صفحة 1
مقدمة
حكاية السفر
على سفر فوق كراسينا وعلى مخداتنا، نمخر عباب الحياة، ندخل من باب ونفتح باباً يقابله؛ ونخرج، هكذا تنقضي رحلة السفر، يتبقى منها صدى أشبه بالوشيش، صفير قطار متوهم، متأهب دائماً للإقلاع، ولكنه الأكثر سيطرة على الحواس، ولأني مولعة بتفقد المسافة القصيرة المحدودة بين البابين، باب الدخول وباب الخروج، فإني أستمع بانتباه وفضول إلى صفير قطاري.لي عقل محير بين شتى التفاصيل، رغم سرعة الرحلة وانقضائها، ربما على غير ما نحب، وربما كما أردنا لها وسعينا، سيان، فنحن يقيناً نلهث وراء السعادة، يحلو لنا تعليقها حلماً على أهدابنا، أمنية لا ندركها، ولا نستسلم في البحث عنها، وقد وجدت في هذا السعي الوهمي خلاصي من التعاسة، بمعنى أدق؛ كانت السعادة على الطريق، لا في الوصول، عثرت في دربي على سعادة جزئية؛ متخيلة أو حقيقة، لست أدري، ولكنها مؤثرة فاعلة في نفسي.
أسأل: كيف يتحسس السهم دربه وهو منطلق بسرعة نحو الهدف!
لعل بلوغنا خط النهاية في رحلة الحياة وسفرها يلغي كل ما مضى، مثل ضربة موجعة توقع سطراً أخيراً في دفتر حياتنا، وتعتقد أنها انتهت منا، والتفتت لسوانا، كأن كل الأماكن التي مررنا بها لم تكن، كأن الزمان انقضى، كأننا ما وُجدنا، يروعني أن أمضي قبل فتح جعبة الحياة للعيون القادمة بعدي، لا أحبذ طمر الذخائر التي لملمتها على الطريق، ولكني أستمتع بنبشها، معنية بتعبئة النفس بكل الثقل الحسي الذي مر بها في زمان ومكان مختلفين.
استعادة كامل اللحظة وبهائها عبر الكتابة يؤشر أن أجزاءً من النفس تباعدت وتغيرت، لكنها لم تمت، لعلها ذخيرة الحياة الأخرى، تلك المعارف والرؤى والأحاسيس التي لا نريد لها أن تموت، نقبض عليها بعقولنا وذاكرتنا، شعلة لا تنطفئ، تؤثث البرزخ المجهول.
في السفر، يكبر السؤال في خاطري؛ خاصة والطائرة تخترق الغيوم كأنها تمر بسديم، هل ما حولي ماء أم ثلج، أم إنه محض تخيلات أرتقي بها فضاء الحياة؟ ولو قمت بعملية حسابية صغيرة بين سنوات عمري، والمرات التي أتيح لي السفر فيها معتلية السحاب، لربما كنت أسافر مرتين في العام، أنشلع من محيطي الذي أعيش فيه، وأمثلُ في مسرح جديد من مسارح الحياة، يختلف الديكور، والبشر، ورائحة الهواء، وتتعدد الثقافات وأنا أمتص رحيق التجربة مثل نحلة شرهة، تتعلم أن تصنع عسلاً.
أدعي إني منذورة للسفر منذ اللحظة الأولى التي استنشقت بها هواء عمان في المستشفى الإيطالي، وأثناء الرحلة القصيرة التي حملتني فيها أمي إلى بيت طفولتي الأول في منطقة المحطة، كنت مسافرة قادمة من غيب، وأصغيت إلى شهيق القطار وزفيره، ربما كان قطار عمان قد توقف في ذلك الزمان، ولكن الأذن البدائية القادمة بخبرات فطرتها، تلتقط صهيله عبر أزمنة مضت، لما كانت في المكان سكة وهيكل قطار قديم؛ وَقَرَّ في وعي الرضيعة البعيد، إنها قادمة لتسافر.
علمني السفر محبة كل أرض تطأها قدماي، فليس في الزمن فسحة لغير متعة المحبة، وليس للعين إلا ما رأت من جمال الدنيا وتنوعها، وليس للنضج أن يكتمل إذا لم أشرع شبابيك القلب والعقل لكل ريح تهب، وتمنحني معرفة وفرحة، وزمناً عزيزاً غالياً.
زرت مطارات كثيرة، وامتطيت طائرات أكثر، جلست في مقاعد وثيرة في الدرجة الأولى، وأخرى ضيقة في الدرجة السياحية، سارت تحتي أراض وبحار، شاهدت الغابات سوداء مدهامة، والبحار أكواناً لا حدود لها، والموج مثل طعجات في قلب الماء، والغيم يلعب جوار النافدة؛ بينما يخترق جسد الطائرة السماء، لاعبتني الشمس عن يساري وعن اليمين؛ وصاحبني القمر وأنا أقطع القارات في الجسد المعدني الصلب، علمني السفر أن الجمال الحقيقي لا يعطي نفسه للوهلة الأولى، إنه يتقشر رويداً رويداً، يجود مثل ديمة المطر، أوله قطر؛ ثم ينهمر، مثل دودة تصير فراشة.
بعد أن باتت ربلتا قدمَيّ "تنمّلان" في السفر الطويل، وأصبح مقعد الطائرة في الدرجة السياحية ضيقاً، أو أني ازددت وزناً، لم أفقد شغفي بالسفر، حين تتفتح لي نوافذ الأمكنة أفرح كما لو أني كسبت المليون أو يزيد، هو شعور بالكسب المعنوي، ولكن المفاجأة التي حملتها لي سفرة قريبة، كانت في حجرة فندق استضافني لأيام في مدينة طرابلس الليبية.
أتخفف من قيود كثيرة في حجرات الفنادق، أتصرف بحرية، قد أخلع ثيابي غير عابئة بالمرايا التي تُكثر منها الفنادق، ولا أعرف أية ثقة جعلتني أظن أني أعرف أقرب الأشياء إلي، جسدي، لا أتوقع فيه تفصيلاً مجهولاً، لكني في تلك الحجرة الليبية، نظرت بدهشة إلى زندي الأيسر، كأني أراه للمرة الأولى، شاهدت علامتين رافقتاني معظم عمري، لكني لم ألتفت إليهما من قبل، في أعلى زندي هناك أثران طفيفان لإبرة التطعيم التي نلتها وأنا طفلة، دائرتان متجاورتان لهما لون جلدي، لكنهما رسم منفصل، لم تكن إبر التطعيم رحيمة كما اليوم، إذ تترك دوائر كبيرة أو صغيرة وفق براعة الممرضة، وأتذكر أن النساء من جيل أمهاتنا كن ينصحن بتطعيم بناتهن في أعلى أفخاذهن؛ حتى يوارين الآثار الظاهرة، ولكن أمي لسبب مجهول تركت الممرضة تغرز إبرتها في أعلى ذراعي اليسرى، وقد قضيت مراهقتي وشبابي أرتدي ما يكشف عن ذراعي، وكانت لي مرآتي في حجرة النوم في عمري كله، ولم ألتفت للأثر ولا مرة، ولكني بعد نصف قرن من الترحال رأيته؛ خيل إلي أن هذا الوشم يشبه تماماً الوشم الذي تتركه المدن في الذاكرة والنفس، وأني أعيش غير ملتفتة لتلك التذكارات الغنية التي أحملها مثل وشم، وأن صوتاً يناديني لتفقد تلك الأوشام والهدايا التي تنتظر اكتشافي لها على زند الروح.
صفحة 2
هي مشاهدة وشهادة على نمو المدن، انكماشها أو تمددها، مفارقتها رائحتها الخاصة وطعمها المميز لصالح حجرات الفنادق التي تشبه بعضها في العالم كله، ما عدا لوحات فنية لفنانين تشكييلين مغمورين تزين الجدران بأصداء الحنين، ونتف من العالم الذي كان: أشرعة سفن، أو نقوش على بساط، أو مشربيات في بناء قديم، أو وجه امرأة موشوم، بعض من الذاكرة التي على الجدار ما زالت في خاطري.
في هذا النص، لم أوزع روحي على الأماكن، ولكن الأماكن اتخذت مواقعها في روحي، ومنحتني الحياة هبة عظيمة، بساط الريح؛ جناح طائر كي ما أطوف في الدنيا متحسسة عظمة إنجاز البشر، ومرآة أرى فيها ذاتي؛ نقطة ماء صافية في بحر عظيم، كثير الموج والمرجان واللآلئ.
هذا النص سيرة الأماكن؛ لا سيرتي الذاتية، لا علاقة له بما مر معي كفرد، إذ ستظل سيرة حياتي خفية لأني لم أكتبها، ولن أفعل، لا في الروايات التي تحمل شظايا وكسَراً ونتَفاً منها، ولا في هذا النص. وإن تجرأت يوماً على تلك الكتابة الفذة (الاعتراف)؛ فأظن إني سأخفي الكثير، وأنسي الكثير، وأتجاهل الأساسي، لا أملك شجاعة مؤنس الرزاز في كتابة السيرة الذاتية، كل ما في الأمر، وفي هذا النص؛ أكتب تاريخاً اجتماعياً أكثر منه سيرة ذاتية، أو إنه سيرة جمعية للمكان والإنسان الذي عرفت، بعيداً عن التخييل، وإن استعصى عليّ تحييد معارفي الخاصة ومزاجي في قراءة تلك المشاهد.
ليس هذا النص انشغالاً بالماضي بالمعنى الرائج، فأنا ابنة "الخيّام" بجدارة؛ أردد معه: "لا تشغل البال بماضي الزمان.. ولا بآتي العمر قبل الأوان. واغنم من الحاضر لذاته.... فليس في طبع الليالي الأمان".
أي إني على الصعيد الشخصي؛ ابنة اللحظة، لكني على مساحة المعرفة؛ أتوق إلى تقليب خزين ذاكرتي، ومسح أغبرة الزمن كي أصل الماضي بالحاضر في النص الروائي، وكي أشير إلى خلجات النمو في هذا النص الذي يتناول سيرة مدن عشت فيها، عرفتها طفلة، ورأيتها تنمو وتشيخ.
أمرُّ في النص كما في الحياة، مرور الضيف، تتعالق تفاصيل نمو المكان بتفاصيل نموي، خبرات الناس بخبراتي، الأحداث التي شكلت وجه المكان وملامح إنسانه، بالأحداث التي رسمت خط مسيرتي.
أجلس على جناح الطائر المحلق؛ أنظر إلى الكون الفسيح يسلمني بعض المفاتيح، والذاكرة تنساح عن أزمنة متباينة، وأماكن متباعدة، وأرى نفسي كثيرات، يتعلمن أبجدية العيش، يتناسلن بعضهن من بعض، يجربن الحياة، ويمتحن منها قطرة قطرة، لأكون.
يقول بورخيس في مجموعته "كتاب الرمل": إن نصف قرن لا ينقضي عبثاً. لقد أدركت من خلال نقاشنا عن الناس والقراءات المتنوعة، وأذواقنا المختلفة، أننا غير قادرين على فهم بعضنا بعضاً، فقد كنا متشابهين جداً، ومختلفين جداً، لم نتمكن من خداع بعضنا بعضاً، مما جعل الحوار بيننا صعباً، كان كلانا نسخة كاريكاتيرية للآخر، وكان مستحيلاً أن نستمر فترة أطول، واستعصى عليّ إسداء النصح له، ذلك أنه وبطريقة لا يمكن تجنبها، كان مقدراً له أن يصبح الشخص الذي هو أنا".
هذا النص حلم بكل "سميحة" كنتها، ولكن المخاتل والخطير، أن واحدة فقط، هي التي صارت عليها تلك الكثيرات، واحدة فقط تكتب عنهن، عن لحظاتهن، عن أماكنهن وأزمانهن، هي أنا، لن يكون عدلاً صياغة عوالمهن المدفوعة بحب اكتشاف الحياة وفق نظرتي التي تصور لي أنني أعرف أكثر، وأطل على مساحة أوسع من خفايا الحياة، ليس عدلاً أن تسجن تلك الأزمنة البريئة في القالب الثقافي الخشن، الذي تأتّى لي عبر المراحل. ولكن، من قال إن الكتابة قادرة على العدل أو تتوخاه؟
أعود للقول: هذه ليست سيرة ذاتية، إنها سيرة الأماكن من عين الذات، وسعتُ فيها للمكان كي يكون حاضراً، متلوناً بكل الألوان التي تعتري حجارته وبحاره وروابيه، ليكون فاقعاً على السطر، أكثر من لون عمري الخاص الباهت، الذي قد لا يهم أحداً، بينما المكان يهم الجميع، إنه قالبنا الذي يصنعنا على قياسه.
في هذا النص، جئت بذلك الوهج الغريب الذي نراه من نور النار حين تشب، أو اللفح البارد المتأتي من مرور الريح، ومن وجيب القلب الواقع بين الخوف والمتعة، كلما دفعت أرجوحة الطفولة المعلقة في شجرة البلوط عالياً، وخيل إلي أني أمسكت العالم بين يدي.
أين ستفضي بي الأخيلة؟ هذا سؤال الرواية.
أما سؤال النص الواقع بين أيديكم:كم من الحقيقة تمكنت من قنصها؟ وهل كنت رحيمة بالأسماء والأحداث التي شكلتني وشيدت المدن! إنه سؤال الحياة الحائرة.
في هذا النص، لم أوزع روحي على الأماكن، ولكن الأماكن اتخذت مواقعها في روحي، ومنحتني الحياة هبة عظيمة، بساط الريح؛ جناح طائر كي ما أطوف في الدنيا متحسسة عظمة إنجاز البشر، ومرآة أرى فيها ذاتي؛ نقطة ماء صافية في بحر عظيم، كثير الموج والمرجان واللآلئ.
هذا النص سيرة الأماكن؛ لا سيرتي الذاتية، لا علاقة له بما مر معي كفرد، إذ ستظل سيرة حياتي خفية لأني لم أكتبها، ولن أفعل، لا في الروايات التي تحمل شظايا وكسَراً ونتَفاً منها، ولا في هذا النص. وإن تجرأت يوماً على تلك الكتابة الفذة (الاعتراف)؛ فأظن إني سأخفي الكثير، وأنسي الكثير، وأتجاهل الأساسي، لا أملك شجاعة مؤنس الرزاز في كتابة السيرة الذاتية، كل ما في الأمر، وفي هذا النص؛ أكتب تاريخاً اجتماعياً أكثر منه سيرة ذاتية، أو إنه سيرة جمعية للمكان والإنسان الذي عرفت، بعيداً عن التخييل، وإن استعصى عليّ تحييد معارفي الخاصة ومزاجي في قراءة تلك المشاهد.
ليس هذا النص انشغالاً بالماضي بالمعنى الرائج، فأنا ابنة "الخيّام" بجدارة؛ أردد معه: "لا تشغل البال بماضي الزمان.. ولا بآتي العمر قبل الأوان. واغنم من الحاضر لذاته.... فليس في طبع الليالي الأمان".
