صفحة 1
الكتاب الأول :مدخل إلى علم الأسلوب
مقدمة الطبعة الأولى
الكلام عن الأسلوب قديم. أما "علم الأسلوب" فحديث جدًّا. ولكنني إذ أقدم إليك - عزيزي القارئ - هذا الكتاب لا أغريك ببضاعة جديدة مستوردة، فعلم الأسلوب ذو نسب عريق عندنا، لأن أصوله ترجع إلى علوم البلاغة، وثقافتنا العربية تزدهي بتراث غني في علوم البلاغة. ومؤلِّف الكتاب الذي بين يديك قد مارس تدريس البلاغة زهاء ربع قرن قبل أن يقترح على قسم اللغة العربية في جامعة الرياض إدخال مادة "علم الأسلوب" في مناهجه، وقد بدأ تدريس علم الأسلوب منذ سبع سنوات أو ثمانٍ، وأحسب أن جامعة الرياض كانت أول جامعة عربية تُدخل هذه المادة في مناهجها، أو على الأقل إحدى الأوائل. ولكن علم الأسلوب، كما يدرَّس في هذه الجامعة، لا يزال وثيق الصلة بعلوم البلاغة.
والواقع أن هذا الكتاب لا يصدر عن رغبة في الحداثة أو التحديث، فضلًا عن أن يحاول فتنة الناس ببدعة جديدة من بدع الثقافة الغربية، ولكنه يحاول أن ينشئ في ثقافتنا العربية علمًا جديدًا مستمدًّا من تراثها اللغوي والأدبي، ومستجيبًا لواقع التطور في هذا التراث الحي، ومستفيدًا من دراسات أهل الغرب بالقدر الذي يمكِّن من رؤية التطور المعاصر رؤية تاريخية، وقراَءة التاريخ قراءة عصرية.
والخصم الذي يحاول هذا الكتاب تدميره ليس بلاغتنا القديمة العظيمة، ولكنه الفوضى البلاغية ـ بل اللغوية ـ التي شاعت بيننا في السنوات الأخيرة، ولا سيما بين أدباء الشباب. فهؤلاء عازمون ـ كما يبدو ـ على تحطيم كل بلاغة مأثورة، ولكنهم عاجزون ـ في الوقت نفسه ـ عن أن يُحِلّوا محلها بلاغة جديدة. وهذا الكتاب يود أن يقول لهم إن تجديد اللغة على المستوى الفنّي ليس أمرًا هينًا، وإن وراء كل عمل أدبي جيد جهدًا هائلًا في الصياغة اللغوية، جهدًا يعتمد على الثقافة والفكر كما يعتمد على الشعور، ويخلق تكويناته الجديدة من خلال التكوينات القديمة وبواسطتها. ويطمع هذا الكتاب أن يقنعهم بأن الجرأة في التجديد الفنّي تتطلب معرفة عميقة باللغة. بهذا وحده يمكن للجديد أن ينافس القديم، وأن يدخل معه في رحاب التراث الذي يتسع لكليهما.
ولكن هذا الكتاب لم يكتب للأدباء الشباب وحدهم، بل كتب لكل مَن يهتم بالأدب ولو بعض الاهتمام، وما كان ليظهر على هذه الصورة لولا دروس "علم الأسلوب" في جامعة الرياض، وهي دروس حضرها طلاب يحضّرون لدرجتهم الجامعية الأولى في تخصصات متعددة. وأقول إنهم "حضروها" لئلا أقول إنها أُلقيت عليهم، فالواقع أنهم شاركوا فيها مشاركة فاعلة، وكان لملاحظاتهم على النصوص التي كنا نتناولها أثر طيب في القسم التطبيقي من هذا الكتاب على الخصوص. وقد أيقنت ـ بعد تجارب هذه السنوات السبع أو الثماني ـ أن الإحساس الصادق بقيمة النص الأدبي، وجمال اللغة الأدبية، كامن في كل إنسان وأن اختلفت درجاته، وأيقنت أن تجلية هذا الإحساس وتنميته ترفعان من إنسانية الإنسان، وأن افتقادهما خسارة لا يمكن أن يعوِّضها شيء.
على أن الغرضين يلتقيان في آخر المطاف. فليس ثمة حاجز بين قارئ الأدب ومُنشِئه، ولا سيما حين نتحدث عن الشباب. إن معظم الشبان يحاولون ـ ولو مرات معدودة في حياتهم ـ كتابة نوعٍ ما من أنواع الأدب، كما يهتمون بقراءة بعض ما يقع في أيديهم منه. والقارئ الجيد يمكن أن يصبح منشئًا جيدًا. والقارئ الرديء لا يكون إلا منشئًا رديئًا وإذا انحطت قيمة الإنتاج الأدبي انحطت قيمة القراءة. وإذا تعلم قُرّاء الأدب كيف يقرؤون، فلا بد لكتّابه أن يتعلموا كيف يكتبون، أو يكفوا عن الكتابة.
* * *
مقدمة الطبعة الأولى
الكلام عن الأسلوب قديم. أما "علم الأسلوب" فحديث جدًّا. ولكنني إذ أقدم إليك - عزيزي القارئ - هذا الكتاب لا أغريك ببضاعة جديدة مستوردة، فعلم الأسلوب ذو نسب عريق عندنا، لأن أصوله ترجع إلى علوم البلاغة، وثقافتنا العربية تزدهي بتراث غني في علوم البلاغة. ومؤلِّف الكتاب الذي بين يديك قد مارس تدريس البلاغة زهاء ربع قرن قبل أن يقترح على قسم اللغة العربية في جامعة الرياض إدخال مادة "علم الأسلوب" في مناهجه، وقد بدأ تدريس علم الأسلوب منذ سبع سنوات أو ثمانٍ، وأحسب أن جامعة الرياض كانت أول جامعة عربية تُدخل هذه المادة في مناهجها، أو على الأقل إحدى الأوائل. ولكن علم الأسلوب، كما يدرَّس في هذه الجامعة، لا يزال وثيق الصلة بعلوم البلاغة.
والواقع أن هذا الكتاب لا يصدر عن رغبة في الحداثة أو التحديث، فضلًا عن أن يحاول فتنة الناس ببدعة جديدة من بدع الثقافة الغربية، ولكنه يحاول أن ينشئ في ثقافتنا العربية علمًا جديدًا مستمدًّا من تراثها اللغوي والأدبي، ومستجيبًا لواقع التطور في هذا التراث الحي، ومستفيدًا من دراسات أهل الغرب بالقدر الذي يمكِّن من رؤية التطور المعاصر رؤية تاريخية، وقراَءة التاريخ قراءة عصرية.
والخصم الذي يحاول هذا الكتاب تدميره ليس بلاغتنا القديمة العظيمة، ولكنه الفوضى البلاغية ـ بل اللغوية ـ التي شاعت بيننا في السنوات الأخيرة، ولا سيما بين أدباء الشباب. فهؤلاء عازمون ـ كما يبدو ـ على تحطيم كل بلاغة مأثورة، ولكنهم عاجزون ـ في الوقت نفسه ـ عن أن يُحِلّوا محلها بلاغة جديدة. وهذا الكتاب يود أن يقول لهم إن تجديد اللغة على المستوى الفنّي ليس أمرًا هينًا، وإن وراء كل عمل أدبي جيد جهدًا هائلًا في الصياغة اللغوية، جهدًا يعتمد على الثقافة والفكر كما يعتمد على الشعور، ويخلق تكويناته الجديدة من خلال التكوينات القديمة وبواسطتها. ويطمع هذا الكتاب أن يقنعهم بأن الجرأة في التجديد الفنّي تتطلب معرفة عميقة باللغة. بهذا وحده يمكن للجديد أن ينافس القديم، وأن يدخل معه في رحاب التراث الذي يتسع لكليهما.
ولكن هذا الكتاب لم يكتب للأدباء الشباب وحدهم، بل كتب لكل مَن يهتم بالأدب ولو بعض الاهتمام، وما كان ليظهر على هذه الصورة لولا دروس "علم الأسلوب" في جامعة الرياض، وهي دروس حضرها طلاب يحضّرون لدرجتهم الجامعية الأولى في تخصصات متعددة. وأقول إنهم "حضروها" لئلا أقول إنها أُلقيت عليهم، فالواقع أنهم شاركوا فيها مشاركة فاعلة، وكان لملاحظاتهم على النصوص التي كنا نتناولها أثر طيب في القسم التطبيقي من هذا الكتاب على الخصوص. وقد أيقنت ـ بعد تجارب هذه السنوات السبع أو الثماني ـ أن الإحساس الصادق بقيمة النص الأدبي، وجمال اللغة الأدبية، كامن في كل إنسان وأن اختلفت درجاته، وأيقنت أن تجلية هذا الإحساس وتنميته ترفعان من إنسانية الإنسان، وأن افتقادهما خسارة لا يمكن أن يعوِّضها شيء.
على أن الغرضين يلتقيان في آخر المطاف. فليس ثمة حاجز بين قارئ الأدب ومُنشِئه، ولا سيما حين نتحدث عن الشباب. إن معظم الشبان يحاولون ـ ولو مرات معدودة في حياتهم ـ كتابة نوعٍ ما من أنواع الأدب، كما يهتمون بقراءة بعض ما يقع في أيديهم منه. والقارئ الجيد يمكن أن يصبح منشئًا جيدًا. والقارئ الرديء لا يكون إلا منشئًا رديئًا وإذا انحطت قيمة الإنتاج الأدبي انحطت قيمة القراءة. وإذا تعلم قُرّاء الأدب كيف يقرؤون، فلا بد لكتّابه أن يتعلموا كيف يكتبون، أو يكفوا عن الكتابة.
* * *
صفحة 2
بقيت كلمة عن كل قسم من القسمين اللذين يكوِّنان هذا الكتاب.
أما القسم الأول "نظرية الأسلوب" فهو لا يضع قواعد للأسلوب، ولكنه يعلمك كيف تقرأ وكيف تميز الأساليب. وهو لا يتعرض لتاريخ هذا العلم ولا للمناقشات التي تدور بين أهله، إلا بالقدر الضروري لتوضيح الطريقة التي يتبعها علماء الأسلوب في قراءة النصوص الأدبية.
وأما القسم الثاني "الدراسة التطبيقية" فالغرض منه أن تصبح هذه المبادئ النظرية عادات في القراءة. وهدفه الأبعد أن تعود دراسة الأدب إلى الاهتمام بالنصوص، بدلًا من حشو الرؤوس بالمعلومات التاريخية، وأن يقتنع المعلِّمون والمُتَعَلِّمون بأن توجيه العناية إلى النصوص أولًا يمكن أن يحوِّل تاريخ الأدب إلى دراسة حيَّة خصبة، إذا شاء الدارس أن ينقل اهتمامه إلى تاريخ الأدب؛ وإلا فإن الدخول في تجربة الشاعر النفسية جزاء موفور لمن يبذل الجهد سعيًا معه في دروب الكلمات.
وعلى الله قصد السبيل
مقدمة الطبعة الثانية
مضى على ظهور الطبعة الأولى من هذا الكتاب قرابة عشر سنوات. ولم تعد كلمة "علم الأسلوب" أو "الأسلوبية" غريبة على الأنظار والأسماع. أصبح لها في الدراسات الأكاديمية وجود، وأصبح لها صدى في الثقافة الأدبية العامة، وظهر عدد غير قليل من الدراسات الأسلوبية باللغة العربية، منها ما كاد يقتصر على شرح النظرية ومنها ما عنِي بالتطبيق، ومنها ما قدَّمَ "علم الأسلوب" أو "الأسلوبية" على أنه علم جديد، أو كما يقال "صيحة" جديدة في الدراسات اللغوية والأدبية، ومنها ما حرص على أن يلتمس له أصولًا في الثقافة العربية القديمة.
ولكن الطابع الأكاديمي أو فلنقل التعليمي، ظل هو الغالب على هذه الدراسات، فلم تخرج ـ في معظمها ـ عن أفق المؤلفات الجامعية أو المجلات المخصَّصة للنقد. ولكلٍّ من الأكاديمية والتعليم والتخصص دوره المهم في حياتنا، ولكن ربما كان دور الأدب الحر أهم.
والأدب الحر هو الأدب الحي، هو الأدب الذي يكوّن جزءا من ثقافة كل إنسان، ومن وعي كل إنسان، والنقد ملازم للأدب، كلاهما له مكان في الحياة لا يمكن الاستغناء عنه، ولا شغله بغيره، وليس مكانه محصورًا داخل جدران الجامعة، فأعظم ما تكون الجامعة عندما تفتح أبوابها لثقافة الحياة، وتدفع بما عندها إلى ثقافة الحياة. وهذا الكتاب "مدخل إلى علم الأسلوب" وإن نمت بذرته داخل الجامعة، فقد طمح إلى أن يمد فروعه خارجها، وإن أراد أن يعلِّم شباب الجامعة شيئًا عن الأدب فقد أراد أكثر من ذلك أن يربِّي فيهم وفي نظرائهم خارج الجامعة ذوق الأدب، وإن حرص كما يحرص كل كتاب علمي على الرجوع إلى الأصول فقد كان أكثر حرصًا ـ وهو أولًا وآخرًا كتاب في فن الأدب ـ أن يوظف الأصول على اختلاف مصادرها في خدمة نصوص الأدب، ولا أحسب دوره قد انتهى.
شكري عيّاد
أما القسم الأول "نظرية الأسلوب" فهو لا يضع قواعد للأسلوب، ولكنه يعلمك كيف تقرأ وكيف تميز الأساليب. وهو لا يتعرض لتاريخ هذا العلم ولا للمناقشات التي تدور بين أهله، إلا بالقدر الضروري لتوضيح الطريقة التي يتبعها علماء الأسلوب في قراءة النصوص الأدبية.
وأما القسم الثاني "الدراسة التطبيقية" فالغرض منه أن تصبح هذه المبادئ النظرية عادات في القراءة. وهدفه الأبعد أن تعود دراسة الأدب إلى الاهتمام بالنصوص، بدلًا من حشو الرؤوس بالمعلومات التاريخية، وأن يقتنع المعلِّمون والمُتَعَلِّمون بأن توجيه العناية إلى النصوص أولًا يمكن أن يحوِّل تاريخ الأدب إلى دراسة حيَّة خصبة، إذا شاء الدارس أن ينقل اهتمامه إلى تاريخ الأدب؛ وإلا فإن الدخول في تجربة الشاعر النفسية جزاء موفور لمن يبذل الجهد سعيًا معه في دروب الكلمات.
وعلى الله قصد السبيل
مقدمة الطبعة الثانية
مضى على ظهور الطبعة الأولى من هذا الكتاب قرابة عشر سنوات. ولم تعد كلمة "علم الأسلوب" أو "الأسلوبية" غريبة على الأنظار والأسماع. أصبح لها في الدراسات الأكاديمية وجود، وأصبح لها صدى في الثقافة الأدبية العامة، وظهر عدد غير قليل من الدراسات الأسلوبية باللغة العربية، منها ما كاد يقتصر على شرح النظرية ومنها ما عنِي بالتطبيق، ومنها ما قدَّمَ "علم الأسلوب" أو "الأسلوبية" على أنه علم جديد، أو كما يقال "صيحة" جديدة في الدراسات اللغوية والأدبية، ومنها ما حرص على أن يلتمس له أصولًا في الثقافة العربية القديمة.
ولكن الطابع الأكاديمي أو فلنقل التعليمي، ظل هو الغالب على هذه الدراسات، فلم تخرج ـ في معظمها ـ عن أفق المؤلفات الجامعية أو المجلات المخصَّصة للنقد. ولكلٍّ من الأكاديمية والتعليم والتخصص دوره المهم في حياتنا، ولكن ربما كان دور الأدب الحر أهم.
