eKtab
EN ع
عقيق مصري
اقرأ عينة مجانية

عقيق مصري

بقلم شاكر لعيبي

صفحة 1
كلمة (1)
 
سعدي يوسف
 
أمنح نفسي الحقَّ صُراحاً في أن أُنطق شاكر لعيبي بمنطق أبي تمّام، حين قدَّره أحدُهم حقَّ قدره·
 
قال أبو تمّام لذلك الرجل:
 
لقد زدتَ أوضاحي امتداداً، ولم أكن
 
بهيماً، ولا أرضى من الأرض مَجْهلا
 
ولكنْ أيادٍ صادفتني جِسامُها
 
أغرَّ، فأوفتْ بي أغرَّ محجَّلا
 
وها نحن أولاء، في هذه الأمسية مع شاكر، نحتفي ونحتفل، نحتفي به شاعراً، ونحتفل معاً، نحن الذين شهدنا خطوَته الأولى، وتتبَّعنا، بقدر من الانتباه متفاوتٍ، مسيرَتَهُ الدائبة، في النصّ الشعريّ، وفي مغامرةِ التجريبِ، شعراً وفكراً·
 
أقول هذا وقد تناءتْ بنا المسافاتُ، وتناثرتْ جُزُرُنا، حتى لم يعدْ ما يجمعُ بيننا ملموساً أو ملتمَساً، نحن الذين انطلقنا يوماً، كالنبتِ الشيطانيِّ، نريد أن نصلَ الأرضَ بالسماء·
 
**
 
قال لي شاكر قبل مساءين: لا أريد أن أقرأ كثيراً·
 
وكان رأيي، ولا يزال، أن يقرأ مستغرِقاً·
 
أنا أزعمُ أن حديثَ الشاعرِ أهمُّ من الحديث عن الشاعر، فالشعر أهمُّ من الحديث عن الشعر·
 
**
 
الشعر هو الأهمُّ بإطلاق· ذلك لأنه المسعى المطلق الجميلُ نحو الحقيقةِ الجوهريّة، نحو الجوهر· ولأن ما سواه، مما خرج عن دائرة الفن، محدودٌ قطعاً، فهو مقيَّدٌ بالذريعةِ والوظيفةِ والضرورة· بل مقيَّدٌ أحياناً بالعبوديّة· ثم إن أداة الشعر، التي تأتي بمادته، هي اللغة، اللغة ذات الأبجدية، أي اللغة غير الممتـنِعَةِ على التداول، وهكذا يغدو الشعر، ضمناً، أمراً مشترَكاً، وهاجساً أوسعَ من الخاصِّ، ربما لأنّ اللغةَ أوسع من الإشارة·
 
**
 
سوف يفقد الشعرُ مسعاه المطلق نحو الجوهر، إنْ تطامَنَ أو تساهلَ إزاء الذريعة والوظيفة والضرورة·
 
آنذاك لن تكون لنا حاجةٌ إليه، أو تطلُّعٌ·
 
ترى ما ضمانة أن يظلَّ الشعر دائباً في مسعاه المطلق نحو الجوهر؟ الحرية، في ما أرى، هي الضمانة·
 
الحرية الإستراتيجية التي تعني المدى المفتوح النبيل للاختيار: الجمَالَ مقابل القبح- التقدّمَ مقابل التخلّف - التقشف مقابل البذخ- اللسان الطليق مقابل اللسان المتأتىء - الأرض الأولى مقابل المستعمِر والطاغية· فإن ارتدَّ العالمُ في فترة من زمانِه إلى القديم، فإن الشاعر الشاعر موكَّلٌ، ذاتياً، بأن يمضي، مُصرّاً، إلى آماله، من أجل الفن أولاً وأخيراً، من أجل كرامة الفنان·
 
**
 
عذراً، يا شاكرُ، إنْ تباعدتُ عنكَ قليلاً·
 
فلأَعدْ إليكَ الآن:
 
أنا أعتبرك، بين مجايليك، الهيَّام حقاً بالتجريب·
 
وأحترمُ فيكَ، القلقَ والارتعاشَ، الضروريين للمضيّ في المحاولة النبيلة المستمرّة، ضرورة الخصال الأولى·
 
قرأتَ كثيراً، واكتسبتَ منابع من اللغات والثقافات والاهتمامات، وغامرتَ طويلاً، من بغداد إلى بيروت إلى عدن البركانية، ثم جلستَ تتأمل في البحيرة السويسرية···
 