أي إني على الصعيد الشخصي؛ ابنة اللحظة، لكني على مساحة المعرفة؛ أتوق إلى تقليب خزين ذاكرتي، ومسح أغبرة الزمن كي أصل الماضي بالحاضر في النص الروائي، وكي أشير إلى خلجات النمو في هذا النص الذي يتناول سيرة مدن عشت فيها، عرفتها طفلة، ورأيتها تنمو وتشيخ.
أمرُّ في النص كما في الحياة، مرور الضيف، تتعالق تفاصيل نمو المكان بتفاصيل نموي، خبرات الناس بخبراتي، الأحداث التي شكلت وجه المكان وملامح إنسانه، بالأحداث التي رسمت خط مسيرتي.
أجلس على جناح الطائر المحلق؛ أنظر إلى الكون الفسيح يسلمني بعض المفاتيح، والذاكرة تنساح عن أزمنة متباينة، وأماكن متباعدة، وأرى نفسي كثيرات، يتعلمن أبجدية العيش، يتناسلن بعضهن من بعض، يجربن الحياة، ويمتحن منها قطرة قطرة، لأكون.
يقول بورخيس في مجموعته "كتاب الرمل": إن نصف قرن لا ينقضي عبثاً. لقد أدركت من خلال نقاشنا عن الناس والقراءات المتنوعة، وأذواقنا المختلفة، أننا غير قادرين على فهم بعضنا بعضاً، فقد كنا متشابهين جداً، ومختلفين جداً، لم نتمكن من خداع بعضنا بعضاً، مما جعل الحوار بيننا صعباً، كان كلانا نسخة كاريكاتيرية للآخر، وكان مستحيلاً أن نستمر فترة أطول، واستعصى عليّ إسداء النصح له، ذلك أنه وبطريقة لا يمكن تجنبها، كان مقدراً له أن يصبح الشخص الذي هو أنا".
هذا النص حلم بكل "سميحة" كنتها، ولكن المخاتل والخطير، أن واحدة فقط، هي التي صارت عليها تلك الكثيرات، واحدة فقط تكتب عنهن، عن لحظاتهن، عن أماكنهن وأزمانهن، هي أنا، لن يكون عدلاً صياغة عوالمهن المدفوعة بحب اكتشاف الحياة وفق نظرتي التي تصور لي أنني أعرف أكثر، وأطل على مساحة أوسع من خفايا الحياة، ليس عدلاً أن تسجن تلك الأزمنة البريئة في القالب الثقافي الخشن، الذي تأتّى لي عبر المراحل. ولكن، من قال إن الكتابة قادرة على العدل أو تتوخاه؟
أعود للقول: هذه ليست سيرة ذاتية، إنها سيرة الأماكن من عين الذات، وسعتُ فيها للمكان كي يكون حاضراً، متلوناً بكل الألوان التي تعتري حجارته وبحاره وروابيه، ليكون فاقعاً على السطر، أكثر من لون عمري الخاص الباهت، الذي قد لا يهم أحداً، بينما المكان يهم الجميع، إنه قالبنا الذي يصنعنا على قياسه.
في هذا النص، جئت بذلك الوهج الغريب الذي نراه من نور النار حين تشب، أو اللفح البارد المتأتي من مرور الريح، ومن وجيب القلب الواقع بين الخوف والمتعة، كلما دفعت أرجوحة الطفولة المعلقة في شجرة البلوط عالياً، وخيل إلي أني أمسكت العالم بين يدي.
أين ستفضي بي الأخيلة؟ هذا سؤال الرواية.
أما سؤال النص الواقع بين أيديكم:كم من الحقيقة تمكنت من قنصها؟ وهل كنت رحيمة بالأسماء والأحداث التي شكلتني وشيدت المدن! إنه سؤال الحياة الحائرة.
صفحة 3
قطر
الدوحة – أول السفر
1963أطبقت قبضة أمي على كفي تجرني وراءها عبر الحارة الضيقة إلى دكان "أبو حسين"، كانت غير محرجة وهي تطلب تأجيل دفع ديوننا إلى فصل الصيف، بل للمرة الأولى؛ متأكدة من مقدرتنا على التسديد إذا ما عدنا من "الدوحة"، ووسط دعواته لنا بالتوفيق، أبدى موافقة على تأجيل الديون المتراكمة منذ سافر والدي موظفاً حكومياً معاراً إلى حكومة قطر (قبل استقلالها) عام 1963، في مجال الشؤون الاجتماعية والعمل. قال الدكنجي كلاماً عن الجيرة والأخوّة والناس لبعضها، واستراحت أمي، كأنها أنهت أهم واجباتها في الإعداد للسفر.
أبعد ما ذهب إليه عقلي الطفل؛ هو أن الدوحة مكان مجاور لإربد أو السلط، المدينتين الوحيدتين اللتين "أسافر إليهما" من عمّان مقر إقامتنا، فكرة ركوب الطائرة جعلت قلبي يرتعش مثل جناحي عصفور ابتلاّ برشّة مطر مفاجئة.. تخيلت عالماً جديداً غريباً، وجلست أستمع باهتمام لخالٍ لي وهو يشرح المعنى الذي تنطوي عليه كلمة "الدوحة"... ورأيتني تحت ظلال وارفة؛ في جنة عرضها السماوات والأرض، تطل على بحر؛ ولم أكن قد رأيت بحراً!
الانتقال إلى شواطئ الخليج آنذاك يعني تغييراً في موقعنا الاقتصادي، والخروج من ربقة الديون المتراكمة، وتغير الحال إلى وضع مادي مريح، ولعل السفر إلى الخليج كان مطمحاً لكثيرين ينظرون إلى الثروة الجديدة التي تفجرت على الرمال، وفي أحشاء البحر آباراً من الذهب الأسود؛ عصب الحياة الاقتصادية الجديدة، في حين أن المجتمع البسيط الفقير هناك مقبل على معركة تغيير وتعليم وبناء حديث، تحتاج إلى طاقات العرب في كل مجال يمكن تخيله لتقوم دولة قوية، والعرب الذين يعانون من ضيق الحياة الاقتصادية في بلادهم، متشوقون لتلك التجربة، يحلمون بتغيير العالم هناك، وتغيير حياتهم الشخصية في بلادهم.
لكن السفر يعني أيضاً استعداداً نفسياً للغربة، كما تقول أمي، من طرف ماكر خفي أخفيت سعادتي، وتظاهرت بأن الغربة بدأت تنهش فؤادي بينما كنت أتحرق للسفر، كل ليلة أراقب ريشاً ينمو على جناحين يخصان الطفلة ذات الأعوام السبعة، فكرة أن بحراً ينتظرنا في الدوحة تطير صوابي، أتخيل زرقته وموجه، وأبتدع سفناً أركبها وسمكاً أصادقه، ثم أتفرج على أمي ترص نتاج العام من الفاكهة من عنب وتين في سلتين صغيرتين، تربطهما بشرائط ملونة، فنحملهما أنا وشقيقتي الصغرى سعاد في أيدينا، بينما رفض شقيقاي حسين وعماد حمل مثل هذه الهدايا الأنثوية، حملنا لوالدنا الذي سبقنا في السفر شيئاً من رحيق الأرض وكرمها، ونحن نلوح للمودعين على سلّم الطائرة، تظاهرت بأن الحزن يثني رأسي، ويعطل خطواتي باتجاه سلم طائرة الخطوط اللبنانية (الميدل إيست)، المتجهة إلى الدوحة من مطار عمّان، وهي الشركة الوحيدة التي تذرع الفضاء ناقلة الركاب بين المكانين في ذلك الزمان. في الواقع، سبقني قلبي واتخذ مكانه قبالة نافذة الطائرة الصغيرة، حيث من هذه المساحة المحدودة سأرى الفضاء، وأعتلي الغيم، فتصغر البيوت تحتي كما الألعاب.
هدر محرك الطائرة محدثاً رجة في قفصي الصدري، ربطنا الأحزمة بإحكام بمساعدة مضيفة فاتنة، وأمي تتمتم بآية الكرسي، انشلع فؤادي تماماً ونحن ننفصل عن الأرض، ونصير صقراً حراً في السماء، كيف ستكون هذه الدوحة الموعودة؟ بسرعة كان عقلي يحلل الإشارات حول دلالة لفظة "الدوحة" في اللغة، انتظرت بشغف شجرة ورافة الظلال على شاطئ البحر الذي سأسميه منذ تلك اللحظة باسمه الخليجي الأبرع وقعاً ووصفاً، "سِيف البحر".
متعة الجلوس في كرسي الطائرة والمضيفات اللبنانيات الأنيقات يعاملنك معاملة خاصة؛ تقصر المسافة، وتزيل مخاوف السفر الأول، سرعان ما انتقلت أمي من الأدعية إلى محاولة زجرنا عن اللعب في ممر الطائرة الضيق، وتنفست الصعداء وصوت المضيفة يعلن الوصول، ويدعو إلى ربط الأحزمة، وفجأة شعرت بكياني يرتج بصورة غريبة، وأعماقي توشك أن تلفظ ما فيها، أصابتني دوخة السفر، وهرعت المضيفة نحوي بكيس ورقي منشى، ثنت رأسي، وأبدت حناناً بالغاً وأنا أتقيأ في كيسها، قالت: "إن هذا يحدث مع الأطفال عادة"، لكني كنت الطفلة الوحيدة على متن الطائرة التي تقيأت! شعرت بالخجل والعار، ولسنوات طويلة مرت كنت أقع في الحالة كلما أسقط الطيار عجلات طائرته استعداداً للهبوط؛ رحت أتحايل في ذهني على تلك البلوة المقيتة، فأقول لنفسي: إني أفرغ داخلي لأملئه مجدداً من كل ما هو جديد، فكرة عابرة لم أبح بها، لأنها ستعني بالنسبة لأشقائي الأشقياء الطعامَ، وأنا كنت أعني أمراً آخر لا أدركه.
انفتح باب الطائرة.
الدوحة، جنة وارفة بانتظارنا، فجأة؛ شعرنا بهجوم لزج لهواء مثقل بالرطوبة، لم نكن نعرف ماذا تعني هذه الكلمة، وإن قالت أمي باستنكار: الحمّام التركي أرحم.
صفحة 4
أصابني البلل في رأسي وجسدي، نفش شعري المربوط بإحكام إلى الخلف مثل قطة شرسة، وتصبب وجهي وجسدي ما ظننته عرقاً! بدأت شقيقتي الطفلة التي بالكاد تتلفظ الكلمات بالبكاء، زجرتها أمي وشدتها وراءها ونحن نهبط سلّم الطائرة، كانت أمي بارعة في التنقل بين الحزم والحنان وفق الحاجة إليهما، تطاير انزعاجنا ونحن نرى قامة أبي النحيلة الطويلة تلوح لنا بين جموع المستقبلين.
تناسينا مخاوفنا ودفعنا له بسلال الفاكهة التي أضحكته وإن بدأ يتناولها وهو يقود أول سيارة خاصة ننعم بها، ورحت ألتهم بعيني المدينة الصحراوية، لم يقع ناظري على شجرة على امتداد الرمل الأصفر الراقد تحت فضاء مثقل بالهواء اللزج، وانكسر الحلم قبل أن يلتمع البحر أزرق رائقاً مواسياً سنوات الغربة المنتظرة.
أقمنا في شارع الكهرباء، كانت رفاهية "الكهرباء" قد غزت المكان حديثاً، جاءت مع الوصاية والانتداب البريطاني، سماها القطريون "كهرب"، ولم يكونوا قد وقعوا على لفظ عربي يدل على الدائرة الزجاجية التي تأتي بالنور بمجرد ضغطة زر، فكانوا يقولون "شب الليت"، أي أشعل الضوء، في هذا الشارع الفاتن، أضيئت أنوار طفولتي بمعارف جديدة، معارف لا علاقة لها بليالي المزرعة، وأحضان الجدات والعمات والأخوال، غرباء نصنع لنا أسرة جديدة.
بالنسبة لي، صار الشارع الذي يضاء ليلاً بخط من "لمبات" الكهرباء؛ قيداً.. موحشاً وممنوعاً وغريباً، كانت النسوة العربيات مفزوعات من مجتمع استجلب كل تلك العمالة التي تنطق خليطً من لغات، هندية وباكستانية وبلوشية وإيرانية، مئات، بل آلاف الرجال العزاب يجوسون بيننا، العرب والقطريون على حد سواء كانوا يعيشون تلك الهواجس التي تصدر عن معسكر العمل الهائل الذي صارت الدوحة عليه، كل الرجال في الشارع وحوش محتملون.. شارع تقطنه عائلات عربية قليلة، وتنتشر فيه دكاكين الهنود والبتان، كل من لا يتكلم العربية موضع شك واتهام مسبق، أتطامن مع التعليمات وأتماشى معها مرغمة، وفي أعماقي لا أصدقها، لا أعتقد أبداً أني مرشحة لكارثة من نوع التحرش الغامض الذي تنبه منه أمي، والذي تتبادل حوله التفاصيل مع النسوة العربيات الخائفات. لسبب غير واضح اعتقدت دوماً أني سيدة جسدي، لا أحد يملك التحرش به أو الإساءة إليه، حتى وأمي تصنف المجتمع الغريب على أنه مجتمع ذئاب محتمل، كنت على صغري أفهم الإشارات، وأتحرك في عالم الرجال بثقة مبالغة من دون خوف يذكر، بل بذكاء "خلند" شاطر يعرف كيف يتقدم ويبتعد، لم أسمح لتلك الحالات المفزعة أن تصادر طفولتي، حتى وأنا أسمع الصغيرات في المدرسة يذكرن تفاصيل مشوشة عن أساليب الرجال، تجارب ملتاثة بالهم والخوف والفضول والرغبات.
كنت مشغولة البال بسحر بحر الدوحة، وألفة لياليها، وتفتق الخيال على الدنيا، أستعد لطفولة ماتعة سيكون آخر عهدي بها عام 1970، حين تقلع طائرتي مغادرة الدوحة نهائياً.
يقع بيتنا على الشارع العريض الوحيد قليل السيارات، مساحة ممتدة، حديقتنا ساحة ترابية واسعة! وبيتنا مكون من غرف كثيرة، ومطبخ فسيح يصلح لمغامرات أمي في إقامة الدعوات، ونشر قدور المنسف الكبيرة من جميد وأرز.. الباب الخلفي يطل على الساحة الترابية.. حيث لا نبات ما عدا شجرة ضخمة شوكية بعض الشيء. لم أكن أعرف من الشجر إلا الزيتون والتفاح والعنب، شجرتنا القطرية الجديدة، شجرة السدر، أو كما يسمونها "النبق"، تففتُ ثمرتها لدى تذوقي إياها للمرة الأولى، ولكني أغرمت بمذاق حبتها المدورة في ما بعد، حتى عندما تنضج ويشاركنا الدود غزوها، فإني أعالجها من الأطراف كي أشاركه بعض الحلاوة الشحيحة في قلب الثمرة.
