eKtab
EN ع
عقد التعليم الخاص "دراسة مقارنة"
اقرأ عينة مجانية

عقد التعليم الخاص "دراسة مقارنة"

بقلم د. كاوان إسماعيل كه ردي

صفحة 1

الإهداء

إلى أول مدرسة لي في الحياة

رمز التضحية والوفاء

إلى أمي

كاوان

صفحة 2

أولاً: موضوع البحث

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي وأبارك على النبي الأكرم، المبعوث رحمة ومعلماً لسائر الأمم، وعلى آله وصحبه وأسلم أما بعد:

فإن الإنسان يقف خاشعاً أمام عظمة التعليم وقدسيته، فلو جاهد العمر كله قارئاً متتبعاً متأملاً لما استطاع إلا أن يلم بقطرة من محيط العلم والمعرفة، وتبقى جوانب وميادين لا تعد ولا تحصى مجهولة غامضة بالنسبة إليه فيظل الإنسان يبحث عن العلم والمعرفة فيحيى ويفنى تلميذاً دون إدراك كل العلم وكل المعرفة وإذا كانت البشرية قد وصلت إلى تحقيق إنجازات لم تكن بعضها واردة حتى في أحلامه بدءاً باكتشاف الذرة ومروراً بغزو الفضاء وزرع الأعضاء البشرية واكتشاف الكمبيوتر والإنترنت وغيرها وانتهاءً بما يسمى بالاستنساخ البشري فإن الفضل كان في كل ذلك للتعليم والتعلّم.

وقد أولت دول العالم التعليم والتعلّم جل عنايتها واهتمامها إلا أن ذلك كان بصورة متفاوتة فيما بين هذه الدول مما دفع بالإنسان أن يبحث عن فروع العلم والمعرفة بنفسه وأن يحاول الحصول عليها بشتى الطرق والوسائل دون أن يكتفي بما في أيدي المؤسسات التعليمية التابعة للدولة بل لجأ إلى المؤسسات التعليمية الخاصة وقد نجح في ذلك، بحيث لجأ الفرد في المجتمع إلى القطاع الخاص للحصول على العلم والمعرفة وعلى الآداب والفنون وغير ذلك، ومن جهة أخرى إن عدم أداء المدارس الحكومية والرسمية ما عليها من واجبات قانونية وعلمية دفع بأولياء أمور التلاميذ إلى البحث عن وسائل أخرى لغرض النهوض بالمستوى العلمي والثقافي لأبنائهم.

وبالمقابل كان القطاع الخاص قد شرع بتأسيس المؤسسات التعليمية الخاصة كالمدارس الأهلية والمعاهد والمراكز الخاصة بهدف المساهمة في العملية التعليمية والتربوية، وتقديم خدمة التعليم إلى كل من يرغب في تعلّم علم أو أدب أو فنّ أو مهنة، بمعنى إنه قد تولّدت عن لجوء الأفراد في المجتمع إلى المؤسسات التعليمية الخاصة رابطة بين هؤلاء الأفراد، وبين المؤسسات التعليمية الخاصة، وأن هذه الرابطة هي رابطة قانونية تعاقدية، لأن هذه الرابطة تتضمن كل عناصر وأركان وخصائص ومميزات العقود، دون أن يكون لدى غالبية المتقدمين إلى المؤسسات التعليمية الخاصة علم بأن هذه الرابطة رابطة تعاقدية، بل إنهم يعتقدون وكأنها رابطة تنظيمية ويتعاملون مع المدارس الأهلية والمعاهد الخاصة على هذا الأساس، مما نتج عن هذه الوضعية بروز دور إرادة أصحاب ومدراء المؤسسات التعليمية الخاصة على حساب إرادة الأفراد الراغبين في التعلّم لدى هذه المؤسسات، ليس هذا فحسب بل إن ذلك أدى إلى خلق حالة من عدم التوازن في المركز القانوني لطرفي العقد،

ولقد ارتأينا أن نبحث في هذه الرابطة التعاقدية تحت عنوان (عقد التعليم الخاص) حتى نبين أن هذه العلاقة علاقة تعاقدية وليست تنظيمية لغرض تحقيق موازنة عادلة بين مصلحة أطراف هذا العقد ولغرض رفع الغبن عن الأفراد المتعاقدين مع المؤسسات التعليمية الخاصة.

صفحة 3

ثانياً: أسباب اختيار الموضوع

إنّ خصخصة القطاعات العامة ومن ضمنها التعليم نتيجة التطورات السياسية والاقتصادية والأيدلوجية في الوقت الراهن أدت إلى ظهور الكثير من المؤسسات التعليمية الخاصة كالمدارس الأهلية والمعاهد والمكاتب والمراكز الخاصة للتعليم.

