eKtab
EN ع
علماء النهضة الأوروبية
اقرأ عينة مجانية

علماء النهضة الأوروبية

بقلم د. أيوب أبو دية

صفحة 1
المقدمة

تساءَلنا كثيراً في أثناء الاشتغال بمادة هذا الكتاب عن مشروعية الاهتمام بعلماء النهضة الأوروبية في حين يزخر التاريخ العربي والإسلامي بعلماء من طراز رفيع فاق بكثير قدرات بعض علماء النهضة الأوروبية مثل روجر بيكون على سبيل المثال؛ كذلك، نستطيع القول إن بعض الآلات المخترعة في تاريخنا المجيد لم تكن أقل جودة من اختراعات ليوناردو دافنشي في مطلع القرن السادس عشر، فأين تكمن أهمية العلماء الأوروبيين وراهنيتهم اليوم؟

تكمن أهمية العلماء الأوروبيين وميزاتهم الفريدة، وبخاصة علماء القرن السابع عشر منهم، في التغير النوعي الذي طرأ على العلم في تلك الفترة، حيث اتخذ العلم منحى مختلفاً وزخماً كبيراً انتهى إلى إنجاز ثورة علمية كبرى أرست قواعد العلم الحديث وأنتجت منهجية جديدة في التاريخ استطاعت أن تستقل في كيانها الموضوعي عن المرجعيات التي سبقتها، مؤسسة بذلك "برادايم" جديداً شكل قاعدة للثورة الصناعية الكبرى في نهاية القرن الثامن عشر التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، إذ تجاوزت حدود أوروبا لتشمل الكون برمته؛ حيث دخلت في علاقات هيمنة واستقطاب ما زالت تبعاتها واضحة في الخريطة العالمية حتى يومنا هذا.

وإذا كان عصر النهضة الأوروبية قد ابتدأ نحو القرن الثاني عشر، فإن تأثيرات اتصال الغرب بالعالم العربي والإسلامي كانت واضحة منذ القرن الحادي عشر خلال حروب الفرنج، وقبل ذلك في صقلية وإسبانيا، لذلك حاولنا في مستهل هذا الكتاب أن نربط أثر العلم العربي والإسلامي بعلماء النهضة الأوروبية لكونهم استمراراً للعلم العربي وتطويراً عليه وتجاوزاً له.

وقد ساهمت حروب الفرنج التي دارت رحاها آنذاك في تراكم رأس المال في المدن الإيطالية بسبب موقع إيطاليا الاستراتيجي بين الشرق والغرب، حيث كانت موانئ البندقية وجنوه وغيرهما تبني السفن للفرنج لنقلهم إلى الشرق لغزو سواحل البحر الأبيض المتوسط الشرقية في سوريا الطبيعية، ولغزو الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط في مصر وشمال إفريقيا. كذلك كانت السفن التجارية تجوب دول المتوسط بحثاً عن أسواق تجارية غير آبهة للحروب المشتعلة هناك، بل مستغلة العداوات بين الأفرقاء لإقامة تحالفات اقتصادية وعسكرية وغيرها.

وبناءً عليه، فقد انطلقنا في هذا الكتاب من الفصل الأول: أثر التغير المناخي والحضارة العربية الإسلامية في نهضة أوروبا، وذلك للبحث عن دور حالة الدفء المناخي التي تعرضت لها أوروبا بين عامي 800 - 1100 للميلاد وساهمت في زيادة ثراء أوروبا وتزايد عدد السكان فيها، ثم شرعنا في الحديث عن دور حروب الفرنج في اتصال العرب بالغرب ونقل العلوم النظرية والعملية من الشرق إلى الغرب، وانتقلنا بعدها للحديث عن الفيلسوف والعالم الأوروبي العربي: روجر بيكون، الأكثر تأثراً بالعرب والمسلمين، ثم انتقلنا من بعده لدراسة كل من العلماء الأوروبيين النهضويين: ميكيافللي، دافنشي وكوبرنيق، فضلاً عن دراسة أثر حركات الإصلاح الديني وإنسانوية إرازموس في نهضة أوروبا.

وجاء الفصل الثاني بعنوان: عصر العلم الحديث، حيث بدأنا من مطلع القرن السابع عشرمع مقتل العالم الإيطالي جوردانو برونو حرقاً، ثم تدرجنا في الحديث عن العلماء الآخرين: وليم جلبرت، جون نابيير، تايكو براهي، يوهان كبلر، غاليليو غاليلي، وليم هارفي، وأخيراً، إسحق نيوتن.

وأملنا أن يدرك القارئ العربي الإرث المشترك للعلم الحديث وجذوره الممتدة في عمق التاريخ لتشمل الحضارات المختلفة، وأن يدرك أيضاً أسباب صعود العلم الحديث وتفجره في القرن السابع عشر لما صاحبه من تغيرات سياسية ودينية واقتصادية وجغرافية ومناخية مهّدت لنموه واندياحه في العالم بأسره.

الـمـؤلــف

[email protected]

كانون الأول 2010
صفحة 2
الفصل الأوّل

عصر النهوض الأوروبي

1 ـــ أثر الدفء المناخي في نهوض أوروبا(800 - 1100 للميلاد)

أسهم الإنسان في خلق بيئة اصطناعية على سطح الأرض عبر تاريخه القديم والحديث، حيث اتخذ المستوطنات الدائمة مقراً له وقطع الأشجار لبناء السفن والمساكن وأقام السدود وأنشأ المشاريع الزراعية وقنوات الري وغيرها، وذلك لسد احتياجات بقائه ورفاهيته في ظل ظروف طبيعية واجتماعية وسياسية واقتصادية قاسية.

وفي العصور الوسطى تحديداً، تعرضت الأرض لفترة دفء مناخي نتيجة اشتداد ظاهرة النشاط الشمسي، وقد أطلق عليها فترة الدفء الرومانية (Roman Warm Period) ، ثم دخلت الأرض بعد ذلك في "عصر جليدي مصغـّر" استمر حتى مطلع القرن التاسع عشر، حينما بدأت ترتفع درجة الحرارة منذ ذلك الوقت واستمرت بوتيرة متصاعدة حتى يومنا هذا مصحوبة بتلوث هائل أسهم في انطلاقة ظاهرة الانحباس الحراري التي تعانيها الكرة الأرضية اليوم وأدى إلى تغيرات مناخية عظيمة.