أمي دائمة الحديث عن أشجار الزيتون والمشمش واللوز، تحن إلى داليتنا في جبل اللوبيدة، ويفجعها خلو السوق من البندورة والخيار والكوسا، كما لو أن العالم ناقص، تقضي العطل الصيفية في الأردن، تشك الباميا، وتيبس الملوخية، وتعصد رب البندورة، تجفف خضاراً، وتجمد غيرها في سبيل إيجاد كل ما تبتغيه طوال العام، احتاجت الدوحة إلى سنوات لتعمر سوقها بالبضائع المنوعة، أمي عاشقة اللون الأخضر ابنة المرأة الشامية، لم تقنع بشجرة السدر الكبيرة في ساحة البيت، عَدّتها بورقها الصغير الباهت نبتة صحراوية عاطلة عن الجمال والعطاء، ولم تتعود صداقتها إلا بعد أن تمكنت بإصرار من زرع رمل الساحة الترابية بالبقدونس والنعنع والخس، بإضافة بعض التراب المستجلب؛ روضت أمي رمل الدوحة لتزرعه.
في الدوحة ينفتح فضاء للعناق، بحر أزرق صاف، ورمل ذهبي يرمي على الشاطئ أصدافه كأنها وعد سحري لكنز من اللآلئ، بدا كل شيء مشرقاً، كلما التقطت صدفة فتحتها؛ والأمل بظهور اللؤلؤة لا ينقطع، لم تعنني الحالات المزاجية الكئيبة التي أطلقت عليها أمي اسم الغربة، دموعها التي تنهمر بلا مبررات، وركضها نحو أبي تسأل عن الرسائل كل ظهيرة، بينما أستعد بحماسة وفرح للمشوار المسائي اليومي في سيارة "الأوستن" البيضاء التي نمتلكها، والتي تشعرني شخصياً بأننا من الأثرياء، ولى عهد الدين والتقتير المادي، وأصبحنا نمتلك سيارة ننحشر في مقعدها الخلفي، ونولي وجوهنا صوب الشارع العاطل عن الجمال والبنيان، أنتظر انسكاب الأزرق في عيني، وفي لحظات أجدني على سِيف البحر، أداعب الموج ويلاعبني، ألقي جسدي في أحضانه، وأضاحك إخوتي وأسابقهم ونحن نتصايح، فإذا ما قاربت الشمس على الغياب، انغرس القمر مثل برتقالة عملاقة في خاصرة البحر، ونثر دماءه موجاً يلعب، وعلى صفحة السماء صور من الجمال لم يسبق لي رؤيتها ولو في الخيال، ينبهني فرط الجمال أن في الكون خفاءً كبيراً لن أدركه، وتشحذ تصوراتي عن الدنيا، أتخيل ما لم يكن أبداً على وجه البسيطة، ولن يكون.
تناسينا مخاوفنا ودفعنا له بسلال الفاكهة التي أضحكته وإن بدأ يتناولها وهو يقود أول سيارة خاصة ننعم بها، ورحت ألتهم بعيني المدينة الصحراوية، لم يقع ناظري على شجرة على امتداد الرمل الأصفر الراقد تحت فضاء مثقل بالهواء اللزج، وانكسر الحلم قبل أن يلتمع البحر أزرق رائقاً مواسياً سنوات الغربة المنتظرة.
أقمنا في شارع الكهرباء، كانت رفاهية "الكهرباء" قد غزت المكان حديثاً، جاءت مع الوصاية والانتداب البريطاني، سماها القطريون "كهرب"، ولم يكونوا قد وقعوا على لفظ عربي يدل على الدائرة الزجاجية التي تأتي بالنور بمجرد ضغطة زر، فكانوا يقولون "شب الليت"، أي أشعل الضوء، في هذا الشارع الفاتن، أضيئت أنوار طفولتي بمعارف جديدة، معارف لا علاقة لها بليالي المزرعة، وأحضان الجدات والعمات والأخوال، غرباء نصنع لنا أسرة جديدة.
بالنسبة لي، صار الشارع الذي يضاء ليلاً بخط من "لمبات" الكهرباء؛ قيداً.. موحشاً وممنوعاً وغريباً، كانت النسوة العربيات مفزوعات من مجتمع استجلب كل تلك العمالة التي تنطق خليطً من لغات، هندية وباكستانية وبلوشية وإيرانية، مئات، بل آلاف الرجال العزاب يجوسون بيننا، العرب والقطريون على حد سواء كانوا يعيشون تلك الهواجس التي تصدر عن معسكر العمل الهائل الذي صارت الدوحة عليه، كل الرجال في الشارع وحوش محتملون.. شارع تقطنه عائلات عربية قليلة، وتنتشر فيه دكاكين الهنود والبتان، كل من لا يتكلم العربية موضع شك واتهام مسبق، أتطامن مع التعليمات وأتماشى معها مرغمة، وفي أعماقي لا أصدقها، لا أعتقد أبداً أني مرشحة لكارثة من نوع التحرش الغامض الذي تنبه منه أمي، والذي تتبادل حوله التفاصيل مع النسوة العربيات الخائفات. لسبب غير واضح اعتقدت دوماً أني سيدة جسدي، لا أحد يملك التحرش به أو الإساءة إليه، حتى وأمي تصنف المجتمع الغريب على أنه مجتمع ذئاب محتمل، كنت على صغري أفهم الإشارات، وأتحرك في عالم الرجال بثقة مبالغة من دون خوف يذكر، بل بذكاء "خلند" شاطر يعرف كيف يتقدم ويبتعد، لم أسمح لتلك الحالات المفزعة أن تصادر طفولتي، حتى وأنا أسمع الصغيرات في المدرسة يذكرن تفاصيل مشوشة عن أساليب الرجال، تجارب ملتاثة بالهم والخوف والفضول والرغبات.
كنت مشغولة البال بسحر بحر الدوحة، وألفة لياليها، وتفتق الخيال على الدنيا، أستعد لطفولة ماتعة سيكون آخر عهدي بها عام 1970، حين تقلع طائرتي مغادرة الدوحة نهائياً.
يقع بيتنا على الشارع العريض الوحيد قليل السيارات، مساحة ممتدة، حديقتنا ساحة ترابية واسعة! وبيتنا مكون من غرف كثيرة، ومطبخ فسيح يصلح لمغامرات أمي في إقامة الدعوات، ونشر قدور المنسف الكبيرة من جميد وأرز.. الباب الخلفي يطل على الساحة الترابية.. حيث لا نبات ما عدا شجرة ضخمة شوكية بعض الشيء. لم أكن أعرف من الشجر إلا الزيتون والتفاح والعنب، شجرتنا القطرية الجديدة، شجرة السدر، أو كما يسمونها "النبق"، تففتُ ثمرتها لدى تذوقي إياها للمرة الأولى، ولكني أغرمت بمذاق حبتها المدورة في ما بعد، حتى عندما تنضج ويشاركنا الدود غزوها، فإني أعالجها من الأطراف كي أشاركه بعض الحلاوة الشحيحة في قلب الثمرة.
أمي دائمة الحديث عن أشجار الزيتون والمشمش واللوز، تحن إلى داليتنا في جبل اللوبيدة، ويفجعها خلو السوق من البندورة والخيار والكوسا، كما لو أن العالم ناقص، تقضي العطل الصيفية في الأردن، تشك الباميا، وتيبس الملوخية، وتعصد رب البندورة، تجفف خضاراً، وتجمد غيرها في سبيل إيجاد كل ما تبتغيه طوال العام، احتاجت الدوحة إلى سنوات لتعمر سوقها بالبضائع المنوعة، أمي عاشقة اللون الأخضر ابنة المرأة الشامية، لم تقنع بشجرة السدر الكبيرة في ساحة البيت، عَدّتها بورقها الصغير الباهت نبتة صحراوية عاطلة عن الجمال والعطاء، ولم تتعود صداقتها إلا بعد أن تمكنت بإصرار من زرع رمل الساحة الترابية بالبقدونس والنعنع والخس، بإضافة بعض التراب المستجلب؛ روضت أمي رمل الدوحة لتزرعه.
في الدوحة ينفتح فضاء للعناق، بحر أزرق صاف، ورمل ذهبي يرمي على الشاطئ أصدافه كأنها وعد سحري لكنز من اللآلئ، بدا كل شيء مشرقاً، كلما التقطت صدفة فتحتها؛ والأمل بظهور اللؤلؤة لا ينقطع، لم تعنني الحالات المزاجية الكئيبة التي أطلقت عليها أمي اسم الغربة، دموعها التي تنهمر بلا مبررات، وركضها نحو أبي تسأل عن الرسائل كل ظهيرة، بينما أستعد بحماسة وفرح للمشوار المسائي اليومي في سيارة "الأوستن" البيضاء التي نمتلكها، والتي تشعرني شخصياً بأننا من الأثرياء، ولى عهد الدين والتقتير المادي، وأصبحنا نمتلك سيارة ننحشر في مقعدها الخلفي، ونولي وجوهنا صوب الشارع العاطل عن الجمال والبنيان، أنتظر انسكاب الأزرق في عيني، وفي لحظات أجدني على سِيف البحر، أداعب الموج ويلاعبني، ألقي جسدي في أحضانه، وأضاحك إخوتي وأسابقهم ونحن نتصايح، فإذا ما قاربت الشمس على الغياب، انغرس القمر مثل برتقالة عملاقة في خاصرة البحر، ونثر دماءه موجاً يلعب، وعلى صفحة السماء صور من الجمال لم يسبق لي رؤيتها ولو في الخيال، ينبهني فرط الجمال أن في الكون خفاءً كبيراً لن أدركه، وتشحذ تصوراتي عن الدنيا، أتخيل ما لم يكن أبداً على وجه البسيطة، ولن يكون.
صفحة 5
أرواح تتصعد من الماء، وجنيات تهبط من السماء، وفاتنات يلعبن في وهج الشعلة؛ مختلطة الألوان التي أراها في صحارى وحقول احتراق الغاز الطبيعي بين مدينة الدوحة ومدينة دخان الصناعية، هناك توحش لجمال الصحراء لا يترك روحي هادئة، في سن مبكرة قبل اكتمال معرفة الحرف في قلمي، خبرت تفتق الروح ورتقها إزاء الجمال الذي لا يلحظه أحد، وينكر وجوده المحيطون به.
كنت حانقة على مدرستي الأولى "خديجة بنت خويلد" في الدوحة، وأفتقد عامي التمهيدي في مدرستي العمّانية "عائشة الباعونية" في جبل اللوبيدة. من دون حماسة قطعت أنا وأمي الطريق إلى مدرستي الجديدة مشياً على الأقدام، مررنا بساحة متربة ودكاكين بسيطة، وقالت أمي لبائع سجاد متجول صادفنا على الدرب، أن يوافيها في المنزل بعد ساعة، سمعت تعابير جديدة نطقت بها أمي، مثل "زولية" أي سجادة، أو يجب الإسراع للقاء "الليلم" تقصد البائع المتجول. أعجبت بقاموسها الجديد، وقدرتها على التقاط الكلمات، والتأقلم السريع مع ما لم تتعامل معه مسبقاً.
انشغلت بإعجابي بأمي إلى أن وصلنا المدرسة، ثم عند البوابة العريضة اضطرت أمي إلى حملي رغم سنواتي الست.... فقد ثقلتُ واهتجتُ ورفضتُ التقدم خطوة، و"فرّاشة"عاملة التنظيف في المدرسة تراقبني وتضحك، رحت أرفس وأتشبث بفستان أمي وكتفيها وشَعرها القصير، وأصيح بزعبرة مغمضةً عينيّ: الغولة...
خبطت أمي ظهري لتمنعني من التفوّه بالحماقات، ثم ضمتني مؤنبة خجلى لتصرفي الغبي، حاولت التقهقر والامتناع عن دخول المدرسة، فالمرأة الملتفة بالعباءة السوداء عند الباب، مقنعة بقناع جلدي لامع، لم أتمكن من التحديق الجريء في وجهها لأرى عينيها، لكنها ظلت تضحك، وهي تقول: يا بنت، أنا مَرَةْ.
الانطباع الأول عن ذلك البناء المسطح فوق الرمل لم يكن إيجابياً، فالسور يحيط بالمدرسة تماماً، ويعزله عن العالم كما لو كان قلعة تخفي وراءها معسكراً إجرامياً، وعند البوابة ذلك المخلوق الذي يدعي أنه امرأة، ثم إن أمي سحبتني إلى الداخل عنوة، لكن الرفاهية التي فاجأتني في المباني الداخلية، والاتساع المدهش والفضاء الحر، ثم حجرة المديرة الأنيقة وترحابها اللطيف، واستقبال معلمة الصف الودود ووجوه البنات، كل ما حولي، أعاد إليّ الثقة بأني على وشك معايشة حياة مدرسية موفقة.
أفزعني في حجرة الصف أن أمي تخلت عني، وتركتني في العالم الجديد ومضت، وبفعل الطاولة العريضة والمقاعد والمديرة الصارمة، استكنت قليلاً... أجبت بوضوح عن أسئلة المديرة، وعبّرت عن مخاوفي بشيء من الثقة لا تتناسب مع الزوبعة التي أحدثتها خارج المدرسة، أكدت أن الغولة التي تجلس عند الباب كانت تتهددني.. وقد تقرقش عظمي قبل لحمي؛ كوني عجزت عن مبادأتها السلام. ضحكت معلمتي متآمرةً مع المديرة، ثم خلال دقيقة انضمت الغولة إليهما، تهامسن؛ ورفعت المرأة المخيفة قناعها، كانت الرقعة الجلدية قد تركت خطاً بنفسجياً فوق أنفها، لكن وجهها كان بشوشاً وسمرتها محببة، أشارت إلى القناع قائلة: هاي "بتولة". في ما بعد فهمت أن هذا اسم القناع الجلدي الذي يغطي وجهها، لابسة القناع تحولت بقدرة قادر إلى امرأة ضاحكة لطيفة.
أدركت أن سذاجتي ستودي بي إلى سقطات كثيرة، تصنّعت الفهم والثبات، احتملت الغولة أياماً إلى أن أيقنت أنها صديقتي الحميمة التي ستبيعني طوال عامي الدراسي زجاجة الكولا الباردة و"النخي" أي حمص القضامة المملح اللذيذ، وهي تغطى وجهها بفخر بـ"البتولة" الجلدية السوداء المذهّبة وترتدي فستانها الزاهي"النفنوف" المزين بالأزهار الصغيرة.
تحمل فرّاشة المدرسة اسماً غريباً، تنطقه البنات القطريات والعربيات الوافدات على حد سواء بقلب الكاف إلى شين، "سبيشة"، لم أعرف دلالته إلا وأنا أغادر المدرسة الابتدائية إلى الاعدادية، كان الاسم عربياً بامتياز، يدل على سبيكة الذهب، لا تنتهي مهمة "سبيكة" بمسح الغبار وتنظيف الحوش وتلييف النوافذ ومراقبة الحمامات، لكنها موكلة بالحراسة، وتاجرة ماهرة تأتي ببعض المأكولات والمشروبات تبيعها للبنات في الاستراحة بين الحصص الدراسية؛ "النخي" الذي يحلو لنا وضعه في زجاجات الكولا، ومعجنات الزعتر، وقوارير الصلصة بالشطة التي نسكبها في أكفنا ونلحسها متحملات حدتها. صارت المرأة التي خفتها في يومي الأول صديقة لي؛ تدللني، وقد تدينني بعض الروبيات إذا نسيت مصروفي، كانت العملة النقدية المستخدمة هي الروبية الهندية، ولم تكن أحوال الفرّاشة النشيطة مزدهرة جداً، لأن المدارس كانت تعمد إلى نظام تغذية جماعي.
