eKtab
EN ع
عقيلات
اقرأ عينة مجانية

عقيلات

بقلم نادية يحيى الكوكباني

صفحة 1

إهداء

إلى كل من طلبن مني "كتابتهن" بمنتهى الحرية،

مزحةً يُلهيهُن رذاذها أو حقيقةً يعشن لظاها!

صفحة 2

قبل البدء

جميعنا متشابهات، وان اختلفت جزئيات خاصة بكل واحدة منا... لذلك قررت أن اكتبنا جميعا، وأنا أسير بهذا الاتجاه تبدت لي أمور كثيرة جعلتني أعيد صياغة قراري باتجاهات أكثر عمقاً وأكثر شمولية، كانت محيرة لي ومربكة معاً

في النهاية لا أبحث عن مسميات لما أفعله. مسميات لم تعد مجدية إذا لم يواكبها تغيير حقيقي لكل ما نفعله، وأبحث بكلمتي- على الأقل- عن ما كل ما يمكنه أن يحدث تغييراً حقيقياً في مجتمع، يُمارَس فيه حق الوصاية على الآخر، ضارباً بكل قيم الحرية والعدالة والحق عرض الحائط، أبحث عن كل ما يمكنه أن يغير صوراً شتى مجحفة بحق نساءٍ ورجالٍ على السواء، حرموا حرية الاختيار أمام الذهنية "الشبه جمعية" في مجتمعنا التي ترى نفسها آلهة وما عداها عبيداً عاقين!

صفحة 3

تحكي الأسطورة اليونانية

أن البشر كانوا في الأصل "وحدات تامة" مكونة من الذكورة والأنوثة معاً، لكن كبير الآلهة "زيوس" غضب عليهم فشطرهم إلى نصفين عقاباً لهم، هكذا انخرط كل نصف يبحث عن نصفه المفقود المشطور عنه. ولما كانت إعادة اندماج بعضهم ببعض مستحيلة، سعى كل منهما إلى الحب كوسيلة مثلى لتحقيق الاكتمال القديم!

صفحة 4

(1)

العاشرة مساءً، الوقت متأخر. أعلم ذلك جيداً. بدأت صنعاء تغط في سباتها العميق، وتفقد أي دلائل للحياة! صنعاء المدينة التي يتحول ليلها "مسلخاً لأرواحنا" ويا له من مسلخ، كأنها تلتذ بسلب كل ما أعطته في نهارها من شمسها الدافئة ومن ضجيجها الساذج ومن رفقة ناسها الرائعين.

عندما فتحت لي "جود" باب منزلها لم يظهر على وجهها أي علامات استغراب أو اندهاش من مجيئي في تلك الساعة من الليل، كأنها كانت في انتظاري! أو تتوقع قدومي على أقل تقدير. ألقيت بنفسي بين ذراعيها وأجهشت بالبكاء. انتحبت وأنا أشعر بدفء تربيتها على ظهري. لم تسألني عن شيء. أوصدت الباب، بهدوء سرنا معاً باتجاه صالة الاستقبال. أجلستني على أقرب كرسي وغابت عني. عادت بعد دقائق ممسكة بطبق شوربة ساخن، أصرت على أن أتناوله ليخفف على الأقل ارتجاف جسدي الذي بدا لها هزيلاً على غير عادته!

وضعت يدها على فمي لتمنعني من الحديث وهي تقول:

كل ما تحتاجينه الآن هو الراحة، نامي وسنتحدث لاحقاً. سأجهز لك الغرفة، حتى لا تتحول صنعاء في هذه اللحظة إلى "مسلخٍ لأرواحنا" كما قال عنها شاعرك المفضل "فتحي أبو النصر"، القصيدة التي لا تنطفئ جذوة اشتعالها كما تقولين.

تكومت على نفسي في السرير الذي أعدته لي. حاولت أن أنام. لم يكن النوم سهلاً بعيداً عن سريري وعن رائحة أنفاسي المتجذرة في لحافي وعلى مخدتي، ورغم ذلك لم أعرف متى نمت.