فنبدأ من نحو عام 800 للميلاد، حيث تعرضت أوروبا بين القرنين التاسع والثاني عشر لفترة دفء مناخي أسهمت في زيادة الإنتاج الزراعي نتيجة جفاف الكثير من المستنقعات على نحو لم يشهد تاريخ القارة الأوروبية له مثيلاً. إذ شهدت أوروبا بناء الكاتدرائيات الضخمة والكنائس العظيمة وذلك تعبيراً عن امتنان الأوروبيين للخيرات التي أغدق الله بها على عبيده والتي سمحت لأوروبا بالازدهار وتعاظم ثروتها.

وكنتيجة لانقضاء تلك الفترة المزدهرة من تاريخ أوروبا ظهرت كاتدرائية شارتر (Charters) في فرنسا التي انطلقت منها مدرسة شارتر المشهورة فيما بعد، كذلك ازدادت أعداد السكان في أوروبا ازدياداً كبيراً في تلك الفترة، حيث ظهرت نحو 1500 مدينة جديدة فيأوروبا (1).

ولا بد أن منسوب مياه البحار كان قد ارتفع نتيجة ذوبان الثلوج بسبب ظاهرة الدفء المناخي، الأمر الذي أدى إلى إغراق الكثير من السواحل التي انتشرت المدن عليها، مما دفع السكان إلى الهجرة والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً. وربما كانت هذه العوامل، إلى جانب عدم استقرار الطقس في القرن الحادي عشر وهيمنة الكنيسة على مناحي الحياة المختلفة وغيرها من الأسباب، قد أدت في النهاية إلى تحفيز نزوح الفرنج إلى الشرق في القرن الحادي عشر تحديداً.

ففي إنجلترا، مثلاً، انتشرت زراعة الكروم نتيجة تغير المناخ صوب الدفء، وكانت إنجلترا في تلك الفترة تـُصدِّر النبيذ إلى فرنسا، حيث تزدهر صناعة النبيذ اليوم؛ كما تطورت تكنولوجيا الزراعة وصناعة معدات الزراعة والأسلحة، فزادت الحاجة إلى حرق الحطب والفحم في صناعة المعدات المعدنية من خلال تكنولوجيا صهر خامات المعادن، الأمر الذي نجم عنه ضررٌ كبيرٌ للغابات، حيث فقدت فرنسا في تلك الحقبة نحو 50% من غاباتها خلال فترة الدفء المناخي (2).
صفحة 3
ولكن فترة الدفء المناخي التي سيطرت على الكرة الأرضية لم تمنع دخول الأرض في فترات صقيع وبرودة شديدة بين فينة وأخرى، ودليل ذلك تجمد نهر النيل عام 829 للميلاد. وهذه الظاهرة نجدها تتكرر اليوم، حيث تعاني مناطق كثيرة في العالم من تدني درجة الحرارة بالرغم من ظاهرة الدفء المناخي المعاصرة.

ومهما يكن من أمر، فقد أدت التغيرات المناخية في ظل ظروف اجتماعية وسياسية مناسبة إلى صعود الحضارات واندثارها، فإن تجمد أجزاء من نهر النيل في عام 829 للميلاد كان إيذاناً بفترة تدني درجة الحرارة عالمياً؛ وقد تزامن ذلك الحدث مع انهيار حضارة المايا في أميركا الوسطى التي تقع على خط العرض نفسه تقريباً. ولكن، مع مطلع القرن العاشر بدأ العالم يشهد نتائج ارتفاع درجة الحرارة، فبدأ الثلج يذوب في المضيق الذي يفصل النرويج عن آيسلندا، فتم استيطان الفايكنغ في آيسلندا نحو ذلك التاريخ وخلال فترة الدفء المناخي تحديداً (3).

وعلى الرغم من استمرار فترة الدفء المناخي في القرن الحادي عشر، كانت درجة الحرارة في شتاء عام 1010 - 1011، على سبيل المثال، في منطقة البحر الأبيض المتوسط متدنية جداً. كذلك تعرضت أوروبا لبرد شديد وقارس خلال شتاء عام 1099 - 1100، وهوتاريخ يتزامن مع عام الحملة الصليبية الأولى، كما هو معروف، وقد انتشرت المجاعات في معظم أرجاء أوروبا (4).

ومهما يكن من أمر، ففي نهاية القرن الحادي عشر بدأ الطقس يميل إلى البرودة وحدثت أعاصير وفيضانات اجتاحت على إثرها الأمراض قارة أوروبا، فبدأ النزوح الشهير إلى الشرق الأوسط خلال حروب الفرنج في نهاية ذلك القرن.

وخلال حروب الفرنج في الشرق تكررت المجاعات في أوروبا نتيجة الطقس السيئ بين عامي 1143 - 1145، كما حصلت مجاعة بسبب الجفاف، عام 1215، بحيث باع الناس أطفالهم كعبيد للحصول على غذاء؛ فيما ذكر بعض المؤرخين أن الكثير من الفقراء كانوا يأكلون لحاء الشجر والجيف في أيام المجاعة، وقد كانت الحروب في الشرق العربي على أشدها في تلك الفترة. إذ تزاحم المهاجرون إلى الشرق في القرن الثالث عشر حيث اشتدت البرودة ودمرت المحاصيل الزراعية في أوروبا.

أما القرن الرابع عشر فقد كان سيئاً جداً على الأوروبيين، إذ هُزموا في الشرق شر هزيمة، وفي عام 1315 أدى استمرار هطل الأمطار إلى تدمير المحاصيل الزراعية وانتشار المجاعات، وكان شتاء عام 1322 عنيفاً بحيث عطل الملاحة في المنطقة بأسرها، وفي عام1347 انتشر الطاعون وحصد أكثر من ثلثي سكان أوروبا (5).