كنا في عمان نتناول إفطارنا في المنازل، ونزود بساندويش أو قطعة فاكهة، أما مدرستنا في الدوحة فقد زودت بقاعة متسعة نتناول فيها طعام الافطار، في الطابور الصباحي توزع علينا علب كرتونية صغيرة من الحليب، ثم نمضي إلى القاعة حيث تحظى كل طالبة بوجبتها الكريمة، خبز وجبن وبيض وتفاح وبرتقال، تدخل قطر العصر بجيل مبني الجسد على نحو مدروس.
كنت حانقة على مدرستي الأولى "خديجة بنت خويلد" في الدوحة، وأفتقد عامي التمهيدي في مدرستي العمّانية "عائشة الباعونية" في جبل اللوبيدة. من دون حماسة قطعت أنا وأمي الطريق إلى مدرستي الجديدة مشياً على الأقدام، مررنا بساحة متربة ودكاكين بسيطة، وقالت أمي لبائع سجاد متجول صادفنا على الدرب، أن يوافيها في المنزل بعد ساعة، سمعت تعابير جديدة نطقت بها أمي، مثل "زولية" أي سجادة، أو يجب الإسراع للقاء "الليلم" تقصد البائع المتجول. أعجبت بقاموسها الجديد، وقدرتها على التقاط الكلمات، والتأقلم السريع مع ما لم تتعامل معه مسبقاً.
انشغلت بإعجابي بأمي إلى أن وصلنا المدرسة، ثم عند البوابة العريضة اضطرت أمي إلى حملي رغم سنواتي الست.... فقد ثقلتُ واهتجتُ ورفضتُ التقدم خطوة، و"فرّاشة"عاملة التنظيف في المدرسة تراقبني وتضحك، رحت أرفس وأتشبث بفستان أمي وكتفيها وشَعرها القصير، وأصيح بزعبرة مغمضةً عينيّ: الغولة...
خبطت أمي ظهري لتمنعني من التفوّه بالحماقات، ثم ضمتني مؤنبة خجلى لتصرفي الغبي، حاولت التقهقر والامتناع عن دخول المدرسة، فالمرأة الملتفة بالعباءة السوداء عند الباب، مقنعة بقناع جلدي لامع، لم أتمكن من التحديق الجريء في وجهها لأرى عينيها، لكنها ظلت تضحك، وهي تقول: يا بنت، أنا مَرَةْ.
الانطباع الأول عن ذلك البناء المسطح فوق الرمل لم يكن إيجابياً، فالسور يحيط بالمدرسة تماماً، ويعزله عن العالم كما لو كان قلعة تخفي وراءها معسكراً إجرامياً، وعند البوابة ذلك المخلوق الذي يدعي أنه امرأة، ثم إن أمي سحبتني إلى الداخل عنوة، لكن الرفاهية التي فاجأتني في المباني الداخلية، والاتساع المدهش والفضاء الحر، ثم حجرة المديرة الأنيقة وترحابها اللطيف، واستقبال معلمة الصف الودود ووجوه البنات، كل ما حولي، أعاد إليّ الثقة بأني على وشك معايشة حياة مدرسية موفقة.
أفزعني في حجرة الصف أن أمي تخلت عني، وتركتني في العالم الجديد ومضت، وبفعل الطاولة العريضة والمقاعد والمديرة الصارمة، استكنت قليلاً... أجبت بوضوح عن أسئلة المديرة، وعبّرت عن مخاوفي بشيء من الثقة لا تتناسب مع الزوبعة التي أحدثتها خارج المدرسة، أكدت أن الغولة التي تجلس عند الباب كانت تتهددني.. وقد تقرقش عظمي قبل لحمي؛ كوني عجزت عن مبادأتها السلام. ضحكت معلمتي متآمرةً مع المديرة، ثم خلال دقيقة انضمت الغولة إليهما، تهامسن؛ ورفعت المرأة المخيفة قناعها، كانت الرقعة الجلدية قد تركت خطاً بنفسجياً فوق أنفها، لكن وجهها كان بشوشاً وسمرتها محببة، أشارت إلى القناع قائلة: هاي "بتولة". في ما بعد فهمت أن هذا اسم القناع الجلدي الذي يغطي وجهها، لابسة القناع تحولت بقدرة قادر إلى امرأة ضاحكة لطيفة.
أدركت أن سذاجتي ستودي بي إلى سقطات كثيرة، تصنّعت الفهم والثبات، احتملت الغولة أياماً إلى أن أيقنت أنها صديقتي الحميمة التي ستبيعني طوال عامي الدراسي زجاجة الكولا الباردة و"النخي" أي حمص القضامة المملح اللذيذ، وهي تغطى وجهها بفخر بـ"البتولة" الجلدية السوداء المذهّبة وترتدي فستانها الزاهي"النفنوف" المزين بالأزهار الصغيرة.
تحمل فرّاشة المدرسة اسماً غريباً، تنطقه البنات القطريات والعربيات الوافدات على حد سواء بقلب الكاف إلى شين، "سبيشة"، لم أعرف دلالته إلا وأنا أغادر المدرسة الابتدائية إلى الاعدادية، كان الاسم عربياً بامتياز، يدل على سبيكة الذهب، لا تنتهي مهمة "سبيكة" بمسح الغبار وتنظيف الحوش وتلييف النوافذ ومراقبة الحمامات، لكنها موكلة بالحراسة، وتاجرة ماهرة تأتي ببعض المأكولات والمشروبات تبيعها للبنات في الاستراحة بين الحصص الدراسية؛ "النخي" الذي يحلو لنا وضعه في زجاجات الكولا، ومعجنات الزعتر، وقوارير الصلصة بالشطة التي نسكبها في أكفنا ونلحسها متحملات حدتها. صارت المرأة التي خفتها في يومي الأول صديقة لي؛ تدللني، وقد تدينني بعض الروبيات إذا نسيت مصروفي، كانت العملة النقدية المستخدمة هي الروبية الهندية، ولم تكن أحوال الفرّاشة النشيطة مزدهرة جداً، لأن المدارس كانت تعمد إلى نظام تغذية جماعي.
كنا في عمان نتناول إفطارنا في المنازل، ونزود بساندويش أو قطعة فاكهة، أما مدرستنا في الدوحة فقد زودت بقاعة متسعة نتناول فيها طعام الافطار، في الطابور الصباحي توزع علينا علب كرتونية صغيرة من الحليب، ثم نمضي إلى القاعة حيث تحظى كل طالبة بوجبتها الكريمة، خبز وجبن وبيض وتفاح وبرتقال، تدخل قطر العصر بجيل مبني الجسد على نحو مدروس.
صفحة 6
لم أكن طفلة مغرمة بالمدرسة والمدرّسات، ولم أعترف لمعلمة اللغة العربية أني أستمتع بدرس المحفوظات، ولأني عجزت عن أداء التجويد القرآني كما يجب، فقد خبأت في داخلي افتتاني باللغة والقصص القرآني.. كنت طفلة سمراء مزعجة، تمشط أمي شعري في جديلتين، فأفكّهما ثم أعيد ربطهما حتى تحوّل الرطوبةُ رأسي إلى كرة شعر منفوش... ولكني كنت أسير خطواتي الأولى نحو الحياة، كما نحو الكتابة، وتمكنت من إحراز المرتبة الثانية على الأغلب في صفوفي كما تراجعت إلى الثالثة مرات، بينما حصلت على المرتبة السادسة على مدارس قطر كلها عندما نلت شهادة المرحلة الابتدائية، وحظيت باحتفال كبير وكريم من عائلتي ومدرستي معاً.
كانت المعلمة "سحر" تعلّمنا "الدين"، ولم أكن أستلطفها، حتى إذا ما انتقلت إلى تعليمنا اللغة العربية وقعتُ في غرامها، وبدأت هي من جانبها تهتمّ بي، تمنحني أدواراً في مسرحية المدرسة، وتعطيني مساحات في صحيفة الحائط، وتسمح لصوتي المرتعش أن يلعلع كل يوم عبر الإذاعة المدرسية. كانت تربّي فيّ مخالب وعفاريت الكتابة والقراءة والإبداع، من حيث لا تعرف؛ ولا أعرف...
المدرسة تجمّع فريد للّهجات العربية، منذ اليوم الأول ميزت الخليط الذي لا يعرف حداً، بنات قطريات وأردنيات ومصريات وفلسطينيات ولبنانيات وسودانيات، ومعلمات مختلفات الجنسيات، ليس بينهن قطرية، الغريب إننا على صغر أعمارنا طورنا مهارات مدهشة في التثاقف، كنا نفهم ببساطة اللهجة المصرية؛ فقد تعلمناها من الأفلام المصرية التي يبثها تلفزيون "أرامكو" وهي محطة تلفزيونية بريطانية_سعودية ثبت من حقل أرامكو النفطي، كما أنها المحطة التلفزيونية الوحيدة التي يلتقطها جهازنا، أما باقي اللهجات فكان علينا أن نتمتع بحس سليم تجاهها، ثم نصل إلى لهجة هجين وسطية نتعامل بها بنجاح كبير، أعتقد في ذلك الزمان أن أكبر تأثير للمدارس الخليجية كان في خلق ذلك التناغم الجميل بين أجيال عربية، جمعها موقع عمل واحد، مثل نافذة على التنوع والتعدد.
تجلسني أمي أرضاً وهي تمشط شعري الطويل وتجدله ثم تربطه بشبرتين، شريطين أبيضين منشَّيتين، أتذكر أنها قامت وقعدت وصرخت وشدت رأسي بعنف، ونفلت رأسي في يوم صباحي مزبدة غاضبة، فقد اكتشفت قملات تسرح وتقع على كتفي، كما ميزت سبب حكي لرأسي وهي ترى بيضات القمل "الصيبان" تتشبث بشعر الرأس، كانت تلك فضيحة كبيرة لم أتحمل أن تفجرها أمي جهراً في مكتب المديرة، بكيت بحرقة؛ وسائلُ الكاز الحراق الذي يفوح برائحة كريهة يغسل شعري، وبكيت أكثر في الصف والبنات يبكين ومسطرة المعلمة تفتش رؤوسهن، كنت أشاهد القملات تسرح في الجدائل الطويلة للبنات وعرفتها في رأسي، ولكني لم أظن أنها تستوجب تلك الهزة والضوضاء التي افتعلتها أمي. وُزعت قوارير الكاز الصغيرة على البنات، وأُحضر دواء آخر بعد أيام قضى على القمل تماماً، ارتاح رأسي من الحكاك، وشكرت لأمي ما كان أغضبني في حينه، رغم أن علاقتي مع البنات اهتزت وشابها الفتور لفترة، فقد حملن أمي مسؤولية فضيحتهن. لعلنا لم نعرف القمل في عمّان لاعتدال أجوائها، ولكن شدة الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة كانت بيئة مناسبة لتفريخ تلك الحشرة اللئيمة السريعة في الرؤوس، وتسريع انتشارها وعدواها، المدرسة لم تكن بيئة للتعلم فحسب، لكنها بيئة لبناء النفس والجسد، وتعلم مواجهة الحياة والتغلب على الصعاب، ولعل الفحص الطبي الذي بات من أساسيات كل عام في المدرسة؛ واحد من أهم إنجازات المدارس القطرية آنذاك.
لا تخلو أيام المدرسة من فرح ونشاطات ممتعة، أذكر درس الفن الذي تعطيه لنا مدرسة التربية الفنية رقية قدروة التي علمتني كيف أرسم القطة، وما زلت إلى يومي هذا؛ أرسم الانحناءات نفسها في لحظة الملل، لتكون على الورقة قطة وديعة قابعة تنظر بعينين واسعتين، وذيلها ممدد حتى طرف الورقة، علقت المعلمة قطتي كلوحة على الجدار ومدحت قدراتي. مثلها كانت مدرسة الاجتماعيات تمتدح عبارتي العربية السليمة، ومعلمة النشاطات تعجبها السلال التي أجدلها، والأصداف التي أحولها إلى فراشات وبطات، معلمة العلوم لميا أبو حجلة تتعامل مع ضعفي بمادتها برحمة وشفقة كبيرة، وتسمح لي بالمجيء إلى بيتها لتلقي دروس خصوصية، حينها كنت أظنه تبرعاً منها، لم أدرك أن أبي يدفع ثمناً لتخلفي في ذلك المساق.
معلمة اللغة العربية "سحر"، ولا أذكر اسم عائلتها، لم ترضَ عني حتى تجاوزت الصف الرابع، وبت أكتب لها أفكاراً خارجة عن التكليف الذي وجهته لنا في حصة التعبير. بين الدرس واللعب تمر أيام العيد كرنفالات للشعوب، نرتدي بعد العيد فساتين العيد، ونحضر إلى المدرسة الكعك والمعمول و"التوفي"، البنات القطريات يرتدين فساتين مقصبة زاهية وبخنق يغطي رؤسهن، وينسدل على أكتافهن مزداناً بخيوط ذهبية وفضية فوق قماش أسود ناعم، وتخيط أمي فستان العيد، إلى أن افتتح في قلب الدوحة متجر للملابس.
أذكر الهرج الذي حدث، كان الوافدون العرب مدعوين إلى افتتاح متاجر السلام، أوقفوا سياراتهم على الطريق الترابي، ودخلوا المتجر الذي يوزع حبات الشوكولاته، وضيعت النسوة تحويشة العام وهن يبتعن ما يعجبهن من ثياب لهن ولأطفالهن، إضافة إلى اللعب وبياضات البيت وأدوات الزينة، كل البضائع كانت من الماركات العالمية، وحظيت بفستان أزرق بهيج له قبة من الدانتيل المخرم، ذهبت إلى المدرسة أرتديه بزهو.
الشوكولاته التي وزعتها محلات السلام في الافتتاح جُلبت من لبنان، ولما كنت أعرف شوكولاتة "غندور"، وهي ماركة تجارية لبنانية كانت تباع في عمّان، وهي المفضلة إلى جانب أنابيب "سمارتيز" وحباتها الملونة، فقد فرحنا وابتعنا علباً من تلك الحلوى اللذيذة، لكن الأحاديث بين الوافدين كانت تدور على تعرف القطريين على تلك الحلوى.
كانت المعلمة "سحر" تعلّمنا "الدين"، ولم أكن أستلطفها، حتى إذا ما انتقلت إلى تعليمنا اللغة العربية وقعتُ في غرامها، وبدأت هي من جانبها تهتمّ بي، تمنحني أدواراً في مسرحية المدرسة، وتعطيني مساحات في صحيفة الحائط، وتسمح لصوتي المرتعش أن يلعلع كل يوم عبر الإذاعة المدرسية. كانت تربّي فيّ مخالب وعفاريت الكتابة والقراءة والإبداع، من حيث لا تعرف؛ ولا أعرف...
