزل بلغتهم وعلى مقتضى سليقتهم العربية؛ قال الله تعالى: {إنَّا أنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، تلك اللغة التي كانوا يُقيمون بها أسواقهم؛ شعراً ونثراً، ويتنافسون في بيان محاسنها، وسبر غورها، واستخراج كنوزها، من بحرها الغني العميق.
2. وجود النبي ( بين أظهرهم؛ يحلّ لهم الإشكال؛ فعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ( قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}قَالَ أصْحَابُهُ: وَأيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَنَزَلَتْ {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
3. وقوفهم على أسباب النزول، ومعرفتهم بكل آية منه؛ كيف نزلت، ومتى نزلت، وأين نزلت.
ومن ثَمّ يمكننا أن نقول: إن التفسير الفقهي لآيات الأحكام نشأ متزامناً مع نزول الآيات بالاتفاق.
والتحق النبي ( بالرفيق الأعلى، وتركهم على بيضاء نقيّة؛ ليلها كنهارها، ولكنّ الأمر اختلف؛ إذ جدّت بعض الحوادث التي تتطلب من المسلمين حُكماً مناسباً موافقاً للقرآن والسنة، مما حدا بهم أن يرجعوا إلى مصادر التشريع آنذاك؛ وهي:
1. القرآن الكريم؛ يعرضون الآيات على بعضها، وينظرون في العام والخاص معاً، والمطلق والمقيد معاً، والمُجمل والبيان، وهكذا...
2. السنة النبوية؛ فإنها مفسرة للقرآن، ومبيّنة للمُبهم فيه، وتحلّ الإشكال المتبادر بادئ الأمر؛ ولذلك كانوا يلجأون إليها.
3. الاجتهاد على ضوء القواعد الكلية؛ كالقياس، والمصالح المرسلة والاستحسان، وغير ذلك.
وكانت النتيجة المُتوقعة التي يرجوها المسلمون من أصحاب النبي (؛ إذ اتفقوا على أكثر الأشياء، واختلفوا في بعضها؛ كما في عدة المتوفى عنها زوجها؛ فقد قال سبحانه:{وَالَّذِينَ يُتَوَفوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}، وقال سبحانه: {وَأوْلاتُ الأحْمَالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسْرًا}؛ واختلفت في تفسير هذه الآيات أقوالُهم، ولم تختلف قلوبهم؛ فقد ورد (أنَّ أبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أبِي هُرَيْرَةَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ المَرْأةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِدَّتُهَا آخِرُ الأجَلَيْنِ، وَقَالَ أبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ، فَجَعَلا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ قَالَ: فَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: أنَا مَعَ ابْنِ أخي - يَعْنِى أبَا سَلَمَةَ - فَبَعَثُوا كُرَيْباً - مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - إلَى أمِّ سَلَمَةَ يَسْألُهَا عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُمْ فَأخْبَرَهُمْ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إنَّ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، وَإنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ( فَأمَرَهَا أنْ تَتَزَوَّجَ)، ففهم الصحابة أن النص الأول في غير الحامل؛ إن توفي عنها زوجها، والثاني في أولات الأحمال.

