eKtab
EN ع
علم النفس التجريبي في التراث العربي الإسلامي
اقرأ عينة مجانية

علم النفس التجريبي في التراث العربي الإسلامي

بقلم د. عمر هارون خليفة

صفحة 1

الفصل الأول

علم النفس والتراث

المقاربة: النص السيكولوجي والنص القرآني

نشرت في السنوات الأخيرة عدة دراسات في دوريات محلية وعالمية، وقدمت مجموعة من أوراق المؤتمرات العامة والمتخصصة، والعديد من رسائل الماجستير والدكتوراه العلمية، فضلا عن نشر مجموعة من الكتب التي تعلقت بموضوع (علم النفس والقرآن)، و(علم النفس والإسلام)، و (علم النفس في التراث العربي الإسلامي)· وما يهمنا في هذا الجزء الأولي من هذه الدراسة هو مجموعة الكتب المؤلفة بالعربية المنشورة محليا عن علم النفس وعلاقته بالقرآن أو الإسلام· ومن أمثلة الكتب التي عالجت موضوع علم النفس والقرآن، مثلا: من علم النفس القرآني (الشريف، 7 8 9 1)، والقرآن وعلم النفس (حمودة، 5 8 9 1)، والنفس الإنسانية في القرآن الكريم (سرسيق، 1 8 9 1)، ودراسات نفسية وتأملات قرآنية (عامر، 6 8 9 1)، ومن خصائص النفس البشرية في القرآن الكريم (عدس، 5 8 9 1)، والقرآن والطبائع النفسية (العماري، 6 6 9 1)، والقرآن وعلم النفس (نجاتي، 7 8 9 1)، ولمحات نفسية في القرآن الكريم (الهاشمـي، 2 0 4 1 هـ)، ودراسات في النفـس الإنسانيـة (قطب، 3 8 9 1)·
ومن أمثلة الكتب التي عالجت موضوع (علم النفس والإسلام) على سبيل المثال: مشكل أخصائي النفس المسلمين (بدري، 9 8 9 1)، والتوجه الإسلامي لعلم النفس (أبو حطب، 8 9 3 1 هـ)، والإسلام والعلاج النفسي (عيسوي، 6 8 9 1)، والعلاج النفسي في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية (معمور، 3 9 9 1)، ودراسات في علم النفس الإسلامي (البستاني، 8 8 9 1)، وعلم النفس الإسلامي العام (خليل، 7 8 9 1)، وعلم النفس الإسلامي (زريق، 9 8 9 1)، وعلم النفس الاجتماعي بين الإسلام والعلم الحديث (سعيد، 1 8 9 1)، والإسلام وقضايا علم النفس الحديث (السمالوطي، 4 8 9 1)، ونحو علم نفس إسلامي (الشرقاوي، 1 8 9 1)، وأصول علم النفس العام في ضوء الإسلام (عامر، 6 8 9 1)، وعلم النفس المعاصر في ضوء الإسلام (محمد، 5 8 9 1)، وملامح علم النفس الإسلامي (محمود، 3 8 9 1)، وعلم النفس الدعوي (النغيمشي، 5 1 4 1 هـ)·
ويؤكد بعض علماء النفس العرب (بدري ، 9 8 9 1، زيعور، 2 8 9 1، الخليفة، 7 9 9 1، طه، 5 9 9 1، الهاشمي، 1 8 9 1) أهمية الدين الإسلامي في سلوك الأفراد والجماعات في العالم العربي· يقول زيعور مثلاً: القرآن كتاب ذو تأثير يومي في حياة الفرد يوجه سلوكه وآدابه وفكره وحياته ليكون، إلى حد بعيد جدا، الشخصية الفردية ولاوعيها الجماعي، ويقود اللاوعي الفردي في شتى النشاطات الاجتماعية والذاتية· والمفاهيم القرآنية تغطي، إذن، الذات في علاقتها مع الأنت ومع النحن ومع الخالد وهي تلف يوم الإنسان، وغده، ونظرته للكون، وللظواهر والخلود· إنها ركيزة أولى في الثقافة، وفي الحضارة وفي التاريخ وفي الواقع الراهن، ورسم المستقبل (زيعور، 2 8 9 1)· ويلعب الدين الإسلامي دورا أساسيا في صياغة سلوك الأفراد والجماعات في العالم العربي سواء أكان دينا رسميا أو شعبيا· وتبرز في الدين الرسمي الكلمة والسنة فيما يبرز في الدين الشعبي الشخص والوجدان (بركات، 4 8 9 1)·
وانعكست أهمية الدين الإسلامي بالنسبة لسلوك الأفراد في الاهتمامات البحثية لبعض علماء النفس العرب· ونتيجة لذلك أصبحت الدراسات السيكولوجية المتعلقة بالقرآن، أو بالإسلام، أو بالأمة، أو بالتراث العربي الإسلامي أكثر شيوعا، وخاصة خلال الثمانينات· فكثير من مفاهيم علم النفس في التراث العربي الإسلامي كانت عند البعض سابقة وأفضل من مفاهيم علم النفس المعاصر· فمثلا، قدم فائز الحاج بحثا بعنوان (نظرية الفعل المنعكس الشرطي عند الغزالي) شرح فيه بالتفصيل رأي الغزالي في هذا الموضوع، وذهب الباحث إلى أن الغزالي اكتشف الاشتراط قبل بافلوف· ويذكر نجاتي أن ابن سينا اكتشف طبيعة عملية الاشتراط قبل الغزالي وبافلوف، وأن الغزالي قد تأثر برأي ابن سينا في هذا الموضوع (نجاتي، 0 8 9 1)، وسبق الإسلام في إدراك كثير من المفاهيم والتصورات السيكولوجية التي يدعي علماء الغرب ابتكارها (عيسوي، 0 9 9 1 )، فقد سبق الأطباء العرب جاكسون في وصف نوبات الصرع (كمال وسرحان، 9 8 9 1)، وتوصل ابن عربي إلى إدراك الغريزة الجنسية وغريزة السيطرة التي وردت في نظرية فرويد عن الغرائز (كمال وسرحان، 9 8 9 1)، ودرب العرب الصقور قبل أن يولد اسكنر نفسه (بدري، 9 7 9 1)·
صفحة 2
بالإضافة لهذه الأسبقيات، فإن علم النفس في التراث العربي الإسلامي، يتفوق عند البعض على علم النفس الحديث أو الغربي· فمثلا، التحليل النفسي الذي مارسه الغزالي عندما أصيب بحالة من الكآبة يعتقد أنه تفوق فيه على التحليل الذي قام به سانت أوغستين وفرويد (كمال وسرحان، 9 8 9 1)، وتفوق مزايا العلاج الإسلامي العلاج الحديث (عيسوي، 0 9 9 1)، كما أن ابن طفيل قد زاد مرحلة خامسة في النمو العقلي على مراحل بياجيه (طه، 5 9 9 1)·
وتظهر بعض المقاربات بين النص السيكولوجي والنص القرآني، مثلا، بين ولا أقسم بالنفس اللوامة) وبين الضمير الخلقي عند فرويد (عيسوي، 4 9 9 1)، ويعبر التعبير القرآني (يخادعون الله··· وبما كانوا يكذبون) عن وسائل الدفاع عن النفس؛ و(مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) بأنها تعبير عن الصراع النفسي· لمزيد من هذه العينة من الدراسات أنظر : الشناوي وتمراز (6 9 9 1) (دليل التأصيل الإسلامي لعلم النفس) والذي نشرته (جامعة الإمام محمد بين سعود الإسلامية) بالمملكة العربية السعودية ضمن مشروع طموح لرصد (سلسلة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية)
من ناحية تاريخية فقد ارتقت بعض المعارف السيكولوجية في التراث العربي الإسلامي في الوقت الذي كان فيه التراث الأوربي راكدا، كما ارتقى علم النفس الغربي في الحاضر ، في الوقت الذي أضحى فيه التراث العلمي العربي الإسلامي ضحلا· ويلاحظ عدم اهتمام علماء النفس العرب بالوديعة المتروكة لهم في خزائن المخطوطات وكنوز مكتبات التراث العربي الإسلامي· وهناك غياب كامل للمخيال السيكولوجي العربي الذي ينظر للمساهمات الإسلامية الأصيلة، ومحاولة قراءتها، وربطها بالواقع الحالي لعلم النفس، أو على الأقل كيفية استلهام روح البحث القلقة للرواد· ويغيب في نفس الوقت المخيال السيكولوجي بالتأمل في الواقع العربي المعاصر والظواهر النفسية الخاصة بالعلاج النفسي أو علم النفس الإجتماعي أو علم النفس الفلكلوري أو علم النفس التربوي ومحاولة تطوير تقنياتها· كما يغيب المخيال السيكولوجي كذلك في وجود حساسية التمييز بين الغث والثمين في علم النفس اليورو-أمريكي· لذلك فإن بعض أبحاث التراث النفسي وأبحاث التجديد أو التأصيل الإسلامي لهذا التراث هي حركة مهمة في الاتجاه الصحيح· فإنها على الأقل تمنح علماء النفس الثقة بالنفس في محاولة صياغة علم نفس يستجيب للحساسية الثقافية للأفراد والجماعات في العالم العربي (الخليفة قيد النشر)·
وبوسعنا الآن أن نقدم ملاحظات عامة عن المساهمات السابقة من قبل علماء النفس العرب وبقية المهتمين بعلم النفس بخصوص مقاربة النص السيكولوجي والنص القرآني· وتكمن أهمية الدراسات المتعلقة بهذه المقاربات في اهتمامها بدراسة المصدر الأول للتشريع في الإسلام وهو القرآن الكريم· وبذلك تحاول هذه العينة من الدراسات، في جوهرها، إيجاد نوع من المقاربة أو التوفيق بين (النص القرآني) و(النص السيكولوجي)· ويلاحظ وجود مشكلة في (واو العطف) بين (قرآني) و(سيكولوجي) وبمعنى آخر، هناك مشكلة الانتقال بصورة منسابة من النص القرآني للنص السيكولوجي، أو بصورة معكوسة من النص السيكولوجي للنص القرآني· فليس هناك انسجام أو هارموني بلغة الموسيقى في كيفية التعامل مع منهجين أو مصدرين مختلفين· ويصعب جدا أن نجد معرفة متوازية للنصين (القرآني) و(السيكولوجي) بنفس القدر· لذلك فإن معظم المحاولات التقريبية أو التوفيقية كانت محاولات غير متماثلة، أو مائلة، بلغة الإحصاء، إما لليمين أو لليسار· ويبدو أن ثمة تبريرات لهذه العينة من التمايل·
كتب بعض هذه المحاولات أو الاجتهادات أفراد من خارج دائرة علم النفس بمعناه التخصصي· وغالبا ما كانت هذه المحاولات تنتقي النص القرآني الذي وردت فيه مفاهيم النفس الإنسانية· وغلب علي تلك الاجتهادات منهج التأمل وتفسير النصوص وتأويلها· وغالبا ما يكون هؤلاء الأفراد على معرفة أكثر بالنص القرآني مقارنة بالنص السيكولوجي· والجدير بالذكر أن البعض قد استوعب مقاربة النصوص القرآنية مقاربة جيدة مثل محاولة محمد قطب في كتابه (دراسات في النفس الإنسانية) أكثر من مقاربة كثير من علماء النفس العرب· فلقد حاول أن يزيل نوعا من التناقض بين النصين من خلال الغوص في معاني الآيات القرآنية·
جرت محاولات أخرى من قبل علماء النفس العرب· وغالبا ما تتم المعالجة في هذه الحالة من خلال التعامل مع النص السيكولوجي ومحاولة إيجاد مقاربة له مع النص القرآني، مثل محاولة مقاربة مفاهيم فرويد الثلاثية الشهيرة عن الهو (صوت الغريزة)، والأنا (صوت المجتمع)، والأنا الأعلى (صوت الضمير) بمفاهيم القرآن الكريم عن النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة، على التوالي· وعادة ما تكون هذه المجموعة ذات علاقة أقوى بالنص السيكولوجي مقارنة مع النص القرآني· ولكن تبقى بعض هذه المحاولات مجرد تلفيق بين نصين متضادين كالنص الفرويدي الذي ينظر للدين في كتاب (مستقبل وهم) بأنه عصاب جماعي عالمي وبين النص القرآني· وهنا بوسعنا التساؤل: ما هي جدوى مقاربة النص السيكولوجي بالنص القرآني أو بصورة معكوسة النص القرآني بالنص السيكولوجي؟
صفحة 3