وقد أقبلت الجماهير على هذه المؤسسات التعليمية الخاصة لغرض تلقي العلم والمعرفة والآداب والفنون والمهن على أيدي هذه المؤسسات بمعنى أن الأفراد في المجتمع يقبلون على هذه المؤسسات لغرض إبرام عقود تعليم مع هذه المؤسسات والجهات التعليمية، مما ينبغي معالجة هذه العلاقة التعاقدية معالجة قانونية لغرض بيان حقوق والتزامات أطراف هذه العلاقة التعاقدية.

من ناحية أخرى، فإنه في الوقت الذي حظيت فيه العقود الأخرى كالبيع والإيجار والمقاولة والوديعة والوكالة وغيرها بالاهتمام التشريعي والفقهي وكرست له الرسائل الجامعية والبحوث والمؤلفات والمصنفات المفصلة والمستفيضة فإن عقد التعليم لم يحظ بالعناية نفسها حيث يندر العثور على فقرة من الفقرات من هنا وهناك في المراجع العربية والأجنبية حول عقد التعليم أي أن عقد التعليم الخاص عقد غير مبحوث بصورة تفصيلية لحد الآن، ومن هنا فإننا لا نبعد عن الحقيقة إذا ما قلنا أن البحث في عقد التعليم لا يخلو في واقع الأمر من بعض المغامرة العلمية مما يفرض علينا جهداً حثيثاً ولننقب بين السطور لاستقراء الأفكار والآراء التي طرحها بعض الفقهاء في هذا البحث أو ذاك للاهتداء إلى التفاصيل التي تساهم في إغناء هذه الرسالة وكشف أبعادها القانونية.

صفحة 4

ثالثاً: منهج البحث وخطته

إن هذا الكتاب محاولة متواضعة للبحث في عقد التعليم الخاص من خلال منهج مبني على تحليل الآراء والأحكام والقواعد التي تعنى بهذا العقد، والعمل على تأصيلها في وحدة فكرية تشمل جوانب متكاملة لنظرية قانونية متناسقة، وكذلك استخلاص النتائج والآثار القانونية من طبيعة العقد كما هو موجود في الواقع العملي نظراً لأن عقد التعليم الخاص عقد غير مسمى، ولم يتم التطرق إليه بصورة تفصيلية بل إن هذا العقد حديث نسبياً لا سيما في إقليم كردستان.

ولقد آثرنا أن يكون منهج البحث مقارناً وفق خطة تضم خمسة فصول حسب الطريقة الحديثة لتقسيم البحوث والرسائل الجامعية والتي تسمى الطريقة العددية.

ففي الفصل الأول: الذي هو الفصل التمهيدي نلقي الضوء على أهمية التعليم الخاص، وعقد التعليم الخاص، وعلى صور عقد التعليم الخاص، وعلى حركة التعليم الخاص، وعقد التعليم الخاص في إقليم كردستان من خلال تقسيمه إلى ثلاث نقاط:

في النقطة الأولى: نبحث أهمية التعليم الخاص وعقد التعليم الخاص.

في النقطة الثانية: نبحث صور عقد التعليم الخاص.

في النقطة الثالثة: نبحث حركة التعليم الخاص وعقد التعليم الخاص في إقليم كردستان.

أما في الفصل الثاني: فسنتناول خصائص وتكييف وتعريف عقد التعليم الخاص من خلال تقسيمه إلى ثلاث نقاط.

في النقطة الأولى: نبحث خصائص عقد التعليم الخاص.

في النقطة الثانية: نتطرّق إلى حالات مشابهة لعقد التعليم الخاص ببعض العقود الأخرى.

في النقطة الثالثة: فسنتناول تكييف وتعريف وتحديد أطراف عقد التعليم الخاص.

أما في الفصل الثالث: فنتناول أركان عقد التعليم الخاص من خلال تقسيمه إلى ثلاث نقاط.

في النقطة الأولى: نبحث التراضي.

في النقطة الثانية: نتناول المحل.

في النقطة الثالثة: نتطرّق إلى السبب.

صفحة 5

أما في الفصل الرابع: نحث آثار عقد التعليم الخاص من خلال بحث التزامات طرفي عقد التعليم الخاص وذلك بتقسيمه إلى نقطتين:

في النقطة الأولى: نتناول الالتزامات التي تقع على عاتق الجهة التعليمية.

في النقطة الثانية: نتناول التزامات طالب التعلّم الذي يتلقى التعليم على يد الجهات التعليمية.

أما في الفصل الخامس: فنبحث المسؤولية الناشئة عن عقد التعليم الخاص من خلال تقسيمه إلى نقطتين:

في النقطة الأولى: نتناول الطبيعة العقدية لمسؤولية الجهات التعليمية في عقد التعليم الخاص.