صفحة 2

وأما أسباب اختلاف الصحابة فترجع إلى أمور؛ منها

1. تفاوت الصحابة في العلم؛ من حفظٍ لكتاب الله، وإطلاع على سنة الرسول (، وتفاوتهم في الكتابة والخط، ولا شك أن بعضهم كان أعلم من بعض في هذا المجال؛ إذ كلٌ منهم مشهور بعلم من العلوم الإسلامية، وقد يكون جامعاً لأكثر من علم.
2. مدى ملازمة كلٍ منهم للنبي (؛ فمن كثرت ملازمته للنبي ( لا شك يقتبس منه أكثر؛ لأنه إليه أقرب.
3. تفاوت القدرات العقلية؛ فبعضهم أذكى وأحفظ من بعض، وتلك هبات ربانية يهبها الله تعالى من يشاء.
4. تفرّقهم في الأمصار؛ وتعليمهم التابعين بحسب قدراتهم وفهمهم.
5. اختلاف المدارس التفسيرية التي أنشأها الصحابة الكرام؛ كمدرسة ابن عباس في مكة، ومدرسة أبي في المدينة، وابن مسعود بالعراق؛ وذلك نتيجة لوجود كلٍ منهم في ذلك المكان، وتعليم الناس فيه ما قد يخالف الصحابي الآخر فيه.
ولم تنتشر خلافات الصحابة على ساحة العلم؛ وذلك لأسباب كثيرة؛ منها:
1. قلة هذه الخلافات؛ إذ لم تكن من الخلافات المُعتبرة، ولا قيمة لها إلا من جهة بيان حرص الصحابة الكرام على الوصول إلى الحق.
2. انشغال أكثر الصحابة بعد النبي ( بالجهاد في سبيل الله، حال بينهم وبين متابعة المجالس العلمية وباستمرار.
3. عدم التعصب للرأي، وتجنب الفتوى؛ يقول أحدهم عند الاختلاف: (اللهم أظهر الحق على لسان أخي)!! ولا يقول: خصمي، ويكتفي بالأخوّة، ولا يخفى أثر ذلك في عدم تفشي الخلاف.
4. وجود الخليفة الذي يحلّ المعضلات، فإن استعصى عليه الأمر جمع أهل الحلّ والعقد كالبدريين وغيرهم.

صفحة 3

وبدأ عهد التابعين، وبدأت تظهر المذاهب الفقهية؛ نتيجة للحوادث التي برزت في ذلك العهد، ولم يسبق بيان حكم عليها، فنظروا فيها تحت ضوء القرآن والسنة وآراء الصحابة؛ فكانت هذه مصادر التشريع في ذلك العصر الزاهر.
ولا يعزُبُنّ عن بالك أنه لم يظهر الاختلاف في أول هذا العصر؛ لسبب ظاهر؛ هو عدم تعصب الأئمة لآرائهم؛ إذ كلٌ منهم تتلمذ على يد مَن سبقه، وكل تلميذ يقول: (الناس عيال في الفقه على شيخي)، وكانوا جميعاً ينشدون الحقّ، ويطلبون الحكم الصحيح.
ثمّ بعدُ بدا جليّاً عدم التسامح، وظهر التعصب والتقليد أحياناً؛ فظهر الاختلاف، وانتشر التأويل، وكثر ادعاء النسخ والتخصيص، وحبُّ الذات، وبرز التفسير الفقهي للقرآن ضمن كتب التفسير المتنوعة، لكنه لم يدوّن باستقلال في عهد التابعين؛ إذ ظلّ كل مؤلف في فنّ من فنون علوم القرآن يفسر آيات القرآن بما يوافق المذهب المعتمد عنده، ويدافع عنه؛ فتنّوعت التفاسير تبعاً لتنوّع الفرق الإسلامية فقهياً وعقائدياً، وظهر فريق من الأطراف كافة؛ يبذلون ما في وسعهم لإبطال مذهب المخالف وتفنيده.
ومما اختلفوا فيه عدد آيات الأحكام في القرآن، فقال بعضهم: آيات الأحكام خمسمائة آية، وقال بعضهم‏:‏ مائة وخمسون‏، والصواب قول من قال:‏ معظم آي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة، وأخلاق جميلة، ثم من الآيات ما صرح فيه بالأحكام ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط إما بلا ضم إلى آية أخرى، وإما بضم بعضها إلى بعض.
أما تدوين كتب التفسير الفقهي على جهة الاستقلال- سواء اقتصر المؤلف فيها على تفسير آيات الأحكام أم فسّرها مع غيرها – فلم تظهر إلا بعد عصر التدوين.