صفحة 5

صباحاً وربما ظهراً، كم الساعة الآن؟ لا أعرف! الضؤ يملأ الغرفة. كانت غرفة الضيوف في آخر الممر، متصلة بالمنزل ببابها الذي يطل مع باقي أبواب الغرف على ممر أنيق ظل يدهش الزائرين بتصميمه وبنسب طوله وعرضه وإضاءته. ومع هذا كانت أيضاً منفصلة، فهي الوحيدة التي تطل على حديقة المنزل بشرفةٍ واسعةٍ بقيت متنفساً لقضاء أوقات شاي العصر والليل خاصة في الصيف، وفي نهايتها سلم يصلها بالحديقة.

عندما غادرتُ الغرفة كان هناك صوت لحركة خفيفة في المطبخ، اعتقدتُها "جود" لكنها كانت "صفية" الخادمة الحبشية. استقبلتني بابتسامة وتحية صباح رقيقة. قالت إن الأستاذة تركت لي رسالة فوق التلفزيون في صالة الجلوس قبل أن تسأل عن سُكر قهوتي الصباحية.

اندهشتُ للحظات مما قالته واتجهت مباشرة لمعرفة ماذا في رسالة جود: "صباح الخير روضة، اضطررت للذهاب للمدرسة، لن أتأخر، صفية في خدمتك، ومفكرة خضراء في درج المكتبة الأيمن، يمكنك التسلي بقراءة ما فيها لحين عودتي! محبتي، جود".

توجهت ببصري للبحث عن المفكرة الخضراء التي تحدثت عنها، كانت واضحة للعين وقريبة من تناول اليد وكأنها جهزتها قبل أن تغادر. التقطتها وكلي لهفة لأعرف ما فيها ولماذا تريدني جود أن أقرأها. فتحتها، استقبلني خطها الذي أعرفه جيداً، صغير جداً، لكنه واضح جداً، على عكس خطي تماماً. أكتب وكأني أصنع طلاسم من الحروف حتى لا يفهمها أحد غيري.

صفحة 6

قلبتُ ورق المفكرة بشكل بديهي لأعرف محتواها ولو بشكل خاطف، فيما صفيه تضع القهوة أمامي وبعض حبات التمر، يبدو أن جود أخبرتها بمزاجي الصباحي. سألتْ إذا ما كنت ارغب في أن أتناول شيئاً الآن أو شيئاً معيناً على الغداء، أجبتها بشكل سريع أن تفعل ما تراه مناسباً للغداء أما الآن فلا رغبة لي في الأكل، وعدت سريعاً لمفكرة جود.

أكثر ما أثار انتباهي وتأملي هو العنوان الذي اختارته جود لعملها الذي لم أعرف بعد ما هو! كان ملفتاً في أول صفحة: "عقيلات" رابضٌ على عناوين كثيرة كتبتها وخدشتها وحورتها حتى استقرت على ذلك كما يبدو، ليجثم بسواده على كل العناوين السابقة. تلاه في الصفحة الثانية وبين قوسين: (الصدفة البحتة هي التي جعلتني أعرف حكاياتهن، والصدفة البحتة أيضاً هي التي جعلتني أدونها، لأكتشف أنني أحداهن، تماماً كما ستكتشف ذلك كل واحدة منكن!... جود التاج).

ما فعلته مباشرة وقبل الدخول في قراءة ما كتبته جود، ولكثرة ما حيرني عنوانها، هو التوجه للكمبيوتر للبحث عن معنى هذه الكلمة، بعد أن اختلط الأمر عليَّ بين العاقلة والعقيلة، فالعاقلة كما تشير أول نتيجة لمحرك البحث "جوجل" هي من تعقل لسانها عن الكلام، أما العقيلة فهي الزوجة الكريمة التي لا تبرح الخدر وتتستر من الرجال!

* * *

كانت علاقتي بجود قوية وصادقة رغم أننا لم نكن نرى بعضنا بعضاً بشكل دائم. لم نعد نلتقي في السنوات الأخيرة إلا في المناسبات، ورغم ذلك كانت علاقة عميقة تفهمني من أول كلمة، تُغِير عليَّ في كل مشكلة أو مصيبة أقع فيها. تماماً كما أفعل معها بنية خالصة وبجهد لا أتوانى أو تتوانى عن التقصير فيه!...