في النقطة الثانية: نبحث الاضرار التي تصيب طلاب التعلّم في نطاق عقد التعليم الخاص.

وأنهيت الكتاب بالخاتمة ولّخصت فيه أهم النتائج والمقترحات التي توصلنا إليها من خلالها.

وقد لقيت صعوبات جمّة وعقبات عديدة لإنجاز هذه المهمة نظراً لقلة المصادر والمراجع المتخصّصة في موضوع عقد التعليم الخاص، إلا أنه بفضل الله تبارك وتعالى قد تمّ التغلّب عليها، وكل ما كتب في هذا الكتاب عبارة عن خلاصة جهدي وهو جهد إنسان والإنسان قابل للإصابة والوقوع في الخطأ، وما كتبته في هذه الرسالة أضعه بين أيدي أساتذتي الأفاضل إذ إن البحث يتسع مداه لكل الآراء السديدة ولكل الأفكار والتوجهات القانونية الصائبة.

وأخيراً أدعو الباري عز وجل أن يأخذ بيدنا نحو السداد والتوفيق في كل عمل على خير الوجوه وأحسنها، إنه سميع قريب مجيب والله من وراء القصد.

المؤلف

صفحة 6

تمهيد

سأتطرق في هذا الفصل التمهيدي إلى ثلاثة محاور: في المحور الأول: أتطرق إلى أهمية التعليم الخاص، وعقد التعليم الخاص وأهمية البحث فيه.

وفي المحور الثاني: إلى صور عقد التعليم الخاص.

أما في المحور الثالث: فأتطرق إلى حركة التعليم الخاص وعقد التعليم الخاص في إقليم كردستان، وفيما يلي أبحث في المحاور الثلاثة المذكورة في ثلاث نقاط رئيسة مستقلة.

صفحة 7

1-1: أهمية التعليم الخاص وعقد التعليم الخاص وأهمية البحث فيه

إن منهجية البحث تتطلب منا أن نحدد أولاً أهمية التعليم الخاص من عدة جوانب، كالجانب الاجتماعي والجانب الاقتصادي والجانب العلمي ومن ثم نبين أهمية عقد التعليم الخاص الذي يوصل الفرد إلى هذا النوع من التعليم وأهمية البحث فيه.

1-1-1: أهمية التعليم الخاص

نبحث فيما يلي في الأهمية الاجتماعية والأهمية الاقتصادية والأهمية العلمية في ثلاث فقرات مستقلة:

أولاً: الأهمية الاجتماعية للتعليم الخاص

الإنسان هو أحد المخلوقات الذي يولد عاجزاً تماماً قاصراً كليةً، ولا يستطيع أن يحيا إلا إذا عنيت به أسرته وحافظت على بقائه ونشأته وعلمته.([1])

والحق أن الإنسان بخلاف الحيوان يأتي إلى الدنيا بقدر محدود من السلوك الفطري الثابت، وبقدرة عظيمة على التعلم، ومن هنا كانت وظيفة المجتمع ممثلاً في الأسرة أولاً وفي المدرسة ثانياً، وفي الهيئات الاجتماعية الأخرى ثالثاً، عبارة عن تربية الفرد وتعليمه وإعداده للحياة المقبلة، والأجيال السابقة تعمل على إعداد الأجيال اللاحقة للحياة، وتزويدها بالخبرات والمعلومات والمهارات التي تمكنها من الحياة، وقد دأبت المجتمعات منذ بدايات تكوينها على تعليم أبنائها العمل، وكيفية اكتساب لقمة العيش، وخير إعداد لهذه الأجيال كان وما زال هو العمل على تحول المجتمع من مجتمع أمي جاهل إلى مجتمع متعلّم، ومن مجتمع متخلّف إلى مجتمع متحضّر.

والرقابة على العملية التربوية في مجتمعات ما قبل التاريخ كان على يد الأسرة فكان عليها مسؤولية تدريب الأطفال على العرف والتقاليد المقبولة في الجماعة القبلية، وكان لبعض الأشخاص في كثير من القبائل وظائف خاصة بهم، وقد كون أولئك الأشخاص وهم عادة كبار رجال القبائل ورجال الطب والسحر ورواة الأخبار طبقة كهنوتية تشرف على تعليم الأطفال([2]).

فالإشراف على التربية والتعليم قديماً عادة لم يكن من شأن معاهد وهيئات تعليمية معينة بل كان أمراً تقوم به الأسرة )[3] (

وبعدما نشأت الدولة فإنها لم تعمل على انتشار التعليم بل اعتبرت العملية التربوية والتعليمية من عمل الأفراد، حتى الإغريق القدماء حسبوا التعليم عملاً من أعمال الناس بسبب الشعور القوي للفردية في أثينا([4]).

