صفحة 1
المقدمة
يعيش بعض الناس في حياتهم غربة ما بعدها غربة، غربة تعزلهم عن العالم والناس لا لشيء، إلا لأنهم جاؤوا من المجهول، وسيبقون في المجهول، وسيعودون إلى المجهول، حيث لا إنسان سيعلم عنهم شيئاً، وليس لديهم إلا فرصة واحدة ستتهيأ لهم، لكنها كالسراب الذي لاح في صحراء قاحلة، حتى إذا ما وصلوا الواحة التي خُيِّل إليهم أنهم رأوها، لم يجدوها شيئاً.
وهذا ما حلّ ببطل هذه الرواية التي اهتم كاتبها بأدق تفصيلاتها، ليجعلك تبحر في عالم الخيال، وتتصور القصة مائلة أمامك بأحداثها، إنه جيليت (جيليات) صاحب البيت المجهول الشيطانيّ، الذي لم يحظَ بحب الناس، لا لشيء إلا لأنه جاء إلى سان سامسون تحيط به الأقاويل والأساطير، فهو ابن لتلك المرأة التي اعتنت به بمعزل عن الناس.
لقد حمل حبّاً دافقاً للفتاة دريشيت التي أحبها عمها حبّاً جماً وأولاها عنايته. لقد خاض غمار معركة عجزت عنها مجموعات من الرجال، حين استعاد المركب ديراند إلى صاحبها مس ليثري ذلك الرجل الطيب، إن هذه المعركة بتفصيلاتها كلها أثبتت أن لدى الإنسان قوة كامنة، وإرادة عظيمة يغذيها الأمل والطموح، إن حبّ جيليت لدريشيت كان الدافع والمحرك له ليحقق الانتصار على البحر وأحيائه، وأهواله الرهيبة، لقد واجهها بعزم وثبات وحقق ما كان يصبو إليه، لكن حظه العاثر حال دون وصوله إلى مبتغاه من دريشيت، التي وعده عمها بأن يزوجه منها لقد خاض غمار المعركة لكن ثمرتها ذهبت لغيره، إنه شاب ظهر له في آخر رحلته، لكنه ظل الإنسان الذي يعطي بلا حدود، ويُخلص حيث لا وجود للإخلاص، لقد ظل مضحياً حتى النهاية، فحبهُ العارم لدريشيت دفعه إلى إكمال التضحية، حيث ساعد دريشيت والشاب الذي أحبته على الزواج، وقدم إليها ما تركته له أمه لزوجة المستقبل عند الزواج.
فما النتيجة الحتمية؟ إنها الموت في القبر الكبير الواسع الذي لم ينل من عزيمته، واستسلم له، لكنه أعاد الكرّة والتهمه من جديد، لم يتوقف عن العطاء حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
إنه بحّار ماهر محترف، لكن المهارة والاحتراف لا يعنيان أنه سيفوز بكل شيء، وينال ما يريد.
لقد ترك بصمة عظيمة في مجتمعه مع أنه كان مغموراً لا يأبه له أحد. فكانت النهاية كالبداية، فإن كان اسمه قد نقش في الثلج فإن الثلج قد ذاب، وإن كان اسمه قد سطر على صفحة البحر، فإن الأمواج العاتية قد محته، لكنّ ذكراه ستظل بين من عرفوه.
المترجم
* * *
صفحة 2
1
كلمة مسطرة على صفحة بيضاء
كان مطلع العام 1802 مشهوداً في غارنسي؛ فقد تساقط الثلج في ذلك اليوم بغزارة، وبرد الشتاء كان قارساً في جزر المانش، والناس لا يزالون يذكرون هذا الحدث حتى اليوم؛ فالجليد غطى الجزر، وأتلف المزروعات والنباتات. أما الثلج فقد كانت له بهجة ما بعدها بهجة لكثافته في تلك السنة. وبدت الطريق الممتدة على طول البحر والتي تصل مرفأ سان بيار بالوادي القريب بيضاء ناصعة في صباح ذلك العيد. لقد سقط الثلج بغزارة دون انقطاع من منتصف الليل حتى الفجر.