إن اشتداد البرودة خلال القرن الخامس عشر يرتبط باكتشاف العالم الجديد والدوران حول رأس الرجاء الصالح (أنظر الشكل: تناوب البرودة والدفء المناخي على الأرض). فمن الطبيعي في تلك الأجواء الشديدة البرودة أن تستثار الهمم لاكتشاف العالم وبناء مستوطنات في أماكن أكثر دفئاً وخصباً من تلك المتوافرة آنذاك في أوروبا.

تناوب الدفء والبرودة المناخية منذ القرن الثالث قبل الميلاد

ونتساءَل أيضاً عن النهضة الأوروبية وارتباطها بظاهرة الدفء المناخي أولاً، ثم محاولات النزوح إلى خارج أوروبا للاكتشاف والتوسع في ظل برودة شديدة تعرضت لها أوروبا والعالم في القرن الخامس عشر. فهل هي مصادفة أن تحط السفن الأوروبية في بحر الكاريبي، حيث الطقس الاستوائي الدافئ؟

بعد احتلال أميركا وإقامة المستوطنات فيها، بدأ الدفء المناخي النسبي يسود العالم مرة أخرى نحو عام 1520، واستمر كذلك حتى عام 1640، ثم عادت الدورة مرة أخرى حيث بدأ البرد يشتد منذ عام 1640؛ وقد سجلت أرقام قياسية لتدني درجة الحرارة بين عامي 1680 - 1700. وبلغت الموجة الباردة أوجها عام 1816 عندما لم يتمتع الأوروبيون بدفء الصيف، فتم الانتقال من الربيع إلى الخريف دون المرور بفصل الصيف.
صفحة 4
وتشير بعض اللوحات الفنية التراثية إلى أن نهر التايمز في لندن كان يتجمد سنوياً في فترات متفاوتة، حيث كانت تقام "مهرجانات الجليد" فوقه، وبخاصة خلال السنوات الواقعة بين عامي 1680 - 1700، إذ كان الطقس شديد البرودة في أوروبا، كما كان خلال العقد الواقعبين عامي 1810 - 1820، وبخاصة في عام 1816 حيث لم ترَ أوروبا فصلاً للصيف في ذلك العام (6).

ويرجح العلماء أن تكون أسباب التغير المناخي في العصور الوسطى والحديثة (قبل القرن التاسع عشر) ناتجة عن تغيرات النشاطات الإشعاعية على سطح الشمس، وعن تغير مدار الأرض حول الشمس وحول نفسها. إذ يؤكد العلماء أن نتائج مراقبة شدة الإشعاع الشمسي عبر آلاف السنين تشير إلى تزايد شدة الطاقة الشمسية المنبعثة من الشمس عبر العصور، وهناك مؤشرات أيضاً على ضعف شدتها في فترات ما، كفترة العصر الجليدي المصغـّر التي تلت ارتفاع درجة حرارة الأرض خلال العصور الوسطى المظلمة.

مع تقدم عقود القرن الثامن عشر، بدأت دورة جديدة من دورات الدفء المناخي تجتاح العالم استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر، تبعتها فترة باردة حتى عام 1925، ومنذ ذلك الوقت يتوقع بعض العلماء أن تستمر الدورة الدافئة حتى عام 2010، حيث يتوقع أن تعود بعد ذلك الدورة الباردة من جديد، كما حدث في مطلع عام 2010 في شمال الكرة الأرضية حيث تدنت درجة الحرارة إلى مستويات لم تصل إليها منذ 30 - 40 سنة. وفي بعض مناطق اسكتلندا تدنت الحرارة إلى نحو 24 درجة تحت الصفر مقتربة بذلك من درجات الحرارة في القطب الشمالي.

ويتوقع العلماء أيضاً أنه ربما تمتد فترة البرودة إلى عام 2110؛ ولكن ذلك لا يعني أن البرودة ستشتد كثيراً، لأن تلوث الأرض قد رفع من درجة حرارة هذا الكوكب، ومن المتوقع أن يستمر ذلك خلال القرن الواحد والعشرين. فما الذي حدث للكرة الأرضية كي تتعرض لمثل هذا التلوث الهائل الذي رفع من معدل درجة حرارة كوكبنا؟


تناوب البرودة والدفء المناخي على الأرض (600-2000 للميلاد)

هيّأت الاكتشافات والاختراعات العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر وما بعدهما، فضلاً عن تطور التكنولوجيا في نهاية القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر، ليصبح القرن التاسع عشر تحديداً عصر الثورة الصناعية الكبرى الأولى التي قامت في مطلع القرن على الفحم الحجري والمحرك البخاري.

أما الثورة الصناعية الكبرى الثانية فقد قامت في نهاية القرن نفسه على النفط والكهرباء والمحرك ذي الاحتراق الداخلي، الذي سمح للإنسان بالتجول في العالم واكتشافه ونهب موارده الطبيعية، بوتيرة متسارعة تعاظمت بشكل رهيب؛ قياساً باكتشاف القارة الأميركية في نهاية القرن الخامس عشر، ونهب خيراتها من الذهب والفضة وتسخير سكانها لخدمة النهضة الأوروبية آنذاك.

وهكذا غدت نتائج الثورة العلمية الكبرى والثورات الصناعية اللاحقة واضحة جلية في تدمير البيئة العالمية. وكان منشؤها أوروبا في العصر الحديث، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية، فالصين والهند وأستراليا وغيرها من الدول الصناعية الأشد تلويثاً للكرة الأرضية.