إذن إن التعليم قد بدأ خاصاً، وأن الدولة لم تتدخل في شؤون التعليم إلا بعد حين وبعد أن حدثت تغييرات سياسية واقتصادية وأيدلوجية حيث إن إنشاء المدارس والمعاهد الحكومية تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في أوروبا، ففي انجلترا مثلاً أنشئت أول مدرسة عام 1870)[5] (.

إلا أن إشراف الدولة على التعليم أو إنشاء المدارس والمعاهد الرسمية من قبل الدولة لم يمنع بقاء التعليم الخاص، بل تطور التعليم الخاص يوماً بعد يوم لأن التعليم الخاص يعد تعبيراً عن جهود المواطنين في حقل التربية والتعليم، ونحن في هذه المرحلة في إقليم كردستان بحاجة إلى تشجيع هذه الجهود وتعاونها واتساقها مع جهود الدولة في هذا الشأن، وأن السماح للتعليم الأهلي أو الخاص سيتيح له فرص النمو والازدهار ويثبت للمجتمع أن الجهود الأهلية في مجالات التعليم العديدة يمكن أن تثمر ثمارها وتسد حاجة أساسية لمن يرغب من أفراد المجتمع في الاستزادة من العلم والثقافة ومواكبة العصر من خلال التسلح بالمعلومات عن مستجدات العصر، فعلى سبيل المثال أن انتشار الكمبيوتر في إقليم كردستان وفي أوساط المجتمع الكردستاني بهذه السرعة كان بفضل المعاهد الخاصة حتى أن الدوائر الرسمية اعتمدت ولحدّ الآن على القطاع الخاص في مجال الكمبيوتر من حيث توفير هذه التكنولوجيا كأجهزة ومعدات، ومن حيث كيفية الاستفادة منها وكيفية العمل عليها، ثم إن التعليم الخاص يساهم في تعبئة الأفراد بما يتوافر لديهم من فراغ في الوقت وفي الفكر ويؤدي إلى القضاء على صرف الطاقة في أمور ضارة بالفرد والمجتمع معاً.)[6] (

صفحة 8

ثانياً: الأهمية الاقتصادية للتعليم الخاص

إن قطار الخصخصة قد هاجم قطاع التعليم في كثير من البلدان نتيجة العولمة التي ظهرت تحت نظام ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، والدولة في جميع الأحوال قد لا تستطيع القيام بالمهام العلمية لوحدها خاصة مع ازدياد الحاجة إلى معلومات ومهارات جديدة في مجالات عديدة وحديثة، ولو قدرنا النفقات التي تصرف في قطاع التعليم نجد أن هذه النفقات باهظة جداً بحيث لا تسمح ميزانية كل دولة بكل هذه النفقات خاصة الدول التي انضمت إلى منظمة التجارة العالمية (World Tried Organization)، لأن الفلسفة من الخصخصة هي التخفيف من العبء المالي والإداري على عاتق الدولة وإتاحة الفرصة للوزارات التي لها وزن كبير في الوضع السياسي والحكومي للقيام بمهامها على أحسن وجه. )[7] (

فالتعليم الخاص أو الأهلي يتحمل جزءاً لا يستهان به، والسبب في ذلك أن مسألة التعليم العام والخاص لها علاقة كبيرة بمسألة الفلسفة السياسية التي تؤمن بها الدولة. عن نفقات التعليم، وإنه يزيد من اهتمام الأوساط الشعبية بأمور التربية والتعليم والرغبة في إصلاحها بحيث تصبح المدرسة أو المعهد ليس جزءاً من جهاز الدولة فقط بل خلية من خلايا المجتمع تتفاعل مع الخلايا الأخرى تفاعلاً حيّاً لنمو المجتمع وتقدمه.)[8](

وقد شعرت الدول الغربية منذ زمن بعيد بأهمية التعليم الخاص وتساءلت عن مدى الفائدة الاقتصادية التي تعود من وراء إنفاق مبالغ مالية طائلة على قطاع التعليم، مما ترك الباب مفتوحاً أمام القطاع الخاص في المساهمة في العملية التعليمية،([9]) ومع ذلك فإن التعليم في كثير من هذه البلدان لم يتأخر بل زاد تقدماً، ثم تنوعت أساليب التعليم وتنوعت العلوم والآداب التي تدرس في المدارس والمعاهد الأهلية، فعلى سبيل المثال هناك العديد من المعاهد غير العمومية في الولايات المتحدة الأمريكية بحيث تبلغ الآلاف وتتضمن مدارس ابتدائية أبرشية ومدارس ثانوية وكليات، حيث تقدم للبالغين المحليين الدروس والمحاضرات، ويتضمن كورسات (فصول) تعليمية، هذا بجانب مدارس بيرلتز (Berlitz Schools) لتعليم اللغات ومدارس (Arthur Murry) لتعليم فن الاستعراضات والرقص، وكذلك مدارس لتعليم الأعمال التجارية والاقتصادية الحرة وموديلات الأزياء وركوب الخيل والدراما المسرحية والموسيقى وغيرها. )[10] (