والأدب الحر هو الأدب الحي، هو الأدب الذي يكوّن جزءا من ثقافة كل إنسان، ومن وعي كل إنسان، والنقد ملازم للأدب، كلاهما له مكان في الحياة لا يمكن الاستغناء عنه، ولا شغله بغيره، وليس مكانه محصورًا داخل جدران الجامعة، فأعظم ما تكون الجامعة عندما تفتح أبوابها لثقافة الحياة، وتدفع بما عندها إلى ثقافة الحياة. وهذا الكتاب "مدخل إلى علم الأسلوب" وإن نمت بذرته داخل الجامعة، فقد طمح إلى أن يمد فروعه خارجها، وإن أراد أن يعلِّم شباب الجامعة شيئًا عن الأدب فقد أراد أكثر من ذلك أن يربِّي فيهم وفي نظرائهم خارج الجامعة ذوق الأدب، وإن حرص كما يحرص كل كتاب علمي على الرجوع إلى الأصول فقد كان أكثر حرصًا ـ وهو أولًا وآخرًا كتاب في فن الأدب ـ أن يوظف الأصول على اختلاف مصادرها في خدمة نصوص الأدب، ولا أحسب دوره قد انتهى.
شكري عيّاد
صفحة 3
القسم الأول :نظرية الأسلوب
الفصل الأول
فكرة الأسلوب عند الأدباء
كلمة "الأسلوب" من الكلمات الشائعة في عصرنا هذا عندما نتكلم عن الآثار الأدبية؛ نقرؤها أو نسمعها غالبًا مقترنة بأوصاف معينة مثل:
- أسلوب سهل أو معقد، متين أو ركيك، غريب أو مألوف، جزل أو ضعيف... إلخ.
- أسلوب رصين، أو سلس، أو ممتع، أو مشوّّّّق، أو جدّي، أو هزلي... إلخ.
ويلاحظ على هذه الاستعمالات الجارية عدة أمور:
- أن كلمة الأسلوب كلمة مطاطة، يمكننا أن نستعملها عندما نتحدث عن عبارة قصيرة أو عن قطعة كاملة أو عن مجموع شعر الشاعر أو نثر الكاتب، ويمكن أن تشير إلى الألفاظ وطريقة ترتيبها (المجموعة الأولى) أو المعاني وطريقة سردها (المجموعة الثانية).
- أنها تحمل نوعًا من الدلالة على القيمة الأدبية. ففي جميع الاستعمالات التي مرت بك، هناك حكم بالاستحسان أو ضده، أما إذا استُعملت غير مقترنة بوصف، كأن تقول مثلًا: "فلان عنده أسلوب!" فإنها تدل على أنك تستحسن طريقته في الكتابة.
- أنها تدل على نوع من التميُّز. أي أننا حين نتكلم عن "أسلوب" ما فلا بد أن يكون هذا الأسلوب متميزًا عن غيره من الأساليب. وعندما نقول: "فلان عنده أسلوب!" فنحن لا نقصد فقط إلى استحسان طريقته في الكتابة، بل نقصد قبل ذلك إلى أن هذه الطريقة متميزة عن غيرها من الطرق.
وفي هذا المعنى تتردد عبارة "الأسلوب هو الرجل" أو ـ إذا توخَّينا الدقة ـ "الأسلوب هو الإنسان نفسه". وقائل هذه الكلمة "بوفّون" مفكر فرنسي من رجال القرن الثامن عشر الميلادي. ولم يكن يعني بها أكثر من أن لكل إنسان طريقته الخاصة في التعبير، ولكن العبارة شاعت وتناقلها الكتِّاب، وتأثرت بمفاهيم العصر، فأصبح معظم الناس يفهمون منها أن الأسلوب هو مرآة الشخصية أو الخَلْق.
وإذا كانت كلمة "الأسلوب" تدل على كل هذه المعاني، فطبيعي أن تحتل مكانة تشبه مركز الدائرة بالنسبة إلى العمل الأدبي في تفكير كثير من المُنشئين والنقاد. ومن هؤلاء توفيق الحكيم الذي يجمع كل مشكلات نشأته الأدبية في كلمة الأسلوب. يقول مخاطبًا صديقه الفرنسي: "عزيزي أندريه! هل حقًا أنت تفهمني؟ وهل تقدِّر ما أنا فيه؟ إنها دائمًا حالة القلق والبحث والتنقيب عن الأسلوب!"(1).
ولكنه يقول له في رسالة أخرى: "إن اعتراضات الجميع لا تتغير، لماذا تحاول أن تتكلَّف الأسلوب تكلُّفًا؟ إنه لا يفوح من أسلوبك الفرنسي أي عطر شخصي أخّاذ إنما هي عبارات محفوظة في كتب البلاغة تحسب أنها أسلوب رائع!
"حقًا... إن احتفالي بأمر الأسلوب قد أوقعني في التقليد. آه لكلمة الأسلوب، ولكلمة (Formule)!(2) لقد بدأت أبصر وقتئذ. لقد تبيَّن لي بعد طول الجري والجهد أن الأسلوب أحيانًا حجة الكاتب الذي لا يجد ما يقول! إن الذي عنده ما يقول للناس يخرج بكل بساطة ما لديه من كنوز. لا يحفل بأسلوب التقديم، ويتكلَّف الوضع المسرحي في الإعطاء إلا ذلك الذي يعطي شيئًا تافهًا! ما الأسلوب إلا تلك الآلة الصناعية التي نتوسل بها للوصول إلى الحقيقة، ولكن ما أروع الحقيقة لو تفجرت وحدها، من أعماق القلب الصادق، في كلمات بسيطة! لهذا كان الأسلوب أحيانًا كل أدب أولئك الذين لا يحملون في جعبتهم ما ينفع الناس!"(3).
وهذا تناقض عجيب، لا يمكن تفسيره إلا بتغير موقف الكاتب من الأسلوب، أو بأنه يعني بالأسلوب في الحالة الثانية غير ما كان يعنيه في الحالة الأولى. وهو يشعر ببعض هذا الاختلاف عندما يضيف قائلا في الرسالة نفسها: "إن مهمة كاتب مصري أو شرقي لأشقّ وأعسّر. ولكن لا بد من جهادنا حتى في بلادنا أيضًا، فإن الأسلوب السليم لم يزل في عُرفنا مرادفًا للغة المتصنِّعة المنمَّقة، وقليل من فَطِنَ إلى أن الأسلوب هو روح وشخصية!".
هما إذن معنيان للأسلوب، يتصارعان في ذهن الكاتب العربي أو الشرقي، ورفْض الحكيم للمعنى الأول (اللغة المتصنعة المنمقة) لا يمنعه من مواصلة البحث عن "الأسلوب الحقيقي" ـ الأسلوب الذي هو روح وشخصية. وهو يحاول أن يستلهم هذا الأسلوب من التراث ومن الحياة معًا. فهو يقول في رسالة تالية: "إني أضع دائمًا نصب عيني هذه المصادر الثلاثة أستلهمها فنيًا: القرآن، وألف ليلة ولية، والشعب أو المجتمع! ولكن الأسلوب! الأسلوب! لطالما شغلتك معي بالحديث عن الأسلوب الفني الذي أبحث عنه. أين أجده أخيرًا؟. ومع ذلك في ذهني أنه يكون على مقربة مني دون أن أشعر!"(4).
وفي مرحلة أكثر نضجًا (بعد أن وجد أسلوبه) يتحدث الحكيم عن الابتكار الأدبي فينفي نفيًا قاطعًا أن يكون الابتكار صفة راجعة إلى الموضوعات أو الأفكار. ويضيف: "وقد تسألني بعدئذ: ما الابتكار الفني؟ فأقول لك بسرعة وبساطة: هو أن تكون أنت هو أن تحقق نفسك، هو أن تُسمِعنا صوتك أنت، ونبرتك أنت"(5). والجهد المضني الذي يبذله كل فنان ليصبح له أسلوبه الخاص أو صوته الخاص لا يعدو ـ في الواقع ـ التحرر من تأثيرات سابقيه. ولكن حين ينجح في صياغة أسلوبه يجد نفسه أسير هذا الأسلوب. "وكيف يخرج عن طريقته وأسلوبه؟ إنها ذاته. تلك مأساة الطابع والشخصية؛ ما دام قد صار له طابع فلن يخلع عنه أبدًا. ولا بالموت"(6).
إن هذه الانطباعات جميعها انطباعات صادقة، ومهما يكن من تناقضها الظاهر فهي جميعًا تُصوِّر المعاناة التي يجدها الكاتب المبدع في ما يسمَّى الخلق الأدبي. وإذا كان ثمة معنى واحد مشترك بينها جميعًا فهو أن "الأسلوب" يطلق على شكل العمل الأدبي. ولكن المشكلة هي أن هذا الشكل يؤثر في ما يراد قوله، ومن هنا يجني أسلوب الكاتب المتقدم على "شخصية" الكاتب الناشئ الذي يحاول تقليده. فهل يذهب الحكيم إلى القول بأن "شخصية" الإنسان لا علاقة لها بأفكاره؟ ربما كان جوهر المشكلة هو تحديد ما يُراد بالأفكار. فحقائق علم الطبيعة أو علم الفلك أفكار، وتأمُّلات الفيلسوف أفكار، وتخيلات الشاعر أفكار كذلك، وإلا فماذا يمكن أن نسميها؟
الفصل الأول
فكرة الأسلوب عند الأدباء
كلمة "الأسلوب" من الكلمات الشائعة في عصرنا هذا عندما نتكلم عن الآثار الأدبية؛ نقرؤها أو نسمعها غالبًا مقترنة بأوصاف معينة مثل:
- أسلوب سهل أو معقد، متين أو ركيك، غريب أو مألوف، جزل أو ضعيف... إلخ.
- أسلوب رصين، أو سلس، أو ممتع، أو مشوّّّّق، أو جدّي، أو هزلي... إلخ.
ويلاحظ على هذه الاستعمالات الجارية عدة أمور:
- أن كلمة الأسلوب كلمة مطاطة، يمكننا أن نستعملها عندما نتحدث عن عبارة قصيرة أو عن قطعة كاملة أو عن مجموع شعر الشاعر أو نثر الكاتب، ويمكن أن تشير إلى الألفاظ وطريقة ترتيبها (المجموعة الأولى) أو المعاني وطريقة سردها (المجموعة الثانية).
- أنها تحمل نوعًا من الدلالة على القيمة الأدبية. ففي جميع الاستعمالات التي مرت بك، هناك حكم بالاستحسان أو ضده، أما إذا استُعملت غير مقترنة بوصف، كأن تقول مثلًا: "فلان عنده أسلوب!" فإنها تدل على أنك تستحسن طريقته في الكتابة.
- أنها تدل على نوع من التميُّز. أي أننا حين نتكلم عن "أسلوب" ما فلا بد أن يكون هذا الأسلوب متميزًا عن غيره من الأساليب. وعندما نقول: "فلان عنده أسلوب!" فنحن لا نقصد فقط إلى استحسان طريقته في الكتابة، بل نقصد قبل ذلك إلى أن هذه الطريقة متميزة عن غيرها من الطرق.
وفي هذا المعنى تتردد عبارة "الأسلوب هو الرجل" أو ـ إذا توخَّينا الدقة ـ "الأسلوب هو الإنسان نفسه". وقائل هذه الكلمة "بوفّون" مفكر فرنسي من رجال القرن الثامن عشر الميلادي. ولم يكن يعني بها أكثر من أن لكل إنسان طريقته الخاصة في التعبير، ولكن العبارة شاعت وتناقلها الكتِّاب، وتأثرت بمفاهيم العصر، فأصبح معظم الناس يفهمون منها أن الأسلوب هو مرآة الشخصية أو الخَلْق.
وإذا كانت كلمة "الأسلوب" تدل على كل هذه المعاني، فطبيعي أن تحتل مكانة تشبه مركز الدائرة بالنسبة إلى العمل الأدبي في تفكير كثير من المُنشئين والنقاد. ومن هؤلاء توفيق الحكيم الذي يجمع كل مشكلات نشأته الأدبية في كلمة الأسلوب. يقول مخاطبًا صديقه الفرنسي: "عزيزي أندريه! هل حقًا أنت تفهمني؟ وهل تقدِّر ما أنا فيه؟ إنها دائمًا حالة القلق والبحث والتنقيب عن الأسلوب!"(1).
ولكنه يقول له في رسالة أخرى: "إن اعتراضات الجميع لا تتغير، لماذا تحاول أن تتكلَّف الأسلوب تكلُّفًا؟ إنه لا يفوح من أسلوبك الفرنسي أي عطر شخصي أخّاذ إنما هي عبارات محفوظة في كتب البلاغة تحسب أنها أسلوب رائع!
"حقًا... إن احتفالي بأمر الأسلوب قد أوقعني في التقليد. آه لكلمة الأسلوب، ولكلمة (Formule)!(2) لقد بدأت أبصر وقتئذ. لقد تبيَّن لي بعد طول الجري والجهد أن الأسلوب أحيانًا حجة الكاتب الذي لا يجد ما يقول! إن الذي عنده ما يقول للناس يخرج بكل بساطة ما لديه من كنوز. لا يحفل بأسلوب التقديم، ويتكلَّف الوضع المسرحي في الإعطاء إلا ذلك الذي يعطي شيئًا تافهًا! ما الأسلوب إلا تلك الآلة الصناعية التي نتوسل بها للوصول إلى الحقيقة، ولكن ما أروع الحقيقة لو تفجرت وحدها، من أعماق القلب الصادق، في كلمات بسيطة! لهذا كان الأسلوب أحيانًا كل أدب أولئك الذين لا يحملون في جعبتهم ما ينفع الناس!"(3).
وهذا تناقض عجيب، لا يمكن تفسيره إلا بتغير موقف الكاتب من الأسلوب، أو بأنه يعني بالأسلوب في الحالة الثانية غير ما كان يعنيه في الحالة الأولى. وهو يشعر ببعض هذا الاختلاف عندما يضيف قائلا في الرسالة نفسها: "إن مهمة كاتب مصري أو شرقي لأشقّ وأعسّر. ولكن لا بد من جهادنا حتى في بلادنا أيضًا، فإن الأسلوب السليم لم يزل في عُرفنا مرادفًا للغة المتصنِّعة المنمَّقة، وقليل من فَطِنَ إلى أن الأسلوب هو روح وشخصية!".
هما إذن معنيان للأسلوب، يتصارعان في ذهن الكاتب العربي أو الشرقي، ورفْض الحكيم للمعنى الأول (اللغة المتصنعة المنمقة) لا يمنعه من مواصلة البحث عن "الأسلوب الحقيقي" ـ الأسلوب الذي هو روح وشخصية. وهو يحاول أن يستلهم هذا الأسلوب من التراث ومن الحياة معًا. فهو يقول في رسالة تالية: "إني أضع دائمًا نصب عيني هذه المصادر الثلاثة أستلهمها فنيًا: القرآن، وألف ليلة ولية، والشعب أو المجتمع! ولكن الأسلوب! الأسلوب! لطالما شغلتك معي بالحديث عن الأسلوب الفني الذي أبحث عنه. أين أجده أخيرًا؟. ومع ذلك في ذهني أنه يكون على مقربة مني دون أن أشعر!"(4).
وفي مرحلة أكثر نضجًا (بعد أن وجد أسلوبه) يتحدث الحكيم عن الابتكار الأدبي فينفي نفيًا قاطعًا أن يكون الابتكار صفة راجعة إلى الموضوعات أو الأفكار. ويضيف: "وقد تسألني بعدئذ: ما الابتكار الفني؟ فأقول لك بسرعة وبساطة: هو أن تكون أنت هو أن تحقق نفسك، هو أن تُسمِعنا صوتك أنت، ونبرتك أنت"(5). والجهد المضني الذي يبذله كل فنان ليصبح له أسلوبه الخاص أو صوته الخاص لا يعدو ـ في الواقع ـ التحرر من تأثيرات سابقيه. ولكن حين ينجح في صياغة أسلوبه يجد نفسه أسير هذا الأسلوب. "وكيف يخرج عن طريقته وأسلوبه؟ إنها ذاته. تلك مأساة الطابع والشخصية؛ ما دام قد صار له طابع فلن يخلع عنه أبدًا. ولا بالموت"(6).