وكبحاً لجماح رغباتنا في التوسع في تحليل ظاهرة الدفء المناخي وأثرها في صعود الحضارات الإنسانية أو هبوط أمجادها نعود لنتساءَل:

ماذا كان دور العرب والمسلمين في إذكاء نار النهضة الأوروبية التي أنجبت العلم الحديث، وكيف تم الاتصال بين الغرب والعرب، وماذا كانت النتائج المترتبة عن هذا الاتصال؟
صفحة 5
2 ـــ حروب الفرنج واتصال العرب بالغرب(1095 - 1492)

ساهمت ظاهرة الدفء المناخي التي اجتاحت أوروبا نحو مطلع القرن التاسع الميلادي واستمرت حتى القرن الثاني عشر، في زيادة ثراء أوروبا وتزايد عدد سكانها، وقد لاحظنا كيف اجتاحت أوروبا في نهاية القرن الحادي عشر كوارث طبيعية ساهمت في تعجيل النزوح البيئي والهجرات الجماعية صوب الشرق، إذ أدت التغيرات في المناخ العالمي، إلى جانب المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأخرى، إلى تحفيز هجرة الأوروبيين نحو الشرق واشتعال الحروب الدامية في القرن الحادي عشر التي استمرت حتى القرن الرابع عشر؛ فماذا كانت نتائج اتصال الحضارة العربية الإسلامية بالحضارة الأوروبية الصاعدة؟

أخذ العرب عن الصينيين صناعة الورق في القرن الثامن الميلادي ونقلوها إلى صقلية، حيث صدرت هناك أول وثيقة على ورق أبيض عام 1090، وبُنيت في بولونيا وإيطاليا مطاحن للورق في نهاية القرن الثالث عشر، ثم قامت مطاحن الورق في ألمانيا عام 1389. وهكذاتم التخلص من عناء الكتابة على ورق البردي الذي كان يستورد من مصر (7)، وأصبح بالإمكان نقل العلوم والآداب إلى أكبر عدد ممكن من الناس؛ كذلك كان الإصلاح الديني ممكناً وعلى نطاق واسع، حيث تمت ترجمة الإنجيل إلى اللغات القومية الأوروبية ونشر بين الناس.

كما تعلم العرب تقانة البارود عن الصينيين حوالى القرن الثاني عشر، واستخدموه في الحرب فيما بعد، وبخاصة في إسبانيا منذ مطلع القرن الرابع عشر (8). وقد اسهم ذلك في توسع الأوروبيين في صناعة الأسلحة وتطوير السفن المسلحة بالمدافع؛ التي مكنتهم من التنافس على سيادة المحيطات، كما فعل الإنجليز عام 1588 عندما دمروا الأسطول الإسباني وأغرقوا أشهر سفنه "الأرمادا".

وقد شكل انتقال التكنولوجيا من الشرق إلى الغرب عاملاً مهماً في تقدم الغرب، إذ تعلموا من الشرق بناء الطواحين الهوائية التي شاهدوها في سورية، كما أخذوا الدولاب المائي المحسّن عن السوريين أيضاً. واقتبس الغرب من الشرق بعض المزروعات، كالأرز والحنطة السوداء وقصب سكر (9)، ونقلوا الكثير من أشجار الفواكه والحمضيات وزرعوها عندهم، وبخاصة خلال تلك الفترة التي ارتفعت فيها درجة حرارة الجو في أوروبا والتي ساهمت في نمو هذه المحاصيل المتوسطية هناك وفي زيادة الثروة الأوروبية وتراكمها.

وكان أثر العرب عظيماً في الغرب حيث تم انتقال علم الرياضيات والأرقام العربية وما أخذوه عن البابليين والهنود، وتخلصوا من الأرقام الرومانية التي كان تعاملها مع الأرقام الكبيرة شاقاً جداً. فسهلت الأرقام الجديدة أعمال التجارة والعلوم الطبيعية والطبية القادمة من الشرق، فضلاً عن أهميتها الفائقة في تدوين الأرقام الكبيرة الضرورية لدراسة علم الفلك؛ فقد كانت العلوم العربية الإسلامية على اختلاف فروعها متطورة جداً نسبة إلى أوروبا في أثناء حروب الفرنج.

منذ مطلع القرن التاسع الميلادي والعلماء المسلمون يشتغلون بالعلوم الطبيعية، كجابر بن حيان الذي لاحظ أهمية العلاقة الجدلية بين النظرية والتطبيق، العقل والتجربة، واعتبر التجربة العلمية ممارسة إنسانية يقيمها عقل الإنسان ومنطقه، ثم يتحقق منها بالتجربة، ليعود مرة أخرى ليراجع ما توصل إليه من نتائج فيسعى لتطوير النظرية.

ومقولة جابر بن حيان المشهورة: "العلة الأولى هي العقل، والعقل هو العلم، والميزان هو العلم" تدل على التركيز على أهمية العقل. وكذلك أكد فيلسوف العرب الكندي (ت 873) على أهمية العقل بصورة أكثر وضوحاً، فمن خلال مؤلفه "رسالة في العقل"، اعتبر العقل المرجعية الوحيدة لتحصيل المعارف، وأناط بالرياضيات دوراً مهماً في تأسيس المنظومات النظرية واعتبرها طريقاً أساسياً صوب المعرفة.
صفحة 6
عمّق محمّد بن زكريا الرازي (ت 932)، الطبيب والفيلسوف المشهور، خروج الفكر الفلسفي عن الآيديولوجيا الرسمية الذي بدأه فيلسوف العرب الكندي؛ ففي نظرية الوجود عند الرازي: لا يُخلق شيء من لا شيء، فيوجب ذلك حدوث الطبائع من شيء قديم؛ القدماء الخمسة: الله والنفس والهيولى والمكان والزمن.

لقد كانت هذه الأفكار ثورية في ذلك العصر، ويمكن تخيل مدى الصدمة التي أحدثتها في أوروبا خلال العصور الوسطى.

جعل الرازي العقل سيد الموقف في كتابه "كتاب الطب الروحاني: في فضل العقل ومدحه". فما دام وهبنا الله العقل، فلا داعي لوساطة؛ وعليه، فإن القول بتبعية العقل لمرجعية ما هو إنكار لحكمة الله وعدله في توزيع العقل والحكمة بين الناس.