وكذلك الحال في انجلترا حيث يوجد عدد كبير من المدارس الحرة تقدم الخدمات التعليمية من حضانة وابتدائية وثانوية وفنية. وقد قرر قانون عام 1944 إنشاء سجل خاص للمدارس الحرة وعلى صاحب أو أصحاب أي مدرسة منها تسجيلها في هذا السجل فإذا رفض طلبه أمكنه رفع أمره إلى محكمة خاصة بالمدارس الحرة تسمى (Independent Schools Tribunal). ([11])

أما في كندا فإن المدارس الخاصة العليا قد ظهرت منذ عام 1930 بجانب التعليم العمومي وتنوعت هذه المدارس من مدارس ثانوية وإعدادية، أما المدارس الثانوية العصرية فظهرت عام 1960. ([12])

والتعليم الخاص له أهميته الاقتصادية لعدة فئات من المجتمع، فهو بالدرجة الأولى يفيد فئة المعلمين والمدرسين الذين يتعاقدون مع أصحاب المدارس والمعاهد الأهلية لإلقاء الدروس والمحاضرات في هذه المعاهد والمدارس، وكذلك يفيد الطالب لأنه عندما يدفع مقابل تعليمه فإنه يقدر القيمة العلمية لهذا التعليم وبالتالي فإنه يجتهد أكثر ويتعلّم أكثر.

وكما تعود الفائدة من وراء التعليم الخاص على أصحاب رؤوس الأموال الذين يقومون بتأسيس الجهات التعليمية الخاصة، وكذلك يستفيد أصحاب البنايات والعمارات الذين يؤجرون هذه البنايات للمعاهد الخاصة.

وبصورة عامة فإن خصخصة التعليم تؤدي للنظر إلى التعليم بوصفه استثماراً اقتصادياً وجزءاً لا يتجزأ من خطة التنمية الاقتصادية، لا سيما أن من أسباب ظهور التعليم الخاص هو التضخم الكبير في النفقات والتزايد الهائل في عدد الطلاب مما أظهر الحاجة إلى البحث عن مصادر التمويل المختلفة وعن خير الأشكال الممكنة لتوزيع أعباء التعليم المالية بين ميزانية الدولة والهيئات الخاصة.

وأخيراً "فإن خصخصة التعليم تهيئ الطالب للحياة المتغيّرة المتقدّمة التي يتسم بها العصر الحديث، وذلك بأن تبين له كيف يعلّم نفسه؟ وكيف يحلّ مشكلاته؟ وكيف يواصل تقدمه العلمي؟ وكيف يكيف نفسه مع هذا العالم المتغير دائماً"؟.

ثالثاً: الأهمية العلمية للتعليم الخاص

إن فكرة التعليم الخاص في نظر المرّبين فكرة صحيحة وسليمة وقطاع تعليمي هام تتطلبها نهضة البلاد الثقافية، وهو لا يتميز بطابع خاص يمكن اعتباره جانباً مستقلاً، وفي معزل عن التعليم الرسمي في الرسالة والهدف )[13](

فهناك العديد من الأفراد في المجتمع ممن لم تتسن لهم الفرصة في التعليم، فمثل هؤلاء الأشخاص لا ملجأ لهم سوى التعليم الأهلي أو الخاص، وكما أن هناك العديد من الاختصاصات والعلوم والآداب لا تتمكن الجهات التعليمية الرسمية توفيرها للمتعلمين وبالتالي أن على الأفراد في المجتمع الاستعانة بالتعليم الخاص في تعليم مبادئ وأصول هذه العلوم والآداب([14])

ويرى الكثير من المختصين أن رفع المستوى التعليمي في أي مجتمع مرهون بتشجيع التعليم الأهلي أو الخاص([15]).

ومما لا شك فيه أن تدني مستويات التعليم في المدارس الرسمية يعود إلى أسباب عديدة منها ما يرتبط بالمدرسين والمعلمين والمحاضرين الذين قد لا يباشرون مسؤوليتهم العلمية بكفاءة وأمانة،ومنها ما يرتبط بعدم توافر المبادئ الأساسية والمحكمة لتحقيق جودة التعليم ومنها ما يرتبط بعدم كفاءة الجهاز الإداري وعدم مرونة وتحديث التعليمات المالية والإدارية، ولهذه الأسباب يمكن أن يساهم التعليم الخاص في رفع مستويات التعليم، كما هو الحال في انكلترا بعد صدور قانون عام 1944 الذي فتح الباب أمام التعليم الخاص([16])، وفي الولايات المتحدة الأمريكية([17]).