إن هذه الانطباعات جميعها انطباعات صادقة، ومهما يكن من تناقضها الظاهر فهي جميعًا تُصوِّر المعاناة التي يجدها الكاتب المبدع في ما يسمَّى الخلق الأدبي. وإذا كان ثمة معنى واحد مشترك بينها جميعًا فهو أن "الأسلوب" يطلق على شكل العمل الأدبي. ولكن المشكلة هي أن هذا الشكل يؤثر في ما يراد قوله، ومن هنا يجني أسلوب الكاتب المتقدم على "شخصية" الكاتب الناشئ الذي يحاول تقليده. فهل يذهب الحكيم إلى القول بأن "شخصية" الإنسان لا علاقة لها بأفكاره؟ ربما كان جوهر المشكلة هو تحديد ما يُراد بالأفكار. فحقائق علم الطبيعة أو علم الفلك أفكار، وتأمُّلات الفيلسوف أفكار، وتخيلات الشاعر أفكار كذلك، وإلا فماذا يمكن أن نسميها؟
صفحة 4
من الواضح أننا لا نستطيع أن نتكلم عن الأسلوب كلامًا مستقيمًا، يتجاوز حدود الانطباعات الجزئية أو الوقتية، ما لم نحدد مفهومنا للأفكار التي توجد في الأدب أو لا توجد فيه. وينبغي لنا عندما نحاول ذلك ألا ننسى أن هذا "الأدب" الذي نتحدث عنه ليس شيئًا مجردًا، لكنه سلاسل من الأصوات التي نسمعها بآذاننا، أو تتردد في حسِّنا السمعي الداخلي إذا كنا قد تعودنا أن نقرأ قراءة صامتة.
وللعقاد مقالان عن "الأسلوب" في كتابه "مراجعات في الآداب والفنون" ناقش في أوّلهما رأيًا للكاتب الفرنسي أناتول فرانس ذهب فيه ـ كما يقول العقاد ـ إلى أن الأسلوب الأمثل في الأدب هو الأسلوب السهل الذي لا يكدّ ذهن القارئ، "فللعلم حق الانتباه والتأمل علينا وليس للفنون ذلك الحق لأنها بطبيعتها تسر ولا تفيد، ووظيفتها أن تعجب ولا وظيفة لها غير ذلك. فيجب أن تكون جذابة بغير شرط". يناقش العقاد رأي أناتول فرانس ـ ولعله صورة مبالغ فيها القول بأن الابتكار الأدبي لا شأن له بالموضوعات أو الأفكارـ معلقًا عليه تعليقًا طويلا بقلمه الجدل الساخر. ففي الكون أسرار لا يسهُل التأدي إليها، وللنفس أغوار لا تطفو على وجه الحروف الأبجدية ولا تطير على ألسنة الشعراء والقصّاص، وللجمال معان محجبة لا تبرز للناس في ثياب الحمام في كل حين. والجمال في الفنون سهل مُعْجِبٌ لمن يقدرونه ويحبونه ويستعدون له استعداده ويبذلون فيه ثمنه. "وإنما تُمتدح السهولة في الأدب ثم تدل على النبوغ والقدرة إذا أدى بها الأديب المعاني التي يؤديها غيره بمشقة واعتساف". وما هذه "المعاني" التي يؤديها الأدب؟ يستشهد العقاد بأبيات لكثَيِّر عزة ومقطوعة للعتابي مبينًا ما في معانيهما من عُلقة شديدة بالنفس، يحسبها بعض الناس حلاوة في الألفاظ، ويخلص من ذلك إلى أن الصور الخيالية والمعاني الذهنية هي الأصل في جمال الأساليب في الأدب والفنون".
فالعقاد يقرر بوضوح أن الأفكار في الأدب هي أفكار من نوع مخصوص، ثم لا ينسى أن هذه الأفكار تنتقل بواسطة اللغة. ولكنه لا يسأل "كيف" تنتقل، بل يكتفي بالقول إن "الصور الخيالية والمعاني الذهنية" (أي الأفكار الأدبية) هي الأصل في جمال الأساليب. ولو كان مجرد حصول "للصور الخيالية والمعاني الذهنية" للكاتب أو الشاعر كافيًا لأن يكتب أدبًا عظيمًا لكان الإبداع عملية سهلة حقا، مع أننا نعلم أن القراءة نفسها تتطلب جهدًا وتركيزًا حتى نُحصّل تلك الصور الخيالية والمعاني الذهنية.
والمقال الثاني للعقاد يعالج قضية الأسلوب من الناحية التي تركها معلَّقة في المقال الأول. فإذا كان قد أدار المقال الأول على مناقشة رأي أناتول فرانس في الأدب السهل، وتطرق من ذلك إلى بحث طبيعة المعاني الأدبية، فإنه في هذا المقال الثاني يناقش آراء المتشددين في اللغة، الذين يعيبون على العقاد وزمرته أنهم يكتبون بأسلوب "إفرنجي"، فيفسدون بلاغة العربية (ماذا كانوا يقولون لو قرؤوا ما يكتبه الشعراء والكتَّاب في هذه الأيام!) وهو يرد اعتراضاتهم واحدًا واحدًا. فإذا كان غرضهم العودة إلى أسلوب العرب الجاهليين والمخضرمين في شعرهم ونثرهم فإن هؤلاء لم يخلفوا لنا نثرًا مكتوبًا، أما قصائدهم فليست بالنموذج الذي يقتدَى به في النظم (لأنها في الغالب أبيات مبعثرة تجمعها قافية واحدة يخرج فيها الشاعر من المعنى ثم يعود إليه ثم يخرج منه على غير وتيرة معروفة ولا ترتيب مقبول).
ويقف العقاد وقفة أكثر احترامًا عند فكرة الملكة اللغوية التي أخذها عن ابن خلدون. ولكنه يرى أن من مزايا هذه المَلكة ما يتغير بتغير العصور والأعراق، "وإنما الشأن للعادة في استحسان المزايا اللغوية التي من هذا القبيل، فإذا تغيرت العادة تغيرت معها أسباب الاستحسان". "ومن مزايا المَلكة العربية ما يحسُن في الذوق لأنه يفيد الكلام قوة ووضوحا ويزيد المعاني صقلا وبيانا ويعصم اللسان من الإسفاف والركاكة ويمده بذخيرة من أساليب التعبير ينفق منها في النظم والكتابة. فهذه المزايا هي التي نحتفظ بها ونتوسع فيها ونضيف إليها ما يوائمها ويتمشى معها من مزايا اللغات الأخرى، ونتصرف فيها تصرف صاحب الدار في داره، فلا نقف حيالها مقيَّدين مأسورين كأننا نترجم غير أنفسنا ونلفظ بغير ألسنتنا ونفكر بغير عقولنا التي ركبها الله في رؤوسنا، وما من شرط في كل ذلك غير المعرفة والإحسان".
ولا شك أن "المعرفة والإحسان" شرط في كل عمل جيد، ولكنك إذا أوصيت صانعًا بأن يأخذ في أعمال صنعته بالمعرفة والإحسان فما أوصيته بشيء نافع: لأنه إما أن يكون ذا معرفة وإحسان فلا حاجة به إلى نصيحتك، وإما أن يكون جاهلًا بهما فتكون قد تركته في جهالة وولَّيته ظهرك لتقطع يده سكين أو يصعقه تيار كهربي. وهذا الذي ذكره العقاد عما يحسُن أن نحتفظ به من لغة العرب وما يحسن أن نستلحقه من اللغات الأخرى لا يفيد معرفة ولا إحسانا. فمن قال إن "القوة والوضوح والصقل والبيان" (إذا فرض أننا اتفقنا على معاني هذه الألفاظ) شروط لازمة لكل عمل أدبي جيد؟ وبمَ يقاس "الإسفاف والركاكة" إلا بالفصاحة التي لا ندري لها تعريفًا سوى تعريف البلاغيين المتقدمين أنها "ما كان استعمال العرب الأقحاح لها أكثر"؟ إن القاضي عليَّ بن عبد العزيز الجرجاني في القرن الرابع الهجري كان أكثر تحررًا من العقاد في القرن الرابع عشر (وهو المتحرر الذي يرد على الجامدين!) حين رد اتهام اللغويين المتشددين في أيامه وقبل أيامه لشعر المحدثين بما يشبه الإسفاف والركاكة، فقرر أن شعرهم لا ينبغي أن يقاس بشعر القدماء، بل يُنظر إليه في ذاته ويقاس بمقياس عصره، وهو في ذاته جميل، وهو ألْيق بعصره من شعر القدماء.
وأما تلك الذخيرة من أساليب التعبير التي ينفق منها الشاعر أو الكاتب في النظم أو الكتابة، فما أدرانا أنها لا تكون كتلك الصيغ المحفوظة التي قضت على مستقبل توفيق الحكيم ككاتب فرنسي؟
وللعقاد مقالان عن "الأسلوب" في كتابه "مراجعات في الآداب والفنون" ناقش في أوّلهما رأيًا للكاتب الفرنسي أناتول فرانس ذهب فيه ـ كما يقول العقاد ـ إلى أن الأسلوب الأمثل في الأدب هو الأسلوب السهل الذي لا يكدّ ذهن القارئ، "فللعلم حق الانتباه والتأمل علينا وليس للفنون ذلك الحق لأنها بطبيعتها تسر ولا تفيد، ووظيفتها أن تعجب ولا وظيفة لها غير ذلك. فيجب أن تكون جذابة بغير شرط". يناقش العقاد رأي أناتول فرانس ـ ولعله صورة مبالغ فيها القول بأن الابتكار الأدبي لا شأن له بالموضوعات أو الأفكارـ معلقًا عليه تعليقًا طويلا بقلمه الجدل الساخر. ففي الكون أسرار لا يسهُل التأدي إليها، وللنفس أغوار لا تطفو على وجه الحروف الأبجدية ولا تطير على ألسنة الشعراء والقصّاص، وللجمال معان محجبة لا تبرز للناس في ثياب الحمام في كل حين. والجمال في الفنون سهل مُعْجِبٌ لمن يقدرونه ويحبونه ويستعدون له استعداده ويبذلون فيه ثمنه. "وإنما تُمتدح السهولة في الأدب ثم تدل على النبوغ والقدرة إذا أدى بها الأديب المعاني التي يؤديها غيره بمشقة واعتساف". وما هذه "المعاني" التي يؤديها الأدب؟ يستشهد العقاد بأبيات لكثَيِّر عزة ومقطوعة للعتابي مبينًا ما في معانيهما من عُلقة شديدة بالنفس، يحسبها بعض الناس حلاوة في الألفاظ، ويخلص من ذلك إلى أن الصور الخيالية والمعاني الذهنية هي الأصل في جمال الأساليب في الأدب والفنون".
فالعقاد يقرر بوضوح أن الأفكار في الأدب هي أفكار من نوع مخصوص، ثم لا ينسى أن هذه الأفكار تنتقل بواسطة اللغة. ولكنه لا يسأل "كيف" تنتقل، بل يكتفي بالقول إن "الصور الخيالية والمعاني الذهنية" (أي الأفكار الأدبية) هي الأصل في جمال الأساليب. ولو كان مجرد حصول "للصور الخيالية والمعاني الذهنية" للكاتب أو الشاعر كافيًا لأن يكتب أدبًا عظيمًا لكان الإبداع عملية سهلة حقا، مع أننا نعلم أن القراءة نفسها تتطلب جهدًا وتركيزًا حتى نُحصّل تلك الصور الخيالية والمعاني الذهنية.
والمقال الثاني للعقاد يعالج قضية الأسلوب من الناحية التي تركها معلَّقة في المقال الأول. فإذا كان قد أدار المقال الأول على مناقشة رأي أناتول فرانس في الأدب السهل، وتطرق من ذلك إلى بحث طبيعة المعاني الأدبية، فإنه في هذا المقال الثاني يناقش آراء المتشددين في اللغة، الذين يعيبون على العقاد وزمرته أنهم يكتبون بأسلوب "إفرنجي"، فيفسدون بلاغة العربية (ماذا كانوا يقولون لو قرؤوا ما يكتبه الشعراء والكتَّاب في هذه الأيام!) وهو يرد اعتراضاتهم واحدًا واحدًا. فإذا كان غرضهم العودة إلى أسلوب العرب الجاهليين والمخضرمين في شعرهم ونثرهم فإن هؤلاء لم يخلفوا لنا نثرًا مكتوبًا، أما قصائدهم فليست بالنموذج الذي يقتدَى به في النظم (لأنها في الغالب أبيات مبعثرة تجمعها قافية واحدة يخرج فيها الشاعر من المعنى ثم يعود إليه ثم يخرج منه على غير وتيرة معروفة ولا ترتيب مقبول).
ويقف العقاد وقفة أكثر احترامًا عند فكرة الملكة اللغوية التي أخذها عن ابن خلدون. ولكنه يرى أن من مزايا هذه المَلكة ما يتغير بتغير العصور والأعراق، "وإنما الشأن للعادة في استحسان المزايا اللغوية التي من هذا القبيل، فإذا تغيرت العادة تغيرت معها أسباب الاستحسان". "ومن مزايا المَلكة العربية ما يحسُن في الذوق لأنه يفيد الكلام قوة ووضوحا ويزيد المعاني صقلا وبيانا ويعصم اللسان من الإسفاف والركاكة ويمده بذخيرة من أساليب التعبير ينفق منها في النظم والكتابة. فهذه المزايا هي التي نحتفظ بها ونتوسع فيها ونضيف إليها ما يوائمها ويتمشى معها من مزايا اللغات الأخرى، ونتصرف فيها تصرف صاحب الدار في داره، فلا نقف حيالها مقيَّدين مأسورين كأننا نترجم غير أنفسنا ونلفظ بغير ألسنتنا ونفكر بغير عقولنا التي ركبها الله في رؤوسنا، وما من شرط في كل ذلك غير المعرفة والإحسان".
ولا شك أن "المعرفة والإحسان" شرط في كل عمل جيد، ولكنك إذا أوصيت صانعًا بأن يأخذ في أعمال صنعته بالمعرفة والإحسان فما أوصيته بشيء نافع: لأنه إما أن يكون ذا معرفة وإحسان فلا حاجة به إلى نصيحتك، وإما أن يكون جاهلًا بهما فتكون قد تركته في جهالة وولَّيته ظهرك لتقطع يده سكين أو يصعقه تيار كهربي. وهذا الذي ذكره العقاد عما يحسُن أن نحتفظ به من لغة العرب وما يحسن أن نستلحقه من اللغات الأخرى لا يفيد معرفة ولا إحسانا. فمن قال إن "القوة والوضوح والصقل والبيان" (إذا فرض أننا اتفقنا على معاني هذه الألفاظ) شروط لازمة لكل عمل أدبي جيد؟ وبمَ يقاس "الإسفاف والركاكة" إلا بالفصاحة التي لا ندري لها تعريفًا سوى تعريف البلاغيين المتقدمين أنها "ما كان استعمال العرب الأقحاح لها أكثر"؟ إن القاضي عليَّ بن عبد العزيز الجرجاني في القرن الرابع الهجري كان أكثر تحررًا من العقاد في القرن الرابع عشر (وهو المتحرر الذي يرد على الجامدين!) حين رد اتهام اللغويين المتشددين في أيامه وقبل أيامه لشعر المحدثين بما يشبه الإسفاف والركاكة، فقرر أن شعرهم لا ينبغي أن يقاس بشعر القدماء، بل يُنظر إليه في ذاته ويقاس بمقياس عصره، وهو في ذاته جميل، وهو ألْيق بعصره من شعر القدماء.
وأما تلك الذخيرة من أساليب التعبير التي ينفق منها الشاعر أو الكاتب في النظم أو الكتابة، فما أدرانا أنها لا تكون كتلك الصيغ المحفوظة التي قضت على مستقبل توفيق الحكيم ككاتب فرنسي؟
صفحة 5
وتبقى حماسة العقاد في الدفاع عن حق الشاعر المعاصر والناقد المعاصر في أن يترجما عن نفسيهما ويفكرا بعقليهما، وهي حماسة دفعته ورفاقه شوطًا غير صغير في تجديد بلاغة العربية، ولكنهم لم يبلغوا من ذلك المبلغ الذي ظنوه وتوخُّوه. وقد تكون لهذا القصور أسباب كثيرة، ولكن أحدها ـ ولا شك ـ غموض فكرتهم عن العلاقة بين اللغة الأدبية والمعنى الأدبي(7).