المدرسة تجمّع فريد للّهجات العربية، منذ اليوم الأول ميزت الخليط الذي لا يعرف حداً، بنات قطريات وأردنيات ومصريات وفلسطينيات ولبنانيات وسودانيات، ومعلمات مختلفات الجنسيات، ليس بينهن قطرية، الغريب إننا على صغر أعمارنا طورنا مهارات مدهشة في التثاقف، كنا نفهم ببساطة اللهجة المصرية؛ فقد تعلمناها من الأفلام المصرية التي يبثها تلفزيون "أرامكو" وهي محطة تلفزيونية بريطانية_سعودية ثبت من حقل أرامكو النفطي، كما أنها المحطة التلفزيونية الوحيدة التي يلتقطها جهازنا، أما باقي اللهجات فكان علينا أن نتمتع بحس سليم تجاهها، ثم نصل إلى لهجة هجين وسطية نتعامل بها بنجاح كبير، أعتقد في ذلك الزمان أن أكبر تأثير للمدارس الخليجية كان في خلق ذلك التناغم الجميل بين أجيال عربية، جمعها موقع عمل واحد، مثل نافذة على التنوع والتعدد.
تجلسني أمي أرضاً وهي تمشط شعري الطويل وتجدله ثم تربطه بشبرتين، شريطين أبيضين منشَّيتين، أتذكر أنها قامت وقعدت وصرخت وشدت رأسي بعنف، ونفلت رأسي في يوم صباحي مزبدة غاضبة، فقد اكتشفت قملات تسرح وتقع على كتفي، كما ميزت سبب حكي لرأسي وهي ترى بيضات القمل "الصيبان" تتشبث بشعر الرأس، كانت تلك فضيحة كبيرة لم أتحمل أن تفجرها أمي جهراً في مكتب المديرة، بكيت بحرقة؛ وسائلُ الكاز الحراق الذي يفوح برائحة كريهة يغسل شعري، وبكيت أكثر في الصف والبنات يبكين ومسطرة المعلمة تفتش رؤوسهن، كنت أشاهد القملات تسرح في الجدائل الطويلة للبنات وعرفتها في رأسي، ولكني لم أظن أنها تستوجب تلك الهزة والضوضاء التي افتعلتها أمي. وُزعت قوارير الكاز الصغيرة على البنات، وأُحضر دواء آخر بعد أيام قضى على القمل تماماً، ارتاح رأسي من الحكاك، وشكرت لأمي ما كان أغضبني في حينه، رغم أن علاقتي مع البنات اهتزت وشابها الفتور لفترة، فقد حملن أمي مسؤولية فضيحتهن. لعلنا لم نعرف القمل في عمّان لاعتدال أجوائها، ولكن شدة الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة كانت بيئة مناسبة لتفريخ تلك الحشرة اللئيمة السريعة في الرؤوس، وتسريع انتشارها وعدواها، المدرسة لم تكن بيئة للتعلم فحسب، لكنها بيئة لبناء النفس والجسد، وتعلم مواجهة الحياة والتغلب على الصعاب، ولعل الفحص الطبي الذي بات من أساسيات كل عام في المدرسة؛ واحد من أهم إنجازات المدارس القطرية آنذاك.
لا تخلو أيام المدرسة من فرح ونشاطات ممتعة، أذكر درس الفن الذي تعطيه لنا مدرسة التربية الفنية رقية قدروة التي علمتني كيف أرسم القطة، وما زلت إلى يومي هذا؛ أرسم الانحناءات نفسها في لحظة الملل، لتكون على الورقة قطة وديعة قابعة تنظر بعينين واسعتين، وذيلها ممدد حتى طرف الورقة، علقت المعلمة قطتي كلوحة على الجدار ومدحت قدراتي. مثلها كانت مدرسة الاجتماعيات تمتدح عبارتي العربية السليمة، ومعلمة النشاطات تعجبها السلال التي أجدلها، والأصداف التي أحولها إلى فراشات وبطات، معلمة العلوم لميا أبو حجلة تتعامل مع ضعفي بمادتها برحمة وشفقة كبيرة، وتسمح لي بالمجيء إلى بيتها لتلقي دروس خصوصية، حينها كنت أظنه تبرعاً منها، لم أدرك أن أبي يدفع ثمناً لتخلفي في ذلك المساق.
معلمة اللغة العربية "سحر"، ولا أذكر اسم عائلتها، لم ترضَ عني حتى تجاوزت الصف الرابع، وبت أكتب لها أفكاراً خارجة عن التكليف الذي وجهته لنا في حصة التعبير. بين الدرس واللعب تمر أيام العيد كرنفالات للشعوب، نرتدي بعد العيد فساتين العيد، ونحضر إلى المدرسة الكعك والمعمول و"التوفي"، البنات القطريات يرتدين فساتين مقصبة زاهية وبخنق يغطي رؤسهن، وينسدل على أكتافهن مزداناً بخيوط ذهبية وفضية فوق قماش أسود ناعم، وتخيط أمي فستان العيد، إلى أن افتتح في قلب الدوحة متجر للملابس.
أذكر الهرج الذي حدث، كان الوافدون العرب مدعوين إلى افتتاح متاجر السلام، أوقفوا سياراتهم على الطريق الترابي، ودخلوا المتجر الذي يوزع حبات الشوكولاته، وضيعت النسوة تحويشة العام وهن يبتعن ما يعجبهن من ثياب لهن ولأطفالهن، إضافة إلى اللعب وبياضات البيت وأدوات الزينة، كل البضائع كانت من الماركات العالمية، وحظيت بفستان أزرق بهيج له قبة من الدانتيل المخرم، ذهبت إلى المدرسة أرتديه بزهو.
الشوكولاته التي وزعتها محلات السلام في الافتتاح جُلبت من لبنان، ولما كنت أعرف شوكولاتة "غندور"، وهي ماركة تجارية لبنانية كانت تباع في عمّان، وهي المفضلة إلى جانب أنابيب "سمارتيز" وحباتها الملونة، فقد فرحنا وابتعنا علباً من تلك الحلوى اللذيذة، لكن الأحاديث بين الوافدين كانت تدور على تعرف القطريين على تلك الحلوى.
صفحة 7
مثلما يسمي اللبنانيون بناتهم باسم "تفاحة"، يطلق القطريون على بناتهم اسم فاكهتهم المحببة "موزة"، ويحلون مائدتهم بالحلوى العمانية التي تفوح برائحة المسك والزعفران، لكن تعاملهم مع الحلوى المصنعة في الخارج كان جديداً، يمكنك أن تسمع إشاعة دخول الشوكولاته البيضاء التي ظنوها صابوناً، وقد لا تصدقها إذا تسنى لك مشاهدة صواني الشوكولاتة التي يقدمها بيت الشيخ في الأعياد للزوار، لكني أتذكر بوضوح مفارقة غريبة، حين اشترت أمي علب حلوى "الجلو" من محلات السلام، وأهدت بعضها لعائلة قطرية تزورنا، فحولتها ربة العائلة إلى شراب، وكان ضرورياً أن تطلع على تجربة تجميدها في ما بعد؛ لتتعرف إلى كيفية إعداد "الجلو"، مع ذلك أذكر أن طبق القش الكبير الذي تستقلبنا به تلك العائلة وتسميه "الفواله"، كان يضم الحلويات والمكسرات والموالح والسكريات، وكنت مغرمة بالفواله القطرية، كما بأطباق الحلوى العمانية، وطبق الهريس المالح، حين يطبخ اللحم والقمح حتى يتحولا إلى عصيدة متجانسة.
تدخل الأطباق القطرية بيتنا في موسمين؛ الأول رمضان، نتساكب نحن وعائلة سلطان سيف، وقصر الشيخ محمد بن ثاني، وعائلة علي مفتاح، وعلي الأنصاري؛ يرسلون الهريس، ونرسل المحاشي وورق العنب والمنسف. يتكرر التساكب بنسبة أقل في الشتاء.
لم يكن ذلك يحدث بسبب المطر والزمهرير، فذلك أمر مستبعد في بلد حار مثل قطر، لكن المطر اليسير الذي يهطل كفيل بتخريب بيتنا وانشغالنا عن الطهو، ومدعاة لتعاطف أصدقائنا. عندما ينهمر المطر تكون الأجواء أميل إلى الدفء مقارنة بجبال عمان قارسة البرد، لكن سقف بيتنا لا يحتمل، فالبيت لم يكن حجراً أو إسمنتاً، إنه كرتون!
عسير أن نفهم أن بيتاً يقام من الكرتون، لكن سلسلة البيوت التي أقيمت على شارع الكهرباء على عجل للموظفين المعارين إلى حكومة قطر كانت بيوتاً جاهزة، خلطات من نشارة وورق وكيميائيات مضغوطة، مركبة على طريقة عجيبة، فالبيت الواسع بغرفه المتعددة وتصميمه البديع، والذي قلدناه حين بنينا بيتنا الحجري في عمّان، كان يكشف عن مثالبه تحت المطر، يبدأ السقف في التنقيط، تحديداً في الصالون الكبير، يتغير الأبيض في الأعلى إلى ما يشبه الكرتون المبلول المبقع، وتنتشر البقع في أرجاء المنزل، وتتزايد القطرات، نوزع الطناجر والطشوت تحت نقاط الدلف، وننام على صوت الهطل كل ليلة، نقضي نهارنا في تغيير الأواني، وإذا شاء حظنا في ذلك الشتاء أن تجود السماء، نسمع خبط تمزق السقف تماماً وتساقطه قطعة قطعة وقد اهترأ وتعفن، ننقل الأثاث من مواقعه، ونجفف الفيضان في أرض الدار، ثم مع انتهاء العصف في زمن قصير للغاية، نعيد تركيب سقف جديد.
قضينا ست سنوات في ذلك البيت قبل انتقالنا إلى بيت إسمنتي أنيق "دوبلكس" أي طابقان، في شارع مستشفى حمدة للولادة، الغريب بشأن البيت الأول أني كثيراً ما أراه في أحلامي، باب المطبخ المتحرك، والمغاسل المنتشرة في حجر النوم، وذلك الحريق الذي اشتعل فيه يوماً إثر ترك أخي خرقةً محترقة قرب برميل الكاز في الساحة، شبت النار حينها في واجهة المطبخ الكرتونية بسرعة مذهلة، وعبق المنزل بالأدخنة، تناول أبي جوازات السفر، وأخرجنا إلى الشارع، لكن وصول الاطفائية السريع أنقذ البيت، رممنا المطبخ، وعاودنا العيش في بيت الكرتون.
على باب بيت الكرتون دهس قطنا قيس، وفي حوض النعناع قمنا بدفنه، وفي التاسعة من عمري كتبت أول قصيدة رثاء:
يا قطنا الحنون عاجلتك المنون
دحرجك القدر أمام سائق مجنون
كنت سلوانا بلعبك اللطيف
وتارة كنت تركن في الحضن للسكون
مواء أختك الحبيبة لوعة وحسرة وكله شجون
مع هذا وذاك فإننا بالقدر مؤمنون
الفاتحة على روحك الغالية
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لا يمكنني تلمس المراجع التي قادتني إلى كتابة ما ظننته الشعر، أهي المدرسة، أمي، شغفي بالقراءة! لا أعرف أيضاً أية مرجعية ثقافية جعلتني وأخوتي نسمي قططنا بأسماء العشاق المشهورين، قيس وليلى، وعنتر وعبلة، وروميو وجوليت، قطط صغيرة نتعثر بها كيفما تحركنا، ونلونها بأصباغ من البودرة، نعذبها وندللها، تخرمشنا وتقبع في أحضاننا تخرخر آمنة، عدا عن الأرانب في كراج البيت، والعنزة تحت السدرة، عالم الطفولة الفسيح الرحب الذي لم ينغصه إلا منعي من اللعب في الشارع أسوة بأخي، وحرماني من ركوب الدراجة.
تدخل الأطباق القطرية بيتنا في موسمين؛ الأول رمضان، نتساكب نحن وعائلة سلطان سيف، وقصر الشيخ محمد بن ثاني، وعائلة علي مفتاح، وعلي الأنصاري؛ يرسلون الهريس، ونرسل المحاشي وورق العنب والمنسف. يتكرر التساكب بنسبة أقل في الشتاء.
لم يكن ذلك يحدث بسبب المطر والزمهرير، فذلك أمر مستبعد في بلد حار مثل قطر، لكن المطر اليسير الذي يهطل كفيل بتخريب بيتنا وانشغالنا عن الطهو، ومدعاة لتعاطف أصدقائنا. عندما ينهمر المطر تكون الأجواء أميل إلى الدفء مقارنة بجبال عمان قارسة البرد، لكن سقف بيتنا لا يحتمل، فالبيت لم يكن حجراً أو إسمنتاً، إنه كرتون!
عسير أن نفهم أن بيتاً يقام من الكرتون، لكن سلسلة البيوت التي أقيمت على شارع الكهرباء على عجل للموظفين المعارين إلى حكومة قطر كانت بيوتاً جاهزة، خلطات من نشارة وورق وكيميائيات مضغوطة، مركبة على طريقة عجيبة، فالبيت الواسع بغرفه المتعددة وتصميمه البديع، والذي قلدناه حين بنينا بيتنا الحجري في عمّان، كان يكشف عن مثالبه تحت المطر، يبدأ السقف في التنقيط، تحديداً في الصالون الكبير، يتغير الأبيض في الأعلى إلى ما يشبه الكرتون المبلول المبقع، وتنتشر البقع في أرجاء المنزل، وتتزايد القطرات، نوزع الطناجر والطشوت تحت نقاط الدلف، وننام على صوت الهطل كل ليلة، نقضي نهارنا في تغيير الأواني، وإذا شاء حظنا في ذلك الشتاء أن تجود السماء، نسمع خبط تمزق السقف تماماً وتساقطه قطعة قطعة وقد اهترأ وتعفن، ننقل الأثاث من مواقعه، ونجفف الفيضان في أرض الدار، ثم مع انتهاء العصف في زمن قصير للغاية، نعيد تركيب سقف جديد.
قضينا ست سنوات في ذلك البيت قبل انتقالنا إلى بيت إسمنتي أنيق "دوبلكس" أي طابقان، في شارع مستشفى حمدة للولادة، الغريب بشأن البيت الأول أني كثيراً ما أراه في أحلامي، باب المطبخ المتحرك، والمغاسل المنتشرة في حجر النوم، وذلك الحريق الذي اشتعل فيه يوماً إثر ترك أخي خرقةً محترقة قرب برميل الكاز في الساحة، شبت النار حينها في واجهة المطبخ الكرتونية بسرعة مذهلة، وعبق المنزل بالأدخنة، تناول أبي جوازات السفر، وأخرجنا إلى الشارع، لكن وصول الاطفائية السريع أنقذ البيت، رممنا المطبخ، وعاودنا العيش في بيت الكرتون.
على باب بيت الكرتون دهس قطنا قيس، وفي حوض النعناع قمنا بدفنه، وفي التاسعة من عمري كتبت أول قصيدة رثاء:
يا قطنا الحنون عاجلتك المنون
دحرجك القدر أمام سائق مجنون
كنت سلوانا بلعبك اللطيف
وتارة كنت تركن في الحضن للسكون
مواء أختك الحبيبة لوعة وحسرة وكله شجون
مع هذا وذاك فإننا بالقدر مؤمنون
الفاتحة على روحك الغالية
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لا يمكنني تلمس المراجع التي قادتني إلى كتابة ما ظننته الشعر، أهي المدرسة، أمي، شغفي بالقراءة! لا أعرف أيضاً أية مرجعية ثقافية جعلتني وأخوتي نسمي قططنا بأسماء العشاق المشهورين، قيس وليلى، وعنتر وعبلة، وروميو وجوليت، قطط صغيرة نتعثر بها كيفما تحركنا، ونلونها بأصباغ من البودرة، نعذبها وندللها، تخرمشنا وتقبع في أحضاننا تخرخر آمنة، عدا عن الأرانب في كراج البيت، والعنزة تحت السدرة، عالم الطفولة الفسيح الرحب الذي لم ينغصه إلا منعي من اللعب في الشارع أسوة بأخي، وحرماني من ركوب الدراجة.