ألا يذكرنا ذلك بحركات الإصلاح الديني الأوروبية التي تزامنت مع صعود العلم الحديث في أوروبا؟ إذ رأت البروتستانتية أن وساطة الكنيسة بين الإنسان وخالقه لا ضرورة لها، فبما أن الله قد وهبنا العقل فإننا نستطيع الاتصال به مباشرة وعبادته من دون إشراف ووصاية من أحد.

بُعيد انطلاقة حروب الفرنج نهاية القرن الحادي عشر بدأت ترجمة الأوروبيين لمؤلفات الفلاسفة العرب والتراث اليوناني الذي حفظه العرب باللغة العربية وزادوا عليه، فقد بدأت في القرن الثاني عشر ترجمة موسوعة ابن سينا الفلسفية، كما ترجموا أعمال الفارابي والكندي وغيرهما (10). وهذا التزامن بين الحروب والترجمات ليس مجرد مصادفة.

ونتيجة لحروب الفرنج في الشرق تراكم رأس المال بشكل هائل في المدن الإيطالية، كمدينة البندقية، مثلاً، على حساب الأوروبيين الغربيين، كالفرنسيين والألمان، حيث تطور الأمر فيما بعد إلى صراع دامٍ بين المدن الإيطالية والفرنج القادمين من شمال غرب أوروبا. إذ تجلت الصراعات بين الفرنج والطليان وأيضاً بين المدن الإيطالية نفسها؛ من خلال حروب الفرنج مع أهل البندقية وبيزا في مدينة عكا، التي كانوا يتقاسمونها ويحتكرون التجارة فيها (11).

وما لبثت الصراعات أن امتدت لتشمل القتال المباشر بين المدن الإيطالية نفسها، إذ قامت معركة بحرية بين أهل جنوه وأهل البندقية في ميناء عكا، انهزم فيها أهل جنوه انهزاماً بالغ الشدة. واستمرت بعد ذلك أعمال القرصنة بين الطرفين حتى عام 1258.

كانت مدن إيطاليا، مثل البندقية وجنوه وفلورنسا وميلانو، مدناً مستقلة سياسياً واقتصادياً؛ ازدهرت فيها العلوم والآداب والفنون على أشكالها، ولذلك استطاعت أن تبني الحضارة الفنية والفكرية والعلمية لعصر النهضة الأوروبية.

وكانت التجارة مع الشرق العربي الإسلامي أعظم حجماً من تلك التي كانت تبرم مع الغرب الأوروبي، فقد كان عدد الصفقات التجارية آنذاك بين تجار البندقية وتجار الشرق في الإسكندرية أكبر من عدد الصفقات المبرمة مع عكا الفرنجية، مثلاً، بينما كان العدد مماثلاً تقريباً مع القسطنطينية (12).

كما شكلت العبودية مصدر دخل آخر للمدن الإيطالية، وبخاصة عبر استعباد الأطفال والشبان الذين قدموا إلى الأرض المقدسة، وبيعهم بمبالغ كبيرة في أسواق النخاسة؛ حيث كان يباع العبيد للسيد الذي يملك المال بغض النظر عن جنسيته أو مذهبه ودينه.

وبذلك تراكم رأس المال بصورة تدرجية في أيدي التجار الذين ازداد نفوذهم واشتدت سطوتهم وقوي نفوذهم السياسي في مدنهم المستقلة، فشرعوا من ثم في دعم الاكتشافات العلمية التي كانت ضرورية لبناء السفن المتطورة وآلة الحرب المدمرة؛ وذلك للحصول على مزيد من الثروة والسلطة، وبخاصة في ظل ظهور الممالك في أوروبا.

ظهرت الممالك الأوروبية إثر انحسار نفوذ البابوية نتيجة فشل الحملات في الشرق، الأمر الذي سمح للعلماء بالعمل بحرية في كنف ملوكهم، كما كان يفعل العلماء في بلاط بني العباس، وكما كان يعمل ابن طفيل وابن رشد في كنف أمير المؤمنين بقرطبة، في عصر دولة الموحدين. وربما ساهم ذلك بقوة في ازدهار الفلسفة والعلوم والفنون والآداب وغيرها. ولكن، ماذا كانت نتائج حروب الفرنج على العلاقات السياسية - الاجتماعية داخل المجتمعات الأوروبية؟

كانت من نتائج حروب الفرنج في الشرق ثورة الفلاحين الإنجليز عام 1381؛ التي كانت بدورها نتيجة تمتع الفلاحين بحرية الحركة في الإقطاعيات الشرقية بعيداً عن حدود إقطاعياتهم، وذلك خلال حروب الفرنج وما بعدها. لقد تذوق الفلاحون متعة الحرية في الشرق، بالرغممن محدوديتها (13)، فانتفضوا عندما عادوا إلى بريطانيا دفاعاً عن بعض الحرية التي تمتعوا بها في الشرق، الأمر الذي فتح الباب أمام تعديلات سياسية كبيرة في إنجلترا؛ حصلت بموجبها الطبقات الإنجليزية المسحوقة على امتيازات لم تكن تحلم بها في السابق، وأسست بذلك للديمقراطية البريطانية الحديثة.

أما في فرنسا، فقد أسهمت الحملات الفرنجية المتتالية على الشرق في توطيد الحكم الملكي فيها، وفي زيادة الوعي الذاتي بالقومية الفرنسية، حال الممالك الأوروبية الأخرى. وقد نجم عن ذلك تحرير الفرنسيين لأرضهم، حيث كان الإنجليز يحتلون نحو ثلثي أراضي فرنسا منذ القرن الثاني عشر. وقد استمرت حروب الفرنج بين الفرنسيين والإنجليز لأكثر من مئة عام (1338 - 1453) بعد أن شرعوا في الانسحاب من الشرق العربي.
صفحة 7
وأسهمت الحملات ضد الشرق في رفع مستوى الوعي الطبقي لدى مختلف طبقات المجتمع الإقطاعي في أوروبا، وقد تمظهر ذلك من خلال الصراع الذي قام بين الفلاحين والفرسان، وبين الأقنان وأسيادهم، الأمر الذي دفع الإقطاعيين إلى توحيد صفوفهم لصد ثورات الفلاحين (14).

