eKtab
EN ع
على صليب الإبداع
اقرأ عينة مجانية

على صليب الإبداع

بقلم زينب علي البحراني

صفحة 1

إهـداء عـام

إلى كُلِّ مُبدِعٍ

شاركني رِحلةَ البَحثِ عن جوابٍ

على صَفحَاتِ هذا الكِتاب

صفحة 2

إهـــداء خـاص

إلى الذي امتلك ما يكفي من العبقرية الإعلامية والإدارية لاكتشاف موهبتي الصحفية، وإخباري أنني أستطيع إجراء استطلاعات صحفية ثقافية قبل أن أدرك أنا نفسي ذلك

القاص/عبد العزيز الموسوي.

وإلى الإنسان الذي لولا ثقته التي فتحت لي أهم باب من أبواب الصحافة على مصراعيه تحت رعايته الإعلامية في صحيفة رسمية دون شروط غير موهبتي واجتهادي؛ ما كان لهذا الكتاب أن يبزغ، وما كان لاسمي أن يقاوم، ويحيا، ويستمر..

إلى الأديب المذهل، والإعلامي المُحترف، والمثقف بامتياز

الشاعر/ علي الستراوي

مع خالص امتناني وتقديري.

صفحة 3

شُكر خاص

وتحيَّة بلا حدود للفنَّان السُّوري المُبدع

كمال سلمان (كمال.س)

www.kmal.8k.com

على سخائه بلوحة الغلاف الأمامي

وعلى تعامله الإنساني والفنِّي الرَّاقي معي

للكتاب الثَّاني على التَّوالي..

راجيةً له حياة فنيَّة مُكلَّلة بالتَّوفيق والتفوق والسَّلام.

صفحة 4

عتبة

هذا الكتابُ مدخلٌ للتجوّل في عقولِ أكثر من أربعين مثقفًا وفنانًا وأديبًا من أعمار متفاوتة، ومواهب وتجارب مُتباينة في مدى عُمقها وعتقها وإخلاصها لمبادئ الإبداع والجمال، أقدِّمُه قربانًا لمُستقبل ثقافتنا العربيَّة، آملةً أن يكون تاريخ الفكر والثقافة والصَّحافة رؤوفًا بي في ذلك الحين.

مع محبَّتي

صفحة 5

تقديم

د. محمد نجيب بن محمَّد العمامي

أستاذ الأدب الحديث بجامعة سوسة (تونس)

وجامعة القصيم (السعوديَّة)

لعلَّ زينب علي البحراني عُرفت ، أوَّلَ ما عُرفت، من خلال مجموعتها القصصيَّة "فتاة البسكويت" المنشورة سنة 2008. إلاَّ أنَّه يبدو أنَّ اهتمامها سُرعان ما تحوَّل من الكتابة عن شخصيَّات متخيَّلة لها بواقع البشر صلات إلى فئة من البشر يصطلح عليهم باسم أهل الأدب. وقد بدأت بالكتابة عن نفسها في مؤلَّفها "مذكِّرات أديبة فاشلة" المنشور سنة 2011م. وها هي اليوم تطالعنا بسِفر ثالث اختارت له عنوانًا رئيسًا "على صليب الإبداع" وعنوانًا فرعيًّا "عِندما يُفصِح المُبدعون عن أوجاعِهِم".

ويتجلَّى من العنوان أنَّ المؤلِّفة انتقلت من الهمِّ الفردي إلى الهمِّ الجماعي، بل قل إنَّها نزَّلت قضيَّتها الشخصيَّة في إطار جماعي. فخرجت بها من حدودها الفرديَّة الضيّقة إلى مجالٍ أوسع وأشمل. فحوَّلتها إلى قضيَّة عامَّة تتجاوز "أهل الأدب" إلى كلِّ من لهم به صلة بدءًا من الناشر وانتهاءً عند المجتمع بجميع مكوّناته ومراتبه. ويتبيَّن من العنوانين وتحديدًا من لفظتي "صليب و أوجاع" أنَّ الأديب ضحيَّة بل مسيح العصر الجديد وأنَّ أوجاعه متأتِّية من جلاَّديه،مجتمعه وناشريه.