الصدمة السيكولوجية والمقاربات

يبدو أن هدف المقاربات أو المقارنات بين النص القرآني والنص السيكولوجي من جهة، وبين علم النفس في التراث وعلم النفس الغربي من جهة أخرى، هو محاولة ردم الهوة أو الفجوة الكبيرة بين علم النفس الذي وجده علماء النفس العرب المعاصرون في التراث العربي الإسلامي وبين علم النفس الحديث· ونتيجة لذلك لجأ بعض علماء النفس إما إلى محاولة إيجاد نوع من التوفيق بين المفهوم القرآني للنفس والمفهوم السيكولوجي الحديث من جهة، وأمّا إلى محاولة البحث عن عن جذور إسلامية لمفاهيم علم النفس الغربي في التراث العربي الإسلامي من جهة آخرى· ويبدو أن الصدمة السيكولوجية أو الغربة التي واجهها علماء النفس العرب هي السبب المركزي في محاولة إقدامهم على هذه المقاربات· ومن المفارقات عدم ارتقاء هذه المقاربات لمشروع نظرية سيكولوجية أو منهج سيكولوجي يتحول من بعد لأداه تستخدم تطبيقيا، كما تستخدم أدوات علم النفس الحديث· وبوسعنا التساؤل مجددا عن هدف هذه العينة من المقاربات· وهل السبب نفسي بحت للتعبير عن أن لنا معرفة سيكولوجية وذلك لتجاوز حالة الصدمة النفسية أو بلغة أكثر تحديداً الأزمة!
عبر طه (5 9 9 1) بصورة ما عن مصدر هذه الصدمة أو التأزم، إذ يقول إن الاختصاصي النفسي من العالم العربي الإسلامي يشعر بالغربة بصورة مضطردة كلما اقترب من القضايا النفسية الأكثر تجريدا حتى إذا وصل إلى قمة التجريد، حيث تسفر الأطروحات السيكولوجية المتداولة المقبولة عن الضرورة العلمانية الصريحة التي تقف من الدين موقف الند للند، شعر هذا الاختصاصي بالأزمة الشديدة بين تكوينه الثقافي وتكوينه المهني فيهرب تلقائيا من هذا الميدان التجريدي إلى الميدان المسمى -التجريبي- حيث القضايا أكثر عيانية وأقل جدلية· فيفرغ قدراته الذهنية كلها صعودا وهبوطا على درجات السلم السفلي· وحتى على درجات سلم التجريد الوسطية حيث يتم إنشاء المدارس النفسية مثل السلوكية والتحليلية وغيرها تتم مداخلات تنفتح مباشرة على المصدر العلماني حيث يكمن مصدر التأزم·
وفي تقديري، هناك صدمة ثانية كذلك في عملية الهروب التلقائي إلى الميدان التجريبي في علم النفس· وحسب قول طه تحديدا بأنه (أكثر عيانية وأقل جدلية)· فالصدمة تتعلق بعدم وجود مساهمات عربية أصيلة أو مبدعة في هذا الجزء (الصلب) من علم النفس مقابل الجزء (الرخو) منه· وفي العالم العربي لم تكن هناك أية روح علمية صارمة صلبة لعلم النفس في مخابر الفيزياء و المراصد الفلكية، أو معامل التشريح والفسيولوجيا، أو أقفاص الزولوجيا و المختبرات التجريبية كما تأسس علم النفس في ألمانيا وبريطانيا وأمريكا وتوطن مثلا، في اليابان وإسرائيل· فعلم النفس في العالم العربي تأسس في رحاب أقسام الفلسفة وفي معاهد المعلمين سابقا وكليات التربية لاحقا (انظر أبو حطب، 2 9 9 1؛ البسام، 5 6 9 1؛ دياب، 5 6 9 1؛ عاقل، 5 6 9 1؛ مراد، 5 6 9 1)· فالراحة النفسية المؤقتة التي يجدها عالم النفس العربي في هذا الجزء العياني والأقل جدلية كما يعبر طه ترتبط بحالة من الصدمة السيكولوجية وربما اليأس كذلك · فالمأزق بأن الجانب الرخو من علم النفس يتأزم مع التكوين الثقافي لعالم النفس في حين أن الجانب الصلب لا قدرة له على المساهمة في تبنيه وتكييفه وتأسيسه و تطويره وفوق كل ذلك توطينه في التربة المحلية·
عبر المجددون والمعاصرون أمثال الطهطاوي، وعبده، والأفغاني، والكواكبي، في العالم العربي منذ أكثر من قرن عن مقاربة مفاهيم الشورى بالديمقراطية، والخلافة بالجمهورية، وأفكار أبي ذر الغفاري بالاشتراكية، والتضامن الاجتماعي بالتكافل الاجتماعي، والعمران بالتمدن، والمصلحة بالمنفعة والإجماع بالرأي الديمقراطي، وأهل الرأي بالنواب، والعتق بالحرية، والجن بالمكروبات، والشياطين بالبكتيريا · وبعد مضي أكثر من قرن من محاولة هؤلاء المجددين لم يستطع بعض علماء النفس العرب مقاربة مفاهيم التراث الإسلامي بمفاهيم علم النفس الحديث أو مقاربة النص القرآني بالنص السيكولوجي بصورة منسجمة، أو على اقل تقدير مقبولة· والمحاولات القليلة في هذا الاتجاه ، كما ذكرنا سابقا، غلب عليها التلفيق بدل المقاربة أو التوفيق أو المقارنة·
وفقا للعلواني، إن هذا السعي للمحاولة قد استدرج كثيرا من الباحثين السابقين بمحاولات الإصلاح إلى أفكار (المقاربة) ثم (المقارنة)· أما (المقاربة) فقد تمثلت بمحاولات البعض إعادة تأويل وتفسير الموقف الإسلامي من كثير من القضايا التي قذفنا بها الفكر الغربي في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، لينسجم الموقف الإسلامي مع متطلبات العلمية والعقلانية الغربية، فقدمت جل قضايا الغيب سواء الغيب المطلق أو الغيب النسبي بحيث لا يشتد اعتراض العقل العلمي (التجريبي) عليها · ولما أفاق العقل المسلم ولو بشكل جزئي انتقل إلى مرحلة المقارنة، وذلك حين بدأ المفكرون المسلمون يقومون بعقد مقارنات تجري - في الغالب- بين القضايا التي جرت مقاربتها مع الفكر الغربي في المرحلة السابقة، لتجري عليها مقارنات هذه المرة تكون نتيجتها تفضيل الموقف الإسلامي على الموقف الغربي (العلواني، 7 9 9 1)·
إن النقاش الدائر منذ سنوات حول تأصيل الوافد وتحديث الموروث جعل همه الأول التوصل إلى اتفاق أو توفيق ما بين العنصرين· أي بين التراث والغرب فنفي (النحن) أو جعلها خفية ألغى الذات ودورها أو عبر عن غيابها· ونتج عن ذلك محاولات لا تحصى لإعادة تأويل التراث العربي أو الإسلامي على ضوء العصر، أي ترجمته ترجمة عصرية كثيرا ما تعني الاحتيال عليه، أو تقريب تراث الغرب من الشرق، وإظهاره بمظهر التراث العالمي المشترك· وعيب هذه المحاولات النظرية بأكملها أنها تعتقد أنه لمجرد أن حصل التقارب في عقل هذا الباحث أو ذاك بين مفاهيم الإسلام ومفاهيم العصر أو العلمانية فلا بد أن يزول التناقض الفعلي والواقعي بين مطلب الذاتية ومطلب الحضارة، وبذلك يمكن للنهضة التي لم تتحقق بالفعل أن تتحقق بالذهن (غليون، 0 9 9 1)·
صفحة 4
صحيح جدا أن رواد التجديد القدامى والمحدثين حاولوا عملية التقريب والمقارنة، ولكن يبدو أن بعض علماء النفس العرب هم في مرحلة ما قبل التقريب· فبعض المؤلفات التي يطلق عليها علماء النفس العرب (تأصيل) أو (اكتشاف) أو (أسلمة) ربما تعتبر غير ذات جدوى كبيرة في علم النفس أو، كما يعبر حجازي، تجعل الناس يفهمون أنفسهم والآخرين والواقع فهما خاطئا مشوها، ويتخذون منها مواقف سلمية ويتصرفون معها بطرق عاجزة (حجازي، 5 8 9 1)· ويتميز هذا الاتجاه التلفيقي، حسب قول النصر (3 9 9 1)، بعدم الأصالة من حيث عدم التزام رموزه بمجمل الطرح الإسلامي وهو ما غيب لديهم الاتساق الفكري نظرا لأنهم قد تحولوا في فترة زمنية قصيرة من اتجاهات ومدارس فكرية متناقضة تماما مع التوجه الإسلامي· وكما يعبر حجازي (6 8 9 1)، فإن معظم ما يكتب في هذا الاتجاه تغلب عليه الضحالة، ويكشف عن شيء غير قليل من السطحية والغفلة، ولا يخلو الأمر في بعض الأحيان من الانتهازية وتملق مشاعر الجماهير، بل والمشاركة الواعية في تزييف الوعي·