صفحة 4

أشهر كتب التفسير الفقهي

ليس سهلاً أن تحصر المؤلفات في التفسير الفقهي للقرآن الكريم على مرّ العصور الإسلامية، ولقد كتب صاحب كشف الظنون مجموعة من هذه الكتب؛ فقال: (أحكام القرآن للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى بمصر سنة أربع ومائتين (204)، وهو أول من صنف فيه، وللشيخ أبي الحسن علي ابن حجر السعدي، المتوفى سنة أربع وأربعين ومائتين (244)، وللقاضي الإمام أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق الأزدي البصري، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائتين (282)، وللشيخ أبي الحسن علي بن موسى بن يزداد القمي الحنفي، المتوفى سنة خمس وثلاثمائة (305)، وللشيخ الإمام أبي جعفر احمد ابن محمد الطحاوي الحنفي المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (321)، وللشيخ أبي محمد القاسم بن أصبع القرطبي النحوي، المتوفى سنة أربعين وثلاثمائة (340)، وللشيخ الإمام أبي بكر احمد بن علي المعروف بالجصاص الرازي الحنفي، المتوفى سنة سبعين وثلاثمائة (370)، وللشيخ الإمام أبي الحسن علي بن محمد المعروف بالكيا الهراسي الشافعي البغدادي، المتوفى سنة أربع وخمسمائة (504)، وللقاضي أبي بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربي الحافظ المالكي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (543)، أوله: ذكر الله مقدم على كل أمر ذي بال الخ؛ وهو تفسير خمسمائة آية متعلقة بأحكام المكلفين، وللشيخ عبد المنعم بن محمد بن فرس الغرناطي، المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة (597)، ومختصر أحكام القرآن للشيخ أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، المتوفى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (437)، وتلخيص أحكام القرآن للشيخ جمال الدين محمود بن احمد المعروف بابن السراج القونوي الحنفي، المتوفى سنة سبعين وسبعمائة (770)، ولأبي بكر احمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة ثمان وخمسينوأربعمائة (458) لفقهٍ من كلام الشافعي؛ أوله: {الحمد لله رب العالمين} الخ، وللمنذر بن سعيد البلّوطي القرطبي المتوفى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة (355)) انتهى، أقول: لقد ذكر السيوطي في الإتقان بعضاً من هذه الكتب أيضاً، ولكنّ الكتب المطبوعة في عالم الكتب اليوم أقل من هذا الذي ذُكر في كشف الظنون.

صفحة 5

وفي العصر الحديث كتب الشيخ محمد علي السايس كتاباً في أحكام القرآن؛ سمّاه تفسير آيات الأحكام، وكذا الشيخ محمد علي الصابوني كتاباً سمّاه: أضواء البيان في تفسير آيات الأحكام، لذا سأذكر بإذن الله أشهر الكتب، وسأرتبها حسب وفاة مؤلفيها، ومن وضّح وبيّن مثل هذا البيان نجا من النقد والطِعان، وقبل البيان أنوه إلى أن كتاب أحكام القرآن المطبوع في الأسواق والمنسوب إلى الإمام الشافعي هو من جمع البيهقي؛ جمعه من كتاب الأم، ولئلا يتبادر إلى الأذهان أن هذا هو كتاب الشافعي اكتفيت بذكره، ولن أتوسع في ذكر منهجه فيه؛ وأما غيره من كتب أحكام القرآن فمن أشهرها:
أولاً: كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص؛ والجصاص هو أحمد بن علي الرازي، ولد في الري عام ( 305 )؛ يُقولون له: الجصاص؛ لأنه كان يعمل بالجصّ، وهو فاضل من أهل الري، سكن بغداد، واستقر فيها، وكان زاهداً؛ ومن زهده أنهم عرضوا عليه أن يلي القضاء فامتنع، وعرضت عليه ثانية فأبى، ولم يقبل، وله جهود خيّرة في ربط أقوال الحنفية بأدلتها، ومن مؤلفاته شرح مختصر الطحاوي، وكتاب أصول الفقه، توفي ببغداد عام (370).
يتمثل أسلوبه في تأليف كتاب أحكام القرآن بالنقاط الإيجابية والسلبية الآتية؛ أما الإيجابية فكثيرة؛ منها:
1. يعتبر كتاباً مهماً في الفقه المقارن؛ فيعرض أدلة كل فريق؛ ويُحلل ويناقش ويستنبط ويرجّح.
2. يستعرض الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الفقهية كافة، وحسب ترتيب المصحف الشريف، ويبوّب تلك الأحكام المتعلقة بالآية أو الآيات، ويرتبها كترتيب أبواب الفقه، ما أمكن.
3. يروي بعض الأحاديث بسنده إلى أصحاب الكتب الستة عموماً، وسنن أبي داود خصوصاً.
4. يُعدّ من أهم كتب التفسير الفقهي عند الحنفية، وفي مسائل الفقه أجاد وأفاد.
5. يبوب الآيات التي يريد تفسيرها كتبويب الفقهاء، وإن كان يسير على ترتيب القرآن.