وهكذا بقي كلامهم عن الأسلوب قفزًا من هذا الطرف إلى ذلك. وبقي كغيره من الكلام في النقد الأدبي- يشكو من اضطراب المفاهيم واختلاط الحدود، حتى خال الناس أن الكلام عن الأدب لا بد أن يكون كذلك.
وابتداء الكلام عن لغة الأدب من الأدب نفسه (نحو كونه في الأفكار والمعاني أو الأخيلة أو الألفاظ، وكونه قوميًّا أو إنسانيًّا أو محليًّا... إلخ) لا بد أن يُفضي إلى الاضطراب والاختلاط، لأن الأدب فن جميل، ولكنه يختلف عن سائر الفنون الجميلة (كالتصوير والنحت والموسيقى) بأنه لا يملك أداة التعبير الخاصة به، بل يستمدها من اللغة التي يستعملها الناس في محاوراتهم ومعاملاتهم وشتى أغراض حياتهم. فإذا بدأت مناقشة اللغة الأدبية عن حقيقة كونها أدبًا، اضطربت بين حقيقة كونها فنًا وحقيقة كونها لغة. ومن ثم فلا بد أن تبدأ من أحد الطرفين: إما من طرف الفن وإما من طرف اللغة. وقد تناولها الفلاسفة من الطرف الأول ضمن بحثهم في فلسفة الجمال وفلسفة الفن، فكان تفكيرهم أكثر انسجامًا ولكنه لم يعط الأعمال الأدبية اهتمامًا كافيًا من حيث هي آثار لغوية، ولذلك ظل بمعزل عن النقد الأدبي إلا فيما ندر. بقي إذن أن نجرِّب الطريق الأخير، فندرس اللغة الأدبية بادئين من حقيقة أنها لغة.
* * *
الفصل الثاني
علم اللغة وعلم الأسلوب
أمَا وقد قررنا أن ندرس الأسلوب من جهة اللغة، حتى نخلِّص هذه الكلمة من فوضى النقد المعاصر، فيجب أن نسأل أنفسنا أولا: كيف ننظر إلى اللغة؟ فثمة نظرتان إلى اللغة لا بد لنا من أن نختار إحداهما:
هناك نظرة القدماء إلى اللغة. وهؤلاء يفترضون فيها الثبات، مهما رأوا من التغيرات التي تطرأ عليها. وعلى هذا الأساس قام منهجهم العلمي كله: فالاستعمالات اللغوية التي يعتد بها عندهم هي تلك التي ترجع إلى "عصور الاحتجاج"، قبل أن يختلط العرب بالأعاجم فتفسد ألسنتهم، ومما أُثر عن هذه العصور جمْع متن اللغة وقُعّد النحو على أيدي الصدر الأول من علماء اللغة، ثم كانت مهمة من جاء بعدهم أن يصنفوا ويبوِّبوا ويعللوا ويشرحوا، ثم أن يعالجوا ما استُحدث في اللغة في كتب خاصة وتحت عناوين خاصة، بحيث لا يتمتع هذا المستحدَثُ بحق المواطنة في المجتمع اللغوي، بل يبقى منبوذًا مهما كانت قيمة الوظيفة التي يؤديها، وفئات المنبوذين درجات؛ فمنها المُعرَّب والدخيل والمصحَّف والمحرَّف والملحون.
وهكذا بقي كلامهم عن الأسلوب قفزًا من هذا الطرف إلى ذلك. وبقي كغيره من الكلام في النقد الأدبي- يشكو من اضطراب المفاهيم واختلاط الحدود، حتى خال الناس أن الكلام عن الأدب لا بد أن يكون كذلك.
وابتداء الكلام عن لغة الأدب من الأدب نفسه (نحو كونه في الأفكار والمعاني أو الأخيلة أو الألفاظ، وكونه قوميًّا أو إنسانيًّا أو محليًّا... إلخ) لا بد أن يُفضي إلى الاضطراب والاختلاط، لأن الأدب فن جميل، ولكنه يختلف عن سائر الفنون الجميلة (كالتصوير والنحت والموسيقى) بأنه لا يملك أداة التعبير الخاصة به، بل يستمدها من اللغة التي يستعملها الناس في محاوراتهم ومعاملاتهم وشتى أغراض حياتهم. فإذا بدأت مناقشة اللغة الأدبية عن حقيقة كونها أدبًا، اضطربت بين حقيقة كونها فنًا وحقيقة كونها لغة. ومن ثم فلا بد أن تبدأ من أحد الطرفين: إما من طرف الفن وإما من طرف اللغة. وقد تناولها الفلاسفة من الطرف الأول ضمن بحثهم في فلسفة الجمال وفلسفة الفن، فكان تفكيرهم أكثر انسجامًا ولكنه لم يعط الأعمال الأدبية اهتمامًا كافيًا من حيث هي آثار لغوية، ولذلك ظل بمعزل عن النقد الأدبي إلا فيما ندر. بقي إذن أن نجرِّب الطريق الأخير، فندرس اللغة الأدبية بادئين من حقيقة أنها لغة.
* * *
الفصل الثاني
علم اللغة وعلم الأسلوب
أمَا وقد قررنا أن ندرس الأسلوب من جهة اللغة، حتى نخلِّص هذه الكلمة من فوضى النقد المعاصر، فيجب أن نسأل أنفسنا أولا: كيف ننظر إلى اللغة؟ فثمة نظرتان إلى اللغة لا بد لنا من أن نختار إحداهما:
هناك نظرة القدماء إلى اللغة. وهؤلاء يفترضون فيها الثبات، مهما رأوا من التغيرات التي تطرأ عليها. وعلى هذا الأساس قام منهجهم العلمي كله: فالاستعمالات اللغوية التي يعتد بها عندهم هي تلك التي ترجع إلى "عصور الاحتجاج"، قبل أن يختلط العرب بالأعاجم فتفسد ألسنتهم، ومما أُثر عن هذه العصور جمْع متن اللغة وقُعّد النحو على أيدي الصدر الأول من علماء اللغة، ثم كانت مهمة من جاء بعدهم أن يصنفوا ويبوِّبوا ويعللوا ويشرحوا، ثم أن يعالجوا ما استُحدث في اللغة في كتب خاصة وتحت عناوين خاصة، بحيث لا يتمتع هذا المستحدَثُ بحق المواطنة في المجتمع اللغوي، بل يبقى منبوذًا مهما كانت قيمة الوظيفة التي يؤديها، وفئات المنبوذين درجات؛ فمنها المُعرَّب والدخيل والمصحَّف والمحرَّف والملحون.
صفحة 6
وكان لهذه الفلسفة اللغوية أثرها في فلسفة النقد، فكانت عصور الاحتجاج في اللغة هي نفسها عصور الاحتجاج في الأدب، كما نجد الآمدي مثلا (370هـ). وتطورت من هذه النظرة فكرة عمود الشعر، كما تطورت منها فكرة الأسلوب التي لخَّصها ابن خلدون (ت 808 هـ) بقوله: "ولنذكر هنا سلوك الأسلوب عند أهل هذه الصناعة، وما يريدون بها في إطلاقهم. فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي نسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه". ويحرص ابن خلدون على تأكيد أن المراد بالمنوال والقالب هنا شيء غير النحو، بل غير البلاغة والبيان. وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص، تلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها، ويُصيِّرها في الخيال كالقالب أو المنوال، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان، فيرصها رصًا كما يفعل البنَّاء في القالب أو النسَّاج في المنوال"(8).
وهذا ملخص دقيق في عملية الخلْق اللغوي لا يكاد يختلف عن النظرية التي يقول بها "تشومسكي" الآن، وهي أن ثمة أبنية عميقة في ذهن كل مستعمِل للغة (ولا يهمنا الآن إن كانت هذه الأبنية فطرية أو مكتسبَة) يستطيع بمراعاتها أن "يخلق" عددًا لا يحصَى من الجمل التي لم يسبق له سماعها. ولكن الذي يعنينا هنا هو أن ابن خلدون تصور "البنية العميقة" أو "الهيئة الذهنية" التي يصدر عنها الشعر أو النثر تصورًا لا يكاد يختلف عن تصور النحويين لقواعدهم إلا في شيء واحد: وهو أن البنية الذهنية في الأسلوب بنية معنوية (أو كما قال حازم القرطاجني ـ ت 684 هـ): "الأسلوب هيئة تُحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية". والأمثلة التي يسوقها ابن خلدون لأسلوب الشعر توضح نوع هذه القواعد: "فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول ويكون باستدعاء الصحْب للوقوف والسؤال أو باستبكاء الصحب على الطلل...... إلخ". هذه المعاني التي سنّها الشعراء الجاهليون لمن بعدهم. وابن خلدون يأتي بالشواهد من كلام الشعراء المتقدمين على طريقة علماء اللغة، ويوافق كثيرًا من النقاد قبله على أن المتنبي والمعري لم يكونا شاعرين، لأنهما خرجا على هذه الأساليب.
ولا شك أن هذه النظرة ـ على جمودها ـ أكثر تماسكًا من نظرة أدبائنا المعاصرين. ولعل اضطراب هؤلاء أمام كلمة "الأسلوب" راجع إلى أنهم لم يقبلوا الفلسفة اللغوية التي قامت عليها نظرية الأسلوب عند الأقدمين، ولكنهم أخطأوا حين أساءوا الظن بكل فلسفة لغوية، ومن هنا انصرفوا عن علوم البلاغة وفروا إلى فضاء "النقد الأدبي" يسرحون فيه ويمرحون. وحين نحاول اليوم أن نبدأ دراسة الأدب من جانب اللغة، فإنما نعيد الأمر إلى نصابه، فننتقل من علم لغوي صلب ينكر الواقع ويتجاهله إلى أن يكسره الواقع، إلى علمٍ لغويٍّ يستمد قوانينه من الواقع، ليعود أقدر على التأثير فيه.
ونود أن نحدد منذ البداية مقصودنا بعلم اللغة الحديث. فنحن لا نقصد علم اللغة في العصر الحديث بإطلاق، ولا علم اللغة عند الأوربيين بإطلاق. فقد ظل الأوربيون منذ عصر النهضة حتى أوائل القرن التاسع عشر سائرين على نهج في دراسة لغاتهم لا يختلف من حيث مبادئه عن نهج لغويِّينا القدماء، وإن اختلفت طبيعة المشكلات التي واجهوها، لأنهم كانوا يضعون القواعد للغات حديثة الميلاد من أمها اللاتينية، حديثة العهد بأمور الثقافة، فتأثروا باللغة الأم في صياغة قواعدهم، كما تأثروا بها في إنشاء أدبهم. ولكنهم بعد أن حددوا قواعدها ومتْنها أمسكوا بمعيار المصلحة والخطأ وأهملوا ما عداه. ثم كان التغير المهم في علم اللغة عندهم لما أخذوا بالنظرة التاريخية المقارنة، وراحوا يحاولون اكتشاف خطوات التطور في اللغة الإندوأوربية الأصلية التي يفترضون أن اللغات الأوربية كلها (وكذلك بعض لغات وسط آسيا) قديمها وحديثها نشأت منها. وحين ظنوا أنهم اهتدوا إلى هذه القوانين راحوا يطبقونها على مجموعات لغوية غير مجموعتهم الإندوأوربية، كالمجموعة السامية مثلا. وعندما ظهر أوغست كومت (1798 ـ 1857م) بفلسفته الوضعية التي ترد كل القيم الفكرية إلى الإنسان، وتؤمن بالعلم التجريبي كمرحلة أخيرة في تطور البشرية، غلبت دراسة المجتمعات الإنسانية - من حيث هي نُظم متكاملة ـ على دراسة المظاهر المختلفة لحياة الإنسان ـ بصورة منفردة ـ في تطورها التاريخي. وبفضل تأثير علم الاجتماع ثم الانقلاب الثاني في علم اللغة على يد العالم السويسري دي سوسير (1857 ـ 1913 م) الذي دعا إلى دراسة اللغة كبناء متكامل في فترة زمنية محددة، قبل دراسة التطورات الجزئية التي تطرأ على نطق حرف من الحروف مثلا فتؤدي إلى التغير في بعض القواعد أو بعض المفردات.
لم يكن سوسير هو العَلَم المفرد في هذا الاتجاه، فقد كان له سابقون ومعاصرون مهَّدوا للنظرة الجديدة أو أكدوها، ومن ثم عوملت اللغة على أنها نظام اجتماعي حي ومتكامل، يُستخلص من أفواه الناس لا من الكتب فحسب. وكان لعلماء الأنثروبولوجيا الذين قاموا بدراسات ميدانية لكثير من المجتمعات البدائية ودوَّنوا لغتها كما سجلوا معتقداتها وأساطيرها وعاداتها في شتى جوانب الحياة، أثر كبير في تدعيم الاتجاه الجديد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الاتجاه الأخير لم ينسخ البحث التاريخي "الرأسي" في اللغة ولم ينف الحاجة إليه، وإن كان قد جعله تاليًا في الأهمية للبحث "الأفقي" الذي يدرس اللغة على أنها نظام واحد، نفترض ثباته حتى نستطيع أن نلاحظ العلاقات بين أجزائه. وهذا هو الفرق الجوهري بين علم اللغة المعاصر وعلم اللغة القديم، فعلم اللغة المعاصِر يفترض ثبات اللغة على أنه ضرورة منهجية، في حين أن علم اللغة القديم يؤمن بثباتها على أنه حقيقة. ومن ثم لم يستطع البحث الأفقي في اللغة أن يزيح البحث التاريخي من الميدان. والواقع أن البحثين متكاملان من حيث إنهما يعترفان بأن اللغة ـ بمختلف جوانبها ـ تخضع لشتى أنواع التغيرات، وأن متن اللغة وقواعدها يستخلصان من استعمال أصحاب اللغة، في شتى العصور والبيئات.
وبما أن البحث في هذه التغيرات لا يدخل في دائرة علم النحو الذي يقتصر بحثه على اللغة بوصفها نظامًا اجتماعيًا شاملا خارجًا عن خصوصيات الفرد والموقف، فقد قامت الحاجة إلى علم جديد يشغل هذا الفراغ. وهكذا نشأ علم الأسلوب في دوائر اللغويين قبل أن يُعنَى به نقاد الأدب.
وهذا ملخص دقيق في عملية الخلْق اللغوي لا يكاد يختلف عن النظرية التي يقول بها "تشومسكي" الآن، وهي أن ثمة أبنية عميقة في ذهن كل مستعمِل للغة (ولا يهمنا الآن إن كانت هذه الأبنية فطرية أو مكتسبَة) يستطيع بمراعاتها أن "يخلق" عددًا لا يحصَى من الجمل التي لم يسبق له سماعها. ولكن الذي يعنينا هنا هو أن ابن خلدون تصور "البنية العميقة" أو "الهيئة الذهنية" التي يصدر عنها الشعر أو النثر تصورًا لا يكاد يختلف عن تصور النحويين لقواعدهم إلا في شيء واحد: وهو أن البنية الذهنية في الأسلوب بنية معنوية (أو كما قال حازم القرطاجني ـ ت 684 هـ): "الأسلوب هيئة تُحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية". والأمثلة التي يسوقها ابن خلدون لأسلوب الشعر توضح نوع هذه القواعد: "فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول ويكون باستدعاء الصحْب للوقوف والسؤال أو باستبكاء الصحب على الطلل...... إلخ". هذه المعاني التي سنّها الشعراء الجاهليون لمن بعدهم. وابن خلدون يأتي بالشواهد من كلام الشعراء المتقدمين على طريقة علماء اللغة، ويوافق كثيرًا من النقاد قبله على أن المتنبي والمعري لم يكونا شاعرين، لأنهما خرجا على هذه الأساليب.