وعموما يلاحظ غلبة الاتجاه التلفيقي في الكتب والدراسات وأوراق المؤتمرات وحتى الرسائل الجامعية في علم النفس (مما يوهم الكاتب أنه توصل إلى نظرية أو منهج جديد بينما يبقى العمل تجميعا لمتناقضات) (علي، 7 8 9 1)· والذين ينغلقون على مفاهيم التراث التي برزت وتطورت وانحطت بعد العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية من غير تجديد لها هو نوع من الجمود أو التثبت بلغة علم النفس· وعلى أية حال، فإن المخرج لإحيائها وأخذ الدروس منها لا يكون بالكيفية التي عالجها بها بعض علماء النفس العرب (الخليفة، قيد النشر)· ولاتساع الهوة بين الماضي والحاضر قد يكون المخرج بالنسبة لبعض علماء النفس العرب العودة والنقل من التراث أو استمرارية الاستيراد والنقل من الغرب· أو كما يقول راشد (5 8 9 1) التوفيق - أو بالأحرى التلفيق- بين هذا التراث وما تيسر اقتناصه من فلسفات وآيديولوجيات أوربية وأمريكية ومناهجها لترقيع الثوب القديم برقع حديثة ، أو تقويم ما استعير من الفكر الأوربي في وعاء قديم لدى فئة ثانية· إن الحل الذي عملت التلفيقوية على صوغه، كما يذكر تيزيني (7 8 9 1)، اكتسب وشمه الأساسي حلا (تلفيقويا) أما تلفيقوية هذا الحل فتكمن في محاولة الجمع بين المطلق على نحو مطلق والنسبي على نحو مطلق· وهي، من ثم، ذهنية تقوم على معارضة المتناقضات بالإبقاء على (البنية الداخلية) لكل منهما بمنأى عن عملية التعارض والتقابل تلك· إن هذه العملية تماثل عملية الجمع بين الزيت والماء، ذلك لأن الناتج عن ذلك ليس هو صيغة جديدة نوعا، بقدر ما هو الزيت والماء حينما يكونان متقابلين متجاورين ·
ويواجه علماء النفس العرب الآن أسئلة جديدة غير تلك التي واجهها أسلافنا· فعلى سبيل المثال تطورت بنية المجتمع العربي الداخلية بظهور إرهاصات المجتمع الصناعي ذي البنية الطبقية المتميزة، وتطورت علاقته بالخارج بظهور علاقة التبعية الإمبريالية (حجازي، 1 9 8 5) · لذلك فإن الذين ينادون فقط بالعودة إلى (التراث) أو ما يسمى (الأصالة) وإلى (النموذج الماضي) ، على افتراض وجود نموذج ماض واحد محدد، وأن ندير الظهر لـ(المعاصرة)، لا يفرقون كثيرا بين (الشكل) أو (المنهج) وبين (المضمون) أو (الموضوع) · وإن مواضيع اليوم هي ليست كلها أو معظمها (مواضيع الأمس)، كما أن هناك من المواضيع المستجدة في حياتنا المعاصرة مما قد لا تتوفر (الأشكال) المناسبة أو اللازمة لمعالجتها في (النموذج الماضي) ، وبالتالي فالنموذج الماضي بشكله ومضمونه، ما عاد يستجيب وحده ككل، لمتطلبات الحياة العربية المعاصرة، ناهيك عن المستقبل (حسيب، 7 8 9 1)·
وطبقا لهذا الفهم فإن مفاهيم ونظريات ومناهج وأدوات علم النفس في التراث العربي الإسلامي كما عند ابن سينا في كتاب القانون، أو ابن الهيثم في كتاب المناظر، أو الرازي في كتاب ما الفارق، أو البلخي في كتاب مصالح الأنفس والأبدان، أو ابن الجزار في كتاب زاد المسافر وقوت الحاضر أو البلدي في تدبير الحبالى والصبيان، يصعب استخدامها الآن في المجالات التطبيقية لعلم النفس التربوية والعلاجية والمهنية والعسكرية في مشارف القرن الواحد والعشرين· ويرجع السبب في ذلك إلى أن الأسئلة التي طرحها بعض هؤلاء العلماء في القرن الحادي عشر الميلادي مثلا، تختلف عن الأسئلة المطروحة الآن· وأن كثيرا من الموضوعات التي تناولوها سابقا ليست من الاهتمام الحاضر بالنسبة لعلماء النفس· وبقي الكثير مما قالوه الآن في متحف علم النفس· ولكن مع ذلك هناك عبرة في أهمية البحث في التراث السيكولوجي وسوف نذكر ذلك في الفصل الأخير من هذا الكتاب·
ويقول الجابري (7 8 9 1) إن الجانب الإشكالي في وضع التراث العربي الإسلامي، بالنسبة للفكر العربي الحديث يتمثل في الهوة التي نشعر بها حين نستحضره كجزء من الذات العربية، وكجزء مقوم وأساسي ، الهوة التي تفصله وتفصلنا عن روح العصر الحاضر، عن قيمه الجديدة، وأسس تقدمه وتجدده· ونحن نشعر أن هناك هوة تفصل بين ماضينا كتراث وبين حاضرنا كمشروع لمستقبلنا، فكيف يمكن الحديث عن مستقبل للتراث أو بالنسبة للتراث، والحال أن هناك هوة تفصله عن حاضرنا ومشروع مستقبلنا· ولقد أصبح واضحا للجميع، كما يعبر غليون (0 9 9 1)، أن مشكلة العرب والمسلمين تكمن في ذلك التوتر الحاد والهائج بين تراث ماضوي عريق ثم حاضر متعب متخلف من جهة، وبين حداثة كاسحة وقوية ولدت ونمت وترعرعت على الضفة الأخرى من المتوسط من جهة أخرى· والمشكلة أن الحداثة الجديدة ولدت في أرض أخرى لا تمت إلى (دار الإسلام) بصلة، أي في أرض المستعمرين السابقين الذين ينتمون تاريخيا إلى ديانة أخرى وتراث آخر (اركون، 0 9 9 1)· فعلم النفس الحديث نشأ وتطور وأبدع في لايبزج ولندن وباريس وستانفورد، فهذه المراكز السيكولوجية ليس لها صلة مباشرة بمراكز تراث علم النفس في بغداد أو دمشق أو قرطبة أو القاهرة أو القيروان·
وتشكل علم النفس المعاصر بصورة متكاملة وتطبيقية في البلدان الغربية، وعلى الخصوص في الولايات المتحدة الأمريكية· وهذه العلوم التي أظهرت تناقضا كبيرا بينها وبين الكنيسة، لذلك أريد لها أن تنمو في نفس الاتجاه الذي نمت به العلوم الفيزيائية وذلك عن طريق التطبيق والتجريب (مزيان، 3 9 9 1)· ولقد فرض العلم تحليله للعناصر الطبيعية القابلة للملاحظة التي تتمثل في سلوك الإنسان، وبإصراره على تفسير السلوك الإنساني· فإنه قدم إلينا نظريات غير مقنعة وتفسيرات مشوهة· ومن أجل أن يتسم ذلك التحليل بالصفة العلمية، فإن العالم الاجتماعي قد خفض العنصر الأخلاقي والروحي للحقيقة الاجتماعية إلى تأثيره وأصله المادي· وإن المنهجية التي وضعها لا تزال إلى يومنا هذا خالية من الأدوات التي نستطيع بمقتضاها التعرف على الناحية الروحية والتعامل معها (الفاروقي، 9 7 9 1) · ويؤكد بدري (9 7 9 1) إخفاق نظريات علم النفس في الاستجابة لمتطلبات الإنسان المعاصر· ويرجع هذا الإخفاق إلى أخطاء أساسية في مناهج علم النفس ومدارسه· ولقد عالجت هذه المدارس الإنسان كحيوان مادي· إن إزاحة علم النفس من الجانب الروحي يحرم الإنسان من حاجة ضرورية للحياة· وهناك جانب ديني وروحي للحياة ومن غيره يصبح وجود الإنسان سطحيا فارغا وعبثيا·
صفحة 5