وقد ساهم بعض المصلحين الدينيين في أوروبا، كمارتن لوثر (Martin Luther) ، في مواجهة ثورات الفلاحين على اعتبار أن الثائر على سيده الإقطاعي هو مُرتد عن الدين ومن شأنه أن يعاقب على ذلك في الآخرة.

كما أدت حملات الفرنج المتتالية إلى نقص في الأيدي العاملة في الإقطاعيات، الأمر الذي استدعى السادة أن يخففوا من عناء الفلاحين، فأخذت القنانة تتلاشى بالتدرج. كما كان بعض الفلاحين ينالون الحرية مقابل فدية نقدية. كذلك كانت بعض المدن تشتري حريتها من الأسياد الذين كانوا يجمعون النقود لتمويل الحملات "الصليبية".

لا شك في أن ذلك كله قد ساهم في ازدهار الأعمال الحرفية والصناعات اليدوية والتجارة وحركة رأس المال والاستثمار في تطوير وسائل الإنتاج، وبالتالي في ظهور طبقة ميسورة متحررة من قيود الإقطاع والكنيسة معاً؛ كانت هذه الاستقلالية من الأسباب الرئيسة التي شجعت العلم على التطور؛ بهدف تحقيق طموحات هذه الطبقة إلى التوسع التجاري عبر تطوير تكنولوجيا السفن والإبحار؛ فضلاً عن تطوير وسائل الملاحة وتكنولوجيا الإنتاج المختلفة.

فهل يمكننا التساؤل عن أثر حروب الفرنج في التطور التقني الكبير في الزراعة والملاحة وأنظمة الري وصناعة الملابس والورق، الأمر الذي خلق تكاملاً بين الأرياف والمراكز المدينية، وبالتالي خلق استهلاكاً وربحية واقتصاداً متكاملاً متعاضداً معتمداً على الذات؟

وهل يحق لنا التساؤل إذا كان هذا التراكم النوعي في مجالات الحياة المختلفة قد أدى إلى تغير كيفي على الصعيد المعرفي؟

بفعل هذا الزخم من الترجمات والتفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، كانت قد تشكلت مدارس في القرن الثاني عشر في أوروبا، مثل مدرسة شارتر Charters في فرنسا التي دعت إلى إصلاحات في التعليم العالي، وركزت على تطوير علوم الحساب والموسيقى والهندسةوالفلك. وقد جُمعت في مدرسة شارتر أول مكتبة للعلم في العالم الغربي، وذلك لتضم بشكل منهجي كتابات العلماء الأقدمين (15).

ونستطيع التحدث أيضاً عن تأسيس أقدم جامعة أوروبية في ساليرنو حيث ازدهرت العلوم الطبيعية فيها بين القرنين العاشر والثالث عشر، تلتها جامعة بادوفا التي درس فيها الطبيب الإنجليزي المعروف وليم هارفي (William Harvey ) لمدة 28 شهراً والتي كانت مركزاً علمياً مهماً عام 1222، وهناك جامعة بولونيا في الوقت نفسه؛ وجامعة مونبلييه بجنوب فرنسا التي كانت شهيرة في العلوم الطبيعية نحو عام 1137، ولاحقاً جامعة أكسفورد في بريطانيا في القرن الثاني عشر.

كما نزعت أوروبا في القرن الثالث عشر نحو نهضة علمية جديدة تمثلت في مدرسة أكسفورد الإنجليزية، التي عنيت بالناحية الطبيعية في أرسطو (Aristotle) ، واهتمت بتطور العلوم عند العرب على وجه الخصوص (16).
صفحة 8
إن ما ذكرناه هو دليل على أن الانطلاقة العلمية بدأت من المناطق المتاخمة للشرق حول البحر المتوسط (إيطاليا وإسبانيا وجنوب فرنسا) بحكم قربها من الحضارة العربية والإسلامية التي ظهرت في إسبانيا منذ القرن الثامن الميلادي وحول البحر الأبيض المتوسط، ثم انداحت صوب شمال أوروبا بصورة تدرجية.

وقد قمنا في كتابنا "العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة" بالرد على دعاوى بعض أعلام الأوروبيين التي تزعم أن المدارس الأوروبية (17)، ومنها مدرسة شارتر، كانت قد توصلت بقواها الذاتية إلى فلسفة طبيعية أخذت تنظر بمنهجية علمية متطورة إلى العالم، متجاوزة ما كان مألوفاً في العصر الوسيط؛ وبعضهم ينكر كذلك أن الثقافة الإغريقية وصلت إلى أوروبا من خلال الترجمات العربية، ويشيع أن ذلك لم يحصل إلا بعد المفكـّر الفرنسي الكونشي (Conches) بنصف قرن (18)، أي نحو نهاية القرن الثاني عشر.

لذا، يعتبر هذا التيار الأوروبي أنّ "المدرسة الأوروبية النقية" كانت ناضجة، ولم تكن بحاجة إلى مساعدة خارجية للهجوم على أرسطو وسحق الفيزياء الأرسطية لاحقاً، فهيّأ الكونشي لما سيقوم به برونو (Giordano Bruno) فيما بعد (19). وهذه نظرة تمركز أوروبي حول الذات ينبغي التصدي لها.

كما نرد على دعوى غولدشتاين (Thomas Goldstien) أن الدارسين الأوروبيين لم يدخلوا إسبانيا في جماعات منظمة إلا مع مطلع القرن الثاني عشر، بقولنا إن جيرارد الكريموني (Gerard of Cremona) ، على سبيل المثال، قام بترجمة أكثر من سبعين عملاً أدبياًعن العربية منذ وصوله إلى طليطلة عام 1160. ونرغب في تذكير غولدشاتين أنّ الأوروبيين بدأوا بالوصول إلى إسبانيا منذ نهاية القرن العاشر، كما يذكر هو نفسه (20)، ويضيف غولدشتاين أن بعض ترجمات الأعمال الطبية العربية قد وصلت إلى أقدم جامعة أوروبية في ساليرنو خلال القرن الحادي عشر (21)، ولكننا نعتقد أن ذلك قد حدث خلال القرن العاشر على أقل تقدير، وذلك استناداً إلى تاريخ العلوم الطبية في جامعة ساليرنو نفسها والمنشورة على موقعها الإلكتروني اليوم.