والكتاب مجموعة ثرِّية من شهادات مبدعين من جلِّ الدول العربيَّة وفق محاور محدَّدة ومحدِّدة هي "علاقة المبدع بالآخرين" و"الموقف من الثقافة والشلليَّة" و"المبدع ومهنته" و"المبدع والناشرون" و"المبدعات وقيود المجتمع" و"المبدع والمستغلُّون" و"المثقّف وهمومه" والمبدع وظروفه المادّيَّة" و"المبدع وهواة النقد" و"المبدع واعتزاله". وتبرز أهمِّية هذه الشهادات في كونها، أساسًا، شهاداتٍ حيَّة لأشخاصٍ مختلفين جنسًا وسنًّا وجغرافيا وخبرةً وشهرة. إلاَّ أنَّ دور زينب البحراني لم يقتصر على تجميع الشهادات وإعدادها لتخرج على الناس كتابًا يقرؤونه فيقرؤون بعض معاناة نفر من الكاتبات والكُتَّاب. وإنَّما تعدَّاه إلى طرح الأسئلة وتبويب المحاور وتفريعها إلى محاور ثانويَّة والتمهيد لها والتدخُّل أحيانًا لنقل ما لا يمكن لخطاب محاورِها أن يحويه كالنبرة وغيرها. ويكمن دورها الأساسي في توجيهها كامل الشهادات. فهي التي حدَّدت الأسئلة سلفًا وطرحتها بشكل يسمح لها بأن تسير في الوجهة التي تريدها هي. وهي الوجهة التي تفضي إلى كشف أوجاع المبدع وتصوير مسار صلبه.

وإنَّ القول إنَّ الشهادات كشف لأوجاع لا يعطي فكرة واضحة عن الكتاب. فالكشف مقصد رئيس لا محالة ولعلَّ الأهمّ فيه هو أنَّه تمَّ عبر تشخيص دقيق لأوضاع المبدع الراهنة سواء منها ما تعلَّق به شخصيًّا أو ما كان منها متجاوزًا له ومرتبطًا بأطراف أخرى.

والقول إنَّ الكتاب شهادات، شهادات "ضيوف" الكاتبة وشهادة الكاتبة نفسها يجلّي، حتمًا، الطابع الذاتي لهذه الشهادات. فهي مواقف ووجهات نظر شخصيَّة. ولعلَّ الذاتيَّة تشمل أيضًا نقل بعض الوقائع المقدَّمة على أنَّها حقائق لا تردّ. ونعني، تحديدًا، تلك المتعلِّقة بتعامل المبدعين مع الناشرين. وتقتضي الموضوعيَّة أن نقول إن لا شيء في الشهادات يدلُّ على مجافاتها الواقع، كما أنَّ لا شيء يدلُّ على مطابقتها الواقع. فكلُّنا نعلم أنَّ الحدث الواحد قد يرويه أشخاص. فإذا هو أحداث تتقاطع حينًا وتختلف حينًا آخر. ولعلَّ مسؤولية الفرز بين المطابق للواقع والمجافي له وتبّين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لا تقع على غير القارئ.

وختامًا يمكن القول إنَّه كان بالإمكان تقليص محاور الكتاب إلى ثلاثة وفق دوائر تتّسع من الأضيق إلى الأوسع؛ أي من المُبدع في ذاته إلى علاقته بالمجتمع مرورًا بعلاقته بدار النشر التي تسمِّيها الكاتبة "خرابة النشر". كما يمكن القول إنَّ الكتاب شهادة فيها تشخيص لواقع واقتراح لحلول ولوحة شديدة القتامة قد نعترض على بعض ما جاء فيها بالقول إنَّ مُكابدة الصعاب شرطٌ من شروط الفرز بين من جمعتهم الكاتبة تحت خيمة الإبداع.