مالك بدري: جحر الضب الذي دخله علماء النفس

يعتبر مالك بدري رائدا لحركة تأصيل، أو بلغة أخرى، أسلمة علم النفس· ومن مؤلفاته الممتازة باللغة الإنجليزية (الإسلام وعلم النفس التحليلي)، و(الإسلام وإدمان الكحول) ولكن يبدو أن أهم مؤلفاته ترجع إلى سلسلة المقالات الرائعة التي نشرها في (مجلة المسلم المعاصر) عام 8 7 9 1 بعنوان (علماء النفس المسلمون في جحر الضب)· ويأتي العنوان الغريب لهذه المقالة، حسب قول بدري (8 7 9 1)، من الحديث النبوي الشهير الذي تنبأ فيه محمد (ص) أنه سوف يأتي يوم يقوم فيه المسلمون بالتقليد الأعمى لأساليب المسيحيين واليهود وصفاتها غير الإسلامية وقد صور ذلك جيدا في قوله ([) (حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) أو كما قال· ولقد تم توسيع وتنقيح هذه المقالات بواسطة بدري ونشرت في كتاب (The dilemma of Muslim psychologists" عام 9 7 9 1 ، وبعد عشر سنوات من تأليف الكتاب ترجم للعربية بواسطة منى أبوقرجة (9 8 9 1) بعنوان (مشكل أخصائي النفس المسلمين) ولقد أصبح كتاب بدري الآن (كلاسيكيا) بالنسبة للمهتمين بحركة تأصيل أو أسلمة علم النفس· وحذر بدري في كتابه كل من دخل في جحر الضب من أخصائي النفس المسلمين ألا يظلوا قابعين في جحورهم· والأطروحة الرئيسية في كتاب بدري هي غياب الجانب الروحي في علم النفس الغربي ومحاولة بلورة وتطوير مفهوم ملائم لعلم نفس إسلامي·
عالج بدري في كتابه عدة أفرع مختلفة لعلم النفس التي دخلها علماء النفس المسلمون بعناوين مدهشة مثل (عالم لنفس المسلم كسلوكي)، (عالم نفس الطفل المسلم في جحر الضب)، (عالم النفس المسلم التربوي الذي يردد صوت سيده) كما تناول نظريات وأفرعاً أخرى مثل القياس النفسي، والتحليل النفسي· ولقد تساءل بدري ماذا نعمل كعلماء نفس مسلمين تجاه علم النفس الغربي· ولم يكتفِ بدري بنقد أفرع علم النفس المختلفة فحسب، وإنما قدم إسهاما جديرا بالبحث في العلاج النفسي من واقع تجربته كإكلينيكي، وذلك في الفصل في كتابه المعنون بـ: (علم النفس في خدمة الإسلام) وفضلا عن ذلك عالج الكيفية التي يمكن بواسطتها أن تخدم بعض موضوعات علم النفس الإسلام مثل العلاج النفسي والقياس النفسي وعلم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي والشخصية·
ولم يكتفِ بدري (9 8 9 1) بدخول علماء النفس المسلمين (جحر الضب) فحسب، إنما قدم تصنيفا ذكيا للمراحل التي يمر بها علماء النفس في محاولات المقاربة أو التوفيق أو التلفيق· ولقد قسم مراحل علم النفس بالنسبة لأخصائي النفس المسلمين إلى ثلاث هي: الافتنان والوفاق والإعتاق· وبالنسبة للمرحلة الثانية المتعلقة بالوفاق يسعى علماء النفس فيها لسد فجوة التنافر المعرفي· وذلك بإيجاد حل وسط مصطنع يقرب بين الإسلام ونظريات علم النفس الحديث· ويذكر هؤلاء العلماء في سعادة أن ليس هناك أي تناقض خطير بين الإسلام ونظرية يونغ، أو أن القرآن يدعم النظرية الفرويدية المتعلقة بتقسيم الشخصية إلى ثلاثة مكونات ، هي (الهو) و (الأنا) و(الأنا العليا) وللبرهان على هدفهم ربما يقتبسون الآيات القرآنية التي تتحدث عن (النفس الأمارة بالسوء) و(النفس اللوامة) و(النفس المطمئنة) · وفي بعض الأحيان ربما يحرفون معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، أو على الأقل فإنهم يسعون إلى إيجاد معنى يعيد التصور من أجل أن يخففوا من وطأة إحباطهم وتنافرهم المعرفي· فيا ترى ما هو الموقف من أمثال هؤلاء العلماء؟ يحذر بدري من الهجوم على هؤلاء العلماء لأنهم في منتصف الطريق ···نصفهم داخل جحر الضب ونصفهم الآخر خارجه، بل ويجب تشجيعهم ليشعروا بالاطمئنان أكثر إذا ما خرجوا من الجحر·
ويدهش الإنسان حين يجد بعض علماء النفس الذين قرؤوا فرويد بدقة وحفظوا بعض أقواله المترجمة ولكنهم مع ذلك لا يشعرون بأي صراع أو ذنب باعتبارهم مسلمين أتقياء· وهؤلاء العلماء جعلوا حياتهم العاطفية والعقلية في اتجاهين منفصلين، أو أنهم نجحوا في خلق نمط من الشخصيات المزدوجة غير الباثولوجية من الناحية الظاهرية (بدري، 8 7 9 1)· وربما يرجع السبب في ازدواج شخصيتهم إلى عدم تحديد موقف سيكولوجي أو فلسفي واضح· وقسم أبو حطب، موقف مثقفي الوطن العربي إلى موقفين متضادين من التراث: رفض التراث لعدم مواءمته حاجات العصر، أو قبول التراث دون تمييز، ففيه كل الإجابات على تساؤلات العصر، وقد ظهر هذان الاتجاهان في علم النفس كما ظهرا في غيره من العلوم الإنسانية والاجتماعية· إن خطر أصحاب الاتجاه الثاني الذين يميلون إلى تقديس تراث العلماء العرب والمسلمين ليس أقل خطرا من أصحاب الاتجاه الأول· إنهم يعتبرون أن كل ما صدر من ترا ث العلماء السابقين من حضارتنا أفضل وأسبق من أي إنجاز سيكولوجي حديث· فهم يرون أن ابن الجوزي مثلا- في كتابه الأذكياء- أفضل وأسبق - عند أصحاب هذا الاتجاه- من جميع علماء النفس المعاصرين الذين اهتموا بقياس الذكاء والقدرات العقلية (أبو حطب، 3 9 9 1)· وإن بعض الذين يقدسون التراث ربما يصفون علم النفس بأنه كافر·
وفقا لرواية بدري قال معلم تربوي عربي ذات يوم بعد محاضرة عامة ألقاها الأستاذ محمد قطب، إننا كمسلمين، لسنا في حاجة إلى علم النفس الحديث· وإن ذلك الموضوع، بجميع فروعه، يعد كمجموعة من النظريات والممارسات التي تعتبر نتاج المدنية الغربية الأجنبية (الكافرة) وقد حث بقوة على إلغائه من مناهج دراسة تدريب المعلمين في السعودية إلى أن يحين الوقت عندما يضع العلماء المسلمون كتبا جديدة في علم النفس قائمة على أساس المذهب الإسلامي (بدري، 8 7 9 1)· صحيح إن بعض المتسرعين أو المتشددين ربما ينظرون لعلم النفس الحديث أو الغربي بأنه كافر أو فاجر أو فاسق· وقد يكون (للمكفراتية) الحق إذا قالوا إن القسم الرابع والأربعين (رقم 4 4 ) في الرابطة النفسية الأمريكية الخاص بالشواذ جنسيا هم كفار· لأنهم غيروا مفهوم اللواط والسحاق بمفهوم التفضيل الجنسي· أو أن فرويد في (مستقبل وهم) هو كافر، لأنه ذكر بأن الدين عبارة عن (عصاب جماعي)، أو أن علماء النفس في قسم (علم النفس العسكري) الذين يزيدون من فعالية الحروب وإبادة الشعوب المسلمة هم كفار· أو أن علماء النفس كاملو الدوام بالمخابرات المركزية الأمريكية والموساد والذين يخططون ويبرمجون لعمليات الإرهاب في العالم العربي هم كفار·
ولكن السؤال هو كيف يكون علم النفس الفسيولوجي كافرا وعلم النفس النيورولوجي فاجرا وعلم نفس الحيوان فاسقا؟ فإذا كان ذلك صحيحا فسيصدق القول على ابن سينا في فسلجة الدماغ، وابن الهيثم في السيكوفيزيقا، والبلدي في علم نفس الطفل، والبلخي في الإرشاد النفسي· فمعكوس (أسلمة) هو (كفرنة)، وتبعا لذلك نجدد التساؤل بالنسبة (للمكفراتية) ، كيف يمكن (أسلمة) علم النفس الفسيولوجي أو علم النفس النيورولوجي أو علم النفس التجريبي أو علم النفس المقارن أو علم النفس الرياضي أو علم نفس الطيران أو تحليل التباين أو العلاقات الارتباطية ؟ وهناك مشكلة بالنسبة لغلاة التراث أو المتشددين وغلاة المعاصرة أو الحداثيين· فالمشكلة هي عملية النقل سواء أكان نقلا من الماضي أو نقلا من الغرب: ومهما يكن فهما نوعان من التبعية المتعسفة، الأولى زمانية، والثانية مكانية· فيا ترى هل من هواجس لحل هذه التبعية؟
صفحة 6