ولا شك أن هذه النظرة ـ على جمودها ـ أكثر تماسكًا من نظرة أدبائنا المعاصرين. ولعل اضطراب هؤلاء أمام كلمة "الأسلوب" راجع إلى أنهم لم يقبلوا الفلسفة اللغوية التي قامت عليها نظرية الأسلوب عند الأقدمين، ولكنهم أخطأوا حين أساءوا الظن بكل فلسفة لغوية، ومن هنا انصرفوا عن علوم البلاغة وفروا إلى فضاء "النقد الأدبي" يسرحون فيه ويمرحون. وحين نحاول اليوم أن نبدأ دراسة الأدب من جانب اللغة، فإنما نعيد الأمر إلى نصابه، فننتقل من علم لغوي صلب ينكر الواقع ويتجاهله إلى أن يكسره الواقع، إلى علمٍ لغويٍّ يستمد قوانينه من الواقع، ليعود أقدر على التأثير فيه.
ونود أن نحدد منذ البداية مقصودنا بعلم اللغة الحديث. فنحن لا نقصد علم اللغة في العصر الحديث بإطلاق، ولا علم اللغة عند الأوربيين بإطلاق. فقد ظل الأوربيون منذ عصر النهضة حتى أوائل القرن التاسع عشر سائرين على نهج في دراسة لغاتهم لا يختلف من حيث مبادئه عن نهج لغويِّينا القدماء، وإن اختلفت طبيعة المشكلات التي واجهوها، لأنهم كانوا يضعون القواعد للغات حديثة الميلاد من أمها اللاتينية، حديثة العهد بأمور الثقافة، فتأثروا باللغة الأم في صياغة قواعدهم، كما تأثروا بها في إنشاء أدبهم. ولكنهم بعد أن حددوا قواعدها ومتْنها أمسكوا بمعيار المصلحة والخطأ وأهملوا ما عداه. ثم كان التغير المهم في علم اللغة عندهم لما أخذوا بالنظرة التاريخية المقارنة، وراحوا يحاولون اكتشاف خطوات التطور في اللغة الإندوأوربية الأصلية التي يفترضون أن اللغات الأوربية كلها (وكذلك بعض لغات وسط آسيا) قديمها وحديثها نشأت منها. وحين ظنوا أنهم اهتدوا إلى هذه القوانين راحوا يطبقونها على مجموعات لغوية غير مجموعتهم الإندوأوربية، كالمجموعة السامية مثلا. وعندما ظهر أوغست كومت (1798 ـ 1857م) بفلسفته الوضعية التي ترد كل القيم الفكرية إلى الإنسان، وتؤمن بالعلم التجريبي كمرحلة أخيرة في تطور البشرية، غلبت دراسة المجتمعات الإنسانية - من حيث هي نُظم متكاملة ـ على دراسة المظاهر المختلفة لحياة الإنسان ـ بصورة منفردة ـ في تطورها التاريخي. وبفضل تأثير علم الاجتماع ثم الانقلاب الثاني في علم اللغة على يد العالم السويسري دي سوسير (1857 ـ 1913 م) الذي دعا إلى دراسة اللغة كبناء متكامل في فترة زمنية محددة، قبل دراسة التطورات الجزئية التي تطرأ على نطق حرف من الحروف مثلا فتؤدي إلى التغير في بعض القواعد أو بعض المفردات.
لم يكن سوسير هو العَلَم المفرد في هذا الاتجاه، فقد كان له سابقون ومعاصرون مهَّدوا للنظرة الجديدة أو أكدوها، ومن ثم عوملت اللغة على أنها نظام اجتماعي حي ومتكامل، يُستخلص من أفواه الناس لا من الكتب فحسب. وكان لعلماء الأنثروبولوجيا الذين قاموا بدراسات ميدانية لكثير من المجتمعات البدائية ودوَّنوا لغتها كما سجلوا معتقداتها وأساطيرها وعاداتها في شتى جوانب الحياة، أثر كبير في تدعيم الاتجاه الجديد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الاتجاه الأخير لم ينسخ البحث التاريخي "الرأسي" في اللغة ولم ينف الحاجة إليه، وإن كان قد جعله تاليًا في الأهمية للبحث "الأفقي" الذي يدرس اللغة على أنها نظام واحد، نفترض ثباته حتى نستطيع أن نلاحظ العلاقات بين أجزائه. وهذا هو الفرق الجوهري بين علم اللغة المعاصر وعلم اللغة القديم، فعلم اللغة المعاصِر يفترض ثبات اللغة على أنه ضرورة منهجية، في حين أن علم اللغة القديم يؤمن بثباتها على أنه حقيقة. ومن ثم لم يستطع البحث الأفقي في اللغة أن يزيح البحث التاريخي من الميدان. والواقع أن البحثين متكاملان من حيث إنهما يعترفان بأن اللغة ـ بمختلف جوانبها ـ تخضع لشتى أنواع التغيرات، وأن متن اللغة وقواعدها يستخلصان من استعمال أصحاب اللغة، في شتى العصور والبيئات.
وبما أن البحث في هذه التغيرات لا يدخل في دائرة علم النحو الذي يقتصر بحثه على اللغة بوصفها نظامًا اجتماعيًا شاملا خارجًا عن خصوصيات الفرد والموقف، فقد قامت الحاجة إلى علم جديد يشغل هذا الفراغ. وهكذا نشأ علم الأسلوب في دوائر اللغويين قبل أن يُعنَى به نقاد الأدب.
صفحة 7
وقبل أن نشرح هذه النشأة يحسُن بنا أن نوضح، بمثال واحد، الفروق التي أشرنا إليها بين علم اللغة الحديث والمعاصر وعلم اللغة القديم:
إذا أردت أن تكشف عن معنى كلمة في معجم مؤلَّف طبقًا لمبادئ العلوم اللغوية القديمة فستجد أن هذه المعاني مسرودة سردًا، دون تمييز بينها، ولو أن بعض مؤلفي المعاجم العربية في عصرنا هذا يراعون ترتيب مشتقات المادة اللغوية بنظام يسهِّل الكشف عن معنى الكلمة التي نريدها: كأن يبدؤوا بالفعل المجرد، ثم الأفعال المزيدة، ثم الأسماء، يكتبون كل صيغة من هذه الصيغ بطريقة ظاهرة. مثلا: كَتَبَ، كاتَبَ، استكتب، كِتاب.. وهكذا. ولكنهم يسردون معاني كل كلمة من هذه الكلمات دون أن يراعوا ترتيبًا خاصًا. مثلا: كَتَب بمعنى قيَّد، وكَتَبَ بمعنى قضى وأمر، وكَتَبَ بمعنى دوّن. لا يهم أي هذه المعاني يأتي أولا وأيها يأتي ثانيا وأيها يأتي ثالثا. فهم ما زالوا سائرين على المبادئ القديمة في علم اللغة، وكل ما أحدثوه هو نوع من التنظيم الخارجي في عرض المادة.
أما لو كان بيدك معجم مؤلَّف على أسس علم اللغة الحديث(9)، إذن لوجدت أن هذا المعجم يبدأ بتفسير الكلمة بالإشارة إلى أصلها في اللغة السامية القديمة (ولو مسترشدًا باللغات السامية الأخرى غير العربية) ثم يرتب معاني الكلمات بحسب تواريخ استعمالها في هذه المعاني، بقدر ما يمكن للباحث اللغوي أن يستنتج اعتمادًا على الطرق المتبعة في تأليف المعاجم، ثم إنه يشير إلى الاستعمالات الخاصة للكلمة، إن كانت قد خصصت ببعض المعاني في بعض البيئات. أي أن علم اللغة الحديث لا يهتم فقط بتاريخ الكلمة من حيث نطقها ومعناها بل يهتم أيضًا بصورها المختلفة واستعمالاتها في العصر الواحد. وما يقال عن المفردات التي تسجلها المعاجم، يمكن أن يقال مثله عن الدلالات والتراكيب النحوية التي يتتبعها مؤلفو كتب "النحو التاريخي". على أن علم اللغة الحديث لم يقف عند هذا الحد في ملاحظة الفروق اللغوية، ولو وقف عنده لأغتنت المعاجم التاريخية ومعاجم اللهجات ومعاجم العلوم المختلفة وكتب النحو التاريخي وأطالس اللهجات عن علم الأسلوب. بل إن علم اللغة بكل ما يستتبعه وراح يسجل الاستعمالات الجارية غير مكتف بالتراث المدون، وجد نفسه مواجها بظاهرة الاختلافات الفردية في استعمال اللغة. ومن هنا نشأت فكرتان بالغتا الأهمية بالنسبة إلى علم الأسلوب، وهما فكرتان وثيقتا الارتباط كما سنرى، ولكن قد يحسن التمييز بينهما لمزيد من التوضيح.
الفكرة الأولى هي التمييز بين "اللغة" و"القول". وكان سوسير هو أول من ميَّز بينهما تمييزًا علميًا دقيقًا ورفعهما إلى مرتبة اصطلاحين لغويين، "فاللغة" هي نظام متعارف عليه من الرموز التي يتفاهم بها الناس. أما "القول" فهو صورة اللغة المتحقَّقة في الواقع في استعمال فرد معين، في حالة معينة، وهذا الاستعمال يطابق النظام العام (اللغة) في صفاته الأساسية، ولكنه يختلف في تفصيلاته من فرد إلى فرد، ومن حالة إلى حالة، فلكل فرد من المتكلمين باللغة طريقته الخاصة في نطق الحروف، وإن كانت هذه الطريقة لا تخرج عن دائرة النطق "الصحيح"، وإذا خرجت عن هذه الدائرة كان عُرضة لئلا يفهم الناس عنه، ومن ثم يعد نطقه خطأ. ولكل فرد معجمه اللغوي المتميز، فهو يميل إلى استعمال بعض الكلمات دون بعضها الآخر، وهناك كلمات لا يستعملها على الإطلاق، وإن كان يفهم معانيها، وكلمات لا يستعملها ولا يفهم معانيها، لأنها خارجة عن دائرة تعامله أو وعيه. ولكل فرد طريقته الخاصة في بناء الجمل والربط بينها، فهو يستعمل بعض الصيغ دون بعضها الآخر، أو يستعمل أدوات معينة دون أخرى.
هذه هي الفكرة الأولى التي أدت إلى نشوء علم الأسلوب. وقيمتها لهذا العلم واضحة، فهي تعنى بالسمات المميزة التي تتخذها اللغة في الاستعمال، وهذه السمات هي التي تكون ما سماه أهل الأدب بالأسلوب، وهي ترجع اختلاف هذه السمات إلى استعمال الأفراد للغة، وبذلك يمكن أن تؤدي إلى قيام "علم أسلوب" حديث يناسب هذا العصر الذي يعترف بقيمة الفرد في كل شيء، ولا سيما الإنتاج الفني.
ولكن هذه الفكرة تثير سؤالًا مهمًا وهو: ألا يوجد ضابط لهذه الاختلافات الفردية في استعمال اللغة؟ أو بعبارة أخرى: هل يتخير القائل ما يتخيِّره من طرق التعبير طوعًا لميل ذاتي محض لا يخضع لشيء سوى ذلك النظام العام المجرد الذي نسميه "اللغة"؟ هنا نصل إلى الفكرة الثانية، وهي: أن الاختلافات اللغوية ترجع غالبًا إلى اختلاف المواقف.
فاللغة باعتبارها نظامًا اجتماعيًا تأخذ أشكالا متعددة. فلكل فئة من الناس طريقتها الخاصة في استعمال اللغة. هناك كلمات تشيع بين النساء ولا تشيع بين الرجال، بل إن الاختلافات بين الجنسين تتعدى المعجم اللغوي إلى نطق بعض الحروف من ناحية، وإلى طريقة بناء الجمل من ناحية أخرى (ولعلك تلاحظ من مظاهر هذا الاختلاف كثرة أسماء الألوان ودقتها، وكثرة أشكال التعجب والإفراط في استعمالها). وفئات العمر تختلف أيضًا في استعمال اللغة. فالشباب يستعملونها بطريقة تختلف عن طريقة الشيوخ، والأطفال يستعملونها بطريقة تختلف عن هؤلاء وأولئك. ثم هناك استعمالات ترتبط بالمهن والتخصصات، فالأطباء يتحدثون في ما بينهم بطريقة تختلف عن الطريقة التي يتحدث بها القضاة، وهكذا أهل سائر المهن. ولغة التقارير الاقتصادية تختلف عن لغة الشعر، وهما تختلفان عن لغة العلوم الطبيعية، وقس على ذلك.
وهناك الاختلافات اللغوية بين البيئات الاجتماعية المختلفة. فاللغة المتداولة في البوادي أو الريف تختلف عن اللغة المتعارفة في الحواضر، وفضلا عن الاختلافات بين إقليم وإقليم، أو بين مدينة وأخرى، فقد توجد في داخل المدينة الواحدة اختلافات ذات شأن بين الأحياء المختلفة والبيئات الاجتماعية المتباينة من حيث استعمال اللغة.
ثم لا ننسى الاختلاف اللغوي الناشئ عن اختلاف المناسبات الاجتماعية. فالحديث بين صديقين يجري بلغة تختلف عن الحديث بين رئيس ومرؤوس، وكلاهما يختلف عن خطبة تلقَى في احتفال، بل إن الخطب تختلف فيما بينها باختلاف المناسبات، وقديمًا لاحظ الجاحظ ذلك.
إذا أردت أن تكشف عن معنى كلمة في معجم مؤلَّف طبقًا لمبادئ العلوم اللغوية القديمة فستجد أن هذه المعاني مسرودة سردًا، دون تمييز بينها، ولو أن بعض مؤلفي المعاجم العربية في عصرنا هذا يراعون ترتيب مشتقات المادة اللغوية بنظام يسهِّل الكشف عن معنى الكلمة التي نريدها: كأن يبدؤوا بالفعل المجرد، ثم الأفعال المزيدة، ثم الأسماء، يكتبون كل صيغة من هذه الصيغ بطريقة ظاهرة. مثلا: كَتَبَ، كاتَبَ، استكتب، كِتاب.. وهكذا. ولكنهم يسردون معاني كل كلمة من هذه الكلمات دون أن يراعوا ترتيبًا خاصًا. مثلا: كَتَب بمعنى قيَّد، وكَتَبَ بمعنى قضى وأمر، وكَتَبَ بمعنى دوّن. لا يهم أي هذه المعاني يأتي أولا وأيها يأتي ثانيا وأيها يأتي ثالثا. فهم ما زالوا سائرين على المبادئ القديمة في علم اللغة، وكل ما أحدثوه هو نوع من التنظيم الخارجي في عرض المادة.
أما لو كان بيدك معجم مؤلَّف على أسس علم اللغة الحديث(9)، إذن لوجدت أن هذا المعجم يبدأ بتفسير الكلمة بالإشارة إلى أصلها في اللغة السامية القديمة (ولو مسترشدًا باللغات السامية الأخرى غير العربية) ثم يرتب معاني الكلمات بحسب تواريخ استعمالها في هذه المعاني، بقدر ما يمكن للباحث اللغوي أن يستنتج اعتمادًا على الطرق المتبعة في تأليف المعاجم، ثم إنه يشير إلى الاستعمالات الخاصة للكلمة، إن كانت قد خصصت ببعض المعاني في بعض البيئات. أي أن علم اللغة الحديث لا يهتم فقط بتاريخ الكلمة من حيث نطقها ومعناها بل يهتم أيضًا بصورها المختلفة واستعمالاتها في العصر الواحد. وما يقال عن المفردات التي تسجلها المعاجم، يمكن أن يقال مثله عن الدلالات والتراكيب النحوية التي يتتبعها مؤلفو كتب "النحو التاريخي". على أن علم اللغة الحديث لم يقف عند هذا الحد في ملاحظة الفروق اللغوية، ولو وقف عنده لأغتنت المعاجم التاريخية ومعاجم اللهجات ومعاجم العلوم المختلفة وكتب النحو التاريخي وأطالس اللهجات عن علم الأسلوب. بل إن علم اللغة بكل ما يستتبعه وراح يسجل الاستعمالات الجارية غير مكتف بالتراث المدون، وجد نفسه مواجها بظاهرة الاختلافات الفردية في استعمال اللغة. ومن هنا نشأت فكرتان بالغتا الأهمية بالنسبة إلى علم الأسلوب، وهما فكرتان وثيقتا الارتباط كما سنرى، ولكن قد يحسن التمييز بينهما لمزيد من التوضيح.