صفحة 6

بين المُبدِع و.. الآخرين

كيف يُمكن للأديب تجاوز أزمة التضارب الحَاد بين سلوك الآخرين معه وبين أحاسيسه المُرهفة خلال فترة المخاض الإبداعي؟

"العُزلة سلاح من فشل في قهر الطّفولة"

الرِّوائي الليبي إبراهيم الكوني

لا شعور يُشبه ما يحدث خلال سَاعات انغماس الرّوح في لُججِ الحَالة الإبداعيَّة، حيث التأرجح بين الألم واللذة المعنويَّة في برزخٍ لا يعي مذاقه ولا رائحته إلا عُشّاق خلق النّص الأدبيّ والمتورّطين بوجعِه، ذاك الوجع الذي رُغم إغوائه اللذيذ يبقى مُربكًا بحرمانه الأديب سلامه الخاص، وتحويله إلى كائنٍ هش الرّوح مُفرط الحساسيَّة إلى حدٍ يعجز العامَّة من النّاس في بيئته المُحيطة أسريًا ومُجتمعيًا في مُعظم الأحوال من استيعاب سُلوكيّاته التي قد تبدو غريبة الأطوار بعفويّتها العارية، أو تقمّصه شخصيّات أبطال نصوصِه التي قد لا تشبه وجهًا من أوجه شخصيّته المخزونة في ذاكرتهم، أو اقتحام الآخرين عزلته لحظة التحامه بأحاسيس لا تمت بصلة لواقع الزّمان والمكان الحاضر، فتُدهشهم رؤيته على حافّة البكاء في ساعةٍ لا يرون منها إلا وجه الفرح، أو القبض على شبح ابتسامةٍ ساخرةٍ فوق شفتيه في ساعةٍ لا تليق بها إلا الدّموع، فيظنّ جهلهم بعقله الظّنون، أو يتوهّمون استهتاره بمشاعرهم وأعرافِهم، أو تهرّبه عن تأدية واجباتٍ تخصّهم.. ومن هُنا ينتفض السؤال الكبير:

كيف يُمكن للأديب تجاوز أزمة ذاك التضارب الحَاد بين سلوك المجتمع معه وبين أحاسيسه المُرهفة في تلك الفترة؟

• • • •

القاص المصري "أحمد طوسون" أشار إلى أنَّ مَعيشة الأدباء في مُجتمعات لا تُقدّر تفرّدهم يجعلنا لا نتوقّع من تلك المُجتمعات استيعاب لحظات الإبداع الحسّاسة من وقت المُبدِع، وأفصح عن رأيه بقوله: "نحن نعيش في مجتمعات لا تقدر الثقافة ولا توفر المناخ المناسب للإبداع، فلا يستطيع كاتب أن يُنفق على بيته وأسرته من الكِتابة، بل على العَكْس تقتطع الكتابة جزءًا من وقته وجهده وطاقته فتؤثر بالسّلب على عمله الذي يرتزق منه، بخلاف ما ينفقه الكاتب على شراء الكتب ومتابعة الفعاليات الثقافية والفنية.. فأبسط حقوق الكتاب في خلق المناخ المناسب للإبداع والحياة الكريمة مُهدرة، فهل نتوقع بعد ذلك أن يتفهم المُجتمع الطبيعة الخاصة للمُبدع واستيعاب لحظات الإبداع عنده؟.. بالطبع لا..