علماء النفس العرب: هاجس التأصيل والأسلمة

نشرت بعض الكتب والأوراق العلمية في الدوريات المحلية وأوراق المؤتمرات، بصورة محددة، عن موضوع (تأصيل) علم النفس، وهذه المحاولات، بالطبع، ليست الوحيدة، مثلا: (منهج التأصيل الإسلامي لعلم النفس) (نجاتي، 0 1 4 1هـ، 1 1 4 1هـ)؛ (مشروعية التأصيل لعلم النفس) (8 0 4 1هـ)؛ (دراسات في التأصيل الإسلامي لعلم النفس) (الصنيع، 6 1 4 1 هـ)، (علم النفس بين الأصالة والتبعية) (خطيب، 8 8 9 1)· كما نشرت بعض الدراسات المحددة عن (أسلمة) علم النفس· مع العلم ــ كما ذكرنا ــ بأن معكوس (أسلمة) هو (كفرنة) علم النفس، ومن أمثلتها: (أسلمة العلوم السلوكية) (عطيه، 0 8 9 1)، (نحو أسلمة علم النفس) (عيسى، 5 8 9 1)؛ وأشارت بعض الدراسات للأسلمة بصور أو تعبيرات أخرى مثل: (علم النفس الحديث من منظور إسلامي) (بدري، 7 8 9 1)، (علم النفس بين منهج العلم وموقف القرآن) (إسماعيل، 8 7 9 1)، (علم النفس في التصور الإسلامي) (الهاشمي، 7 7 9 1)، (علم النفس والإسلام) (أبو حطب، 2 9 9 1، 3 9 9 1)، (أصول السيكولوجيا والفكر الثقافي في الإسلام) (طه، 6 8 9 1)·
عالجت بعض الدراسات موضوع (التأصيل) أو (الأسلمة) لجزء أو فرع محدد من علم النفس وبالذات الأهداف (التأصيلية) و(الأسلماتية) ، مثلا: (نحو منظور إسلامي للإرشاد النفسي) (الشناوي، 9 8 9 1)، (أسلوب قرآني للعلاج السلوكي المعرفي) (طه، 9 8 9 1)، (العلاج النفسي في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية) (معمور، 3 9 9 1)؛ (المنهج الإسلامي في الصحة النفسية) (أبو العزائم، 8 8 9 1)، (التحليل النفسي في القصص القرآني) (الشرقاوي، 9 8 9 1)؛ (الجنس والصحة النفسية في نظر الإسلام) (الشال، 1 7 9 1)، (تعريفات الصحة النفسية في الإسلام وعلم النفس) (مرسي، 8 8 9 1)؛ (التوجيه والإرشاد: فلسفته وأخلاقياته في المجتمعات الإسلامية) (مرسي والرشيدي، 4 8 9 1)، (التذكر والنسيان في القرآن) (نجاتي، 9 8 9 1)·
وتباينت مستويات الدراسات والكتب المذكورة أعلاه حول هاجس تأصيل علم النفس وأسلمته في عمقها وسطحيتها، من حيث دقة التحليل والتشريح، وفي بعدها وقربها من المشكلات والمعضلات المتعلقة بتوطين علم النفس في العالم العربي، وفي محاولة بناء علاقات متعسفة وإقحامية بين الموضوعات المتناولة ومحاولات المقاربة أو التوفيق أو التلفيق ما بين الموقف اللاديني والموقف الديني، وبلغة أكثر تحديدا ما بين النص السيكولوجي والنص القرآني كما ذكرنا سابقا· وربما تعبر بعض المحاولات التأصيلية عن نوايا صادقة في محاولة الخروج من مأزق المسافة أو الهوة الفاصلة بين علم النفس الهائل الذي أنتج في الغرب، والذي لا يمت للعالم العربي بصلة، وبين مفاهيم الأفراد وقيمهم ومعاييرهم في العالم العربي· وبوسعنا التساؤل لماذا كانت معظم هذه المحاولات التأصيلية في الثمانينات؟ ولم تكن عميقة قبل ذلك؟ كما لم تكن تستمر في التسعينات باستثناء دراسة طه (5 9 9 1) التي سوف تكون محور حديثنا في الجزء اللاحق من المحاولة البحثية· وهناك دراسات رائدة جديرة بالاهتمام خاصة تلك التي قام بها شيخ شيوخ تأصيل علم النفس مالك بدري من السودان، فضلا عن دراسات نجاتي والهاشمي والحاج ومرسي وأبو حطب· وربما يكون من المناسب، وبصورة أكثر راحةً نفسية، في الجزء اللاحق من الدراسة الحديث عن مأزق علماء النفس العرب وليس مأزق علم النفس·
تميــزت السنــوات الأخيرة بتوجه أصيل بين المفكرين العرب نحو الغوص في الذات وفي التراث وفي الأسس والمفاهيم الفكرية والثقافية التي تشكل الوعي العربي المعاصر، والطرق السائدة في التعامل مع معطيات العصر وما فيه من حركة وتيارات (حيدر، 6 9 9 1)· ويعبر هذا التوجه عن نفسه بما يسمى التأصيل، والأسلمة للمعارف والعلوم· ولقد صنف النصر (3 9 9 1) اتجاهات أسلمة العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى اتجاه (تلفيقي دخيل) واتجاه (تجديدي أصيل) وسبق الحديث عن الاتجاه التلفيقي الدخيل·أما الاتجاه التجديدي الأصيل فإنه الاتجاه الذي يعبر عن حركات الصحوة الإسلامية المعاصرة داخل حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية ولئن ظهر متأخرا فإنه قد أظهر من الجدية ما جعله ينال إعجاب واحترام بقية المشتغلين بهذه العلوم داخل الوطن العربي (النصر، 3 9 9 1)· وانعكس اهتمام الاتجاه التجديدي الأصيل في نشر سلسلة من المجلات والمقالات والكتب وأوراق المؤتمرات·
في سنة 5 7 9 1 تمكن جمال الدين عطية من إصدار مجلة المسلم المعاصر في الكويت كمجلة فصلية فكرية تعالج شؤون الحياة المعاصرة في ضوء الشريعة الإسلامية· وعلى صفحات هذه المجلة نشرت مختلف المحاولات الفردية في أسلمة العلوم الإنسانية والاجتماعية التي من أبرزها محاولات جمال الدين عطية في الاقتصاد، ومحمد المبارك في علم الاجتماع، ومالك بدري في علم النفس (النصر، 3 9 9 1)·
وتعني الأسلمة إعادة صياغة تراث المعرفة الإنسانية برمته وفقا لوجهة النظر الإسلامية· فالرؤية الإسلامية لا يمكن أن تكون رؤية إلا إذا كانت رؤية لشيء معين، وبالتحديد رؤية للحياة والواقع والكون· وذلك المحتوى هو هدف الدراسة لمختلف فروع المعرفة، وإعادة صياغة المعرفة على أسس علاقة الإسلام بها تعني إسلاميتها· ومن أجل تحقيق هذه الغاية يجب أن تأخذ التصنيفات المنهجية- الإطار النظري - للإسلام مكان التصنيفات الغربية وتحدد تصور الحقيقة وتنظيمها· ويجب أن تحل القيم الإسلامية مكان القيم الغربية وتفتح وتطور ملكات الإنسان العقلية، وإعادة صياغة الحياة بحيث تتجسد فيها السنن الإلهية وقيم الإسلام في بناء الثقافة والحضارة والمصالح الإنسانية وفي المعرفة والحكمة والبطولة والفضيلة والتقوى والورع (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 6 8 9 1)· إن سلوك ودوافع الإنسان هي أعقد من العالم المادي، ونتيجة لذلك فإن مناهج العلوم الطبيعية قاصرة في إدراك الجوانب الروحية المعقدة للأفراد ولأن العلوم الاجتماعية هي علوم غربية الأصل والتطور والأهداف فلابد أن (تؤسلم) لكي تكون مناسبة للمجتمع الإسلامي·
ففي الولايات المتحدة الأمريكية وتحت إطار اتحاد الطلبة المسلمين بالولايات المتحدة وكندا تم بعث جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين برئاسة إسماعيل الفاروقي وقد بادرت الجمعية إلى إصدار المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية مبلورة من خلال مشروعها المعرفي (النصر، 3 9 9 1)· وحدد الفاروقي (9 7 9 1) خمس خصائص لإضفاء الصفة الإسلامية على العلوم الاجتماعية وهي (أ) لازم وحتمي لجميع الدراسات، سواء كانت تتصل بالفرد أو الجماعة، وبالإنسان أو الطبيعة ، وبالدين أو العلم، أن تعيد تنظيم نفسها تحت لواء مبدأ التوحيد · (ب) يجب أن تقر العلوم التي تدرس الإنسان وعلاقاته مع البشر أن الإنسان يَحْيا في ملكوت يحكمه الله في كل من الناحيتين الغيبية والقيمية (ج) لا يجب إهدار مكانة العلوم الخاصة بالأمة بواسطة العلوم الطبيعية، فكلها يحوز على نفس المرتبة في الخطة الخاصة بالمعرفة الإنسانية· (د) إنه ليس ثمة إدراك نظري لأية حقيقة بدون إدراك طبيعتها وعلاقاتها القيمية· (هـ) إن إضفاء الصفة الإسلامية، على العلوم الاجتماعية يجب أن يعمل على إظهار علاقة الحقيقة موضع الدراسة مع ذلك الوجه أو تلك الناحية من النمط الإلهي المتصل بها· وطبقا لرأي الفاروقي ، فإن العالم الاجتماعي المسلم يكون قادرا على تقديم أسلوب انتقادي جديد في العلوم الاجتماعية·
يبدو أننا في أي مشروع لأسملة أو تأصيل علم النفس كما عند البعض أو توطين أو تبيئة علم النفس عند البعض الآخر، سواء أكان توطينا أو تبيئة من الداخل مثلا ببعث التراث السيكولوجي وإحيائه أو تجديده، توطيناً وتبيئةً من الخارج بتبني واستزراع وتكييف علم النفس المستورد نحتاج لقراءة أكثر جدية بالنسبة للنص القرآني من حيث التفسير والتأويل أكثر من مجرد الاهتمام بجماليات وصف النفس والروح والقلب والفؤاد في القرآن الكريم· كما نحتاج في الوقت نفسه لتشريح دقيق بمجهر حساس للنص السيكولوجي الحديث من حيث المفاهيم والنظريات والمناهج والتقنيات· فضلا عن ذلك نحتاج لحفريات ايكولوجية عميقة وبأدوات معاصرة للنص السيكولوجي في التراث العربي الإسلامي ونفض الغبار عنه· كما نحتاج في الوقت نفسه لمسح ميداني موسوعي لعلم النفس الشعبي أو الفلكلوري المعاصر المستخدم أو المطبق بالنسبة لقطاعات شعبية واسعة في العالم العربي أكثر من مجرد سيكوغرافيا·
صفحة 7