الفكرة الأولى هي التمييز بين "اللغة" و"القول". وكان سوسير هو أول من ميَّز بينهما تمييزًا علميًا دقيقًا ورفعهما إلى مرتبة اصطلاحين لغويين، "فاللغة" هي نظام متعارف عليه من الرموز التي يتفاهم بها الناس. أما "القول" فهو صورة اللغة المتحقَّقة في الواقع في استعمال فرد معين، في حالة معينة، وهذا الاستعمال يطابق النظام العام (اللغة) في صفاته الأساسية، ولكنه يختلف في تفصيلاته من فرد إلى فرد، ومن حالة إلى حالة، فلكل فرد من المتكلمين باللغة طريقته الخاصة في نطق الحروف، وإن كانت هذه الطريقة لا تخرج عن دائرة النطق "الصحيح"، وإذا خرجت عن هذه الدائرة كان عُرضة لئلا يفهم الناس عنه، ومن ثم يعد نطقه خطأ. ولكل فرد معجمه اللغوي المتميز، فهو يميل إلى استعمال بعض الكلمات دون بعضها الآخر، وهناك كلمات لا يستعملها على الإطلاق، وإن كان يفهم معانيها، وكلمات لا يستعملها ولا يفهم معانيها، لأنها خارجة عن دائرة تعامله أو وعيه. ولكل فرد طريقته الخاصة في بناء الجمل والربط بينها، فهو يستعمل بعض الصيغ دون بعضها الآخر، أو يستعمل أدوات معينة دون أخرى.
هذه هي الفكرة الأولى التي أدت إلى نشوء علم الأسلوب. وقيمتها لهذا العلم واضحة، فهي تعنى بالسمات المميزة التي تتخذها اللغة في الاستعمال، وهذه السمات هي التي تكون ما سماه أهل الأدب بالأسلوب، وهي ترجع اختلاف هذه السمات إلى استعمال الأفراد للغة، وبذلك يمكن أن تؤدي إلى قيام "علم أسلوب" حديث يناسب هذا العصر الذي يعترف بقيمة الفرد في كل شيء، ولا سيما الإنتاج الفني.
ولكن هذه الفكرة تثير سؤالًا مهمًا وهو: ألا يوجد ضابط لهذه الاختلافات الفردية في استعمال اللغة؟ أو بعبارة أخرى: هل يتخير القائل ما يتخيِّره من طرق التعبير طوعًا لميل ذاتي محض لا يخضع لشيء سوى ذلك النظام العام المجرد الذي نسميه "اللغة"؟ هنا نصل إلى الفكرة الثانية، وهي: أن الاختلافات اللغوية ترجع غالبًا إلى اختلاف المواقف.
فاللغة باعتبارها نظامًا اجتماعيًا تأخذ أشكالا متعددة. فلكل فئة من الناس طريقتها الخاصة في استعمال اللغة. هناك كلمات تشيع بين النساء ولا تشيع بين الرجال، بل إن الاختلافات بين الجنسين تتعدى المعجم اللغوي إلى نطق بعض الحروف من ناحية، وإلى طريقة بناء الجمل من ناحية أخرى (ولعلك تلاحظ من مظاهر هذا الاختلاف كثرة أسماء الألوان ودقتها، وكثرة أشكال التعجب والإفراط في استعمالها). وفئات العمر تختلف أيضًا في استعمال اللغة. فالشباب يستعملونها بطريقة تختلف عن طريقة الشيوخ، والأطفال يستعملونها بطريقة تختلف عن هؤلاء وأولئك. ثم هناك استعمالات ترتبط بالمهن والتخصصات، فالأطباء يتحدثون في ما بينهم بطريقة تختلف عن الطريقة التي يتحدث بها القضاة، وهكذا أهل سائر المهن. ولغة التقارير الاقتصادية تختلف عن لغة الشعر، وهما تختلفان عن لغة العلوم الطبيعية، وقس على ذلك.
وهناك الاختلافات اللغوية بين البيئات الاجتماعية المختلفة. فاللغة المتداولة في البوادي أو الريف تختلف عن اللغة المتعارفة في الحواضر، وفضلا عن الاختلافات بين إقليم وإقليم، أو بين مدينة وأخرى، فقد توجد في داخل المدينة الواحدة اختلافات ذات شأن بين الأحياء المختلفة والبيئات الاجتماعية المتباينة من حيث استعمال اللغة.
ثم لا ننسى الاختلاف اللغوي الناشئ عن اختلاف المناسبات الاجتماعية. فالحديث بين صديقين يجري بلغة تختلف عن الحديث بين رئيس ومرؤوس، وكلاهما يختلف عن خطبة تلقَى في احتفال، بل إن الخطب تختلف فيما بينها باختلاف المناسبات، وقديمًا لاحظ الجاحظ ذلك.
صفحة 8
هذه الاختلافات كلها ـ وغيرها مما تصعب الإحاطة به ـ تشترك في تكوين الموقف الذي يحاول القائل أن يراعيه في ما يختاره من طرق التعبير. فالفرد "القائل" يريد بقوله أن يوصِّل إلى شخص آخر أو إلى جماعة من الناس معنى ما، ومن ثم فعليه أن يجعل هذا المعنى مفهوما لهم، وأن يستميلهم إلى قبوله. ولهذا فهو يتخير طريقة التعبير المناسبة للموقف. ومعنى ذلك أنه يدخل في اعتباره "دلالات" كثيرة، فوق الدلالة المباشرة أو الأصلية للعبارة: دلالات تتمثل في طريقة النطق، واختيار الكلمات والتراكيب، دلالات يأنس إليها السامعون، ويفتقدونها إذا سيق لهم القول عارياً منها، مقتصرًا على أداء المعنى المجرد، أو محملًا بدلالات أخرى مناقضة للموقف. ولك أن تتخيل ما يمكن أن يحدث مثلا لو كلَّمت أباك أو رئيسك في العمل بنفس الطريقة التي تكلم بها أخاك الأصغر، ولو كان المعنى واحدًا، كطلب شراء كتاب معين مثلا.
وإليك مثالا آخر من ثلاث عبارات شائعة الاستعمال جدًّا: أنت تقول في بعض المواقف، حين يطلب منك القيام بعمل ما: "لا يمكن". وتقول في مواقف أخرى: "لا أقدر" أو "لا أستطيع". المعنى الأساسي واحد، ولكنك في الحالة الأولى ترفض رفضًا جازمًا، فأنت لا تشعر بأي التزام نحو الطالب، وتريد أن تصده عن الإلحاح في الطلب. وفي الحالة الثانية تلمِّح إلى أنك كنت تود أن تجيبه إلى ما يطلب، ولكن ثمة موانع داخلية (نفسية) تجعل الأمر صعبًا عليك. أما في الحالة الثالثة فأنت تعتذر بأن ثمة عقبات خارجية تحول بينك وبين إنفاذ الأمر.
إن القائل يعتمد غالبًا على فطنته، وسليقته اللغوية، وخبرته الاجتماعية بما ينبغي أن يقال وما لا ينبغي أن يقال في المواقف المختلفة. ولكن علماء الأسلوب يحاولون أن يحددوا الخصائص المميزة لكل نوع من أنواع الاستعمالات اللغوية، ويربطوا بين هذه الخصائص أو السمات اللغوية ودلالاتها التي تتجاوز المعنى المجرد.
وهنا تفترق السبل بيننا ـ نحن دارسي الأدب ـ وبين اللغويين الخُلَّص. فهؤلاء يقررون أن القسم الأكبر من "الدلالات" التي تحدثنا عنها ذو طابع وجداني. أي أن القول ـ بجانب أدائه للمعنى ـ ينقل إلى متلقيه اتجاها شعوريا معينا: اتجاها نحو الرزانة أو الخفة، نحو الاسترضاء أو التحدي، نحو القبول أو الرفض، نحو تعظيم الأمر أو تهوينه...... إلخ. ولكن فريقًا منهم ـ مع اعترافهم بأن الأدب هو أغنى أشكال اللغة بهذه الدلالات الوجدانية ـ يفضلون، ولو مؤقتا، أن يبعدوه عن مجال علم الأسلوب، بحجة أن الشاعر أو الكاتب يستخدم هذه الدلالات الوجدانية استخدامًا مقصودًا لإحداث تأثير جمالي، أي أن التأثير الجمالي الذي يتوخاه الشاعر أو الكاتب يضاف إلى الدلالة الوجدانية ويخرجها عن طبيعتها التعبيرية الصرف.
لذلك يرى شارل بالي (1865 ـ 1947م) مؤسس علم الأسلوب الفرنسي (المدرسة الفرنسية في علم الأسلوب هي التي وضعت القواعد النظرية الأولى لهذا العلم). أنّ علم الأسلوب يجب ألا يبحث في كيفية استخدام الأدباء لهذه التأثيرات الوجدانية، فلا يسأل عن مدى مناسبتها للموقف الوجداني الذي يصوره الشاعر، أو للشخصية التي يقدمها الروائي أو الكاتب المسرحي. فمثل هذه الأسئلة خارجة عن عمل الدارس الأسلوبي، وينبغي أن تظل من اختصاص الناقد. الدارس الأسلوبي إذن ـ في رأي بالي ـ دارس لغوي محض، يدرس "الخامات" اللغوية من حيث دلالاتها الإضافية (وقد فصَّل بالي أنواع هذه الدلالات تفصيلا دقيقا) مهما تكن طبيعة النص الذي يدرسه، إن كان مأخوذا من الأدب أو العلم أو الإدارة أو شؤون الحياة العادية. والمسألة عنده مسألة منهج: فالعالم اللغوي يبحث عن قوانين لغوية تحكم عملية "الاختيار" التي يقوم بها أي شخص يستعمل اللغة، ولا يبحث عن القوانين الجمالية التي تخص الأدب دون غيره من الأغراض التي تستخدم فيها اللغة. ولا تزال هذه النظرة سائدة في أوساط اللغويين. لكن كرسّو ـ وهو أحد تلاميذ بالي ـ لا يقبل هذه التفرقة الحاسمة بين التعبيرية والتلقائية من ناحية، والجمالية والقصد من ناحية أخرى، منبهًا إلى أن التأثير الجمالي كثيرًا ما يراعَى في الاستعمالات العادية للغة، ما دام الغرض من هذه الاستعمالات دائمًا هو استمالة السامع إلى ما يقوله المتكلم؛ وأن "القصد" ينبغي أن يكون سببًا لتفضيل النصوص الأدبية على غيرها، وليس العكس؛ من حيث إن الاختيار ـ وهو موضوع علم الأسلوب ـ يكون مع القصد أظهر. ولكن الاختلاف بين كرسّو وأستاذه، أو بين المدارس المختلفة من الأسلوبيين اللغويين، لا يعدو درجة الاعتماد على النصوص الأدبية في استخلاص القوانين الأسلوبية. فبينما نرى فريقا منهم يفضل الابتعاد عن النصوص الأدبية، لأنها لا تقدم إليهم مواد بسيطة تظهر فيها هذه القوانين بغير تدخل قوانين من جنس آخر، نجد كرسو وآخرين يكادون يقتصرون عليها لسببين: أنها ميسورة، وأنها غنية. ولكن كرسو نفسه يفرق ـ كما فرق أستاذه ـ بين "الأسلوب" و"علم الأسلوب". فهو يقول إن في الأسلوب شيئًا يتجاوز واقعة التعبير. فمن ذا الذي يستطيع أن يدعي أنه عرف أسلوب فلوبير في "سلامبو" لأنه درس ـ بل تعمَّق ـ استخدامه للمفردات والصور، والمادة النحوية، وترتيب الكلمات والعبارات؟ إن الأسلوب أكثر من ذلك كله. فليس لنا الحق أن نستبعد منه كل الحياة الباطنية للعمل، منذ ولادته رؤيا غامضة ولكنها متميزة عن كل ما عداها، لا تزال تتشكل شيئًا فشيئًا، مكتسبة الوضوح والقالب، لتصبح الشيء الذي هو موضوع الكتابة(10).
ولا شك أن مثل هذا القول يعبر عن تواضع محمود من العالم اللغوي. ولكن النقاد الأسلوبيين لهم وجهة نظر أخرى، فهم يرون أن كل هذا الذي ذكره كرسّو عن الرؤيا أو أكثر منه، لا سبيل لنا إلى معرفته إلا من خلال النص المكتوب. وكل معلومة يأتي بها الناقد من خارج هذا النص لتوضيحه ـ سواء أكانت مستمدة من وقائع عامة معاصرة أم من أحداث خاصة ألمّت بالكاتب ـ لا تؤدي إلى اكتشاف الرؤيا إذا لم تكن هذه الرؤيا في النص نفسه.
وهكذا اقتحم مجال "علم الأسلوب" فريق من نقاد الأدب ـ يزدادون عددًا ونفوذًا كل يوم ـ حين وجدوا علماء اللغة قد وقفوا به عند حدود الوصف اللغوي البحت. وقد كانت مشكلة النقد الأدبي ـ ولا تزال ـ وراء هذه الحدود.
فهل يعني هذا أن "علم الأسلوب" ـ كما يرى هؤلاء النقاد ـ ينبغي أن يحل محل النقد الأدبي أو تاريخ الأدب.
* * *
وإليك مثالا آخر من ثلاث عبارات شائعة الاستعمال جدًّا: أنت تقول في بعض المواقف، حين يطلب منك القيام بعمل ما: "لا يمكن". وتقول في مواقف أخرى: "لا أقدر" أو "لا أستطيع". المعنى الأساسي واحد، ولكنك في الحالة الأولى ترفض رفضًا جازمًا، فأنت لا تشعر بأي التزام نحو الطالب، وتريد أن تصده عن الإلحاح في الطلب. وفي الحالة الثانية تلمِّح إلى أنك كنت تود أن تجيبه إلى ما يطلب، ولكن ثمة موانع داخلية (نفسية) تجعل الأمر صعبًا عليك. أما في الحالة الثالثة فأنت تعتذر بأن ثمة عقبات خارجية تحول بينك وبين إنفاذ الأمر.
إن القائل يعتمد غالبًا على فطنته، وسليقته اللغوية، وخبرته الاجتماعية بما ينبغي أن يقال وما لا ينبغي أن يقال في المواقف المختلفة. ولكن علماء الأسلوب يحاولون أن يحددوا الخصائص المميزة لكل نوع من أنواع الاستعمالات اللغوية، ويربطوا بين هذه الخصائص أو السمات اللغوية ودلالاتها التي تتجاوز المعنى المجرد.
وهنا تفترق السبل بيننا ـ نحن دارسي الأدب ـ وبين اللغويين الخُلَّص. فهؤلاء يقررون أن القسم الأكبر من "الدلالات" التي تحدثنا عنها ذو طابع وجداني. أي أن القول ـ بجانب أدائه للمعنى ـ ينقل إلى متلقيه اتجاها شعوريا معينا: اتجاها نحو الرزانة أو الخفة، نحو الاسترضاء أو التحدي، نحو القبول أو الرفض، نحو تعظيم الأمر أو تهوينه...... إلخ. ولكن فريقًا منهم ـ مع اعترافهم بأن الأدب هو أغنى أشكال اللغة بهذه الدلالات الوجدانية ـ يفضلون، ولو مؤقتا، أن يبعدوه عن مجال علم الأسلوب، بحجة أن الشاعر أو الكاتب يستخدم هذه الدلالات الوجدانية استخدامًا مقصودًا لإحداث تأثير جمالي، أي أن التأثير الجمالي الذي يتوخاه الشاعر أو الكاتب يضاف إلى الدلالة الوجدانية ويخرجها عن طبيعتها التعبيرية الصرف.