وبناء عليه، نعتقد أن مدرسة شارتر أيضاً، وغيرها من المراكز العلمية كانت على اتصال وثيق بالثقافة العربية الإسلامية قبل تأسيسها، كما نعتقد أن أهمية العرب لم تتوقف عند مجرد نقل العلوم الهيلينستية وثقافتها؛ إنما تجاوزتها إلى تكثيف المادة المترجمة وتبسيطها كي يسهل على القارئ استيعابها بسرعة؛ فضلاً عن أن العرب أضافوا شروحهم الخاصة، لا سيما في الطب والصيدلة والرياضيات والفلك والفيزياء وغيرها من العلوم، وبخاصة علم الهيئة والفلسفة والعلوم الطبيعية والاجتماعية (22).

وإذا نظرنا إلى "الهيئة" الخارجية للعالِم الإيطالي توسكانيللي (Toscanelli) ، وهو العالِم الذي احترمه معاصروه كطبيب وفلكي وجغرافي، تُخبرنا عن فضل العرب على الأوروبيين؛ إذ كان توسكانيللي يضع العمامة العربية على رأسه اعترافاً بفضل العرب. وهو الذيوصلت خرائطه إلى ملك البرتغال ومن ثم إلى كريستوفر كولومبس، التي تمكن بواسطتها من إنجاز مشروعه العالمي الكبير في الاكتشاف (23).

فهل يمكننا القول إنّ العرب والمسلمين في نضالهم ضد الفرنج خلال "الحروب الصليبية" قد ساهموا في نمو الرأسمالية، وتراكم رأس المال في المدن التجارية الأوروبية، ومن ثم في اندياحها إلى عمق القارة الأوروبية حتى أطرافها الغربية، ومن ثم اندياحها عَبر المحيطات، لترتد إليهم على شكل إمبريالي همجي استقطابي التكوين، لم نعد نعرف كيف يمكننا أن ننفك من تبعيته، التي لا تسمح آليات استقطابه وهيمنته علينا، بحكم تركيبتها البنيوية، بأي شكل من أشكال التنمية في دول الجنوب، إلا إذا كانت تنمية في التخلـّـف (24)؟
صفحة 9
3 ـــ إرهاصات العلم الحديث في عصر النهضة الأوروبية

أ- روجر بيكون (Roger Bacon) (1214 - 1292): الفيلسوف الأوروبي العربي

فيلسوف إنجليزي ولد نحو مطلع القرن الثالث عشر لعائلة ميسورة الحال، درس في جامعة أكسفورد عندما كانت مؤسسة فتية، حيث تعلـّم هناك قواعد اللغة والبلاغة والمنطق والموسيقى وعلم الفلك والجغرافيا والهندسة والحساب.

تعلـّم هناك أيضاً أن كروية الأرض يمكن الاستدلال عليها من خلال خسوف القمر حيث تـُسقِط حواف الأرض الدائرية خيالها على القمر. وعَبر دراسة المنطق اكتشف أن العالم لامتناه، لأن وجود إله لامتناه يستدعي بالضرورة وجود عالم لا متناه مثله!

فمن أين أتى روجر بيكون بهذه الأفكار الجديدة التي تتعارض مع فكرة أرسطو في الكون المحدود التي كانت سائدة في تلك الفترة؟

عندما درس روجر بيكون الفلسفة في جامعة أكسفورد نحو عام 1233، انفتح على التراث الفلسفي الجديد الذي بدأ يصل آنذاك، إثر حروب الفرنج مع العرب منذ القرن الحادي عشر، سواء من جزيرة صقلية، أو قبل ذلك من إسبانيا منذ القرن الثامن الميلادي، ثم من بلاد الهلال الخصيب وشمال إفريقيا منذ نهاية القرن الحادي عشر.

كان العالم العربي آنذاك مكتبة عظيمة تضم التراث العالمي وإبداعات العصر الفريدة التي أنتجتها الحضارة العربية والإسلامية. ففي جامع الزيتونة وحده خلال القرن الثالث عشر احتوت المكتبة أكثر من مئة ألف كتاب. فكانت العيون الأوروبية الذكية المتعطشة للمعرفة تحدق باتجاه الشرق.

تعرّف الملاحون الأوروبيون من خلال هذا الاتصال مع الشرق العربي والإسلامي إلى الاسطرلاب العربي (25) ودخلت إلى أوروبا الأرقام العربية وعلم الجبر وكتب الطب وغيرها من العلوم النظرية والعملية، فضلاً عن التراث الإغريقي العظيم الذي حفظه العرب وشرحوه وزادوا عليه. فكان العلماء الأوروبيون عندما يشرعون في التعلم يبدأون بدراسة اللغة العربية وتعلمها للوصول إلى فهم أرسطو ومنطقه وفلسفته، وذلك قبل الانتقال إلى الرياضيات وغيرها من العلوم.

فعندما زار روجر بيكون فرنسا ليُدرِّس الفلسفة، بدعوة من باريس، استدعاه ذلك أن يتعلم اللغات العربية واليونانية والعبرية والإسبانية، فبوصول ترجمات العرب إلى أعمال الإغريق وشروحهم عليها، كان لزاماً عليه معرفة اللغة العربية لدراسة تاريخ الفلسفة وموضوعاتها المتنوعة.

وخلال بدايات القرن الثالث عشر، ترجم فيليب الطرابلسي كتاب "سر الأسرار" إلى اللاتينية، وهو كتاب عربي مشهور أوحى لروجر بيكون فكرة منهجه الذي استخدمه في سبر أغوار الطبيعية. والجدير ذكره أنه كانت هناك ترجمات عديدة لهذا الكتاب في شمال أفريقيا أيضاً (26)؛ وكانت متوافرة قبل ولادة روجر بيكون، وقبل المفكر الفرنسي الكونشي الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني عشر.