تجزئة البحث السيكولوجي في التراث

قام بعض المهتمين بالتراث العربي الإسلامي بعملية مراجعة له، بغية إحيائه أو تجديده أو تحديد موقف منه، وارتبطت هذه العملية بالدافع للبعث أو النهضة العربية، وتمثل ذلك في بعض المشاريع الكبيرة لا التجزيئية لدراسة (الأصالة والمعاصرة)، و(القدامة والحداثة)، و(العقل والنقل)، و(الاتباع والإبداع)، و(الثابت والمتحول) وذلك من أجل تغيير الوضع السكوني الحالي في العالم العربي· ومن بين هذه المشاريع الكبيرة في دراسة التراث: مشروع حسن حنفي (0 8 9 1) التراث والتجديد، وأعمال الجابري (0 8 9 1) نحن والتراث: قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي ، ومحمد عمارة (9 7 9 1) نظرة جدية في التراث، والطيب تيزيني (9 7 9 1) مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بدايته حتى المرحلة المعاصرة، وحسين مروة (1 8 9 1) النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، وعبد الله الغذامي في النقد الثقافي (0 0 0 2)·
وبوسعنا التساؤل لماذا لم يساهم علماء النفس العرب بمشاريع كبيرة في فهم واقع علم النفس في العالم العربي كما حاول علماء عرب آخرون في مجالات علمية أخرى، مثلا: سمير أمين، وهشام شرابي، وعبد الحليم بركات في علم الاجتماع، وقسطنطين زريق، والعروي في التاريخ، وزكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي في الفلسفة، ومفكرون إسلاميون مثل محمد عمارة ، وإسماعيل الفاروقي، وطه جابر العلواني، ومحمد أركون، وبرهان غليون، وأدباء مثل أدونيس، ونزار قباني، ومحمود درويش، ومؤرخو علم مثل عبد الحميد صبرة في تاريخ البصريات العربية، ورشدي راشد في تاريخ الرياضيات العربية، وحمارنة في تاريخ الطب العربي، وعلماء توطين العلم والتكنولوجيا في العالم العربي كأنطوان زحلان · وبوسعنا التساؤل: لماذا لم يبرز عالم عربي واحد في علم النفس تضاهي إسهاماته إسهامات المذكورين أعلاه؟
نشرت بعض الدراسات التجزيئية في الدوريات المحلية وقدمت بعض أوراق المؤتمرات كما نشرت بعض الكتب التي عالجت موضوع علم النفس في التراث العربي الإسلامي، مثلا، (الإدراك الحسي عند ابن سينا) (نجاتي، 0 8 9 1)؛ (علم النفس عند ابن سينا) (الأهواني، 2 5 9 1)؛ (الأفكار النفسية عند ابن سينا) (عثمان، 1 8 9 1)، (مسألة النفس وموضوعها عند ابن سينا) (كونسطانين، 2 8 9 1)؛ (الغزالي: مؤسس علم النفس الإسلامي) (الأهواني، 3 8 9 1)؛ (أبو حامد الغزالي وإسهاماته النفسية) (الحاج، 9 8 9 1)؛)؛ (الغزالي وعلم النفس) (الحسيني، 0 5 9 1)؛ و(الدراسات النفسية عند المسلمين والغزالي) (العثمان، 1 8 9 1)؛ (الذكاء عند ابن الجوزي) (أحمد، 7 8 9 1)، (تعريفات الذكاء في التراث العربي الإسلامي من خلال مفهوم العقل ومرادفاته) (الدوغان، 3 9 9 1)؛ (الآراء النفسية عند مسكويه) (الطيب، 2 0 4 1هـ)، (هل أسهم ابن خلدون في تأسيس علم النفس) (العيسوي،5 0 4 1هـ)، (الآراء النفسية عند الماوردي) (الطيب، 9 8 9 1)؛ (حي بن يقظان: دراسة نفسية) (الهاشمي، 5 7 9 1)؛ (علاج الأمراض النفسية والعصبية في التراث الإسلامي) (شعبان، 8 8 9 1)·
ويلاحظ اهتمام هذه الدراسات ببحث جزء واحد مثل الذكاء أو العلاج النفسي، أو التربية أو الإرشاد· كما لم تتم مقاربات أو مقارنات حقيقية وعميقة في نفس الوقت بين موضوعات ونظريات ومناهج علم النفس في التراث العربي الإسلامي· كما لم تتم عملية بحث علم النفس الصلب أو التجريبي في التراث العربي الإسلامي· ولم تتم مناقشة الكيفية التي يتم بها تأصيل علم النفس بصورة عميقة· وليس بين هذه الدراسات مشروع واحد كبير لقراءة وهضم التراث السيكولوجي بصورة موسوعية· وبوسعنا القول بأن الدراسات المتعلقة بالتراث سواء أكانت كتبا أو مقالات بأنها دراسات تجزيئية اهتمت بدراسة إسهامات فردية لأقطاب علم النفس في التراث العربي الإسلامي مثل، ابن سينا، والغزالي وابن الجوزي ومسكويه وابن خلدون والماوردي· ولم يستطع بعض الباحثين كتابة الجوانب الهامة المتعلقة بإسهامات هؤلاء كما أرخها ابن أبي أصيبعة في (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) ، أو ابن النديم في كتاب (الفهرست) أو ابن جلجل في (طبقات الأطباء والحكماء)
وعموما بوسعنا القول إن الإشارة للإسهامات العربية الإسلامية في حقل علم النفس قد كتبت بصورة تاريخ الشخصيات، إنه تاريخ يجزئ إسهامات العلماء، لأنه تاريخ السير الذاتية وليس تاريخ العلم وترتبط كتابة هذه الإسهامات بالتراكم الكمي وليس بالتعاقب النوعي· فالقدماء سجلوا التاريخ بطريقة المناهج المتوفرة عندهم آنذاك ولكن كيف تتبع ذات المناهج في حين تطورت مناهج ممتازة ورؤى جدية في كتابة تاريخ العلوم عند العلماء المعاصرين كما في أعمال سارتون وتاتون، وبروكلمان وسزكين أو الأعمال المتخصصة عند بعض مؤرخي العلوم عند العرب المعاصرين مثل هيل في تاريخ الهندسة الميدانية والميكانيكية العربية، وصليبا في تاريخ علم الفلك العربي، وقنواتي في تاريخ الخيمياء العربية، وفهد في تاريخ النبات والزراعة العربية، وميكال في تاريخ الجغرافية العربية·
صفحة 8