والعامل الذي قد يميز التعليم الخاص عن التعليم الرسمي هو عامل المنافسة الذي يتميز به التعليم الخاص ويفتقر إليه التعليم الرسمي، والمنافسة هي خير وسيلة لتطوير قطاع التعليم كبقية القطاعات الأخرى، أي إن المنافسة بين مؤسسات وجهات القطاع التعليمي هي الكفيلة برفع مستويات التعليم وهي التي تسمح بالتطوير والتحديث في التعليم لمواجهة المتغيرات المحلية والدولية في القرن الحادي والعشرين، لأن المؤسسات التربوية والتعليمية وحتى الجامعية الرسمية لا تملك الحرية في التنافس بينها وكذلك لا تستطيع الخروج عن النطاق المرسوم لها بقوانين وقرارات صادرة عن الدولة.

وظاهرة تدني مستويات التعليم من المشاكل التي يعاني منها الطلبة في جميع مراحل الدراسة، وقد احتلت جانباً مهماً من جوانب مناقشات المختصين في مجال التربية والتعليم([18]).

والجانب المهم في التعليم الخاص هو تعليم الكبار، فالفرد حين يدخل في معمعة الحياة ويندمج بمشاكلها، يشعر أنه بحاجة إلى معلومات إضافية عن أمور جديدة واجهته، علماً أن هذه المعلومات لا يمكن اكتسابها بسهولة لأنها بحاجة إلى أصول معينة لا بدّ من اتباعها حتى يتمكن من تعلّمها.

ونحن إذ نتكلم عن تعليم الكبار نقصد من وراء ذلك أولاً: القضاء على الأمية وثانياً: تعليم علوم وآداب ولغات ومهن لم يتلقاها الشخص في الأعوام الأولى من حياته الدراسية والعملية.

ولقد كان الناس يعتبرون التربية النظامية في القرن الماضي هي المثابة التي يتبركون لديها، والمعبد الذي يتهجدون فيه، وكانوا يعتبرون على الرغم من نواقص في بعض نواحيها، إنها هي القدس الذي لا يمكن التهجم عليه، ولكن التربية النظامية أصبحت الآن عرضة للنقد والنقض، وتتفاقم الشكوك فيها يوماً بعد يوم([19]) والجدير بالذكر، أنّ التعليم الأهلي أو الخاص قد أصبح حقيقة قائمة بذاتها ومحصلة ظروف متعددة ومتنوعة ومن أهم هذه الظروف هو هجوم الخصخصة على كثير من القطاعات في المجتمع ومنها قطاع التعليم.

صفحة 9

1-1-2: أهمية عقد التعليم الخاص وأهمية البحث فيه

بما أن التعليم الخاص قد أصبح حقيقة وواقعاً فإن علينا نحن معشر القانونيين التصدي له من خلال بحثه وطرح المعالجات القانونية بشأنه، لا سيما أن هذا النوع من التعليم قد انتشر بصورة سريعة في إقليم كردستان بعد الانتفاضة المجيدة وتشكيل حكومة الإقليم، مما يتطلب دراسة هذه الظاهرة من الناحية القانونية، وأنا بدأت بمعالجة التعليم الخاص من حيث العلاقة القانونية القائمة بين الجهات التي تقوم بتقديم خدمة التعليم وبين من يرغب في تعلم علم أو أدب أو فن أو لغة أو مهنة لدى إحدى هذه الجهات سواء كانت مدرسة أهلية أو معهداً خاصاً أو مكتباً أو مركزاً خاصاً أو غيره، وبصيغة أخرى إنني بدأت بالمعالجة القانونية لظاهرة التعليم الخاص والأهلي من حيث القانون الخاص وذلك من خلال بحث العلاقة التي تربط الجهات التعليمية الخاصة ومؤسساتها مع من يرغب في التعلّم الذي هو علاقة تعاقدية، والتي سميتها بعقد التعليم الخاص.

وأهمية عقد التعليم الخاص تتجلى إذا علمنا بأن العلاقة التي تربط بين المؤسسات التعليمية الخاصة والمدارس والمعاهد الأهلية من جهة، وبين الذين يرغبون في التعلم من جهة أخرى علاقة تعاقدية وليست علاقة تسلطية لأن مؤسسات التعليم الخاص من أشخاص القانون الخاص وليست من أشخاص القانون العام، وتتجلى أيضاً في بيان الحقوق والالتزامات التي يحتويها العقد ثم بيان المسؤولية الناشئة عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية وبذلك أكون قد مهدت الطريق لمن يرغب في بحث العلاقة التي تربط المؤسسات التعليمية الخاصة بالدولة أي من يرغب من الباحثين القانونيين في معالجة العلاقة التنظيمية التي تربط بين المدارس والمعاهد والمكاتب الأهلية أو الخاصة مع الدولة، إلا أن المحور الرئيس في هذه الرسالة هو معالجة العلاقة التعاقدية بين الجهات التعليمية الخاصة وبين الأشخاص الذين يتلقون التعليم لدى هذه الجهات معالجة تفصيلية، أي بحث عقد التعليم الخاص من جميع جوانبه.