لكن المُبدع يتوافق مع المُناخ المُحيط به ويطوّع الظروف لصالح إبداعه وكتابته.. وهنا سنجد اختلافًا كبيرًا بين الأدباء والكُتاب في الطريقة التي يتفادون بها الاصْطِدام مع من حولهم أُسريًا ومُجتمعيًا في فترات الكِتابة الإبداعية، لكن كثيرًا منهم يتفقون في الهَرَب والبحث عن العُزلة التي تكفل للكاتب مُعايشة كاملة مع الحَالة الإبداعية، أما من لا تسمح ظروفهم بالهرب عبر المكان أو الزمان؛ فكثيرًا ما يَدخلون في صِدامات مع المُحيطين بهم لعجز الآخرين عن فهم حالة المخاض الإبداعي التي يمرون بها وما يسايرها من حساسِيَّة خاصة وطقوس تختلف من مُبدع إلى آخر.. وكثيرًا ما ضاعت حالات إبداعية نتيجة هذه الصّدامات وعدم تفهم الأزواج أو الأبناء لما يمر به المُبدِع أو المُبدِعة.. والتاريخ الأدبي عامرٌ بهذه الأمثلة التي ذاع صيتها ووصَلت إلينا عبر سيَر المُبدِعين والأدبَاء" .

صفحة 7

رُسُلُ الكلِمة والأَحَاسيس

"المُبدع مُختلف، ونحن مازلنا لم ننضج بعد لِقبول الآخر المُختلف!"..

بهذا استهلّ الرّوائي المصري "محمد خيري" وُجهة نظره، قبل أن يُكمل: "الإجابة على هذا السُّؤال أيضًا مُتصلة بإحباط الأديب، نحن في وطن لا يحِب الحُبَّ أو الأحاسيس المُرهفة، لقد شغلتنا الماكينة اليَومية الرّوتينية في العَمَل ودوائر المال والمَصَالح في مُجتمع مادي وسلبي لا يقدر الفن والإبداع، هذا هو المجتمع الذي تأثر بالاحتلال منذ زمن، والذل المادّي والرّوتيني والسّياسي عبر عقود، فكان أضعف بكثير من أن يتعلم حُب القيمة وليس حُب القامة!

المُبدع يجد الرّوعة في الاختلاف والحُب والإبداع والحَياة كلها، ويُحاول اكتشاف عظمة الله في كل شيء بديع حوله، ولكن الآخرون لا يفهمون هذا ولا يستوعبونه لأنهم يُحبون المَال والأكل والشرب والغرائز والمتعة السّريعة والتعصب في الدّين والأيديولوجيا والمَذهب أو الطائفة (مسلم، سني، شيعي، درزي، مسيحي غربي ، شرقي، إنجيلي، ماروني.. إلخ) دون تدبّر أو تأمّل!"

وفي السّياق ذاته يرى الرّوائي المصري "محمود الديداموني" أنَّ الكتابة الإبداعية هي مُحاولة تخليق روح جديدة تنتزع أو تولد من معاناة الكاتب، ولهذا يجب أن لا تشتبك بالواقع، وأوضح:

" قد يصدر عن الكاتب شيءٌ لا يستوعبه المحيطون به، كأن يرقص فرحًا بالانتهاء من كتابة فكرة أو نص أدبي، أو يلهو مع الأطفال، وربما أيضًا يكون عصبيًا على غير العادة ودون سبب مرئي لمن حوله عندما تتعثر ولادة فكرته أو نصه الأدبي... ولذلك من المهم أن يخلق الكاتب لنفسه بيئة صَالِحة للكتابة، تخصّه هو، ليسَت بالطقوس؛ لكنها تحمل بعض خصوصِيَّة ، بأن يستشعرَ اللحظة التي يُمكن أن يصيغ فيها فكرته ويتنحى جانبًا عن العالم مُحتشدًا بأحاسيسه وأفكاره وأوراقه، غير مُهتم بمن حوله، لأنها اللحظة التي يُمكن أن يُولد بها إبداع قد يبقى في ذاكرة الأدب. وبعدها يستطيع أن يعتذر لمن حوله لانشغاله، أو لصُراخه، أو لرقصَةٍ لا ترتكن لسببٍ من وجهة نظرهم، وسيُدركون فيما بعد أنه قدَّم لهم ما يسمو بمشاعرهم ويرتقى بأذواقهم .. وربما يشعرون بالتقصير" .