صفحة 6

وأما السلبية فمنها:
1. إنكار بعض الأحاديث الصحيحة؛ كما أنكر حديث البخاري في السحر.
2. الغض من حق معاوية ( وهو صحابي الجليل، والغض من حق الصحابة لا يجوز.
3. يروّج لمذهب الحنفية ويدافع عنه، وينتصر له، ولو كان قولهم مخالفاً للجمهور.
4. ينقل الأقوال بعض الأحيان من غير مصدرها الصحيح؛ كما فعل في تفسير قوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأتُواْ حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ}؛ إذ نقل الأقوال التي لا تقبل في حق الإمام مالك رحمه الله.
5. يحمل على مخالفيه، ويرميهم بعبارات شديدة، كما فعل مع الشافعي، ورميه بمثل تلك العبارات لا تليق من الجصاص في مثل الشافعي، والشافعي معروف بتقدمه على أمثال الجصاص في العلم.
6. موافقة مذهب الاعتزال في بعض الأحكام؛ كإنكار السحر، والنظر إلى الله تعالى، مما يؤكد أنه يميل إلى آراء المعتزلة.
7. يتعصب للمذهب الحنفي، ويتعرض للمذاهب الأخرى.
ثانياً: أحكام القرآن للكيا الهراسي، والكِيا الهراسي هو عماد الدين الدين، أبو الحسن، علي بن محمد الطبري، الشافعي، ولد سنة خمسين وأربعمائة في طبرستان، رحل إلى نيسابور، وتفقّه على إمام الحرمين الجويني حتى برع، وخرج إلى بيهق، ودرّس بها مدة، ثم رحل إلى بغداد، كان فصيح العبارة، حلو الكلام مُحدثاً، واتهم بمذهب الباطنية، وتوّلى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد إلى أن تُوفي سنة أربع وخمسمائة من الهجرة.

صفحة 7

ويتمثل أسلوبه في كتابه أحكام القرآن بالنقاط الإيجابية الآتية:
1. يعتبر كتابه في أحكام القرآن موسوعة فقهية، وفق قواعد الشافعية، ويحاول أن يجعل أدلته غير صالحة لأن تكون في جانب مخالفيه.
2. أنه عف اللسان مع أئمة المذاهب.
3. استيفاء جميع آيات الأحكام، وذكر أقوال العلماء فيها.
4. لا يتسع في نقل الخلاف، فيكتفي أحياناً بذكر الأقوال دون تفصيل.
ومن السلبيات:
1. امتداحه لمذهبه كثيراً؛ فهو يقرر أن مذهب الشافعي أسدُّ المذاهب وأقواها.
2. تعرّض للجصاص الرازي بالاسم، ورماه بالعبارات والألفاظ الساخرة؛ انتقاماً للشافعي.
ثالثاً: أحكام القرآن لابن العربي، وابن العربي هو العلامة الحافظ القاضي أبو بكر محمد ابن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الإشبيلي، وأبوه الإمام العلامة الأديب ذو الفنون؛ أبو محمد؛ عبد الله بن محمد، المتوفى بمصر في أول سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ولد ابن العربي سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتأدب ببلده، وقرأ القراءات، ثم انتقل ورحل إلى جملة من البلاد والأقطار التي زخرت بالعلماء؛ فارتحل مع أبيه، ودرسا معاً ببغداد، وصحب بها أبا حامد الغزالي، ودرس بدمشق وببيت المقدس وبالحرم الشريف بمكة، وسمع من العلماء فيها الفقه والأصول، وقيّد الحديث، واتسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والأصول والأحكام على أئمة هذا الشأن، وتفقه ابن العربي بالإمام أبي حامد الغزالي، والفقيه أبي بكر الشاشي، والعلامة الأديب أبي زكريا التبريزي وجماعة، وجمع وصنّف، وبرع في الأدب والبلاغة، وذاع صيته، وكان متبحراً في العلم، ثاقب الذهن، كريم الشمائل، وله شهرة في فنه وعلمه، فعن هؤلاء وهؤلاء أخذ جملة من الفنون، حتى أتقن الفقه والأصول، وقيّد الحديث، واتسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والكلام، وتبحّر في التفسير، وبرع في الأدب والشعر، وبعد هذه الرحلات المتوالية عاد وفي جعبته العلم الكثير، حتى قالوا عنه‏: ‏إنه أحد من بلغ مرتبة الاجتهاد ‏‏.‏