صفحة 7

قضينا معاً فترة الدراسة، في ذات الفصل، وبعض أعوام في ذات المقعد. حتى أنهينا المرحلة الثانوية. في الجامعة تخصصت جود في هندسة الاتصالات وأنا في الهندسة المعمارية. افترقنا منذ بداية العام الثاني بعد أن قضينا العام التمهيدي الأول معاً لدراسة المواد العامة لكل تخصصات الكلية، تجمعنا كافتيريا الكلية الخاصة بالطالبات والبعيدة نوعاً ما عن كافتيريا الطلاب، نتبادل فيها أخبارنا، ونشتكي من صعوبة المناهج ونكد الدكاترة.

كان لكل منا صديقاتها المقربات. لكن يظل لكل صديقة نكهة خاصة مرتبطة بظروف تعارفنا وتفهمنا للظروف من حولنا، لذلك لم تكن هناك مشاكل تذكر أو حتى خلافات بين صديقاتنا، وكأن قدرتنا على استيعابهن كانت أقوى من أي ظروف طارئة قد تسبب أي نوع من المشاكل! لذلك ربما نجحت جود مؤخراً في مشروعها وبقوة، ونالت ثقة المحيطين بها في وقت قياسي ونالت سمعتها قدراً كبيراً من الاحترام والثقة والتميز.

لم يكن لتفوقنا في الجامعة والتزامنا بالحضور وحبنا لتلقي العلم رصيد يذكر لدى كل المقربين لنا من الذكور في عائلتينا، فما نفعله ليس سوى تسلية لنا، وإثبات كاذب، زائف، منافق بأن عائلتينا متفهمتان ومتحضرتان وتسمحان لبناتهما بالتعليم! رغم الاختلاف الجذري بينهما، فعائلة جود أصولها كما يقولون "هاشمية" (1) على عكس عائلتي تماماً والتي يعتبرونها بدون أصول ويصفونها "بالمزاينة" (2) ولولا كفاح والدي وصموده في التجارة وجَمعُه للمال حتى لو كان ذلك بطرق غير مشروعة لأصبح ذلك مثار لغط كبير أو تلميحات من عائلة جود، لتنهي أو على الأقل لتخفف علاقتها بي. لكن سِحر المال والجاه هو سبب تغاضيهما عن هذه النقطة، بل وسبب تغاضي المجتمع التي تظهر تناقضاته في معاملة الأغنياء بطريقة والفقراء بطريقة أخرى رغم تشابههم في الأصل، لذلك كنت دائماً أسمع من عماتي أن إصرار أبي على تزويج بناته من عائلات معروفة بحسبها ونسبها وتاريخها في المجتمع بأنه "يشتي يتأصل" (3) أي يكون له أصل!...

آه المال، سبب البلاء كله وما زال بالنسبة لي حتى اللحظة!.

صفحة 8

تردد جود دائماً وبشكل مضحك تلك العبارة التي تسمعها دائماً من شقيقيها (لا تظني أنك ستتوظفين وتزاحمين الرجال لو تخرجت من الجامعة، قرايه (4) وبس، قرايه وجلسة في البيت!...) أما أنا فكان والدي بين حين وآخر يردد عبارته لكن بأسلوب آخر (يا بنتي لو اخترتِ شيء سهل، مناسب لرقة البنات، بدل هذا السهر والتعب والوقفة على ارجلش طوال الليل، أنتِ إلا بنت مثل اسمش...) كلتانا لا ترد. نبتلع مع صمتنا ألماً لا يوصف وشعوراً بالذل والمهانة خشية أن نحرم من النعمة التي أسبغوها علينا، وكلتانا تردد أيضاً عبارة الضعفاء والمهزومين وربما عبارة الأقوياء المنتصرين (لكل حادثٍ حديث...).