وعند التاسعة لم يكن موعد ذهاب الأنكيليكان إلى كنيسة سانت سمسون والمرسلين إلى كنيسة إلداد قد حان، لذلك بدت الطريق شبه مهجورة أو خالية، فعلى امتداد الطريق التي تفصل بين المنعطف الأول والمنعطف الثاني لم تكن تشاهد غير ثلاثة أشخاص: رجل وامرأة وولد، وهؤلاء الثلاثة كانوا يسيرون بعضهم خلف بعض تفصلهم خطى قليلة، ومع ذلك لم تكن لديك القدرة على تمييز المسافة بينهم. توقف الولد البالغ من العمر ثماني سنوات، وأنشأ ينظر إلى الثلج بفضول زائد وسار الرجل خلف المرأة، ولكن الآن صارت المسافة التي تفصل بينهما واضحة؛ فهي تتجاوز المئة خطوة. إنه يذهب خلفها، ناحية سان سامسون.. كان شاباً، وسيماً، يشبه العامل أو البحّار على ما أظن، يرتدي ثياباً بسيطة، يلبسها كل يوم، مما يؤكد أنه رغم حلول العيد، إلا أنه لم يذهب إلى كنيسة قط.. وارتدت المرأة ثياباً جديدة، احتفالاً بالعيد، متبرجة بزينتها.. كانت تسير فرحة نشيطة مما يدل على أنها ما زالت فتية ولم تعبث الحياة بها بعد.. جميلة القوام معتدلة القامة.. بهية الطلعة..
تابع الرجل مسيره نحو الكنيسة ينظر أمامه، دون أن يلتفت إليها.
وفجأة، بقرب مجموعة من أشجار السنديان الكثيفة، قرب المكان الذي أطلق عليه اسم المنازل المنخفضة التفتت، وبحركتها هذه لفتت انتباه الرجل فوقف يتأملها. توقفت عن المسير ونظرت إليه ثم انحنت كأنها تكتب كلمة فوق الثلج، اعتدلت وعادت تتابع سيرها بسرعة ونظرت خلفها وضحكت هذه المرة، ثم اختفت في القسم الشمالي من الطريق، في الممر المحاط بالأشواك والمؤدي إلى قصر ليار.
لقد عرفها الرجل عندما التفتت.. أجل إنها دريشيت.. الفتاة الرائعة، ابنة البلد والعائلة ذائعة الصيت.
لم يكن في حاجة إلى أن يسرع وراءها. وما هي إلا لحظات قليلة حتى أدرك غابة السنديان، ولم يعد يفكر بالفتاة التي مرت أمامه ومن المعقول أنه لو هجم عليه وحش كاسر من الغابة أو كلب بحر لما شعر بوجودهما.. بل استمر ينظر إلى الأرض البيضاء.. خطوتان تركتا آثارهما فوق الصفحة البيضاء الناصعة، وإلى جانبهما قرأ هذه الكلمة التي خطّتها بإصبعها إنها اسمه: جيليات.
لقد كان هذا الشاب يدعى جيليات.
وقف مدة قصيرة ينظر إلى الاسم المكتوب أمامه ويتأمل الخطوتين.. وينظر إلى الثلج الناصع البياض.. ثم مضى في سبيله مطرقاً وقد امتلأ عقله تفكيراً في ما رأى.
* * *
صفحة 3
2
أسباب عدة جعلت من جيليات مكروهاً
كان جيليات مِنْ سكان ضاحية سان سيمسون، لكنّ الناس هناك كانوا يبغضونه كثيراً، ولا يرغبون فيه ويتجنبون التعامل معه؛ لأنه كان مقيماً في منزل مشتبه فيه، يحصل غالباً، في جرسي أو غارنسي، في الحقل أو في المدينة بالذات، إذا مررت في زاوية مهجورة أو في شارع آهل بالسكان، أن تجد منزلاً محاطاً بسياج مرتفع، يسد مدخله ونوافذه أيضاً.. إذا كانت هناك حديقة صغيرة فالأعشاب والأشواك قد نبتت فيها ونمت، وجلبت الحشرات السامة النادرة.. وعلى الجدران أوراق ملونة ولوحات يعلوها الغبار أما الموبيليا فهي من عهد لويس السادس عشر.. وكثيراً ما يلاحظ أنّ الأواني الخزفية محطمة فوق البلاط الأسود الداكن لم تمتد إليها يد تجمعها.. أما الزوايا فللعناكب فيها دور وقصور وشأن عظيم. بيوت على هذا النمط كانت تسمى بالمشبوهة: يأتي الشيطان ويسكن فيها ليلاً.
إن المنزل كالإنسان يمكن أن يستحيل إلى جثة. ويكفيه أن تحل اللعنة عليه لتقتله. إن اللعنة مخيفة فعلاً. إن هذه البيوت المهجورة كثيرة في جزر المانش.