صفحة 8

كان أبوه رئيساً وزيراً عالماً أديباً شاعراً ماهراً؛ توفي أبوه وهو في بيت المقدس، فرجع إلى الأندلس، وذلك في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وولي قضاء اشبيلية؛ واشتهر اسمه، وكان رئيساً محتشماً وافر الأموال بحيث أنشأ على اشبيلية سوراً من ماله، فحمدت سياسته، وكان ذا شدة وسطوة فعزل، فأقبل على التأليف ونشر العلم، وبلغ رتبة الاجتهاد، وكان فصيحاً بليغاً خطيباً، وأدخل الأندلس إسناداً عالياً، وعلماً جماً؛ وحدث عنه كثير من طلاب العلم، وتخرّج به أئمة، وكان عذب المنطق، كريم الشمائل، كامل السؤدد، واتسع حاله، ومدحته الشعراء، وذكره الأدباء، فبالغوا في تقريظه، وكان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، مقدماً في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، نافذاً في جميعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود، وهو علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، وأنتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله تعالى به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومدّ عليها منه الظل الوارف، وكساها رونق نبله، وتوّلى الولايات الشريفة، وتبوأ المراتب المنيفة، وبقي متفرداً، وللطلب متجرداً .
كان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، متقدماً في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، نافذاً في أحكامها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب فيها، وصنف في فنون العلم الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ؛ ومن مصنفاته كتاب عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي، وفسّر القرآن المجيد فأتى بكل بديع، وله كتاب كوكب الحديث والمسلسلات، وكتاب أمهات المسائل، وكتاب نزهة الناظر، وكتاب ستر العورة، والمحصول في الأصول، وحسم الداء في الكلام على حديث السوداء، وكتاب في غوامض النحويين، وكتاب ترتيب الرحلة للترغيب في الملة، والفقه الأصغر، وأشياء سوى ذلك، مات بفاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
أما كتابه أحكام القرآن فكتاب قيّم؛ ذكر في أوله طريقته فيه؛ فقال في مقدمته: (ولمّا منّ الله سبحانه بالاستبصار في استثارة العلوم من الكتاب العزيز، حسب ما مهّدته لنا المشيخة الذين لقينا، نظرناها من ذلك المطرح، ثمّ عرضناها على ما جبله العلماء، وسبرناها بعيار الأشياخ؛ فما اتفق عليه النظر أثبتناه، وما تعارض شجرناه، وشحذناه حتى خلص نضاره، وورق عراره، فنذكر الآية، ثم نعطف على كلماتها، بل حروفها، فنأخذ بمعرفتها مفردة، ثمّ نركبها على أخواتها مضافة؛ ونحفظ في ذلك قسم البلاغة، ونتحرّز عن المناقضة في الأحكام والمعارضة، ونحتاط على جانب اللغة، ونقابلها في القرآن بما جاء في السنة الصحيحة، ونتحرّى وجه الجميع؛ إذ الكلّ من عند الله، وإنما بُعث محمد ( ليبين للناس ما نزّل إليهم، ونعقّب على ذلك بتوابع لا بدّ من تحصيل العلم بها منها؛ حرصاً على أن يأتي القول مستقلاً بنفسه، إلا أن يخرج عن الباب، فنحيل عليه في موضوعه مجانبين للتقصير والإكثار، وبمشيئة الله نستهدي، فمن يهدي الله فهو المهتدي؛ لا ربّ غيره) انتهى.