كنا أجبن مما نتخيل، وافقت جود على البقاء في البيت حال تخرجها مهندسة اتصالات كهربائية مع وقف التنفيذ رغم حصولها على المركز الأول ووظيفتها مضمونة في الجامعة، أرقى مكان وأفضل وظيفة يمكن أن يحلم بها أي شخص. لم تفتح فمها حتى لتناقش أو تناضل من أجل الخروج للعمل وإقناع شقيقيها أن عملها لا يتطلب اختلاطاً أو رؤية للرجال كما يظنان، لأن علاقتها ستكون بالأجهزة الكهربائية، والأجهزة فقط في أي مؤسسة أو وزارة أو شركة سيتم قبولها فيها. اكتفت بالصمت في انتظار المرحلة القادمة كما يريد شقيقاها: "العريس"، وعندما جاء هذا العريس المنتظر، ابن عمها الذي كانت تميل له، رفضته أمها دون سبب مقنع غير عدم ارتياحها لزوجة أخيها "أم العريس" قالت: أن بنتها الوحيدة لن تكون مرتاحة في العيش مع "عَمَّة"(5) مُتسلطة وقاسية ولا تحب أهل زوجها كما كان مشاعاً عنها في العائلة!...

أبدت جود استسلاماً أكثر مما توقعت. لم تكن قوية مثل أمها التي فرضت رأيها على زوجها وأولادها بدهاء متقن، بأن العريس لا يناسب ابنتها الوحيدة. لماذا كانت بهذا الاستسلام والخنوع؟ هل هو الخوف من المواجهة بعد هذه السنين! هل هي عدم الرغبة في أن لا تتحمل مسؤولية نفسها وقراراها واختيارها فيما لو فشلت الزيجة ووصلت إلى ما كانوا يخشونه!... المذهِل أن شقيقيها وأمها لم يهتموا حتى بمراضاتها أو تخفيف الصدمة عنها أو حتى بمواساتها. فقط يقولون:

"العريس القادم أفضل منه"، وقد وافقوا مباشرة على طلبها السفر للقرية لترتاح ولتريحهما أيضاً.

ربما لو كانت جود قاومت منذ البداية هذا الظلم وهذا الاستعباد في حياتها بل وحتى في اختيار شريكها في هذه الحياة، لما جاءت ثورتها عارمة وقراراتها صارمة. ولكانت أيضاً أقل تأثيراً عليها ولقبلت حتى المفاوضة مع والدتها وشقيقيها

فاجأني صوت صفية وهي تسألني فيما لو كنت أنوي الغداء الآن أم أنتظر الأستاذة؟ "بالطبع سأنتظر الأستاذة يا صفية، شكرا لكِ!"

صفحة 9

ما زلتُ ممسكة بمفكرة جود الخضراء. ما زلتُ أتأمل خطها وعنوانها، ما زلتُ أرتجف غير قادرة حتى على تقليب أوراقها! ما أبشعَ تلك الرجفة التي تشلك عن الحركة وعن التفكير لمجرد توقعك لما قد يحدث! الرجفة التي تهوي بك من هدوء استقرارك وسكينتك، وتحولك في لحظات إلى كتلة لحم غير قادرة على شيء. إنها عكس الرجفة التي تحلق بك في السماء نشوة، وتزهر في أعماقك حياة! يبدو أن الرجفات مثل البكاء! نبكي عندما نفرح ونبكي عندما نحزن، نبكي عندما نشعر بالخوف ونبكي عندما يغمرنا الأمان! تماماً كما نرتجف من شدة الحزن ونرتجف من شدة الألم ومن شدة الفرح ومن شدة الخوف! ترى أيهما أصدق!؟

لماذا أنا غير قادرة على البدءِ في قراءة ما تركته لي جود؟ هل تواطؤي مع نفسي في تخمين ما سأقرؤه السبب؟ هل "عقيلات" جود هنَّ المربوطات! المقيدات! المسجونات؟ هل هن المصونات ذوات الخدر! المتسترات من الرجال! وتحت أمر الرجال أيضاً؟ ألهذا ثُرتِ يا جود؟ ألهذا رفضت أن تكوني عقيلة فلان! ألهذا أردت إثبات أن بإمكانك أن تكوني أنتِ، أنتِ دون أن تكوني عقيلة أحد؟