ومحاولتي في بحث موضوع عقد التعليم الخاص هي أول محاولة على صعيد إقليم كردستان وعلى صعيد العراق أيضاً.

ومن الجدير بالذكر إن الخوض في عقد التعليم الخاص يخدم عدة جهات وعدة أشخاص في المجتمع، فهو أولاً يخدم الأفراد الذين يرغبون في تعلم علم أو أدب أو فن أو صنعة لأن هؤلاء الأفراد قد لا يعرفون أ نّ لهم الحق في المساومة مع الجهات التعليمية الخاصة من مدارس أو معاهد أهلية بل يتعاملون مع هذه الجهات كأنها شخص من أشخاص القانون العام أي مؤسسة حكومية.

ثم إن بحث عقد التعليم الخاص يفيد الجهات والمؤسسات التعليمية الخاصة لأننا سوف نبين مالها وما عليها وبذلك نكون قد ساعدنا هذه الجهات على العودة إلى المسار الصحيح لأنه كما هو واضح أن التعليم الخاص أمر لا مفر منه ويجب علينا أن ننظر إلى التعليم الخاص أو الأهلي نظرة علمية موضوعية لنمضي في تنظيمه وتحسينه لا أن ننظر إليه نظرة عدائية، بغية رسم خطة قانونية سليمة له وليكون أداة طيعة لدعم الكيان التربوي وترسيخ جذوره بشكل يخدم مصلحة المواطنين أجمع، وليصبح عوناً للدولة في نشر التعليم وتعميمه وتحقيق الأهداف المنتظرة منه.

وكذلك إن بحث هذا الموضوع يفيد السلطة التشريعية لأننا سوف نساعد المشرع الكردستاني في إصدار تشريع خاص حول التعليم الخاص وكذلك يفيد السلطة التنفيذية لاسيما وزارة التربية التي تشرف على المؤسسات التعليمية الخاصة لأنه من الضروري تشجيع التعليم الخاص بمختلف صوره، وكذلك إن بحث موضوع عقد التعليم الخاص يفيد القضاء في إقليمنا لأن انتشار عقد التعليم الخاص بهذا الشكل الواسع قد يؤدي إلى نشوب نزاعات بين أطراف هذا العقد، لا سيما إن الإشارة إلى قرارات صادرة بشأن نزاعات بين أطراف عقد التعليم الخاص من الممكن الاستفادة منها إذا ما نشبت نزاعات مماثلة في الإقليم.

وأخيراً إن بحث موضوع عقد التعليم الخاص له أهميته العلمية الأكاديمية من الناحية القانونية خاصة وإن عقد التعليم موضوع غير مبحوث ويمكن أن يسد الخلل الموجود لدى الباحثين القانونيين الذين يرغبون في التعرف على هذا النوع من العقد.

ومن الجدير بالإشارة إننا لسنا من دعاة القضاء على التعليم الرسمي، بل إن الدولة عليها أن تقوم بواجباتها نحو المواطنين فيما يتعلق بالتعليم حسب الدستور، وكما لا ندعي الكمال للتعليم الخاص، بل نحاول أن نبين الحقيقة وأن نضع إطاراً قانونياً للعلاقة التعاقدية التي تربط بين الأفراد وبين المؤسسات التعليمية الخاصة.

صفحة 10
1-2: صور عقد التعليم الخاص
 
إن أي عملية تعليمية تتم بواسطة شخص معنوي أو طبيعي خاص بهدف تعليم فرد من أفراد المجتمع يمكن اعتبار هذه العملية عملية تعاقدية لا سيما لو كان المراد منه من الاتفاق إحداث أثر قانوني لأن المهم في العقد هو إحداث أثر قانوني، فإذا لم يكن المراد إحداث هذا الأثر فليس هناك عقد بالمعنى القانوني المقصود من هذه الكلمة([20])، فإذا كان التلميذ بحاجة إلى بعض المساعدة في دروسه وساعده أبواه أو أخوه الأكبر منه أثناء سعيه ومراجعته لدروسه فإن هذه العملية ليست عقداً لأنه لا يراد منها إحداث أي أثر قانوني، أما إذا اتفق الطالب أو ولي أمره مع شخص طبيعي كالمدرس الخصوصي أو شخص معنوي كمدرسة أهلية أو معهد أو مكتب أو مركز للتعليم الخاص أو الأهلي فإن هذا الاتفاق يراد منه إحداث أثر قانوني وهو قيام هذا الشخص الطبيعي أو المعنوي بالالتزامات الناشئة عن عقد التعليم الخاص.
 