أمّا الشّاعر المصري "محمد الأكسر" فقد أكَّد بثقة أنَّ الأديب يبقى فوق المُمارسات المُجتمعيَّة مهما بلغ أذاها، وأعرب عن ذلك بقوله: " يستطيع الأديب تجاوز تلك الأزمة التي تحصل ما بين سُلوك المُجتمع الجاف الذي لا يُقدِّر أحاسيس ذلك المُبدع المُرهف وما بين إحساسه هو بأن لا ينحني لتلك المُمارسات المُجتمعية مُطلقًا، ولا يَعبأ بها ولا يعيرها انتباهًا، فهو فوقها، وهو وحْده يَستطيع تصوير ألمِه وألم كل فردٍ في المُجتمع، بينما بقيَّة أفراد ذلك المُجتمع قد يعجز الواحد منهم عن تصوير مثل هذا الألم، وإن استطاع فلن يتجاوز ذلك تصوير ألمه الفردي، أما الأديب المُرهف فهو رسول كلمة، وعليه أن يحمل وأن يحمي تلك الهبة الرّبانية، ولا يستسْلِم لمن لا يَسْتطيعون تفهمه، لأنّهم سيُدركون أهميته لا محالة فيما بعد، وسَيَعرِفون قيمته ومَدَى تميّزه عنهم، والزمن كفيل بهذا. إذ لم يخلد في ذاكرة الأمم إلا من صنعوا وصوّروا أمجادها، ولم يستسلموا لعواتي الزمن ولا لِعدم اهتمام المُجتمع بهم، ومنهم من لا يجد التكريم والعِرفان إلا بعد رحيله عن هذه الدّنيا " .

صفحة 8

غُربة رُوحِيَّة دائمة

بينما رأى الشّاعر العراقي "د.مقداد رحيم" أنَّ الإجابة عن مثل هذا السؤال أمام حتميَّة غياب الوعي لحظة الإبداع تكاد تقترب من المُستحيل؛ وأوضح: "لا يوجد "كيف" لتجاوز هذه الأزمة، أو الخلاص مِنها، فالمُبدع غائبٌ عن وعيه في لحظة الإبداع شاء محيطه أم أبى، وإذا شاء أن يتخلّص من هذه العُزلة الإبداعية فليكفَّ عن الإبداع، وإلا فليكفَّ المجتمع عن العبث بعزلته والاستهانة بها، وعَـدِّها ضربًا من الجنون أو الشذوذ غير اللائق في التصرّف.. هذه العُزلة التي ليست هي سِوى ضريبة يقتطعها المُبدع من أثير أوقاته، ومَكْمَنِ راحَتِه، وسَامِقِ علاقاته، ولذلك فالكاتب المُبدع مغبون الحق، حتى لو أنصفه المجتمع وخفف من حِدَّة التضارب بينهما".

ويؤكّد رحيم: "إن الكثير من النصوص المبدَعة ضاعت أو أدركها التشويه بفعل زلزال الفهم الخاطئ لعُزلة المُبدع، وأحاسيسه المرهفة، وكثير مِن المُبدعين آثروا العيش الطبيعي في مُحيطهم درءًا للظنون!"

أمّا الأديب العراقي "د.محمد صابر عبيد" فيؤكِّد أنَّ المُبدع غير مُلزم بتكييف سلوكه على نحوٍ يُرضي المُجتمع أو يتّفق معه، وعن هذا قال: "المُبدع يعيش في غربة دائمة عن مجتمعه مهما بلغت ثقافة هذا المجتمع، وهذه الغربة تمثِّل محركًا مركزيًا ضروريًا من محرِّكات الإبداع، والأديب ليس بحاجة إلى أن يكيِّف سلوكه على النحو الذي يُناسب المُجتمع مُطلقًا، بل على المُجتمع أن يفعل ذلك، إذ أن الأديب مهما كان هشًّا ومُفرط الحساسِيَّة فهو قويٌّ جدًا ومحطُّ أنظار جميع أفراد مُجتمعه، وعليه أن لا يَكون معنيًا سوى بشيءٍ واحِد هو العَمل المُستمر على تطوير نموذجه من الدَّاخل بمزيد من القدرة على الإدهاش".