لزبير بشير طه ومشروع تأصيل علم النفس

نشر بروفسر الزبير بشير طه، أستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم، ورئيس قسم علم النفس، ومدير جامعة الخرطوم سابقا، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي الحالي في السودان عدة دراسات في دوريات عربية وفي بعض المؤتمرات الإقليمية والدولية عن علم النفس في التراث العربي الإسلامي · ونشرت المقالات مجتمعة في كتاب نشر بواسطة دار جامعة الخرطوم للنشر عام 5 9 9 1 بعنوان (علم النفس في التراث العربي الإسلامي) وإحدى مشكلات النشر في السودان هي عدم توزيع الكتاب خارج حدود السودان بذات الكيفية التي توزع بها الكتب التي تنشر في بيروت أو القاهرة· ونشر الكتاب ضمن مشروع ابتدره بروفسر إبراهيم أحمد عمر، وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق في السودان، بنشر ألف كتاب جامعي باللغة العربية· يقع الكتاب في 2 3 2 صفحة واحتوى على تسعة أبواب غطت موضوعات مختلفة عن علم النفس في التراث العربي الإسلامي·
وقد غطى الباب الأول: مفهوم التراث وخصائص علم النفس في التراث الإسلامي ومصادر سيكولوجيا التراث· وغطى الباب الثاني الفسلجة العصبية في كتاب القانون، والباب الثالث: النمو العقلي بين ابن طفيل وجان بياجيه، والباب الرابع: سايكوفيزياء الإبصار عند ابن الهيثم، والباب الخامس: الوظائف الذهنية وآلتها العصبية في التراث الإسلامي، والباب السادس: أسس وملامح نظرية التعلم في التراث الإسلامي ، والباب السابع الذكاء لدى الإمام ابن الجوزي، والباب الثامن: اضطرابات الذهان وأدويتها النفسية، والباب التاسع: كيف تأثر علم النفس المعاصر بسيكولوجيا التراث وفيه عالج الباحث قضية التأصيل الإسلامي لعلم النفس وبأن التراث أحد مواردها·
يقول المؤلف، بتواضع العلماء، في تقديم خطة كتابه مبينا حدود مؤلفه : (لم يكن من أغراض هذا الكتاب وليس في استطاعة مؤلفه الإحاطة بكافة المباحث النفسية في التراث الإسلامي، غير أنه كان من الضروري هنا تحديد الإسهامات السيكولوجية الرئيسية في هذا التراث وتحليل مفرداتها بمستوى معمق نسبيا، ومن ثم محاكمتها إلى الأدب السيكولوجي المعاصر) (ص· 1 2 )· وفي تأليفه للكتاب لقد تنازع المؤلف اتجاهان متنافران، على حسب تعبيره : (الاتجاه الكمي التجميعي ، والاتجاه النوعي التحليلي وقد آثر المؤلف الموازنة بين الاتجاهين مع تركيز على الثاني) (ص· 1 2 )· ويرصد المؤلف بملاحظة ذكية عدم وجود موسوعة واحدة جامعة للمعارف السيكولوجية مبينا أنها : ( معارف مجزأة بعضها في كتب التراث وبعضها في المصنفات الحديثة وبعضها نتاج جهود مؤسسية وبعضها بشكل مبادرات محدودة قام بها الأفراد· فالقصة الكاملة لسيكولوجيا التراث، إذن، لم تكتب بعد) (ص· 7 2 )· ولكن يبدو أن الباحث لم يكن أول من كتب فصلا كاملا عن قصة علم النفس في التراث العربي الإسلامي فحسب وإنما محاولة تأصيله كذلك·
لقد تساءل الباحث عن سبب التأصيل؟ وللإجابة عن ذلك السؤال ذكر أربعة مقتضيات جوهرية لتأصيل علم النفس في العالم العربي· وأول هذه المقتضيات، حسب قول المؤلف، بأن العلوم حاضن وناقل لقيم الثقافة التي نشأت في كنفها، وعلم النفس المعاصر بوجه أخص مشبع بقيم الثقافة الغربية وقد تكون بعض هذه القيم ميراثا بشريا عاما، ولكن الثقافة تتحدد وتعرف في الأساس بمجموعة متكاملة من الأطر القيمية تترابط فيما بينها· ويضيف الباحث بأن هناك فجوة كبيرة بين علم النفس في الغرب والشرق تولد الإحساس بالتلمذة والتبعية، وهنا تبرز الحاجة للتأصيل· ويميل الباحث للاعتقاد بأن السواد الأعظم من علماء النفس العرب والمسلمين سيكونون قادرين على المنافسة على القيادة العلمية فقط عندما يمارسون علم النفس داخل الأطر النظرية للثقافة التي تنشأوا عليها·
وثانيا: إن المقتضى الأول للتأصيل يصح حتى على افتراض أن علم النفس المعاصر مبرأ من العيوب، ذلك أنه لم يساهم كما هو مأمول منه في تحقيق المرمى الأسمى من العلوم الاجتماعية وهو: تحسين سلوك الإنسان والارتقاء به نحو حياة أفضل· ويضيف الباحث أن علم النفس لم يقدم مادة لها قيمتها العلمية إلى درجة جعلت بعض المختصين يصفون علم النفس مازحين ب (جماعة التبول اللاإرادي) وذلك إشارة لتفاهة الموضوعات التي ينهمك فيها بعضهم أحيانا مقارنة بإهمالهم النسبي لقضايا المجتمع والأسرة والبيئة· ويرتبط المقتضى الثالث للتأصيل بأهمية دور علم النفس في تشكيل الثقافة التي نشأ منها· وحسب قول الباحث لا يجوز للأمة أن تتنازل عن مسئوليتها الكاملة في القرار بِشأن ماذا، ولماذا، وكيف ُتُعَلِّم أبناءَها وبشأن تعديل السلوك وتحديد معيار السواء والشذوذ فيه، وبشأن دافعية البناء والولاء والانتماء وبشأن الإرشاد والتوجيه المعنوي في السلم والحرب، مثل هذه التطبيقات البيئية لعلم النفس، تنبع فقط من علم نفس أصيل وثيق الارتباط بثقافته·
ويتعلق المقتضى الرابع بالأبحاث المصنفة في علم النفس، فهناك أبحاث في علم النفس تجري في الخفاء لأغراض المنافسة الصناعية والصراعات الأمنية بين الدول، ولا تنشر نتائجها إلا بعد أن تفقد قيمتها العلمية والتقنية· وضرب الباحث مثلا لذلك بأبحاث الاستعدادات التي تطور الجيوش، وتقنيات التوجيه لرفع الكفاءة القتالية، واستراتيجيات التعلم التي تطور في القواعد الجوية، وطرق التنويم المغناطيسي وأساليب غسيل المخ لخدمة عمليات الاستجواب لدى وكالات الاستخبارات، ولكي تتضح أهمية التأصيل في هذا النوع من الأبحاث تكفي الإشارة إلى عمليات بناء اختبارات الاستعدادات وبصفة خاصة اختبارات الذكاء وتأثرها بالثقافة التي أنتجتها وعدم صلاحيتها للمستويات المختلفة داخل المجتمع الواحد·
صفحة 9
وفي تقديري، يعتبر كتاب (علم النفس في التراث العربي الإسلامي) الذي ألفه طه (5 9 9 1) موسوعة حقيقية عن علم النفس في التراث العربي الإسلامي ويمثل، ليس فحسب، أهم مشروع جاد وجامع للتراث السيكولوجي، وإنما أيضا قراءته بعيون معاصرة وبصورة جديدة ثورية أشبه بالبروسترويكا· لقد ذكرنا في الجزء السابق بأن مالك بدري هو الرائد الحقيقي لحركة تأصيل علم النفس خاصة من خلال مؤلفه الرائع (مشكل أخصائي علم النفس المسلمين) ويعتبر مشروع الزبير طه من خلال كتابه المذكور أعلاه امتدادا حقيقيا للطريق الذي بدأه مالك بدري· فمساهمة بدري تقدم رؤية عن مشكلة علماء النفس المسلمين وكيفية الخروج منها بينما تقدم مساهمة طه رؤية لكيفية قراءة وتشريح النصوص السيكولوجية في التراث العربي الإسلامي· وأهم الملاحظات التي يمكن أن تقدم حول مشروع الزبير طه هي:
أولا: لم يُعالج ــ من قبلُ ــ موضوع علم النفس في التراث العربي الإسلامي في مرجع واحد أو موسوعة واحدة كما حدث في موسوعة الزبير بشير طه· وحتى علم النفس في التراث العربي الإسلامي لم يعالج تأريخيا في كتاب واحد، إنما عولج في إسهامات مختلفة، وفي مراجع متباينة، ويصح القول ــ بأمانة ــ إن علم النفس كان متفرقا في التراث العربي الإسلامي ولم تتم أول محاولة لجمعه فحسب في كتاب (علم النفس في التراث العربي الإسلامي)، وإنما تحليله كذلك· ولقد تم بناء موضوعات الكتاب بذات الكيفية التي تبنى بها كتب (مقدمات) أو (مداخل) أو (مبادئ) علم النفس المعاصر· وحسب التقليد المتبع في كثير من كتب علم النفس العام بدأ الكتاب بالمقدمة وثم الأسس البيولوجية للسلوك ثم النمو فالإدراك فالذاكرة والوظائف الذهنية فالتعلم والشخصية فالصحة النفسية والعلاج العضوي والنفسي·
ثانيا: غطى الكتاب موضوعات علم النفس بصورة عميقة تتجذر في التراث العربي الإسلامي من جهة، ومن جهة ثانية مقاربتها أو مقارنتها من غير تلفيق بعلم النفس المعاصر مثل مقارنته بين نموذج الذاكرة الثلاثي في التراث وبين علم النفس المعرفي· ثالثا: عقد المؤلف مقارنات ممتازة بين بعض أعلام علم النفس في التراث العربي الإسلامي وبين بعض أقطاب علم النفس المعاصرين مثلا مقارنته بين ابن طفيل وجان بياجيه وقياس الذكاء بين ابن الجوزي وبينيه· رابعا: رجع الباحث إلى أمهات كتب التراث العربي الإسلامي، وقليلا ما اعتمد المراجع الثانوية· مع العلم بوعي وإدراك الباحث بالمصادر الأخرى والتي صنفها كالآتي: التصانيف التراثية الأساسية وكتب التراجم وطبقات الأعلام، والمصنفات الأدبية والكتب الغربية التي أرخت للعلوم عامة وأبحاث ومصادر ومداولات المؤتمرات التراثية فضلا عن المبادرات الفردية للعلماء· خامسا: يعتبر المؤلف أول عالم نفس لفت الانتباه بصورة ذكية لعلم نفس الإبصار عند ابن الهيثم والصحة النفسية والإرشاد النفسي عند البلخي· مع العلم بأن صبرة (3 8 9 1، 9 8 9 1) كمؤرخ للبصريات الوسيطة، وليس كعالم نفس، أشار لذلك·
سادسا: قارب المؤلف بصورة أصيلة بين مفاهيم علم النفس في التراث العربي الإسلامي وبين مفاهيم علم النفس المعاصر التي تختلف عن المقاربات التلفيقية عند مجموعة من علماء النفس العرب· ومن أمثلة تلك المقاربات سيكوفيزيولوجيا البطينات عند ابن سينا، وسيكوفيزياء الإبصار عند ابن الهيثم، وفيزيولوجية الذكاء عند ابن الجوزي، والعمليات الصورية عند ابن طفيل· سابعا: كتبت جميع فصول الكتاب بلغة علمية معاصرة وحية مقارنة ببعض الكتابات عند علماء النفس العرب التي تكتب بلغة ميتة تثير الملل عند القراءة· ثامنا: عمل الباحث على انتقاء وانتخاب إسهامات قوية متكاملة من التراث السيكولوجي تميزت بروح النظرية العلمية بمعناها المعاصر خاصة إسهامات ابن سينا في فسلجة الدماغ وابن الهيثم في سيكوفيزيقا الإبصار· تاسعا: تبرز أهمية معالجة الباحث ليس لموضوعات علم النفس في التراث العربي الإسلامي فحسب، وإنما للمناهج التي اتبعها علماء التراث مثل الملاحظة ودراسة الحالة والاستبطان وفوق كل ذلك المنهج التجريبي وعناصره المختلفة من فرضيات وتحكم ورصد النتائج وتفسيرها· عاشرا: ناقش الباحث بصورة ممتازة قضية تأصيل علم النفس في التراث العربي الإسلامي· وكانت معالجته على حسب تعبيره (ترمي إلى قراءة خلف السطور، وتجاوز للمفردات الظرفية وتحري المقاصد العلمية التي رمى لها علماء التراث دون اعتساف لدلالات النصوص)·
صفحة 10