وها أنتذا، من جديدٍ، في الامتحانِ والرِفْقةِ، فلتَرْفُقْ بنفسكَ·
صفحة 2
ســعـادتي جوّالة
 
سعادتي جوَّالةٌ بالحدائِق
 
السُّلَّمُ الخشبيُّ يقودني إلى نجمةِ الصُّبح
 
درَّاجتي الهوائيَّةُ تعطَّلتْ على حافَّةِ العالم
 
ثـَقــَّالَةُ صِنـَّـارتي اشتبكتْ بكوكبٍ غريق
 
خموري قديمةْْ
 
وكؤوسي تَلْتَمِعُ من شِدَّةِ الفرحْ
 
الفتياتُ نظرنَ بشراهةٍ إلى شفتيَّ الحوَّاءين
 
سعادتي ساعةٌ معطَّلةٌ على مِعْصَمِ الحسناء
 
أقرأ رامبو والحَسَنَ ابنَ هانئ
 
سعادتي الخفيفُ والطَّفيفُ
 
ونافذتي مشرعةٌ على حَوْشِ أفلاطون
 
إخوانُ الصَّفَا اجتمعوا في حُجرتي
 
حَنجرتي قَصَبةٌ طَرِيَّة
 
وفي بنطالي قَصَبَة
 
العالمُ بين بُنْصُرِي وخِنْصَرِي
 
شفتاكِ مطبوعتان على خاصرتي
 
أعيادي تتلألأ في خَرَزِ قِلادتِك
 
أحزانُكِ بيضةٌ مُضَاءَةٌ بِضَرْبَاتِ البرق
 
لا أحبُّ كافَ التَّشْبيه لأنها
 
لا تستطيع تقريبَ حضورِكِ للذَّاكرةْْ
 
قدماكِ أشدُّ بَياضَاً من المجرَّة
 
ساقاكِ ترتجفان في حقلِ الذُّرَةْْ
 
عيناكِ تضيئان لحطَّابِ الغابة
 
دربَهُ في سنينكِ العابرةْْ
 
 
 
جنيف 10-3-2002
صفحة 3
اكتملَ العالمُ يومَ غفوتِ مُبَعْثَرَةَ الشَّعْر
 
اكتملَ العالمُ يومَ غفوتِ مبعثرةَ الشَّعْر على المخدَّة
 
عطورُكِ تغلي في قطنِ اللِّحَاف
 
الشَّرْشَفُ مبعثرٌ بين ساقيكِ ساخناً
 
العصفورةُ تنقُر الزُّجَاجَ قربَكِ
 
روحي تنام قربَكِ
 
الشِّتَاءُ يطلُب قربَكِ
 
النسماتُ تحوِّم على وجنتيكِ وتنام قربَكِ
 
عينايَ تسقطان على الطَّاولهْ
 
وكفَّايَ مخدَّرتان قرب ثدييكِ العَاجِيَّيْن
 
كينونتي تتأرجح في دورةِ الزمان
 
مأخوذةً بلونِ السُّمَّاقِ على شفتيكِ
 
مفجوعةً لشِدَّةِ إضاءةِ عُرْيِكِ للمكان
 
الكوكبانِ قربَكِ
 
الحَدَثَانِ قربَكِ
 
وأنا ضائعٌ قربَكِ··
 
 
 
جنيف 10-3-2002
صفحة 4
العينُ تنظر بالعَيْنِ في العَتْمَة
 
العيُن تنظرُ بالعينِ في العتمة
 
مِنْ أجلِ انفجارِ الصُّبْحِ على حافَّة البئر
 
السِّنُّ يصكُّ على السنّ
 
من أجلِ رحيقِ التُّفَّاحةِ القابعةِ في ظلامِ الحنجرهْ
 
العينُ بالعينِ والسنُّ بالسنّ
 
حتى تنبثقَ الدمعةُ العصيَّة
 
حتى يُطْلَقَ الحيوانُ الأعجمُ الآهةَ
 
حتَّى تَطْفُرَ الفَرَاشَةُ مِنْ شَرْنقتِها
 
العتمةُ ما زالتْ تهوِّمُ على حَوافِّ البئر
 
التُّفَّاحةُ منتشيةٌ تحت سطوةِ السِّنِّ الجَسُوْرْ
 
لستِ فَرَاشَهْ
 
ولستُ قَصَبَهْ
 
 
 