ومن جهته أوضح القاص العراقي "نصرت مردان" أنَّ توقُّع التوافق بين موقف الأديب وموقف المُجتمع المَحْكوم بما تطبّع عليه من سلوكيّات مقولبة أمرٌ غير ممكن في الغالب، وأكّد هذا بقوله: " لأن فعل الكتابة والإبداع يحمل في جوهره التمرد والسؤال والتساؤل تجاه الموروث والمتعارف عليه. قدر الكاتب أن تظل علاقته ضبابية ومتناقضة على ما تطبع عليه المُجتمع بشكل عام. لذلك فان انتظار التوافق دائمًا بين موقف الأديب مع المُجتمع الذي تحكُمُه التقاليد والوصايا غير مُمكن في أكثر الأحيان. أساس الأدب هو التمرد على المألوف والشائع بينما خصوصية المجتمع هو الحفاظ السّلوك العام من خلال تسْييد الأعْراف والتقاليد والسّلوك المُقولب . وفي رأيي لا يُمكن تجاوز هذه الأزمة في المَواقف دائمًا وفي كل الأحوال. المطلوب في هذه المُعادلة احترام الكاتب لخصوصيّته وإبداعه وعدم التضحية بهما" .

واستطرد مُضيفًا: "كما أن النص الأدبي أو الفني لا يمكن أن يكون مُتمردًا من أجل التمرد فقط. فالأديبُ الأصيلُ لا يُمكن أن يكون متمردًا لأنه يودُّ نشر ثقافة الخراب، أو يثني على الخلاعة، أو يرفع راية الإلحاد لمجرد أنه يُعارض وصايا ومواقف بعض الدعاة والشيوخ. بل المهم عرض مواقفه التي لا تتفق مع سياقات المجتمع والتقاليد بشكل لا يتخلى فيه مطلقًا عن الإبداع، فالإبداع يجب أن يكون صنوًا لأي نص ثقافي أو فني مهما اختلف نهجه"

وختم حديثه بقوله: "ليس ثمة صيغة مثلى للوصول دائمًا إلى التوافق مع سلوك المجتمع، وأنا شخصيًا لم أسعَ قط إلى مثل هذا التوافق الافتراضي، بل أترك قلمي منطلقًا بانسيابية وحرية مطلقة دون أن أفكر ولو للحظة واحدة أن أكتب إرضاءً لأشخاص، أوجهات، أو صحف، أو مواقع إلكترونية، أو لكسب ود أحد مهما كان. لأنني أؤمن بأن مثل التوافق الافتراضي صعب المنال؛ إن لم يكن مستحيلاً. فعالم الأديب نهرٌ يمشي في المُنعرجات ويحب الأماكن الصَّعبة؛ بينما نهر السلوك الاجتماعي له مجرى ثابت لا يتغير".