القلق الوجودي: ماذا بين فرويد وأدلر؟

ألهمني حقيقة كتاب الزبير بشير طه (علم النفس في التراث العربي الإسلامي) محاولة البحث في التراث السيكولوجي بغرض مواصلة المشوار في هذا الطريق· فالباحث طه يقف بمشروعه الأصيل في طريق طويل بدأه علماء التراث العربي الإسلامي، ووضع مالك بدري بعض معالمه· ولقد أطلقت على إسهام طه كلمة (مشروع) لأنه لا يقل في أهميته عن المشاريع الثقافية الأخرى التي تحمل هموما كبيرة في قراءة التراث العربي الإسلامي· وهناك أهمية بالتعريف بمشروع الزبير طه في قراءته الجديدة والعميقة والموسوعية لعلم النفس في التراث العربي الإسلامي· وكما ذكر سابقا، إن واحدة من مشاكل النشر في داخل السودان هي عدم وصول المطبوعات المنشورة محليا لمجموعة كبيرة من علماء النفس العرب· لعلي أتساءل كم من المهتمين بقضايا تأصيل أو توطين علم النفس من اقتنى نسخة من هذا الكتاب؟ كم من أقسام علم نفس أو المكتبات الجامعية في العالم العربي تقتني نسخة من هذه الموسوعة السيكولوجية الهامة؟ وهذه المحاولة المتواضعة تستهدف تحقيق بعض الأهداف:
أولا: محاولة الإضافة والتوسعة لمشروع الزبير بشير طه وربما بسبب انشغال الباحث كوزير للتعليم العالي والبحث العلمي في السودان بقضايا كبيرة لم تتح له الوقت الكافي في مواصلة البحث في هذا المشروع الهام الذي ابتدره· وربما يكون من المناسب في هذه الحالة على تلاميذه وزملائه والمنفعلين بقضايا (تأصيل)، أو بلغة أفضلها (توطين)، علم النفس والبحث العلمي، مواصلة العطاء في هذا المشروع الكبير· وثانيا: محاولة قراءة وإعادة قراءة علم النفس في التراث العربي الإسلامي من زاوية أخرى وهي الزاوية التاريخية، وموقع ذلك من تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين عامة وتاريخ علم النفس التجريبي خاصة· وثالثا: عقد مقارنات بين رؤية علماء النفس العرب وعلماء النفس في الغرب في تاريخ علم النفس·
ورابعا: محاولة معالجة موضوعات أخرى لم يتسنَ للباحث معالجتها في كتابه مثل، التشريح، وعلم نفس الحيوان، وعلم نفس الطفل، والبيمارستانات، وعلم النفس الرياضي· وخامسا محاولة الرجوع لمصادر أخرى ثرة من التراث العلمي العربي الإسلامي ومن كتب تاريخ العلوم عند العرب المعاصرة غير التي رجع لها الباحث· وسادسا: بسبب غزارة المادة السيكولوجية التي سوف نعالجها في هذا الكتاب ولعدم وجود الحيز الكافي سوف نهتم أكثر بالكشف والتعريف والتصنيف والمقاربات بدلا من الاهتمام بالتحليل والتشريح بالنسبة للنصوص كما فعل طه الذي بدأ بمرحلة متقدمة جدا في قراءة التراث السيكولوجي وتفكيكه· وسابعا: محاولة تحديد حجم التأثيرات التي أحدثها علم النفس التجريبي في التراث العربي الإسلامي في عصر النهضة وفي الثورة العلمية في أوربا من خلال التراجم اللاتينية للنصوص السيكولوجية العربية·
وثامنا: محاولة تقديم نماذج ميدانية حية من علم النفس التجريبي في التراث العربي الإسلامي مع عملية إحياء وتجديد أول مقياس سيكولوجي في تاريخ علم النفس كافة يرجع للقرن الحادي عشر الميلادي وليس كما يؤرخ لبداية القياس النفسي في القرن التاسع عشر· وتاسعا: محاولة رسم ملامح عامة لعلم النفس في التراث العربي الإسلامي من ناحية نظرية وتطبيقية وتصنيفية وتجريبية وزمانية ومكانية· وعاشرا: تحديد بعض الدروس أو العبر المتعلمة من البحث السيكولوجي في التراث العربي الإسلامي·
يحمل مشروع هذا الكتاب عنوان (علم النفس التجريبي في التراث العربي الإسلامي) وهو عنوان مقارب لعنوان كتاب أستاذي طه (علم النفس في التراث العربي الإسلامي)، ولكن بإضافة (تجريبي)، وذلك لبناء جسور التواصل والحوار بين جيلين من أجيال علماء النفس العرب بغية جمع التراث السيكولوجي ورصده أولا، ومن ثم تحليله وتشريحه· ويحاول التلميذ مواصلة مشوار أستاذه أو شيخه في علم النفس· ويبدو أن التلميذ قد صعب عليه في بداية رحلة البحث في التراث، أن يصل إلى مستوى تجذر أستاذه وموسوعيته وعمقه تماما مثل الفرد أدلر الذي لم يصل إلى مستوى أستاذه سيجموند فرويد· وصحيح جدا أن أدلر قد تمرد، بكامل حريته، على حلقة أستاذه فرويد بفينا ولكنه بقي أسيرا في كثير من أطروحات دائرة التحليل النفسي·
وبالرغم من القلق الوجودي والتمرد والرفض والتجاوز في مراحل سابقة من حياتي تبقى حلقة الود موصولة، ويبقى هاجس (أزمة) أو (تأزم) أو (مأزق) أو (معضلة) أو (مشكلة) تأصيل أو أسلمة ، أو كما أفضل، توطين علم النفس هي نقطة الاتفاق المركزية· ومهما يكن تبقى هذه المحاول البحثية في قراءة التراث السيكولوجي التجريبي العربي الإسلامي رحلة جديدة للبحث عن الذات والهوية والذاتية· ربما تؤدي لحالة أكثر من التوازن النفسي وتبعا لذلك تقلل من حجم القلق الوجودي· ومن تداعيات القدر أني بالفعل كتبت رسالة لأستاذي الزبير بشير طه بتاريخ 4 1 أبريل 7 8 9 1 تعبر عن معاناة فلسفية في تلك المرحلة المبكرة من القلق الوجودي· وتنص الرسالة : (أنا يالزبير الدليل الحي عن هوية الاختيار والجبر ، هوية الداخل والخارج، هوية اللاانتماء والانتماء، هوية الانتظار والذكرى، هوية الأنا والآخر، هوية الفرد والجماعة· فإني أبحث عن هويتي، ذاتيتي، فرديتي· فرفضي هوية، وتجاوزي ذاتية، وتمردي فردية· فأنت فرويد وأنا أدلر، أنت أستاذي وأنا حر)