صفحة 8
عام 1967 حدث ما كسر إيقاع الحياة كلها، كنا قد عدنا للتو من الإجازة الصيفية، وقد تركنا شقيقي الأكبر حسين طالباً في المدرسة الداخلية في الكلية العلمية الإسلامية في عمّان، نتحمل بكائيات أمي وشوقها إليه، كما نتحمل اهتمام أبي الغامض بجهاز الراديو، ولكننا معه سمعنا أنباء تساقط المدن العربية واحتلال فلسطين، ولا أنسى يوم الجوح الذي عشناه في المدرسة نتعانق ونبكي، ونساعد المعلمات على العناية بحالات الإغماء، ثم ينهدم الحزن، ونقف في الطابور الصباحي موجوعات نفكر بتلك النكسة، ونتناقل تعليقات آباءنا، ونتحدث عن أحزان الرجال وصدمة النساء، كنا جيلاً يتحمل فوق طاقته، ويستعد لشعور الهزيمة والغربة والانكسار المهين، ساد شعور بأن الدنيا مقبلة على حرب كونية؛ حرب عالمية ثالثة، فبعد يوم من نشوب الحرب، أُغلقت قناة السويس في وجه الملاحة في العالم، قالوا لنا في المدرسة إن ذلك يعني تأهبنا للحرب، وظللنا نتحدث برعب عن تصريح وزير دفاع العدو الذي أعلن "إننا دخلنا أورشليم ونحن في طريقنا إلى بابل". لعل بابل تلك وراء الباب، شعرنا أن العدو الذي نستهين به سيجتاحنا، ولكننا كنا موقنين بقدرتنا على ردعه وهزيمته واستعادة أرضنا، ببصيص من أمل نتوازن؛ ونصدق الأناشيد والوعود بالتحرير، نحلم بزيارة القدس، ونظن إننا دخلنا مرحلة تاريخية يمكننا فيها استعادة أمجاد صلاح الدين وخالد بن الوليد، نرى إقبال آبائنا على التبرعات، وقبولهم بالإجراء الذي قامت به حكومة قطر باقتطاع نسبة من رواتبهم للكفاح المسلح، فنعقد العزم على المشاركة من دون أن نعرف كيف لنا ذلك في مثل هذا العمر! فجأة يصير المحارب والفدائي حلم الصبايا؛ بدلاً من عبد الحليم وأحمد رمزي.
القلب الصغير الذي ظل طفلاً مندهشاً حتى ابيضت ذوائب الشعر، هذا القلب، نبض عشقاً للمرة الأولى في قطر.
لم تكن اجاصة القلب قد نضجت واحلوّت، ولكنها انفطرت بضياع البلاد، لسبب خفي كانت الجغرافيا تتداخل حتى لتلغي الحدود، ونتشعلق مثل المجاذيب في أهداب الحلم العربي الكبير، في ما نسمعه في ليالي السمر من الأهل، في ما تبثه إذاعة "صوت العرب"، في ما تزعق به حناجرنا في الصباحات المدرسية، بدا أن فلسطين لا تتعلق ببقعة جغرافية حقيقية، كأنها منتشرة في كل البقاع، أنا شخصياً كنت أظن أني فقدت بلادي، تشردت، أصبحت بحكم وجود "إسرائيل"، لاجئة قذفتني الظروف على شواطئ الدوحة، لم تكن لدي حدود تفسر كوني أردنية أو فلسطينية، لم أعتقد لوهلة إن جواز السفر الأردني الذي تحمله أمي ويضيفني إليه، يحدد لي علاقتي بالأرض المحتلة، ولعل هذا إحساس كل طفل عربي آنذاك.
الواقع الأليم الجديد بكل ما خالطه من إيمان بأنه حال مؤقت واختبار لإمكانيات العروبة التي نؤمن بها كما إيماننا بالله يفرش مساحة قاتمة على طفولتي، بدوت منقطعة عن مركز الصراع، وفَوَّتُّ على نفسي التمتع العميق بما تحفل به طفولتي من فرص مغايرة ومختلفة، وضعت أحزاني في المقام الأول، وقررت صعود جلجلة المسيح.. خربشت بلغة بسيطة ما أسميته شعراً عن الوطن الضائع، ثم في صبيحة جديدة قيل لنا إن أشبال فلسطين قادمون لزيارة قطر.
كانت منظمة التحرير الوليدة تهيئ جيلاً من الأشبال لحمل مسؤولية النضال واسترجاع الحق، جاءوا في مهمة رسمية تتلخص في جمع التبرعات للمنظمة، وارتبك إيقاع حياة الأسر العربية، راحوا يهيئون للمعرض المنتظر الذي سيكون الأشبال أبطاله الصغار، صنعت النسوة الفطائر والحلويات ووزعوه في أطباق مغطاة لبيعه، وأُعدت المنشورات والملصقات والأعلام، وهُيئت مجموعة من البنات (كنت بينهن) للقيام بواجب الاستقبال في المعرض، مهمتي توزيع وردات من البلاستيك على الداخلين، إذ عز الورد الطبيعي، وأعددت لهذه المهمة السامية بتعيين مكان وقوفي، إلى جانب ارتدائي ثوباً خاصاً، جوارب"هيلا هوب" بيضاء طويلة تدخل من أصابع قدمي حتى الخصر، وفانلة قطنية بيضاء ضيقة بأكمام طويلة، كما ربط في وسطي جمع من الكشاكش البيضاء المنفوشة المصنوعة من ورق الكروشيه، كان الزي مرعباً، خاصة أني شعرت بـ"الهيلا هوب" لا يليق بي وجسدي يتمرد على الطفولة؛ فتكتنز فخداي قليلاً، أما "الفانلة" فضيقها يعيق التنفس، والأنكى أنه قد يشي بما يحاول النهدان أن يصنعاه في مفارقة الصدر طفيفاً إلى الأمام، أما الكشاكش فقد ساورني شك أنها تبرز ذلك الارتفاع الطارئ في ردفي، والذي يخجلني ويعيق تحركي بطلاقة. كل تلك المعاناة لم تلفت نظر أمي، كانت تمضي بإجراءات المعرض وأنا منها، كأنها مهمة مقدسة. في يوم الافتتاح اصطففنا نحيي الداخلين، ثم فجأة؛ رأيته. دخل الأشبال في خطوات واثقة محيين الجماهير تحية عسكرية، ارتفع صوت التصفيق، وسادت النشوة، لكن عيوني لم تفارق الفتى الأسمر الذي يتقدم بوجه جاد وابتسامة خفية، إنه أجمل من أن يكون حقيقياً، بثيابه المرقطة كأنه قادم من فلسطين للتو.
نثرت ورداً كثيراً يومها وأرجفت في الكلام، وغادرت موقعي مرات وأنا أترصد حركته بين الجموع، وأتلصص على كلماته وكل حديث يخصه، علق اسمه الحركي في القلب بللاً يروي بتلة زهر تتفتح.. جيفارا... أعرف أنه ليس الاسم الذي أسماه إياه أبواه، ولكنه الاسم الذي اختارته الثورة، ولا يجدر بي عشق اسم سواه، كل شيء يهتز كما هديل الحمام. وأنا؛ أحب، القلب الطفل الجاهل البكر؛ يحب.. أحب جيفارا.
في الأيام التالية تمردت على ثوب البجعة الكريه، خفت أن يثير الثوب سخرية أحدهم، ارتديت فساتين تجعلني أبدو أكبر، تصرفت مثل معتوهة حين وقف قربي يجمع التبرعات، فخلعت سلسلتي الذهبية ووضعتها في صندوقه،كأني أُلحقها بالقلب الذي فر وخر عند شفتيه.
مساءً؛ أنبتني أمي على التفريط بالسلسلة، قالت إن عائلتنا تبرعت بما يفوق قدرتنا، وإن فعلتي سفه أعاقب عليه، خاصة إني لم أستشرها، كانت لأمي طرائق فريدة في إظهار كرمها عندما تقتنع، وفي الحرص والتقنين عندما تتشكك، لكني لم أتوقف كثيراً عند غضبتها، فأنا عاشقة صغيرة لاهية في ملكوت الشعور الوليد الماتع الذي يذيب الروح. ذلك المشهد الذي علق في الذاكرة انبعث ليكون مشهداً في روايتي "دفاتر الطوفان" حين تتبرع البنت الصغيرة بأساورها للثوار.
حلمت أن جيفارا يجتاز النهر ليقوم بعملية فدائية ضد المحتلين، وإنه يعود شهيداً، فأبكيه ويكتشف العالم أني حبيبة الشهيد، أحببت أن أكون حبيبة الشهيد، ولكني لم أقو على النظر للفتى في عينيه، ناهيك عن محادثته أو الإفصاح عن حرائق القلب لأي كائن على وجه الأرض، وانتهت ليالي المعرض وسافر جمع الأشبال.
القلب الصغير الذي ظل طفلاً مندهشاً حتى ابيضت ذوائب الشعر، هذا القلب، نبض عشقاً للمرة الأولى في قطر.
لم تكن اجاصة القلب قد نضجت واحلوّت، ولكنها انفطرت بضياع البلاد، لسبب خفي كانت الجغرافيا تتداخل حتى لتلغي الحدود، ونتشعلق مثل المجاذيب في أهداب الحلم العربي الكبير، في ما نسمعه في ليالي السمر من الأهل، في ما تبثه إذاعة "صوت العرب"، في ما تزعق به حناجرنا في الصباحات المدرسية، بدا أن فلسطين لا تتعلق ببقعة جغرافية حقيقية، كأنها منتشرة في كل البقاع، أنا شخصياً كنت أظن أني فقدت بلادي، تشردت، أصبحت بحكم وجود "إسرائيل"، لاجئة قذفتني الظروف على شواطئ الدوحة، لم تكن لدي حدود تفسر كوني أردنية أو فلسطينية، لم أعتقد لوهلة إن جواز السفر الأردني الذي تحمله أمي ويضيفني إليه، يحدد لي علاقتي بالأرض المحتلة، ولعل هذا إحساس كل طفل عربي آنذاك.
الواقع الأليم الجديد بكل ما خالطه من إيمان بأنه حال مؤقت واختبار لإمكانيات العروبة التي نؤمن بها كما إيماننا بالله يفرش مساحة قاتمة على طفولتي، بدوت منقطعة عن مركز الصراع، وفَوَّتُّ على نفسي التمتع العميق بما تحفل به طفولتي من فرص مغايرة ومختلفة، وضعت أحزاني في المقام الأول، وقررت صعود جلجلة المسيح.. خربشت بلغة بسيطة ما أسميته شعراً عن الوطن الضائع، ثم في صبيحة جديدة قيل لنا إن أشبال فلسطين قادمون لزيارة قطر.
كانت منظمة التحرير الوليدة تهيئ جيلاً من الأشبال لحمل مسؤولية النضال واسترجاع الحق، جاءوا في مهمة رسمية تتلخص في جمع التبرعات للمنظمة، وارتبك إيقاع حياة الأسر العربية، راحوا يهيئون للمعرض المنتظر الذي سيكون الأشبال أبطاله الصغار، صنعت النسوة الفطائر والحلويات ووزعوه في أطباق مغطاة لبيعه، وأُعدت المنشورات والملصقات والأعلام، وهُيئت مجموعة من البنات (كنت بينهن) للقيام بواجب الاستقبال في المعرض، مهمتي توزيع وردات من البلاستيك على الداخلين، إذ عز الورد الطبيعي، وأعددت لهذه المهمة السامية بتعيين مكان وقوفي، إلى جانب ارتدائي ثوباً خاصاً، جوارب"هيلا هوب" بيضاء طويلة تدخل من أصابع قدمي حتى الخصر، وفانلة قطنية بيضاء ضيقة بأكمام طويلة، كما ربط في وسطي جمع من الكشاكش البيضاء المنفوشة المصنوعة من ورق الكروشيه، كان الزي مرعباً، خاصة أني شعرت بـ"الهيلا هوب" لا يليق بي وجسدي يتمرد على الطفولة؛ فتكتنز فخداي قليلاً، أما "الفانلة" فضيقها يعيق التنفس، والأنكى أنه قد يشي بما يحاول النهدان أن يصنعاه في مفارقة الصدر طفيفاً إلى الأمام، أما الكشاكش فقد ساورني شك أنها تبرز ذلك الارتفاع الطارئ في ردفي، والذي يخجلني ويعيق تحركي بطلاقة. كل تلك المعاناة لم تلفت نظر أمي، كانت تمضي بإجراءات المعرض وأنا منها، كأنها مهمة مقدسة. في يوم الافتتاح اصطففنا نحيي الداخلين، ثم فجأة؛ رأيته. دخل الأشبال في خطوات واثقة محيين الجماهير تحية عسكرية، ارتفع صوت التصفيق، وسادت النشوة، لكن عيوني لم تفارق الفتى الأسمر الذي يتقدم بوجه جاد وابتسامة خفية، إنه أجمل من أن يكون حقيقياً، بثيابه المرقطة كأنه قادم من فلسطين للتو.
نثرت ورداً كثيراً يومها وأرجفت في الكلام، وغادرت موقعي مرات وأنا أترصد حركته بين الجموع، وأتلصص على كلماته وكل حديث يخصه، علق اسمه الحركي في القلب بللاً يروي بتلة زهر تتفتح.. جيفارا... أعرف أنه ليس الاسم الذي أسماه إياه أبواه، ولكنه الاسم الذي اختارته الثورة، ولا يجدر بي عشق اسم سواه، كل شيء يهتز كما هديل الحمام. وأنا؛ أحب، القلب الطفل الجاهل البكر؛ يحب.. أحب جيفارا.
في الأيام التالية تمردت على ثوب البجعة الكريه، خفت أن يثير الثوب سخرية أحدهم، ارتديت فساتين تجعلني أبدو أكبر، تصرفت مثل معتوهة حين وقف قربي يجمع التبرعات، فخلعت سلسلتي الذهبية ووضعتها في صندوقه،كأني أُلحقها بالقلب الذي فر وخر عند شفتيه.
مساءً؛ أنبتني أمي على التفريط بالسلسلة، قالت إن عائلتنا تبرعت بما يفوق قدرتنا، وإن فعلتي سفه أعاقب عليه، خاصة إني لم أستشرها، كانت لأمي طرائق فريدة في إظهار كرمها عندما تقتنع، وفي الحرص والتقنين عندما تتشكك، لكني لم أتوقف كثيراً عند غضبتها، فأنا عاشقة صغيرة لاهية في ملكوت الشعور الوليد الماتع الذي يذيب الروح. ذلك المشهد الذي علق في الذاكرة انبعث ليكون مشهداً في روايتي "دفاتر الطوفان" حين تتبرع البنت الصغيرة بأساورها للثوار.