لذلك يرى شارل بالي (1865 ـ 1947م) مؤسس علم الأسلوب الفرنسي (المدرسة الفرنسية في علم الأسلوب هي التي وضعت القواعد النظرية الأولى لهذا العلم). أنّ علم الأسلوب يجب ألا يبحث في كيفية استخدام الأدباء لهذه التأثيرات الوجدانية، فلا يسأل عن مدى مناسبتها للموقف الوجداني الذي يصوره الشاعر، أو للشخصية التي يقدمها الروائي أو الكاتب المسرحي. فمثل هذه الأسئلة خارجة عن عمل الدارس الأسلوبي، وينبغي أن تظل من اختصاص الناقد. الدارس الأسلوبي إذن ـ في رأي بالي ـ دارس لغوي محض، يدرس "الخامات" اللغوية من حيث دلالاتها الإضافية (وقد فصَّل بالي أنواع هذه الدلالات تفصيلا دقيقا) مهما تكن طبيعة النص الذي يدرسه، إن كان مأخوذا من الأدب أو العلم أو الإدارة أو شؤون الحياة العادية. والمسألة عنده مسألة منهج: فالعالم اللغوي يبحث عن قوانين لغوية تحكم عملية "الاختيار" التي يقوم بها أي شخص يستعمل اللغة، ولا يبحث عن القوانين الجمالية التي تخص الأدب دون غيره من الأغراض التي تستخدم فيها اللغة. ولا تزال هذه النظرة سائدة في أوساط اللغويين. لكن كرسّو ـ وهو أحد تلاميذ بالي ـ لا يقبل هذه التفرقة الحاسمة بين التعبيرية والتلقائية من ناحية، والجمالية والقصد من ناحية أخرى، منبهًا إلى أن التأثير الجمالي كثيرًا ما يراعَى في الاستعمالات العادية للغة، ما دام الغرض من هذه الاستعمالات دائمًا هو استمالة السامع إلى ما يقوله المتكلم؛ وأن "القصد" ينبغي أن يكون سببًا لتفضيل النصوص الأدبية على غيرها، وليس العكس؛ من حيث إن الاختيار ـ وهو موضوع علم الأسلوب ـ يكون مع القصد أظهر. ولكن الاختلاف بين كرسّو وأستاذه، أو بين المدارس المختلفة من الأسلوبيين اللغويين، لا يعدو درجة الاعتماد على النصوص الأدبية في استخلاص القوانين الأسلوبية. فبينما نرى فريقا منهم يفضل الابتعاد عن النصوص الأدبية، لأنها لا تقدم إليهم مواد بسيطة تظهر فيها هذه القوانين بغير تدخل قوانين من جنس آخر، نجد كرسو وآخرين يكادون يقتصرون عليها لسببين: أنها ميسورة، وأنها غنية. ولكن كرسو نفسه يفرق ـ كما فرق أستاذه ـ بين "الأسلوب" و"علم الأسلوب". فهو يقول إن في الأسلوب شيئًا يتجاوز واقعة التعبير. فمن ذا الذي يستطيع أن يدعي أنه عرف أسلوب فلوبير في "سلامبو" لأنه درس ـ بل تعمَّق ـ استخدامه للمفردات والصور، والمادة النحوية، وترتيب الكلمات والعبارات؟ إن الأسلوب أكثر من ذلك كله. فليس لنا الحق أن نستبعد منه كل الحياة الباطنية للعمل، منذ ولادته رؤيا غامضة ولكنها متميزة عن كل ما عداها، لا تزال تتشكل شيئًا فشيئًا، مكتسبة الوضوح والقالب، لتصبح الشيء الذي هو موضوع الكتابة(10).
ولا شك أن مثل هذا القول يعبر عن تواضع محمود من العالم اللغوي. ولكن النقاد الأسلوبيين لهم وجهة نظر أخرى، فهم يرون أن كل هذا الذي ذكره كرسّو عن الرؤيا أو أكثر منه، لا سبيل لنا إلى معرفته إلا من خلال النص المكتوب. وكل معلومة يأتي بها الناقد من خارج هذا النص لتوضيحه ـ سواء أكانت مستمدة من وقائع عامة معاصرة أم من أحداث خاصة ألمّت بالكاتب ـ لا تؤدي إلى اكتشاف الرؤيا إذا لم تكن هذه الرؤيا في النص نفسه.
وهكذا اقتحم مجال "علم الأسلوب" فريق من نقاد الأدب ـ يزدادون عددًا ونفوذًا كل يوم ـ حين وجدوا علماء اللغة قد وقفوا به عند حدود الوصف اللغوي البحت. وقد كانت مشكلة النقد الأدبي ـ ولا تزال ـ وراء هذه الحدود.
فهل يعني هذا أن "علم الأسلوب" ـ كما يرى هؤلاء النقاد ـ ينبغي أن يحل محل النقد الأدبي أو تاريخ الأدب.
* * *
صفحة 9
الفصل الثالث
علم الأسلوب
النقد الأدبي، تاريخ الأدب
اللغويون الخّلص من علماء الأسلوب يسجلون الخصائص التعبيرية (بالمعنى الضيِّق لكلمة التعبيرية، كما يستعملها بالي مثلا) لنوع ما في الاستعمالات اللغوية ـ ويفضلون الأنواع البسيطة مثل حديث تليفوني، أو إعلان صحفي، أو وثيقة شرعية..... إلخ، مفصلين السمات المميزة للنص من حيث نطق الحروف، وصيغ المفردات وأنواعها، وأشكال الجمل وطرق الربط بينها، غير متجاوزين ظاهر اللغة. وربما استخدموا منهج "تحليل المحتوى" المعروف عند علماء الاجتماع، فصنفوا أنواع الدلالات في مجموعة من النصوص ـ دلالات المفردات، أو الصيغ، أو التراكيب ـ ليجيبوا عن أسئلة معينة تتعلق بالوظائف العملية الظاهرة التي تؤديها هذه النصوص. وبذلك يوضحون أسس "الاختيار" في مجال معين من المجالات التي تستخدم فيها اللغة (وإذا عرفت هذه الأسس علميًا أمكن الانتفاع بها عمليًا فيما بعد). وربما جاء بعدهم متخصص في "علم الاجتماع اللغوي" يستنتج الدلالات الاجتماعية للخصائص التي سجلوها عن اللغة المستعملة في الأوامر الإدارية في قُطر من الأقطار مثلا، أو عن اللغة التي يستعملها تلاميذ المدارس في حيٍّ معين خارج فصول الدراسة...... إلخ. وفي كل هذه الأنواع من التحليل اللغوي يقف المحلل دائمًا عند ظاهر اللغة. أما الناقد الأدبي الذي يستخدم التحليل اللغوي فإنه يتعامل مع نص لا يمكنه الوقوف عند ظاهره. فلو ظل واقفًا عند الظاهر لما وصل إلى شيء مهم، وإن قام بكل أنواع التصنيفات والإحصاءات التي يمكن أن يقوم بها عالم لغوي. إن النتائج اللغوية الصرف التي يمكن الوصول إليها من تحليل شعر زهير أو شعر المتنبي لا تعني الناقد، وكل ما يستطيع العالم اللغوي أن يدَّعيه في هذه الحالة هو؛ أن النتائج التي وصل إليها بالتصنيف والإحصاء ستظل تنتظر الناقد الأدبي الذي يستنتج منها دلالات فنية. ولكن المرجح أن مثل هذا الناقد سوف ينفق في تصفحها وقتًا غير قليل ثم يزيحها من أمامه يائسًا. ذلك أنها لا تقول له شيئًا يهمه. فالعالم اللغوي يهتم بكل شيء في لغة المتنبي أو لغة زهير، لأنه يريد أن يجمع صورة كاملة للغة. وإذا تحدث عن "أسلوب" زهير أو "أسلوب" المتنبي فهو لا يعني أكثر من مجموع الخصائص التي تميزهما. ولا شك أن استخلاص هذه الخصائص عملية بالغة العسر والمشقة، لأنها تتطلب المقارنة باللغة "القياسية" المستعملة في عصر المتنبي أو عصر زهير. فسيكون عليه أن يحدد هذه اللغة القياسية أولا: لهذا لم يخطئ اللغويون الذين نفروا من دراسة الأساليب الأدبية. فالنصوص الأدبية يمكن أن تدرس دراسة لغوية فقط، أما أن تدرس دراسة لغوية أسلوبية فهذا مطلب يوشك أن يكون مستحيلا. إنما يستطيع أن يقوم بالدراسة الأسلوبية للنصوص الأدبية ناقد أدبي، تكون مهمته تمييز النص الأدبي من أي نص لغوي آخر، بل من أي نص أدبي آخر. بعبارة أخرى: إن الاختيارات التي يجمعها الناقد الأسلوبي لا يمكن أن تظهر إلا مرتبطة بوظيفتها في أداء موقف شعوري معين صدر عنه النص الأدبي. وكثيرًا ما يظهر في هذه الاختيارات اجتراء واضح على اللغة. وقديمًا قال نقادنا إن الشعراء ملوك الكلام، وقال الفرزدق ليغيظ أحد النحويين: علينا أن نقول وعليكم أن تعربوا. وما تمسَّك الشعراء بحقهم في هذا الاجتراء إلا لأنه امتياز طبيعي تخوِّلهم إياه وظيفتهم. فما دامت وظيفتهم هي اقتناص شوارد الشعور فمن حقهم أن يلووا عنق اللغة إذا بدا لهم ذلك ضروريًا. ومن ثم يولي الناقد الأسلوبي هذه الاختيارات المتطرفة عناية خاصة، وقد سمَّاها النقاد الأسلوبيون "انحرافات" وأعطوا هذا الاسم، في الدراسات الأسلوبية، كل ما يمكن من آيات الاحترام التي لا يحظى بها في أمور الحياة العادية، حتى قال بعضهم معرفًا علم الأسلوب إنه "علم الانحرافات"(11).
وإذا كان الأمر كذلك، فليس بوسعنا أن نزعم أن علم الأسلوب، كما يراه النقاد الأسلوبيون، ينطوي على أية "قوانين"، كما هو شأن العلوم الوصفية، التي يحاول أن يكون واحدًا منها. فإذا كان في وسع الأسلوبيين اللغويين أن يستخلصوا قوانين مطردة تحكم الاختيارات اللغوية في شتى الفروع، فكيف يمكن أن يصاغ قانون "للانحراف" وهو بحكم تعريفه نفسه، خروج على القانون؟ الأوْلى إذن أن يعد "الانحراف" في النصوص الأدبية ـ ومثله "الاختيار" في هذه النصوص أيضًا ـ "مبدأ" مسلمًا به، يبيح للشاعر أو الكاتب المبدع أن يضع قانونه الخاص الذي لا يشترط فيه إلا أن يكون الكلام قادرًا على التوصيل. أو بعبارة أخرى: إن الانحراف ليس له حد يقف عنده إلا المخالفة الصريحة لقوانين اللغة، بحيث تتحطم العلاقات بين الأصوات اللغوية، فتستحيل لغطًا غير مفهوم.
علم الأسلوب
النقد الأدبي، تاريخ الأدب
اللغويون الخّلص من علماء الأسلوب يسجلون الخصائص التعبيرية (بالمعنى الضيِّق لكلمة التعبيرية، كما يستعملها بالي مثلا) لنوع ما في الاستعمالات اللغوية ـ ويفضلون الأنواع البسيطة مثل حديث تليفوني، أو إعلان صحفي، أو وثيقة شرعية..... إلخ، مفصلين السمات المميزة للنص من حيث نطق الحروف، وصيغ المفردات وأنواعها، وأشكال الجمل وطرق الربط بينها، غير متجاوزين ظاهر اللغة. وربما استخدموا منهج "تحليل المحتوى" المعروف عند علماء الاجتماع، فصنفوا أنواع الدلالات في مجموعة من النصوص ـ دلالات المفردات، أو الصيغ، أو التراكيب ـ ليجيبوا عن أسئلة معينة تتعلق بالوظائف العملية الظاهرة التي تؤديها هذه النصوص. وبذلك يوضحون أسس "الاختيار" في مجال معين من المجالات التي تستخدم فيها اللغة (وإذا عرفت هذه الأسس علميًا أمكن الانتفاع بها عمليًا فيما بعد). وربما جاء بعدهم متخصص في "علم الاجتماع اللغوي" يستنتج الدلالات الاجتماعية للخصائص التي سجلوها عن اللغة المستعملة في الأوامر الإدارية في قُطر من الأقطار مثلا، أو عن اللغة التي يستعملها تلاميذ المدارس في حيٍّ معين خارج فصول الدراسة...... إلخ. وفي كل هذه الأنواع من التحليل اللغوي يقف المحلل دائمًا عند ظاهر اللغة. أما الناقد الأدبي الذي يستخدم التحليل اللغوي فإنه يتعامل مع نص لا يمكنه الوقوف عند ظاهره. فلو ظل واقفًا عند الظاهر لما وصل إلى شيء مهم، وإن قام بكل أنواع التصنيفات والإحصاءات التي يمكن أن يقوم بها عالم لغوي. إن النتائج اللغوية الصرف التي يمكن الوصول إليها من تحليل شعر زهير أو شعر المتنبي لا تعني الناقد، وكل ما يستطيع العالم اللغوي أن يدَّعيه في هذه الحالة هو؛ أن النتائج التي وصل إليها بالتصنيف والإحصاء ستظل تنتظر الناقد الأدبي الذي يستنتج منها دلالات فنية. ولكن المرجح أن مثل هذا الناقد سوف ينفق في تصفحها وقتًا غير قليل ثم يزيحها من أمامه يائسًا. ذلك أنها لا تقول له شيئًا يهمه. فالعالم اللغوي يهتم بكل شيء في لغة المتنبي أو لغة زهير، لأنه يريد أن يجمع صورة كاملة للغة. وإذا تحدث عن "أسلوب" زهير أو "أسلوب" المتنبي فهو لا يعني أكثر من مجموع الخصائص التي تميزهما. ولا شك أن استخلاص هذه الخصائص عملية بالغة العسر والمشقة، لأنها تتطلب المقارنة باللغة "القياسية" المستعملة في عصر المتنبي أو عصر زهير. فسيكون عليه أن يحدد هذه اللغة القياسية أولا: لهذا لم يخطئ اللغويون الذين نفروا من دراسة الأساليب الأدبية. فالنصوص الأدبية يمكن أن تدرس دراسة لغوية فقط، أما أن تدرس دراسة لغوية أسلوبية فهذا مطلب يوشك أن يكون مستحيلا. إنما يستطيع أن يقوم بالدراسة الأسلوبية للنصوص الأدبية ناقد أدبي، تكون مهمته تمييز النص الأدبي من أي نص لغوي آخر، بل من أي نص أدبي آخر. بعبارة أخرى: إن الاختيارات التي يجمعها الناقد الأسلوبي لا يمكن أن تظهر إلا مرتبطة بوظيفتها في أداء موقف شعوري معين صدر عنه النص الأدبي. وكثيرًا ما يظهر في هذه الاختيارات اجتراء واضح على اللغة. وقديمًا قال نقادنا إن الشعراء ملوك الكلام، وقال الفرزدق ليغيظ أحد النحويين: علينا أن نقول وعليكم أن تعربوا. وما تمسَّك الشعراء بحقهم في هذا الاجتراء إلا لأنه امتياز طبيعي تخوِّلهم إياه وظيفتهم. فما دامت وظيفتهم هي اقتناص شوارد الشعور فمن حقهم أن يلووا عنق اللغة إذا بدا لهم ذلك ضروريًا. ومن ثم يولي الناقد الأسلوبي هذه الاختيارات المتطرفة عناية خاصة، وقد سمَّاها النقاد الأسلوبيون "انحرافات" وأعطوا هذا الاسم، في الدراسات الأسلوبية، كل ما يمكن من آيات الاحترام التي لا يحظى بها في أمور الحياة العادية، حتى قال بعضهم معرفًا علم الأسلوب إنه "علم الانحرافات"(11).
وإذا كان الأمر كذلك، فليس بوسعنا أن نزعم أن علم الأسلوب، كما يراه النقاد الأسلوبيون، ينطوي على أية "قوانين"، كما هو شأن العلوم الوصفية، التي يحاول أن يكون واحدًا منها. فإذا كان في وسع الأسلوبيين اللغويين أن يستخلصوا قوانين مطردة تحكم الاختيارات اللغوية في شتى الفروع، فكيف يمكن أن يصاغ قانون "للانحراف" وهو بحكم تعريفه نفسه، خروج على القانون؟ الأوْلى إذن أن يعد "الانحراف" في النصوص الأدبية ـ ومثله "الاختيار" في هذه النصوص أيضًا ـ "مبدأ" مسلمًا به، يبيح للشاعر أو الكاتب المبدع أن يضع قانونه الخاص الذي لا يشترط فيه إلا أن يكون الكلام قادرًا على التوصيل. أو بعبارة أخرى: إن الانحراف ليس له حد يقف عنده إلا المخالفة الصريحة لقوانين اللغة، بحيث تتحطم العلاقات بين الأصوات اللغوية، فتستحيل لغطًا غير مفهوم.