صفحة 9

تصالُحٌ مع الرُّوح

الأديب والسّيناريست السّوري "عبد الله غفَّال" عبَّر عن رؤيته لجماليَّة الحالة الإبداعيَّة رُغم أسوأ ما يكون، فقال:

"الإبداع حالة جميلة، وخاصّة في نفس الوقت، برغم حالات الإحباط والانكسار التي يعيشها الأديب بين حين وآخر. فعندما أجلس إلى طاولتي وأمارس فعل الكتابة، أعيش حالة من التوحّد مع نفسي، أدخل معها في زنزانة انفراديَّة، مفترضة - اختيارية، لا أسمع فيها سوى صرير قلمي، ولا أرى سوى الكلمات التي أخطها على الورقة. والأديب المتمكن من أدواته، هو الأديب الذي يكون واثقًا من قلمه، مُتصالحًا مع روحه، مُتعايشًا مع ما يدور من حوله، يؤثر ويتأثر به بما يتناسب طردًا مع حالته الإبداعية، بحيث ينفض غبار المُجتمع بسلبياته وإيجابياته عن أوراقه التي هي شيء من روحِه. ومن هنا فلا يستطيع أحد أن يثمن ما أكتبه سِواي، لأنَّه - بطبيعة الحال - شيءٌ من روحي. وبالتالي يكفيني أن أكون القارئ الوحيد لما أكتب، ولو إلى حين" .

أمّا القاص السّوداني "عبد الرّحمن سعد" أكَّد على ضرورة عدم التفات الأديب لسلوكيّات الآخرين السَّلبيَّة، كي لا ينعكس ذلك بصورة سلبيَّة على مقدرته الإبداعيَّة والأدبيَّة، وقال: " حالة كتابة النص، هي حالة ولادة عسيرة المخاض تتجلَّي فيها كوامن النفس/ الذات الكاتبة المُبدعِة لتخلق كائنًا جديدًا، وهي حالة لها كثير عنت، وتتطلب الانزواء المكاني الوقتي من أجل إنجاز عملٍ فيه إرهاق وعصف ذهني. والانزواء في حد ذاته مُقلِق جدًا ومُربك للذين هم في محيط الكاتب، والكاتب هائم في ملكوت عالمه، يحدث نفسه، ينظر للسماء بعين تائهة أو مُحدِّقة في اللا شيء، يشُدَّ شعره، يحاول الإمساك بالكلمات الهاربة، يعيش حالة جذب روحاني مُصاحب لحالة أرق الكتابة، هذه الحالة قد يراها البعض محض ترهات أو انشغال عن الهمِّ الخاص الذي يطوِّق الكاتب وهروب منه.

ولكن يبقي ما يخرج للناس من تلك البحور المتلاطمة الأمواج من لؤلؤ نصوص، تبرق وتُسعدهم، هنا يشعر الكاتب بسعادة إنجازه عندما يلقي الترحاب والتفهُّم، وفي الجانب الآخر من تلك القضية على الكاتب عدم الالتفات لسوك الآخرين له، حتى لا يتأثر بهِم فتصيبه عنَّة الكِتابة" .

صفحة 10

بامتداد الحياة

" هذا السُّؤال مُمتدٌ بامتدادِ الحَياة كلها، أراني أكتب مَع كُلِّ بلعة ريق!". هكذا علَّق الشّاعر المصري "شريف الشّافعي" قبل أن يسترسل: " إن ترجمة النص الشعري إلى حُروف وكلمات ليسَت إلا المَرحَلة الأخيرة من مَراحل الكِتابة، تسبقها مراحل مُتتالية لا تقل أهميَّة، تشهد كلها انغماسًا تامًّا في خلق النص الشعري، وإن بدا ذلك في إطار الاسْتبصار، والاختزان الدّاخلي".

ويُكمل الشّافعي: "الشعر عندي ليس اهتمامًا، بمعنى الاحتشاد والانشغال والقصديَّة. الشعر عملية حيوية في الهواء الطلق، عادية جدًّا، لكنها لازمة للوجود، شأن التنفس والهضم. الشعر هو "التمثيل الضوئي" الذي فُطِرت عليه روحي، وتمارسه ليل نهار، بكلوروفيلها الخاص جدًّا، ولا تستلزم آلية عملها طاقة الشمس كأوراق النباتات. الميكانيزم مُعقد بالتأكيد، هذا أمر مُسلَّم به، لكنني لا أقف كثيرًا عنده، طالما أن العَمَلية تحدث من تلقاء ذاتها (عمليَّة تحويل طاقة الحَيَاة إلى طاقة شعريَّة)، وطالما أن المُنتج غزير وافر بفضل الله، والأهم أن يكون مُنتجًا جديدًا، مرغوبًا فيه، لا يشبه غيره، قادرًا على أن يترجم بأمانة شفرتي الوراثية، ويعكس مُكابدات صديقي الإنسان في كل مكان، ويرسم صُورة بانورامية لهذا العصر الآلي الرقمي، بتركيز شديد" .