جنيف في 10-3-2002
صفحة 5
قَبْلَةٌ واحدةٌ على جبهتِكِ لا تكفي
 
قبلةٌ واحدةٌ على جبهتِكِ لا تكفي
 
لكي أقولَ: وداعاً
 
زهرةٌ واحدةٌ على العَتَبَهْ
 
لا تكفي لرثاءِ الرَّبيعِ المتشبِّث بخدَّيكِ
 
تحت قدميكِ
 
يئنُّ الحصى
 
على رقبتكِ
 
تهوِّمُ الفَرَاشةُ قبل أن تموتْ
 
دمعةٌ واحدةٌ منسكبةْ
 
مِنْ عينِ الجنديِّ العائدِ مِنَ الحربْ
 
لا تكفي لوصفِ فظاعاتِ القلبْ
 
حَرْفا الحبْ
 
لا يكفيان لوصفِ الجَمَالِ القابعِ في قَلْبِ الأيْكَةْ
 
العَالَم ُيدورُ في دورةِ خاتمي
 
وأنتِ تدورين مع عَبَثِ عَجَلَةِ الدرَّاجةِ الهوائيَّة
 
المنقلبةِ في حديقةِ الأقحوانْ
 
 
 
جنيف في 10 مارس 2002
صفحة 6
حياتي أيَّتُهَا الفتاةُ قِشْرَةُ برتقالة
 
حياتي أيتها الفتاةْ
 
قشرةُ برتقالةْ
 
مرميَّةٌ في مطفأةِ السكائر
 
تعانقُ الرَّمَادَ بعنف
 
حياتي قوةُ البرجِ الناطرِ في الريح
 
وجسارةُ أليافِ الغِلالةْ
 
التي نرى العالمَ عبرَ سُدَاها
 
حياتي الزُّؤانُ بين أجودِ أنواعِ القمح
 
الحياةُ أيَّتُهَا الفتاةْ
 
قشرةُ البرتقالةِ المستلقية بلا منطقٍ
 
في الظِّلالِ الطَّويلةِ على الطَّاولةِ الخشبيَّة
 
الزمانُ يجري في عروقِكِ الخضر
 
الزُّمَنُ ينام في أوردتي الزَّرقاء
 
الوقتُ ينبض على أُشْنِ الحجارةْ
 
أيَّتُهَا السَّاعَةُ اليدويةْ
 
التي تسبق ساعةَ الذَّهَابِ إلى المقصلةْ
 
أيَّتُهَا السَّاعَةُ الرمليَّةْ
 
المقلوبةُ مِنْ أجلِ سباقِ العدمْ
 
في
 
الدمْ
 
أنتِ تُحْبِطِيْنَ نزولَ دمعةِ البَطَلِ بعد خسارتِه
 
أنتِ تقيِّدين كَاحِلَ الرَّجُلِ الوَاغِلِ في النَّذَالةْ
صفحة 7
أيَّتُهَا الفتاةْ
 
الطَّريقُ الإسفلتيُّ تحت قدميْكِ يرتجّ
 
المنازلُ المضروبةُ بشمسِ الخليجِ معشيَّةُ العينين
 
أيتها الفتاةُ حياتُكِ مبقـَّعةٌ تنبثقُ مِنَ الرماد
 
وحياتي انبثقتْ مِنْ ماءِ البرتقالةْ
 
دمعتُك مالحةْ
 
ودمعتي مالحةْ
 
وبكاؤنا يجري على إيقاعٍ جنائزيّ
 
لكنَّ جزرنا تبعث الرَّسائلَ لبعضِها من بعيد
 
لكنَّنا نعبث برمالِ بعضِنا ونستعير ذهبَها
 
آه أيتها العطشانةْ
 
الحمائمُ تحوم حول كتفيْكِ العاريين
 
خصوبتُكِ تبدو صارخةً أكثرَ ما تبدو عند القدمين
 
نَفَسِي عالٍ بعد وليدِكِ الأوَّلْ
 
وأنفاسُكِ ما زالتْ تحرِق ظهري
 
 
 