صفحة 10
هل يمكن أن يقوم على هذين المبدأين مسعى جديد في الدراسات الأدبية، يخلِّصهما من غموض الانطباعات الذاتية للنقاد، ولعله يساعد، من ثمة، على إرساء أساس جديد للتاريخ الأدبي، فلا يعود حشدًا لمعلومات غير متجانسة عن التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي؟
قبل أن نناقش هاتين المسألتين، يحسن بنا أن نوضح بأمثلة قليلة ما نعنيه بالاختيارات والانحرافات في اللغة الأدبية.
استمع إلى هذين البيتين لمهيار الديلمي:
يا نسيم الصبح من كاظمة
شد ما هجت الجوى والبُرَحا!
الصبا، إن كان لا بد الصبا
إنها كانت لقلبي أروحــا!
ليس في هذين البيتين معنى طريف، بل إن المعنى فيهما ليس إلا هيكلا هزيلا لحمل الألفاظ، لكن فيهما حنينا غامضا يصدر ـ في أغلب الظن ـ عن جرس الحروف.
ثم استمع إلى هذا البيت لامرئ القيس يصف فرسه:
على الذّبل جيّاش كأن اهتزامه
إذا جاش فيه حَمْيُهُ غَلْيَ مرْجَلِ!
تجد فيه كلمتين تحكيان صوتين: "جيّاش" وقد كررت في الفعل "جاش" و"اهتزام". وقد وضعت هذه الكلمات الثلاث في إطار من الكلمات يحكي بمجموعة تردد أنفاس الفرس، فيشعرك بروعة الإعجاب، ولا سيما إذا تمثلت بخيالك قدرًا ضخمًا يغلي فيه الماء فينبعث منه نشيش وبخار.
ثم استمع إلى هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو مطلع قصيدة يرثي بها أبناءه الخمسة وقد ماتوا في يوم واحد:
أمن المنون وريبها تتوجّع؟
والدهر ليس بمعتب من يجزع!
وتأمل هذا الاستفهام الغريب في الشطر الأول وما حفل به من المشاعر المتناقضة: هل ينكر الشاعر على نفسه أن يتوجع من الموت؟ وأي فجيعة أشد من فجيعة الموت؟ ولكنه يذكِّر نفسه بأن الجزع لا يجدي، فإذا غضب فإن الدهر لن يترضاه، لأن الذاهبين لن يعودوا. لقد بلغ الحزن أقصى مداه، فتحول إلى استسلام.
وانتبه إلى تقديم الجار والمجرور "من المنون" على بقية أجزاء الجملة الاستفهامية. ويقول البلاغيون إن التقديم في مثل هذه الحالة يفيد القصر، أو إن المستفهَم عنه هو ما تلا همزة الاستفهام. فكأن موضع تساؤله ليس التوجع في ذاته، بل التوجع من نزول الموت لا من أي شيء آخر. وهذا يجعل الاستفهام أشد غرابة، فليس ثمة فجيعة أشد من الموت المفاجئ، فما بالك إذا كانت الفجيعة مضاعفة؟ وتقول لنا البلاغة أيضًا إن الاستفهام هنا قد خرج عن معناه، وتذكر معاني عدة يخرج إليها الاستفهام، لعل أقربها إلى مناسبة هذا البيت وسياقه هو التقرير؟ أو الإنكار؟ أو التعجب؟ ولكننا في الحقيقة لا نستطيع أن نطمئن إلى معنى واحد من هذه المعاني الثلاثة، ولعلها جميعًا لا تفي بوصف الحالة الوجدانية المعقدة التي عبرت عنها الجملة الاستفهامية في البيت.
مثل هذه الطريقة في النقد ستبتعد بالضرورة عن الحكم بالجودة أو الرداءة، وهو ما يتصوره الكثيرون من دارسي الأدب على أنه وظيفة النقد الوحيدة أو الأساسية. فإذا كان عمل الناقد الأسلوبي هو تبين الارتباط بين التعبير والشعور، فيجب أن يكون قادرًا على الاستجابة للقطعة الأدبية التي يدرسها، وإلا فإنها ستظل بالنسبة له حروفًا ميتة. لهذا يصرح بعض علماء الأسلوب بأن الناقد الأسلوبي لا يمكن أن يدرس عملا لا يتذوقه. وإذا بدا أن هذه الخاصية للنقد الأسلوبي تضيِّق عمل الناقد فلا شك أنها تزيده عمقًا وصدقًا. ومع ذلك فإن الزعم بأن تعاطف الناقد مع العمل الذي ينقده يضيِّق مجال عمله زعم غير صحيح. فالناقد الواسع الأفق يتذوق أعمالا مختلفة الاتجاهات والأشكال، وإذا كان العمل أضعف من أن يثير اهتمامه، فمعنى ذلك أنه لا يستحق النقد. فكل نقد جاد ـ لا النقد الأسلوبي فحسب ـ ينطوي على حكم ضمني بأن العمل المنقود يستحق القراءة. والفرق بين الناقد الأسلوبي والناقد الانطباعي هو أن الأول أكثر موضوعية، لأنه ينطلق من تحليل للنص المكتوب، قائم على مبادئ علمية، في حين أن الثاني ينطلق من مشاعره الخاصة إزاء العمل، وقد تعكس هذه المشاعر صورة صادقة للعمل، ولكنها في كثير من الأحيان تكون بعيدة عنه. أما الاتجاهات "الموضوعية" الحديثة في النقد الأدبي، غير الاتجاه الأسلوبي، فإنها لم تستطع حتى الآن أن تحدد مفاهيم خاصة أو لغة علمية اصطلاحية خاصة للنقد الأدبي، ومن ثم غدت أشبه بعناصر لم يتم نضجها معا في مزيج مستمد من علم النفس تارة ومن علم الاجتماع أو علم الأنثروبولوجيا تارة أخرى (بمختلف مدارسها). ولعل هذا هو ما أغرى بعض علماء الأسلوب ـ مثل رومان جاكوبسون ـ بأن يتحدثوا عن النقد الأدبي كما لو كان شيئا من مخلَّفات الماضي.
على أن النقد الأسلوبي لا يمكنه أن يستوفي كل جوانب العمل الأدبي إلا إذا هشَّم أطرافه حتى تتسع له طاقة الدرس الأسلوبي، أو مط الدرس الأسلوبي فوق طاقته ليتسع للعمل الأدبي بكل جوانبه. ولقد كان كرسّو على حق في تقريره أن دراسة العمل الأدبي لا يمكن أن تقتصر على دراسة عبارته اللغوية. ولكننا لا نقبل ذلك التمييز المضحك بين الدراسة الأسلوبية ودراسة الأسلوب. ليكتب من شاء من النقاد والأدباء وغيرهم عن "الأسلوب" بأي معنى يشاؤون (وقد مرت بنا بعض هذه المعاني في الفصل الأول) فلا حجر على أحد في ما يكتب أو يقول، واللغة لا تنظم بقوانين تفرضها سلطة غير سلطة المتعاملين بها. ولكننا نرى أن كلمة "الأسلوب" إذا تجاوزت معنى "الاستعمال الأدبي الخاص للغة" لم تعد لها قيمة كاصطلاح علمي مفيد. فالجوانب التي ذكرها كرسّو وغيرها أيضًا، ونعني على الخصوص تلك المسائل التي تتعلق بالأنواع الأدبية ـ موضوعات مشروعة وضرورية للنقد الأدبي، إلا أن اعتبارها دراسات في "الأسلوب" هو نوع من خلط المفاهيم. وأساس التمييز واضح عندنا بدرجة كافية. فهناك عناصر في الأدب تتجاوز الدلالات اللغوية المباشرة وغير المباشرة (ومن ثَم يمكن عرضها بصور مختلفة، مثل الشخصية الروائية أو التمثيلية، وزاوية الرؤية في العمل الروائي، وعلاقة الزمن الروائي بالزمن الخارجي، وطبيعة الموضوع وطبيعة "الأنا" في القصيدة الغنائية... إلخ). وهناك علاقات تربط العمل الأدبي بموقف إنساني له جذوره في الشخصية أو في المجتمع. وهذه كلها مسائل لا يمكن بحثها بالمنهج الأسلوبي.
قبل أن نناقش هاتين المسألتين، يحسن بنا أن نوضح بأمثلة قليلة ما نعنيه بالاختيارات والانحرافات في اللغة الأدبية.
استمع إلى هذين البيتين لمهيار الديلمي:
يا نسيم الصبح من كاظمة
شد ما هجت الجوى والبُرَحا!
الصبا، إن كان لا بد الصبا
إنها كانت لقلبي أروحــا!
ليس في هذين البيتين معنى طريف، بل إن المعنى فيهما ليس إلا هيكلا هزيلا لحمل الألفاظ، لكن فيهما حنينا غامضا يصدر ـ في أغلب الظن ـ عن جرس الحروف.
ثم استمع إلى هذا البيت لامرئ القيس يصف فرسه:
على الذّبل جيّاش كأن اهتزامه
إذا جاش فيه حَمْيُهُ غَلْيَ مرْجَلِ!
تجد فيه كلمتين تحكيان صوتين: "جيّاش" وقد كررت في الفعل "جاش" و"اهتزام". وقد وضعت هذه الكلمات الثلاث في إطار من الكلمات يحكي بمجموعة تردد أنفاس الفرس، فيشعرك بروعة الإعجاب، ولا سيما إذا تمثلت بخيالك قدرًا ضخمًا يغلي فيه الماء فينبعث منه نشيش وبخار.
ثم استمع إلى هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو مطلع قصيدة يرثي بها أبناءه الخمسة وقد ماتوا في يوم واحد:
أمن المنون وريبها تتوجّع؟
والدهر ليس بمعتب من يجزع!
وتأمل هذا الاستفهام الغريب في الشطر الأول وما حفل به من المشاعر المتناقضة: هل ينكر الشاعر على نفسه أن يتوجع من الموت؟ وأي فجيعة أشد من فجيعة الموت؟ ولكنه يذكِّر نفسه بأن الجزع لا يجدي، فإذا غضب فإن الدهر لن يترضاه، لأن الذاهبين لن يعودوا. لقد بلغ الحزن أقصى مداه، فتحول إلى استسلام.
وانتبه إلى تقديم الجار والمجرور "من المنون" على بقية أجزاء الجملة الاستفهامية. ويقول البلاغيون إن التقديم في مثل هذه الحالة يفيد القصر، أو إن المستفهَم عنه هو ما تلا همزة الاستفهام. فكأن موضع تساؤله ليس التوجع في ذاته، بل التوجع من نزول الموت لا من أي شيء آخر. وهذا يجعل الاستفهام أشد غرابة، فليس ثمة فجيعة أشد من الموت المفاجئ، فما بالك إذا كانت الفجيعة مضاعفة؟ وتقول لنا البلاغة أيضًا إن الاستفهام هنا قد خرج عن معناه، وتذكر معاني عدة يخرج إليها الاستفهام، لعل أقربها إلى مناسبة هذا البيت وسياقه هو التقرير؟ أو الإنكار؟ أو التعجب؟ ولكننا في الحقيقة لا نستطيع أن نطمئن إلى معنى واحد من هذه المعاني الثلاثة، ولعلها جميعًا لا تفي بوصف الحالة الوجدانية المعقدة التي عبرت عنها الجملة الاستفهامية في البيت.
مثل هذه الطريقة في النقد ستبتعد بالضرورة عن الحكم بالجودة أو الرداءة، وهو ما يتصوره الكثيرون من دارسي الأدب على أنه وظيفة النقد الوحيدة أو الأساسية. فإذا كان عمل الناقد الأسلوبي هو تبين الارتباط بين التعبير والشعور، فيجب أن يكون قادرًا على الاستجابة للقطعة الأدبية التي يدرسها، وإلا فإنها ستظل بالنسبة له حروفًا ميتة. لهذا يصرح بعض علماء الأسلوب بأن الناقد الأسلوبي لا يمكن أن يدرس عملا لا يتذوقه. وإذا بدا أن هذه الخاصية للنقد الأسلوبي تضيِّق عمل الناقد فلا شك أنها تزيده عمقًا وصدقًا. ومع ذلك فإن الزعم بأن تعاطف الناقد مع العمل الذي ينقده يضيِّق مجال عمله زعم غير صحيح. فالناقد الواسع الأفق يتذوق أعمالا مختلفة الاتجاهات والأشكال، وإذا كان العمل أضعف من أن يثير اهتمامه، فمعنى ذلك أنه لا يستحق النقد. فكل نقد جاد ـ لا النقد الأسلوبي فحسب ـ ينطوي على حكم ضمني بأن العمل المنقود يستحق القراءة. والفرق بين الناقد الأسلوبي والناقد الانطباعي هو أن الأول أكثر موضوعية، لأنه ينطلق من تحليل للنص المكتوب، قائم على مبادئ علمية، في حين أن الثاني ينطلق من مشاعره الخاصة إزاء العمل، وقد تعكس هذه المشاعر صورة صادقة للعمل، ولكنها في كثير من الأحيان تكون بعيدة عنه. أما الاتجاهات "الموضوعية" الحديثة في النقد الأدبي، غير الاتجاه الأسلوبي، فإنها لم تستطع حتى الآن أن تحدد مفاهيم خاصة أو لغة علمية اصطلاحية خاصة للنقد الأدبي، ومن ثم غدت أشبه بعناصر لم يتم نضجها معا في مزيج مستمد من علم النفس تارة ومن علم الاجتماع أو علم الأنثروبولوجيا تارة أخرى (بمختلف مدارسها). ولعل هذا هو ما أغرى بعض علماء الأسلوب ـ مثل رومان جاكوبسون ـ بأن يتحدثوا عن النقد الأدبي كما لو كان شيئا من مخلَّفات الماضي.
على أن النقد الأسلوبي لا يمكنه أن يستوفي كل جوانب العمل الأدبي إلا إذا هشَّم أطرافه حتى تتسع له طاقة الدرس الأسلوبي، أو مط الدرس الأسلوبي فوق طاقته ليتسع للعمل الأدبي بكل جوانبه. ولقد كان كرسّو على حق في تقريره أن دراسة العمل الأدبي لا يمكن أن تقتصر على دراسة عبارته اللغوية. ولكننا لا نقبل ذلك التمييز المضحك بين الدراسة الأسلوبية ودراسة الأسلوب. ليكتب من شاء من النقاد والأدباء وغيرهم عن "الأسلوب" بأي معنى يشاؤون (وقد مرت بنا بعض هذه المعاني في الفصل الأول) فلا حجر على أحد في ما يكتب أو يقول، واللغة لا تنظم بقوانين تفرضها سلطة غير سلطة المتعاملين بها. ولكننا نرى أن كلمة "الأسلوب" إذا تجاوزت معنى "الاستعمال الأدبي الخاص للغة" لم تعد لها قيمة كاصطلاح علمي مفيد. فالجوانب التي ذكرها كرسّو وغيرها أيضًا، ونعني على الخصوص تلك المسائل التي تتعلق بالأنواع الأدبية ـ موضوعات مشروعة وضرورية للنقد الأدبي، إلا أن اعتبارها دراسات في "الأسلوب" هو نوع من خلط المفاهيم. وأساس التمييز واضح عندنا بدرجة كافية. فهناك عناصر في الأدب تتجاوز الدلالات اللغوية المباشرة وغير المباشرة (ومن ثَم يمكن عرضها بصور مختلفة، مثل الشخصية الروائية أو التمثيلية، وزاوية الرؤية في العمل الروائي، وعلاقة الزمن الروائي بالزمن الخارجي، وطبيعة الموضوع وطبيعة "الأنا" في القصيدة الغنائية... إلخ). وهناك علاقات تربط العمل الأدبي بموقف إنساني له جذوره في الشخصية أو في المجتمع. وهذه كلها مسائل لا يمكن بحثها بالمنهج الأسلوبي.