ومع نهاية القرن الثالث عشر كان روجر بيكون يستشرف إمكانات العلم في الاختراع والاكتشاف، فحدثنا عن الآلات الضخمة التي ستمخر عباب المحيطات وتغزو العالم، على نحو شبيه بأعمال ليوناردو دافنشي في إيطاليا، وعلى نحو قريب من أعمال فرانسيس بيكون اللاحقة في نهاية القرن السادس عشر وبعدها؛ إنها إرهاصات واضحة بأن العلم الأوروبي الناشئ، أو فلنقل الطموحات العلمية الناشئة، كانت تتطلع إلى فتح العالم وعولمته منذ ذلك الوقت.

كما سعى روجر بيكون لإعطاء مشروعية للعلم بإبراز أهميته لللاهوت، كما فعل فرانسيس بيكون أيضاً فيما بعد، وكما كان يحاول غاليليو أن يشرح للكنيسة بأنه قد حان الأوان كي يستمع اللاهوتيون إلى ما يقوله العلم قبل فوات الأوان.

لم يكمل روجر بيكون دراسة اللاهوت في الجامعة لاهتمامه بالفلسفة والعلم أكثر؛ وقد حُكم عليه نتيجة ذلك بالسجن في النهاية بتهمة أن تعاليمه مستحدثة وأنها خارجة على المألوف، فضلاً عن خطورة أفكاره الجديدة في الفلك وشراسة هجومه على لاهوتيي عصره.
صفحة 10
في سياق أعماله الموسوعية التي اتسم بها علماء عصره، قام روجر بيكون بإجراء العديد من التجارب الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية، ووصف الكثير منها؛ بعضها في الضوء وطبيعته وانكساره وانعكاسه، وبعضها الآخر في المرايا والعدسات.

وكانت عنده توقعات علمية هائلة، كصناعة منطاد وطائرة ذات أجنحة، كما وضع في عام 1242 إرشادات لصناعة ملح البارود التي أخذها الأوروبيون عن العرب والصينيين كما ذكرنا، وقد بدأ يشيع استعمالها في الأسلحة في القرن الرابع عشر. إن هذه الأعمال تذكرنا باشتغال فرانسيس بيكون بصهر المعادن لتطوير مدافع السفن الإنجليزية للهيمنة على التجارة البحرية.

لقد عرف روجر بيكون أطروحتي الكندي في علم البصريات تمام المعرفة، ومن المعلوم اليوم أيضاً أن روجر بيكون نفسه اعترف بفضل الكندي وابن سينا وابن الهيثم عليه في البصريات (27).

خطط روجر بيكون أيضاً للاشتغال بموسوعة علمية أطلق عليها: "القواعد الأساسية في فلسفة الطبيعة"، على نحو ما شرع فيه فرانسيس بيكون في مطلع القرن السابع عشر ولم ينهه. وقد أدى هذا الانفتاح على العلوم الحديثة إلى أن تتخذ السلطة الكنسية موقفاً حازماً منه كما ذكرنا. وقد كان فرانسيس بيكون حاذقاً وعملياً أكثر من روجر بيكون حيث قام بمحاولة لتسخير الدين لخدمة العلم والإنسان بدلاً من محاولات السخرية من الدين.

ومحاولات روجر بيكون الاشتغال بتصميم الآلات وصناعتها وإجراء التجارب عليها ليست بعيدة عن الأعمال الميكانيكية التي كانت معروفة أصلاً من خلال الكتب العربية المتوافرة في المراكز العلمية الأوروبية آنذاك؛ ولما كان روجر بيكون يعرف العربية تمام المعرفة، فلا بد أنه اطلع على أعمال العالِم المسلم الجزاري من ديار بكر التركية الذي صنع العديد من الساعات الميكانيكية المطورة عن الساعة الهندية المائية، فقد طلب منه ابن صلاح الدين الأيوبي (ناصر الدين) وضع كتاب في الآلات الميكانيكية. وكانت النتيجة صدور مؤلفه "كتاب المعرفة في الآلات الميكانيكية العبقرية" شرح فيه نحو خمسين آلة ميكانيكية، من ضمنها ساعات مائية متنوعة، ومنها ساعة الفيل العملاقة التي جمع في تصميمها رموز الثقافات والحضارات المختلفة (28).

لم يكن عصر روجر بيكون يغط في سبات عميق، بل كان عصر ترجمات الأعمال الفكرية العربية والعالمية إلى اللاتينية، فقد ترجم جيرارد الكريموني (Gerard of Cremona) أعمال الكندي وجابر بن حيان، كما ترجم أعمال الزهراوي في الطب وأدواته الجراحية، فضلاً عن أعمال ابن سينا وغيرها للغة اللاتينية؛ ولابد أن أعمال العالم والفيلسوف الإسكندراني يوحنا النحوي (John Philoponus) في نقد الأرسطية قد تمت ترجمتها أيضاً وتعرّف روجر بيكون إليها. لقد كانت القاعدة المعرفية متوافرة كي ينطلق منها لبناء مشروعه الموسوعي.

كانت الترجمات إلى اللاتينية قد بدأت على نطاق واسع منذ مطلع القرن الثاني عشر، فلا عجب، إذاَ، أن نرى اشتغال روجر بيكون بالتجارب الكيميائية في القرن الثالث عشر، ولا عجب أن نرى رهباناً من إنجلترا يقصدون طليطلة في إسبانيا المسلمة طلباً للعلم والمعرفة، مثال الراهب دانيال المورلي (Daniel of Morley) في القرن الثاني عشر.

وفي نهاية القرن نفسه، شرع مايكل سكوت (Michael Scott) وجيرارد الكريموني في ترجمة المخطوطات العربية في قرطبة؛ تبعهما هيرمان (Herman) الألماني ليترجم ما يجده في مكتبات طليطلة وصقلية وغيرهما من العربية إلى اللاتينية.