صفحة 9

وأما طريقته في كتابه فتتمثلّ بنقاط إيجابية وأخرى سلبية؛ ومن الإيجابية

1. يورد الآية، ثم يذكر فيها المسائل ويبدأ في ذكرها مسألة مسألة، ويذكر مذاهب العلماء في هذه المسائل، قائلاً‏ً:‏ الآية الأولى وفيها خمس مسائل مثلا‏ً، والآية الثانية وفيها سبع مسائل مثلاً‏ً..‏ وهكذا حتى يفرغ من آيات الأحكام الموجودة في السورة كلها‏؛ مما يجعل كتابه موسوعة فقهية شاملة.
2. له استطرادات جميلة في ذكر بعض القصص والأحوال التي تمر به أحياناً، وذكر بعض رحلاته، وتوليه القضاء، ومناظرته للعلماء، وهذه الكتب يستفيد منها الإنسان فيما يتعلق بالحكم الفقهي المستنبط من الآية.
3. يعتمد صحيح حديث النبي ( على ما كان من أفعال النبي ( وصحابته، وهو شديد النفرة من الخوض في الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة.
4. كتاب أحكام القرآن يعتبر مرجعاً مهماً للتفسير الفقهي عند المالكية وذلك لأن ابن العربي كان مالكي المذهب كثير التعصب له والدفاع عنه‏.
5. يستشهد بالأشعار المؤيدة للحكم الفقهي، وهذا نابع من كونه عالماً محققاً، عارفاً بأسرار العربية.
فإذا أضيف إلى ذلك أنه جمع آداب الأخلاق، وحسن المعاشرة، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود، علمنا أن ما كتبه ابن العربي إنما هو محوط بسياج الروح العلمية الإسلامية الكريمة من عالم جمع إلي العلم وفضله العمل به، والسير على منواله‏.

صفحة 10

وأما السلبية فمنها:
1. ينتصر لمذهبه المالكي، فقد ظهرت عليه في تفسيره روح التعصب له، وإن كان غير مشتط في ذلك؛ لكن الذي يتصفح هذا التفسير يلمس منه أحياناً روح التعصب المذهبي ‏.‏
2. يتعرض لبعض الأئمة الأعلام؛ فيقول في أبي حنيفة: ( سكن دار الضرب؛ فكثر عنده المدلّس، ولو سكن المعدن – كما قيّض الله لمالك- لما صدر عنه إلا إبريز الدين، وإكسير الملة؛ كما صدر عن مالك)، أقول: وهذا لا يصح لمثل أبي حنيفة رحمه الله، وهو دليل على أن ابن العربي ليس عفّ اللسان مع بعض الأئمة الفقهاء.
رابعاً: أحكام القرآن للقرطبي؛ والقرطبي هو محمد بن أحمد بن أبي بكر، الأنصاري، المالكي، الخزرجي الأندلسي القرطبي المفسر؛ مصنف التفسير المشهور الذي سارت به الركبان.
كان رحمه الله من الصالحين، العارفين، الورعين، الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعينهم من أمور الآخرة، كانت أوقاته معمورة بالتوجه إلى الله؛ عبادةً وتصنيفاً، حتى أخرج للناس كتباً انتفعوا بها ومن مؤلفاته شرح أسماء الله الحسنى، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة.
قال الذهبي: (إمام متفنن متبحر في العلم له تصانيف مفيدة تدل على إمامته وكثرة إطلاعه ووفور فضله توفي بمنية بني خصيب من الصعيد الأدنى سنة إحدى وسبعين وستمائة).
أما كتابه ( الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمّن من السنة وآي الفرقان) فهو من أجل الكتب، وقد حثّ في أوله على تعلّم أحكام القرآن، وذكر أموراً كثيرة ينبغي لحامل القرآن أن يتصف بها، وقال: (ينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن؛ فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ، ويعمل بما يتلو، فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو!! فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلو ولا يدريه!!).
وقد وصف ابن فرحون هذا الكتاب بالصفات الجليلة؛ فقال: ( هو من أجلّ التفاسير وأعظمها نفعاً، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ)، وقد اختصره سراج الدين الشيخ عمر بن علي الشهير بابن الملقن المتوفي في سنة أربع وثمانمائة.