28-2-2002 أبو ظبي
صفحة 8
تَشَمَّمْتُ الغاردينيا
 
تشمَّمتُ الغاردينيا في طرفِ أُذُنِكِ المخرومةِ بالقُرْط
 
تشمَّمت الخُرْنوبَ بين ركبتيكِ المجروحتين
 
تشمَّمتُ قِشْرَةَ الرُّمَّانِ في شفتِكِ السُّفلى المفطورةْ
 
تشمَّمتُ اللَّيمونَ على لسانِكِ الأحمرْ
 
تشمَّمتُ فوحاناتِ القيظِ في عُرْيِكِ الكبيرْ
 
تشمَّمتُ، ككلبٍ، العتبةَ التي تؤدِّي إلى السَّريرْ
 
تشمَّمتُ العُنـَّابَ في طَفَحَانِ الخجلِ على خدِّكِ الغَسَقِيّ
 
تشمَّمتُ ماءَ الوردِ يومَ عرسِ ابنِ آوى
 
شَمَمْتُ الرَّيحانَ في باطنِ كَفِّكِ الطَّافيةِ في هواءِ الرَّبيعْ
 
تشمَّمتُ اللـُفـَّاح على الحُلمة التي طلَعَ الفجرُ مُدَمَّى منها
 
شممتُ العودَ في طيَّاتِ ثوبِكِ المزخرفِ بالأزهارِ البريَّة
 
تشمَّمتُ روائحَ الملكاتِ في إبطِكِِ الناضجْ
 
تشمَّمتُ التِّينةَ النيِّئةَ والخبزَ الطازَجْ
 
عند قيامِكِ الصباحيّ
 
المصباحُ يتأرجحُ في الحُجرة بقبعتِه المكسيكيَّة
 
روائحُكِ تفورْ
 
 
 
جنيف 2-3-2002
صفحة 9
رأيتُ الحَمَامَ الزَّاجِلَ وهو يمارسُ الحُبَّ
 
رأيتُ الحمامَ الزَّاجِلَ وهو يمارسُ الحبَّ
 
فوقَ قضبانِ النافذةْ
 
قلتُ: لا تخدَعِ المرأةَ
 
الواقفةَ في فستانـِها بانتظارِكْ
 
رأيتُ الصبيَّاتِ
 
يحتفلن بالوردةِ الحمراءَ على الشَّرْشف
 
قلتُ: كنْ رؤوماً
 
بالكَرَزِ الذي يَبرِقُ فوقَ الطَّاولةْ
 
رأيتُ فحولَ الوَعْلِ وهي
 
تـَشْحَذُ أظلافَها بنتوءِ الحجارةْ
 
قلتُ: لتتباركْ لمسةُ كفِّكَ المتردِّدةْ
 
ولْتَتَبَارَكِ القبلةُ الـمعمَّدةْ
 
بفوحاناتِ الطَّهارةْ
 
رأيتُ إلى اخضرارِ الدَّمْعِ بالعيون
 
قلتُ سأبحث عن انفجاراتِ الفجر
 
أنـَّى يكونْ
 
إنَّني عشيقُكِِ وأخوكِ
 
نـَقـَّلتُ خطوي في سهلِكِ البكر
 
نقَّلْتُ عينيَّ بين خفايا كتفيكِ
 
كتفاكِ قاربانِ يُوشِكان على الغَرَق
 
في بِرْكَتِي، أيَّتُهَا المباركةْ
 
 
 
جنيف 28-12-2001
صفحة 10
أَسْتَأذِنُ الشَّالَ الهنديَّ
 
أستأذنُ الشَّالَ الهنديَّ
 
لأرى إلى نبضاتِ الخاصِرةْ
 
لأرى للفجرِ الملقيِّ على
 
قَدْرِ راحةِ الكفّ
 
ولأرى إلى حلمتِكِ البتولْ
 
كيف التفَّ العالمُ في استدارةِ الرَّبلة
 
كيف التفتتْ الوحوشُ فجأةً
 
إلى نصاعةِ ظهرِكِ الممتدّ
 
أبعدَ مِنْ راحةِ الكفّ
 
كيف كفَّتْ الرِّيحُ عن النبضِ برسغِك
 
وكيف كفَّتِ الكفُّ عن التلويحِ للنافذةْ
 
التي يَلُوْحُ ظلُّـكِ منها
 
أيتها البقلةُ الحمقاء
 
جذورُكِ تضرِب عميقاً في أرضِ الحكماءْ
 
 
 
جنيف 28-12-2001