معكِ حق! لا شيء يشفع لنا في مجتمعنا مهما كان منطقياً سوى تلك المسميات التي يبحثون عنها: "زوجة" مسمى يعشقونه! "مطلقة" مسمى يمقتونه! "عانس" مسمى يختلفون عليه! هم لا يبحثون عن جوهر تلك العلاقات التي تكّون سيرورة الحياة. قد تؤدي المطلقة التي قهرتها الظروف ومع ذلك تؤدي واجباتها تجاه أبنائها أفضل من الزوجة المهملة لهم ومع ذلك فهذه المهملة هي الأفضل في كفتهم غير العادلة وفي مسمياتهم الغبية.

يا إلهي يا جود كم يبدو عنوانك صادماً وقاسياً وصادقاً، يجمع تناقضات عدة، وخلف حروفه تخمينات مربكة وربما محيرة أيضاً... ترى كم عقيلة حوت مفكرتك؟ هل أنا وأنت ضمن عقيلات مفكرتك؟ هل نحن أولهن يا صديقة عمري أم آخرهن أم في الوسط؟

لا أنسى اليوم الذي قررتِ فيه مغادرة صنعاء إلى قريتك، بعد أن ضقت ذرعاً بكل ما حولك، بعد أن جعلك شقيقاك مجرد كيانٍ جامدٍ له صفات يتباهون بها، ويبحثون له عن مبررات للحياة في المجتمع وفي القيام بكل ما يرضيه بنتنا متعلمة، مهندسة، عرسانها كُثر، آخرهم ابن عمنا الذي رفضناه لأنه لا يناسبها، نحن أدرى بمصلحتها وبما يناسبها. بنتنا لا عيب فيها متناسين بأن للآخرين من حولهم ألسنة يتحدثون بها ومنطقاً يفوق منطقهم لأنه الأقوى، لسبب واحد فقط أنه صادر من رجل.

لم يصدر من ابن عمها شيء يؤذيها أمام ما قامت به أمه حين قالت: كان المفروض أن تحمد الله وتشكره لأن ابني سيتزوجها، لقد أصبحت عانساً، من سيتزوج فتاة عمرها خمسة وعشرون عاماً ومتعلمة أيضاً؟ سأزوجه أحسن وأجمل وأصغر منها، وستندم طيلة حياتها على أنها رفضته

ابتلعتِ كل ذلك يا صديقتي وغادرتِ. شعرتُ بالوحدة من بعدك، تمنيت كثيراً لو سمح لكِ شقيقاك بالعمل بشروطهما كما فعل أبي الذي اقتنع بأن العمل مثل التعليم حماية للمرأة من غدر الزمان، حتى لو كانت غير محتاجة للمال. لقد أشفق على ابنته التي تخطت الأربعة وعشرين عاماً وهو مستمر في رفض كل خُطابها على أمل أن يُفصل لها عريساً بمواصفاته هو، ويحقق مصالحه هو!

وافقتُ على كل شروطه، لم أمارس مهنة الهندسة المعمارية التي تعلمتها وتفوقت فيها وأبدعت طوال سنوات الدراسة الخمس كما حلمت، خاصة بعد حصولي على المركز الأول، وفرصة عملي في الجامعة متاحة وبشكل كبير. قبلت أن أكون مُدرسة للمرحلة الابتدائية في المدرسة القريبة من منزلنا. وافقت على التدريس وقلت: لا يهم، نصف البلاء ولا كله، بعد أن كاد الملل يقتلني وأنا أقضي أيامي بين أربعة حيطان.

ربما لذلك يا صديقتي كانت ثورتك عارمة وتمردك حقيقياً، صادقاً، لقد دافعتِ بكل سنيّ قهرك وحرمانك واستعبادك!!!

صفحة 10

عادت جود من المدرسة، كل ما فيها يوحي بالغضب، لم تنتظر لأسألها ما بها لكنها انفجرت قائلة: كنت على يقين من أن ما حدث في العام الماضي سيتكرر هذا العام أيضاً. كل ما هو سيئ وقبيح ينتشر بين الناس بشكل مذهل كالوباء، بل كالنار في الهشيم فعلاً!