ويستدرك: "أنا لا أبسِّط الأمور أكثر من اللازم، ولا ألغي التخطيط والذهنية ومقومات الاحتراف ولوازم الثقافة والمعرفة التي تنبني عليها أية تجربة شعرية طموح، لكنني أراهن في الأساس على نفاسة المعدن بصورته النقية، على "الشعرية الخام" إذا جاز التعبير.

أن أكون شاعرًا معناه: أن أنبض، أن أحيا. إن "حياة الشعر" مرهونة في الأساس بكونه "شعر حياة"، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحُرّة. بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية. تُقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عُمره الحقيقي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان.

الكتابة مُمتدة بامتداد لحظات الحياة. الوجع الرُّوحي باقٍ طالما أن الروح باقية. الهشاشة والحساسيَّة جناحان دائمان، طالما أن المخيّلة هي مخيّلة طائر!".

ويرى الشّافعي أنَّ التّضارب، أو سُوء الفهم بين شخصيّته كإنسان وشاعر وبين أفراد المُجتمع المُحيط به لا يتعلَّق بمرحلةٍ محددة من مراحل الانغماس في الكتابة، وأوضح هذا بقوله: "لا أخال أنَّ علاقتي بمن حولي من أصدقاء وشركاء في الأسرة الصّغيرة أو في المُجتمع تتأثر أو تتغير في تلك الفترة التي يُشير إليها سؤالك، فمراحل الكتابة دائمة متصلة ليل نهار. فإذا كان هناك اتساق بيني وبين أغلبيَّة من أتعامل معهم، فهو اتساق دائم مستمر، وإذا كان هناك ارتباك أو "تضارب في السّلوك"، كما يقول السؤال، بيني وبين بعض الذين أتعامل معهم، فهو أيضًا باقٍ ومُستمر. ما من فرد إلا ويُعاني قدرًا من الارتباك في علاقاته بمن حَوله. بالنسبة لي، كإنسان وكشاعر، أحاول ألا أرى الأمر باعتباره أزمة، لأنني ببساطة غير مسؤول عن الآخر. مهمتي في الحياة، وهي أيضًا مهمتي في الكتابة، أن أكون: أنا. وبقدر نجاحي في تصالحي الحميم مع ذاتي، أنجح في تصالحي مع الآخرين. سلطاتي محدودة للغاية، لأنها لا تتجاوز ذاتي، ولهذا أراقب ذاتي كثيرًا، وأترك لها العنان لتتحرك بحُريَّة تامّة، ولا أبالي بردود الأفعال إزاء ما تأتيه من أمور غرائبيَّة، أو حتى شطحات، فهي ذاتي، وفي فلكي تدور".

ويُضيف: "لكنني في بعض الّلحظات القليلة، أو النادرة، قد ألجأ إلى العُزلة، أو التشرنق اللحظي، إذا زادت حدة الانتقادات أو الخلافات، فليس من شأني ولا من صلاحياتي أن أقنع أحدًا بما أفعل، طالما أن حُرّيتي لا تشكل أي عِبء أو اعتداء على حُرّيات الآخرين.

وفي النهاية، فإن الأديب ليس كائنًا فوقيًّا منعزلاً، وإن دِفء الالتقاء الحميم بالناس كفيل بأن يُذيب أي وجع يَعتري الروح المُبدعة".