حلمت أن جيفارا يجتاز النهر ليقوم بعملية فدائية ضد المحتلين، وإنه يعود شهيداً، فأبكيه ويكتشف العالم أني حبيبة الشهيد، أحببت أن أكون حبيبة الشهيد، ولكني لم أقو على النظر للفتى في عينيه، ناهيك عن محادثته أو الإفصاح عن حرائق القلب لأي كائن على وجه الأرض، وانتهت ليالي المعرض وسافر جمع الأشبال.
صفحة 9
ضعت، فكرت مرات ومرات أن علي انتظار الإجازة الصيفية للذهاب إلى عمّان، وهناك سأهرب إلى مراكز تدريب الأشبال، سألتحق بالثورة الفلسطينية، وقد يكون حظي كبيراً، فتجمعني وجيفارا وحدة واحدة. حكاية خرافية تفوق حكاية قيس وليلى.
بعد أيام وصلتنا من الرياض صحيفة كتبت عن جولة الأشبال في الخليج خبراً موسعاً، كانت الصورة المرفقة بالخبر أهم منه؛ جيفارا يقف بقبعته باسماً ناظراً إلى الأعلى، واسمه الحركي مطبوعاً على الصورة، يكاد يغمى علي وأنا أقص الأطراف بحرص، أدس الصورة في كتابي، ثم أصنع لها جيباُ خاصاً من الكرتون حتى لا تنثني ولا تفسد، وأضعها تحت المخدة، أنام فوقها؛ أسفح دمع العشق الأول اشتياقاً واحتراقاً لمجهول، وتقوم الطامة في بيتنا حين تشاء الصدفة أن يعثر أخي على الصورة ترقد تحت الوسادة، ضربني أخي؛ متهماً إياي بجرم وضع صورة لولد في فراشي، ولما كنت في مثل عنفه، فقد صرخت وقاومت، وأحيل الأمر إلى أبي، صاح أخي: صورة ولد تحت المخدة..
تناول أبي الصورة وأمعن النظر فيها، نظر إليّ: هذه من جريدة!
ثم إلى أخي: لا تتدخل في ما لا يعنيك.. صورة أعجبتها.. عندها ذوق.. جيفارا مرة واحدة!
ذهب جيفارا.. ظننت إنه قد يعاودني في النشرات الإخبارية عن شهداء العمليات الفدائية، ونسيت الالتحاق بالثورة في عطلة الصيف، ولكني راجعت نفسي كثيراً حول موقف أبي الضاحك الذي شابته سخرية مرحة. عبر ملاحظته العابرة أردت أن أعرف ماذا يعني اسم جيفارا.. سألت في المدرسة وبحثت في الصحف، وتابعت نشرات الأخبار وأحاديث الرجال، كانوا يقفزون عن محبوبي الصغير ليتحدثوا عن قامة أرجنتينية عالمية، ولما لم أكن أعرف أين تقع أميركا اللاتينية تلك، فقد ظننتها ضيعة من ضيع فلسطين، وجيفارا الكبير الذي وهب الشبل اسمه منها؛ اندلق أمامي سيل من فتنة حول البطولة والرجولة والكرامة والنضال، جيفارا.. الحب الأول.. الذي ما زلت أبحث عنه في كل وجه بلا جدوى.. كبلني جيفارا الهائل بوسامته وسيرته وتاريخه بمقاييس لا سبيل إلى تحقيقها، وكلما تقدم بي العمر؛ وقرأت أكثر عن المناضل وما له من كتابات إبداعية وفكرية، ازددت قناعة أن النبض الأول للقلب لم يخطئ الدرب، وعرفت كم ظلمت هذه المقاييس الرجال الحقيقيين الذين التقيت بهم.
في تلك الآونة؛ جمعنا صوراً لجيفارا اللاتيني، وزينا كتبنا المدرسية... ولم أكن عاشقة أنانية، فقد وزعت بنفسي صوره على الزميلات، وإن كنت أضعت الصورة المقصوصة من صحيفة لطفل فلسطيني سمي جيفارا.
كانت الدوحة الصغيرة الوادعة تحتمل الجراح العربية الكثيرة، والتيارات الفكرية المتباينة التي اشتد بروزها مع عام النكسة وما تلاها، انتقلت الانقسامات العربية إلى ساحتها المتواضعة، صار من الممكن أن تشهدها في الزيارات العائلية، مناوشات وخلافات وجدل مستمر يقلب الحال على وجوهه كافة، لكن الإبقاء على الثوابت، وعدم التشكك بالحق كان الخط الأحمر، أو الميزان الذي تقف عنده المناقشات وتجمع عليه الآراء.
أصدقاء من آل السعدي، زوجان شابان لم يرزقا بالأطفال، وطال انتظارهما، ثم فجأة أعلنت الزوجة السمراء الحسناء أنها حبلى، واندفعت متشوقة للتجهيز لاستقبال المولود، إلا أن زوجها كان مرتبطاً بالتزاماته السياسية؛ لا يتمكن من إسعافها بالنقود، ويفضل التبرع براتبه على أن يحضر لمولوده جهازه من ألبسة واحتياجات، الأصدقاء المشتعلون حماسةً لاموا الزوجة على أنانيتها، واتهموها بقصور في الشعور الوطني، ولكنها تنمرت فجأة؛ عندما أُعلن عن زيارة لرئيس منظمة التحرير التي نشأت مؤخراً، إلى الدوحة، لم يسبق للناس أن تأهبوا باهتمام كما فعلوا عند زيارة أحمد الشقيري، وجاء الرجل الذي كان للمصادفة زوج عمة الحسناء الحبلى، وتدفقت التبرعات من كل صوب وحدب، أما هي فقد غزلت فخها بهدوء؛ قالت له أمام جمع من الناس، إنها عاتبة لأنه لم يتذكرها بخاتم ماسي كما فعل مع كل بنات العائلة عندما عاد من أفريقيا.
لم يفطن الشقيري لمرادها، ووعد أن يصلها الخاتم المتمنى، فنظرت إلى زوجها تشهده على مواقع صرف الأموال التي يتبرع بها.
اشترى السعدي حاجيات الطفل المنتظر، وحملتُ في أعماقي هم اكتشاف مبكر لخلل أخلاقي يعترى مسيرة النضال العربي، بت أكثر قدرة على سماع الآراء المختلفة، أغلب رأياً على آخر بسهولة، وإن هز هذا قناعتي بالثوابت، وجعلني أشعر أن تحت كل شعار غاية تفتقر إلى البراءة والإخلاص، ووراء كل اندفاع مصلحة خفية، وإني معنية بفهم الأسباب كافة قبل إصدار الأحكام أو قبول المعلن، لا أنكر أن ذلك الشعور بات يسيء إلى نظرتي البريئة إلى العالم، أسمع الخطب النارية من صوت العرب، كما أسمع إذاعة لندن، وأربي العقل على ذلك البون الشاسع من التسييس المخيف، خاصة وقطر تحتضن التيارات المتناقضة، وتجمعهم مجدداً تحت عنوان العلاقات الاجتماعية في مدينة صغيرة يعرف ساكنوها بعضهم بعضاً، وتنتصر كل جالية لأفرادها، ظالمين أو مظلومين.
أتذكر في هذا المجال وقوع أحد الأردنيين في مأزق، حين اكتشف أمر اختلاسه لمؤسسته، وراج رأي في تطويفه على حمار وإعلان جرمه، كيف اجتمع أبي والأردنيون، وتحدثوا إن مثل هذا الإجراء يسيء إليهم عامة، وقد شكلوا جماعة قامت بزيارة الحاكم أحمد آل ثاني، واستسماحه في أن يُسَفَّر المختلس بهدوء، دون تطويف، إكراماً لبقية الجالية، وقد كان لهم ذلك. ولعل القطريين كانوا يتعاملون مع الأردنيين بفطرة سليمة ومحبة رقيقة، وهذا طبع كريم في الإنسان القطري قياساً بمواطني الدول الغنية، التي تتعامل مع الوافدين كعمال أُجَراء.
بعد أيام وصلتنا من الرياض صحيفة كتبت عن جولة الأشبال في الخليج خبراً موسعاً، كانت الصورة المرفقة بالخبر أهم منه؛ جيفارا يقف بقبعته باسماً ناظراً إلى الأعلى، واسمه الحركي مطبوعاً على الصورة، يكاد يغمى علي وأنا أقص الأطراف بحرص، أدس الصورة في كتابي، ثم أصنع لها جيباُ خاصاً من الكرتون حتى لا تنثني ولا تفسد، وأضعها تحت المخدة، أنام فوقها؛ أسفح دمع العشق الأول اشتياقاً واحتراقاً لمجهول، وتقوم الطامة في بيتنا حين تشاء الصدفة أن يعثر أخي على الصورة ترقد تحت الوسادة، ضربني أخي؛ متهماً إياي بجرم وضع صورة لولد في فراشي، ولما كنت في مثل عنفه، فقد صرخت وقاومت، وأحيل الأمر إلى أبي، صاح أخي: صورة ولد تحت المخدة..
تناول أبي الصورة وأمعن النظر فيها، نظر إليّ: هذه من جريدة!
ثم إلى أخي: لا تتدخل في ما لا يعنيك.. صورة أعجبتها.. عندها ذوق.. جيفارا مرة واحدة!
ذهب جيفارا.. ظننت إنه قد يعاودني في النشرات الإخبارية عن شهداء العمليات الفدائية، ونسيت الالتحاق بالثورة في عطلة الصيف، ولكني راجعت نفسي كثيراً حول موقف أبي الضاحك الذي شابته سخرية مرحة. عبر ملاحظته العابرة أردت أن أعرف ماذا يعني اسم جيفارا.. سألت في المدرسة وبحثت في الصحف، وتابعت نشرات الأخبار وأحاديث الرجال، كانوا يقفزون عن محبوبي الصغير ليتحدثوا عن قامة أرجنتينية عالمية، ولما لم أكن أعرف أين تقع أميركا اللاتينية تلك، فقد ظننتها ضيعة من ضيع فلسطين، وجيفارا الكبير الذي وهب الشبل اسمه منها؛ اندلق أمامي سيل من فتنة حول البطولة والرجولة والكرامة والنضال، جيفارا.. الحب الأول.. الذي ما زلت أبحث عنه في كل وجه بلا جدوى.. كبلني جيفارا الهائل بوسامته وسيرته وتاريخه بمقاييس لا سبيل إلى تحقيقها، وكلما تقدم بي العمر؛ وقرأت أكثر عن المناضل وما له من كتابات إبداعية وفكرية، ازددت قناعة أن النبض الأول للقلب لم يخطئ الدرب، وعرفت كم ظلمت هذه المقاييس الرجال الحقيقيين الذين التقيت بهم.
في تلك الآونة؛ جمعنا صوراً لجيفارا اللاتيني، وزينا كتبنا المدرسية... ولم أكن عاشقة أنانية، فقد وزعت بنفسي صوره على الزميلات، وإن كنت أضعت الصورة المقصوصة من صحيفة لطفل فلسطيني سمي جيفارا.
كانت الدوحة الصغيرة الوادعة تحتمل الجراح العربية الكثيرة، والتيارات الفكرية المتباينة التي اشتد بروزها مع عام النكسة وما تلاها، انتقلت الانقسامات العربية إلى ساحتها المتواضعة، صار من الممكن أن تشهدها في الزيارات العائلية، مناوشات وخلافات وجدل مستمر يقلب الحال على وجوهه كافة، لكن الإبقاء على الثوابت، وعدم التشكك بالحق كان الخط الأحمر، أو الميزان الذي تقف عنده المناقشات وتجمع عليه الآراء.
أصدقاء من آل السعدي، زوجان شابان لم يرزقا بالأطفال، وطال انتظارهما، ثم فجأة أعلنت الزوجة السمراء الحسناء أنها حبلى، واندفعت متشوقة للتجهيز لاستقبال المولود، إلا أن زوجها كان مرتبطاً بالتزاماته السياسية؛ لا يتمكن من إسعافها بالنقود، ويفضل التبرع براتبه على أن يحضر لمولوده جهازه من ألبسة واحتياجات، الأصدقاء المشتعلون حماسةً لاموا الزوجة على أنانيتها، واتهموها بقصور في الشعور الوطني، ولكنها تنمرت فجأة؛ عندما أُعلن عن زيارة لرئيس منظمة التحرير التي نشأت مؤخراً، إلى الدوحة، لم يسبق للناس أن تأهبوا باهتمام كما فعلوا عند زيارة أحمد الشقيري، وجاء الرجل الذي كان للمصادفة زوج عمة الحسناء الحبلى، وتدفقت التبرعات من كل صوب وحدب، أما هي فقد غزلت فخها بهدوء؛ قالت له أمام جمع من الناس، إنها عاتبة لأنه لم يتذكرها بخاتم ماسي كما فعل مع كل بنات العائلة عندما عاد من أفريقيا.
لم يفطن الشقيري لمرادها، ووعد أن يصلها الخاتم المتمنى، فنظرت إلى زوجها تشهده على مواقع صرف الأموال التي يتبرع بها.
اشترى السعدي حاجيات الطفل المنتظر، وحملتُ في أعماقي هم اكتشاف مبكر لخلل أخلاقي يعترى مسيرة النضال العربي، بت أكثر قدرة على سماع الآراء المختلفة، أغلب رأياً على آخر بسهولة، وإن هز هذا قناعتي بالثوابت، وجعلني أشعر أن تحت كل شعار غاية تفتقر إلى البراءة والإخلاص، ووراء كل اندفاع مصلحة خفية، وإني معنية بفهم الأسباب كافة قبل إصدار الأحكام أو قبول المعلن، لا أنكر أن ذلك الشعور بات يسيء إلى نظرتي البريئة إلى العالم، أسمع الخطب النارية من صوت العرب، كما أسمع إذاعة لندن، وأربي العقل على ذلك البون الشاسع من التسييس المخيف، خاصة وقطر تحتضن التيارات المتناقضة، وتجمعهم مجدداً تحت عنوان العلاقات الاجتماعية في مدينة صغيرة يعرف ساكنوها بعضهم بعضاً، وتنتصر كل جالية لأفرادها، ظالمين أو مظلومين.
أتذكر في هذا المجال وقوع أحد الأردنيين في مأزق، حين اكتشف أمر اختلاسه لمؤسسته، وراج رأي في تطويفه على حمار وإعلان جرمه، كيف اجتمع أبي والأردنيون، وتحدثوا إن مثل هذا الإجراء يسيء إليهم عامة، وقد شكلوا جماعة قامت بزيارة الحاكم أحمد آل ثاني، واستسماحه في أن يُسَفَّر المختلس بهدوء، دون تطويف، إكراماً لبقية الجالية، وقد كان لهم ذلك. ولعل القطريين كانوا يتعاملون مع الأردنيين بفطرة سليمة ومحبة رقيقة، وهذا طبع كريم في الإنسان القطري قياساً بمواطني الدول الغنية، التي تتعامل مع الوافدين كعمال أُجَراء.