لم تنتظر مني أي رد أو تعليق يُهدئ حالتها وأكملتْ: تصوري أن أمهاتنا الأُميات غير المتعلمات كن أكثر ايجابية معنا في تربيتنا وأكبر حرصاً على إنهاء تعليمنا في الستينيات، أكثر من المتعلمات ونحن على مشارف انتهاء العقد الأول من الألفية الثالثة!

لن تصدقي يا روضة أن أحدى طالبات المدرسة في العام الماضي تزوجت حال انتهائها من الثانوية، رغم نصيحتي وكلامي المقنع المنطقي لأمها الجامعية وأبيها الجامعي أيضاً، بخطر ذلك عليها صحياً ونفسياً وحياتياً في المستقبل، وضرورة تأجيل الزواج لتكمل تعليمها وتكون قادرة على تحمل المسئولية التي ستلقى على كاهلها، لأن الزواج ليس فستاناً أبيض، وحفلة زفاف كبيرة، ضخمة وفخمة كما تحلم به الفتيات وتتنافس الأمهات في إبراز ما لديهن من مال وجاه، دون فائدة!

صباح اليوم فوجئت بدعوة زفاف أنيقة باهظة الثمن موشاة بالدنتيل ومعها هدية في علبة مخملية، ووجدت المُدرسات يفتحن هداياهن وكل واحدة تقول إن هديتها هي الأجمل (مصاحف مغطاة بالمخمل الأرجواني، تماثيل أنيقة لعروسين على عربة تجرها الخيول، شموع معطرة وورود مجففة...) يا إلهي! شعرت بأن دخاناً كثيفاً يتصاعد من وسط رأسي وأنا أرى منظراً مستفزاً لكل مشاعر البساطة والتواضع والقيم بأسرها!

أين أبسطه وأيسره وأبركُه؟ أين مراعاة مشاعر الآخرين غير القادرين حتى على طباعة ورق ملون لدعوة زفاف في مجتمع يعيش أكثر من ثلثه تحت خط الفقر حسب تقارير التنمية البشرية! أين الوسطية التي لم يعد لها وجود: إما غناء فاحش أو فقر مدقع! غير هذا وذاك حتى لو افترضنا أنهم أحرار في المال الذي أنعم الله به عليهم، وكما يرددون دائماً ((وأما بنعمة ربك فحدث...)) ألم يفكرا أن امتحانات نصف العام الدراسي بعد اقل من أسبوع؟!

هل تعرفين ماذا أجابت الأم وأنا اسألها هذا السؤال؟ لقد قالت: "ستكمل دراستها في كندا، زوجها سيكمل تعليمه الجامعي هناك، الزواج حماية له يا أستاذة جود". ووجدتني أرد عليها وأنا فاغرة فاهي من الدهشة: (حماية له وابنتك ألم تفكري فيها وفي حياتها ومستقبلها وتعليمها! وفي حمايتها أيضاً فيما لو قرر يوماً استبدالها بأخرى لها مواصفات أحسن كما يفعل أغلب الرجال؟)

امتقع وجهها وأنا أقول ذلك وقالت: "فال الله ولا فالك يا أستاذة جود ما يقع إلا خير، لا تتأخري في الحضور..." لم أجد شيئاً أقوله للأم التي أصرت على أن تسلم لي دعوة زفاف ابنتها بيدها، لمحبة ابنتها لي واحترامها اللا محدود لي كما تقول، غير أن أردد في أعماقي "أتمنى أن لا يحدث شيء مما أخشاه بعد حين"

ابتسمتْ جود وبدأتْ تردد عبارتها وهي تقهقه: هل تعلمين يا روضة أنني خشيت أن تفسر أم العروسة حنقي وغضبي من هذا الزواج المبكر غير المتكافئ بالمرة على أنه وسواس وغيرة، وربما قهر امرأة عانس ليس إلا!؟ عندئذٍ لفّتنا عندها نوبة ضحك طويلة قبل أن نتوجه للمطبخ لتناول طعام الغداء.