ولعقد التعليم الخاص صور عديدة، وكذلك تختلف هذه الصور فيما بينها من حيث الجهة التي تقدم خدمة التعليم إلى المتعاقدين معها وكذلك من حيث موضوع التعليم الذي تلتزم به الجهات والمؤسسات التعليمية. وفيما يلي نبحث في صور عقد التعليم في فقرتين مستقلتين:
 
1-2-1: صور عقد التعليم الخاص من حيث الجهات التعليمية التي تتبنى تقديم خدمة التعليم:
 
إن الجهات التعليمية التي تقدم خدمة التعليم عادة يكون شخصاً طبيعياً أو شخصاً معنوياً وفيما يلي نبحث كلتا الحالتين على حدة.
 
أولاً: حالة الشخص الطبيعي: إن أي شخص طبيعي يتعهد بتقديم خدمة تعليمية إلى الطالب الذي يتعاقد معه ويلتزم هذا الشخص بنفسه بتقديم هذه الخدمة إليه فإن ذلك يدخل تحت طائلة الحالة التي نحن بصددها، مهما كان نوع أو موضوع التعليم الذي يلتزم به، وأبرز الحالات هي حالة المدرس الخصوصي الذي يتعاقد مع ولي أمر التلميذ أو مع التلميذ نفسه لغرض رفع المستوى الدراسي لدى التلميذ، بصيغة أخرى أن الاتفاق الذي يبرمه ولي أمر التلميذ أو التلميذ نفسه مع مدرس خصوصي بهدف تقوية المستوى الدراسي للتلميذ صورة من صور عقد التعليم الخاص، فالمراد من العقد هو إحداث أثر قانوني وهو الالتزام بتعليم التلميذ في فترة زمنية معينة بحيث يتمكن التلميذ من اجتياز الامتحانات على وجه أفضل.
 
وعلى الرغم من إن التدريس الخصوصي ظاهرة غير محبذة في المجتمع على المستوى الشعبي والرسمي إلا أننا ننظر إلى هذه الظاهرة كحالة قانونية تنطبق عليها جميع شروط عقد التعليم (التي سنبحثها فيما بعد)، فإّذا اتفق والد التلميذ مع مدرس خصوصي على قيام هذا الأخير بتدريس التلميذ فإن هذا الاتفاق هو عقد من عقود التعليم مع مدرس خصوصي على قيام هذا الأخير بتدريس التلميذ فإن هذا الاتفاق هو عقد من عقود التعليم الخاص وإذا ما حدث أي نزاع قانوني بين الطرفين فإن القاضي عليه أن يحكم بين الطرفين استناداً إلى وجود عقد صحيح بين الطرفين وألاّ يهمّش دور هذا العقد.
 
ثانياً: حالة الشخص المعنوي
 
الأصل أن تأسيس المدارس الأهلية والمعاهد الخاصة هو حق للأشخاص المعنوية كالنقابات والجمعيات وغيرها،([21]) ثم أن التعليم الخاص أساساً لا يتم إلا من خلال الأشخاص المعنوية، فالجامعات والكليات الأهلية هي أشخاص معنوية والمدارس الأهلية أيضاً، وكذلك المعاهد والمراكز والمكاتب الخاصة قد تكتسب الشخصية المعنوية ثم تقدم خدمة التعليم إلى المتعاقدين معها بغض النظر عن موضوع التعليم الذي تقدمه هذه الأشخاص المعنوية.
 
فالأشخاص المعنويون إذن يشملون كل الجهات التعليمية التي تكون مستعدة لإبرام عقود تعليم معها وهذه الجهات والمؤسسات التعليمية هي الجامعات والكليات الأهلية والمدارس الأهلية والمعاهد الخاصة لتعليم العلوم والآداب واللغات والفنون والمهن ومراكز تعليم الكمبيوتر والإنترنت ومكاتب تعليم قيادة السيارات ، فهذه الجهات والمؤسسات التعليمية بعضها أشخاص اعتبارية، وإّذا أراد الطالب أو ولي أمره أن يتعاقد مع هذه الجهات فإنه يتعاقد مع مدري أو أصحاب هذه الجهات إضافة لوظيفتهم كمديرين أو أصحاب هذه المؤسسات والجهات التعليمية الخاصة، وسوف نتطرّق إلى موضوع تمتّع الجهات التعليمية الخاصة بالشخصية المعنوية بالتفصيل في الفصل الثاني.