صفحة 10
حتى أمي ربة المنزل، انضمت إلى جانب الدفاع المستميت عن الهوية الأردنية، فبعد انقشاع غمة المختلس، تعمد المندوب البريطاني السامي "كوكرن" في حفل استقبال أقيم في نادي "البيكون" أن يقول بين جمع من الحاضرين مازحاً: تلك بلاد كريمة، ولكنها منهوبة، والغريب إن الذين يسرقونها دائماً تبدأ أسمائهم بحرف الباء. مشيراً بذلك إلى أسماء عائلات الأردني وآخَرَين أحدهما طبيب لبناني مشهور، اتهما باختلاسات وسرقات، وتشاركوا جميعاً بهذا الحرف.
غضبت أمي للتلميح الوقح، وردت قائلة: إن لتلك البلاد سحراً آخر، فهي بلاد تهدي الإنسان إلى الإيمان، أو ربما تجمع الكاذبين ممن يدعون الإسلام لتحقيق غايات الاستعمار، والغريب إنهم يشتركون بحرف الكاف.
نظر إليها كوكرن متعجباً، وكان ممن يدعون الإسلام، فقال: لعلك تقصدينيي! ولكن من الآخرين الذين عنيت؟
قالت بمكر: كلهم بريطانيون يا سيدي، أنت، وكلوب باشا، وكركبرايد، وكتشنر وكرومر.
هتف متعجباً: من أين تعرفين هؤلاء؟
ردت بهدوء: من لا يعرف هؤلاء!
اكتفى كوكرن بهز رأسه والابتسام هامساً لأبي: الله يكون بعونك على هذه الزوجة.
عددت أمي أسماء قادة عسكريين وسياسين مستعمرين ساهموا في حكم البلاد العربية، وذكرت بينهم مندوبيّ بريطانيا في الأردن، كلوب المندوب السامي، وكركبرايد القائد العسكري قبل الاستقلال، وقد روج كلاهما إشاعة حول اسلامهما رغبة في الانخراط في المجتمع، أو واقعاً حقيقياً، الله أعلم.
كان الحضور الإنجليزي في الدوحة ذكياً ومحسوباً، تراهم في النادي المخصص لهم، وربما في آبار البترول، لا يكثرون الظهور في القصر، أو الأماكن العامة، أو حلقات الرقص الشعبي في الشارع المسماة "الرزيف"، وتكاد آثارهم على المجتمع تنحصر في استخدام القطريين بعض المفردات العابرة مثل الليت "light "عن الضوء، والكبرد ""cupboard عن الخزانة، والجلاس "glass"عن الكأس، وذلك يشبه استخدام الألفاظ الفارسية الناتج عن الاحتكاك مثل تعبير الزولية دلالة السجادة، بالصدفة وقفت على فصل من فصول استزاف الإنجليز للثروات باسم الانتداب.
كان لوالدي صديق مصري، يعمل مهندس بترول، ويقيم في مدينة "دخان" البعيدة عن الدوحة، يقطن وزوجته في بيت كرتوني شبيه ببيتنا هناك، ولما كانت المدينة خاوية إلا من العاملين في حقل البترول، فإن تلك العائلة تتردد على الدوحة كثيراً، فيحملون لنا الهدايا، وتقوم المرأة بالتحديد بتدليلي وإغداق محبة خاصة عليّ. لم يرزق الزوجان بالأولاد، وهذا ما جعل المرأة تتوسل لأمي في بعض العطلات لاصطحابي إلى "دخان" ومبيتي معهما. الغريب إن أمي الحذرة التي ترفض بياتي في منازل الأعمام والأخوال؛ وافقت على سفري مع العائلة المصرية. في بيتهم، حظيت بألعاب كثيرة، ومشطت المرأة شعري في استمتاع، وحكت القصص على سرير النوم، لعبت دور الأم بجدارة وهي تذرف الدمع وتغني لي. تعلقتُ بتلك العائلة، إلى أن كان يوم جاء الرجل وزوجته إلى الدوحة وهما يحملان حقائبهما، مرا ببيتنا في الساعات القليلة الفاصلة لترحيلهما عن البلاد، وسمعت الرجل يخبر أبي باكتشافه خللاً في عداد الباخرة الذي يحصي ما يضخ من النفط المنقول من بئر البترول إلى الباخرة الإنجليزية، وإن ذلك بدا أشبه بالسرقة العلنية التي يعلم بها معظم المهندسين في الموقع، وأتذكر أن أبي نصحه بعدم التورط في كشف الأمر بمفرده، إذ لم يعتقد أن ما يحدث أمر سري وخفي عن أولي الأمر، لكن شعور صديقنا المهندس المصري بالمسؤولية والولاء للبلد الذي يأكل من خيره؛ دفعاه إلى رفع شكوى بذلك عند أصحاب القرار، فكان القرار أن صدر أمر فوري بترحيله.
مثل ذلك الأمر وقر في ذهني هيمنة استعمارية شديدة الخطورة، لا دور فيها للعربي إلا كعامل يقوم بوظيفته صامتاً، أو مترجم يُسهل فهم اللغة بين طرفين يتحدثان بلغتين متغايرتين. انتهى الانتداب البريطاني لقطر عام 1970 وفق معاهدة رسمية رحل بموجبها الإنجليز كطاقم إداري، وإن كنت أرجح إنهم ظلوا باقين وجوداً اقتصادياً مسيطراً عبر شركة عالمية يمكن رؤية شعارها في الشوارع وعلى باب النادي. الصَّدَفة الذهبية أيقونة شركة "شل" العالمية للبترول.
اليمين واليسار، الرجعية والتقدمية، الملكيون والجمهوريون، الفدائيون والمسالمون، المغضوب عليهم من حكوماتهم، الأصوليون ولم تَنْمُ مخالبهم بعد، والاشتراكيون ولم تنكص أحلامهم وتفشل رهاناتهم بعد، العالم كله في تلك البقعة الصغيرة، لا خلل ولا ارتباكات ولا اشتباكات، بل إن الأواصر الاجتماعية تكاد تذيب الفروق، ولكن الدوحة الناشئة محط أنظار العالم، الجميع متوافق على ضمها إلى معسكره السياسي، فهي البكر التي تتعامل مع التيارات السياسية بعفوية، وهي موقع القدم الخطير على خاصرة الخليج العربي الذي سيصير حلبة للصراع في ما بعد.
ارتدت الدوحة حلة قشيبة انتظاراً لزيارة الملك الأردني الحسين بن طلال، أنا شخصياً حظيت بفستان جديد، وحملت في يدي باقة أزهار منمقة، ووقفت مع فتيات أخريات في المطار لنستقبل الملك. أُنير شارع الكهرباء بالكامل، وزُرع منتصفه بالأشجار التي ظهرت في يوم وليلة، عدا الأزهار المتفتحة في الساحات، وأقواس النصر التي ترحب بالملك من الجالية الأردنية أو جهات قطرية. كانت الزيارة في إطار زيارات مكوكية يقوم بها الملك، لكنها بالنسبة لقطر تحمل إشارة إلى تحالف خفي، خاصة إن هناك تخوفاً بريطانياً من الهيمنة الإعلامية التي تتمتع بها وسائل الإعلام المصرية بنظامها اليساري الناصري؛ الذي لا ترغب بريطانيا أن تترك له موطئ قدم في الخليج. الزينة التي أقيمت مع وصول الملك أُزيلت في اليوم التالي، وقام الناس بنقل الأشجار إلى حدائقهم، ومحت الشمس الحادة حبر لافتات الترحيب، لكن التحالف الأردني القطري واصل تقدمه.
يمكننا في الدوحة التقاط إذاعة صوت العرب، كما لا نخلو من معجبين بجمال عبد الناصر، وبيننا بعض المطرودين من رحمته، مثال الإعلامي المصري الشهير محمود الشريف الذي ذهب إلى عمّان في ما بعد وأسس صحيفة الدستور الأردنية، لكن جل انتباهنا لصوت العرب في تلك السن الشائكة الخطرة، على الأقل بالنسبة لي؛ كان في سماع أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، ومسلسل "الحب الضائع".
غضبت أمي للتلميح الوقح، وردت قائلة: إن لتلك البلاد سحراً آخر، فهي بلاد تهدي الإنسان إلى الإيمان، أو ربما تجمع الكاذبين ممن يدعون الإسلام لتحقيق غايات الاستعمار، والغريب إنهم يشتركون بحرف الكاف.
نظر إليها كوكرن متعجباً، وكان ممن يدعون الإسلام، فقال: لعلك تقصدينيي! ولكن من الآخرين الذين عنيت؟
قالت بمكر: كلهم بريطانيون يا سيدي، أنت، وكلوب باشا، وكركبرايد، وكتشنر وكرومر.
هتف متعجباً: من أين تعرفين هؤلاء؟
ردت بهدوء: من لا يعرف هؤلاء!
اكتفى كوكرن بهز رأسه والابتسام هامساً لأبي: الله يكون بعونك على هذه الزوجة.
عددت أمي أسماء قادة عسكريين وسياسين مستعمرين ساهموا في حكم البلاد العربية، وذكرت بينهم مندوبيّ بريطانيا في الأردن، كلوب المندوب السامي، وكركبرايد القائد العسكري قبل الاستقلال، وقد روج كلاهما إشاعة حول اسلامهما رغبة في الانخراط في المجتمع، أو واقعاً حقيقياً، الله أعلم.
كان الحضور الإنجليزي في الدوحة ذكياً ومحسوباً، تراهم في النادي المخصص لهم، وربما في آبار البترول، لا يكثرون الظهور في القصر، أو الأماكن العامة، أو حلقات الرقص الشعبي في الشارع المسماة "الرزيف"، وتكاد آثارهم على المجتمع تنحصر في استخدام القطريين بعض المفردات العابرة مثل الليت "light "عن الضوء، والكبرد ""cupboard عن الخزانة، والجلاس "glass"عن الكأس، وذلك يشبه استخدام الألفاظ الفارسية الناتج عن الاحتكاك مثل تعبير الزولية دلالة السجادة، بالصدفة وقفت على فصل من فصول استزاف الإنجليز للثروات باسم الانتداب.
كان لوالدي صديق مصري، يعمل مهندس بترول، ويقيم في مدينة "دخان" البعيدة عن الدوحة، يقطن وزوجته في بيت كرتوني شبيه ببيتنا هناك، ولما كانت المدينة خاوية إلا من العاملين في حقل البترول، فإن تلك العائلة تتردد على الدوحة كثيراً، فيحملون لنا الهدايا، وتقوم المرأة بالتحديد بتدليلي وإغداق محبة خاصة عليّ. لم يرزق الزوجان بالأولاد، وهذا ما جعل المرأة تتوسل لأمي في بعض العطلات لاصطحابي إلى "دخان" ومبيتي معهما. الغريب إن أمي الحذرة التي ترفض بياتي في منازل الأعمام والأخوال؛ وافقت على سفري مع العائلة المصرية. في بيتهم، حظيت بألعاب كثيرة، ومشطت المرأة شعري في استمتاع، وحكت القصص على سرير النوم، لعبت دور الأم بجدارة وهي تذرف الدمع وتغني لي. تعلقتُ بتلك العائلة، إلى أن كان يوم جاء الرجل وزوجته إلى الدوحة وهما يحملان حقائبهما، مرا ببيتنا في الساعات القليلة الفاصلة لترحيلهما عن البلاد، وسمعت الرجل يخبر أبي باكتشافه خللاً في عداد الباخرة الذي يحصي ما يضخ من النفط المنقول من بئر البترول إلى الباخرة الإنجليزية، وإن ذلك بدا أشبه بالسرقة العلنية التي يعلم بها معظم المهندسين في الموقع، وأتذكر أن أبي نصحه بعدم التورط في كشف الأمر بمفرده، إذ لم يعتقد أن ما يحدث أمر سري وخفي عن أولي الأمر، لكن شعور صديقنا المهندس المصري بالمسؤولية والولاء للبلد الذي يأكل من خيره؛ دفعاه إلى رفع شكوى بذلك عند أصحاب القرار، فكان القرار أن صدر أمر فوري بترحيله.
مثل ذلك الأمر وقر في ذهني هيمنة استعمارية شديدة الخطورة، لا دور فيها للعربي إلا كعامل يقوم بوظيفته صامتاً، أو مترجم يُسهل فهم اللغة بين طرفين يتحدثان بلغتين متغايرتين. انتهى الانتداب البريطاني لقطر عام 1970 وفق معاهدة رسمية رحل بموجبها الإنجليز كطاقم إداري، وإن كنت أرجح إنهم ظلوا باقين وجوداً اقتصادياً مسيطراً عبر شركة عالمية يمكن رؤية شعارها في الشوارع وعلى باب النادي. الصَّدَفة الذهبية أيقونة شركة "شل" العالمية للبترول.
اليمين واليسار، الرجعية والتقدمية، الملكيون والجمهوريون، الفدائيون والمسالمون، المغضوب عليهم من حكوماتهم، الأصوليون ولم تَنْمُ مخالبهم بعد، والاشتراكيون ولم تنكص أحلامهم وتفشل رهاناتهم بعد، العالم كله في تلك البقعة الصغيرة، لا خلل ولا ارتباكات ولا اشتباكات، بل إن الأواصر الاجتماعية تكاد تذيب الفروق، ولكن الدوحة الناشئة محط أنظار العالم، الجميع متوافق على ضمها إلى معسكره السياسي، فهي البكر التي تتعامل مع التيارات السياسية بعفوية، وهي موقع القدم الخطير على خاصرة الخليج العربي الذي سيصير حلبة للصراع في ما بعد.
ارتدت الدوحة حلة قشيبة انتظاراً لزيارة الملك الأردني الحسين بن طلال، أنا شخصياً حظيت بفستان جديد، وحملت في يدي باقة أزهار منمقة، ووقفت مع فتيات أخريات في المطار لنستقبل الملك. أُنير شارع الكهرباء بالكامل، وزُرع منتصفه بالأشجار التي ظهرت في يوم وليلة، عدا الأزهار المتفتحة في الساحات، وأقواس النصر التي ترحب بالملك من الجالية الأردنية أو جهات قطرية. كانت الزيارة في إطار زيارات مكوكية يقوم بها الملك، لكنها بالنسبة لقطر تحمل إشارة إلى تحالف خفي، خاصة إن هناك تخوفاً بريطانياً من الهيمنة الإعلامية التي تتمتع بها وسائل الإعلام المصرية بنظامها اليساري الناصري؛ الذي لا ترغب بريطانيا أن تترك له موطئ قدم في الخليج. الزينة التي أقيمت مع وصول الملك أُزيلت في اليوم التالي، وقام الناس بنقل الأشجار إلى حدائقهم، ومحت الشمس الحادة حبر لافتات الترحيب، لكن التحالف الأردني القطري واصل تقدمه.
يمكننا في الدوحة التقاط إذاعة صوت العرب، كما لا نخلو من معجبين بجمال عبد الناصر، وبيننا بعض المطرودين من رحمته، مثال الإعلامي المصري الشهير محمود الشريف الذي ذهب إلى عمّان في ما بعد وأسس صحيفة الدستور الأردنية، لكن جل انتباهنا لصوت العرب في تلك السن الشائكة الخطرة، على الأقل بالنسبة لي؛ كان في سماع أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، ومسلسل "الحب الضائع".