إن سكان الساحل والجبل لم يكونوا ليستكينوا لمكان الشيطان. بعضهم من المانش، الخليج الإنكليزي والساحل الفرنسي، كانوا يعرفون الكثير من هذه الأمور المرعبة.. يعتقدون أن للشيطان رسلاً في أنحاء الأرض كلها.. ومن المؤكد أن بلغيفور هو سفير الجحيم في فرنسا، وتجون سفيرها في إيطاليا، وبليال في تركيا، وتاميز في إسبانيا، ومارتينه في سويسرا، ومامون في إنكلترا، وساتان إمبراطور كأي إمبراطور آخر: ساتان القيصر.. بيته عالٍ جداً. وداغون معلم كبير، وسيكور رئيس الجواري، واسمودة مدير بنك الألعاب، وكوبال مدير المسرح، وفرديليه مدير عام الاحتفالات، وينبال مشرف خاص، وفيروى رجل عالِم، مفكر ومؤرخ من الطراز الأول، متضلع في علم السكان والبحار.
إن للصيادين النورمانديين في المانش احتياطات كثيرة يتخذونها عندما يكونون في البحر، وبالنسبة إلى الخدع التي يؤلفونها حول الشيطان؛ إذ كانوا يعتقدون دائماً أن القديس ماكلو يقيم في صخرة كبيرة مربعة تعرف بصخرة أوتاي، وتقع بين أوريغني والكاسكيت، كما أكد بعض بحارتهم القدامى أنهم كثيراً ما شاهدوه هناك، لقد حدث لهم أن رأوه من بعيد جالساً يقرأ في كتاب. كما أن البحارة كانوا يمرون أمام هذه الصخرة ويركعون ويصلون حتى زالت الخرافة، وانجلت الحقيقة: إذ اكتشف الجميع فيما بعد - والكل يعرف ذلك اليوم - أن الذي كان يقطن الصخرة لم يكن القديس بل كان الشيطان نفسه ذلك الملعون المعروف باسم جوكموس، والذي يعرف كيف يعيش هناك منتحلاً اسم القديس ماكلو.. وكثيراً ما وقعت الكنيسة في أخطاء كثورة شبيهة بهذه: إذ بقي الشياطين: راغوهل، وأوربيل وتوبال قديسين حتى عام 745 إذ استطاع البابا زخريا أن يتتبعهم ويكتشف حقيقتهم ويعريهم ويطردهم من الكنيسة.. لذلك يجب على الذي يقوم بأعمال كهذه أن يكون متضلعاً في معرفة الشياطين وحبائلهم.
ويروي سكان البلاد القدماء الحكايات التي تتعلق بالماضي منها: إن سكان الأرخبيل النورماندي الكاثوليك، كانوا رُغماً عنهم على اتصال دائم بالشيطان أكثر من غيرهم من السكان ومنهم على سبيل المثال: الهيجونت. وإننا ما زلنا نجهل أسباب ذلك. لكنّ المؤكد هو أن هذه الأقلية الأولى كانت على خلاف مستمر مع الشيطان الذي كان يزعجها باستمرار. لقد اختار الشيطان الكاثوليك، وحاول التقرب منهم أكثر من غيرهم، وهذا يحمل على الظن أنه كاثوليكي أكثر منه بروتستنتي. ولعل أكثر زياراته إزعاجاً تلك التي كان يقوم بها إلى المخادع الزوجية الكاثوليكية في الليل، عندما يكون الزوج نائماً والزوجة أوشكت أن تنام. لقد ظن باتوييه أن فولتير ولد هكذا. ليس هذا الظن ببعيد؛ فنحن نشتم منه احتمالات كثيرة.. فقد سبق للشيطان أن سيطر على سانت ميلير في أواخر القرن الماضي؛ ليعاقبه على جرائمه الثورية.. إن الاحتمالات التي نتجت عن المبالغات الثورية أكثر من أن تحصى أو تعد. ومهما يكن من أمر، فإن ذلك القدوم المفاجئ للشيطان في الليالي المظلمة، عندما نخلد إلى النوم، كان يعكر صفو النساء الأرثوذكسيات باستمرار. إن ولادة فولتير لم تكن بالحدث السعيد. سألت إحداهن عرافها وطلبت منه أن يجلي لها هذا الغموض فأجابها:
- كي تتأكدي، إذا ما كنت أمام الشيطان أم زوجك، فما عليك إلا أن تتحسسي جبهة الاثنين، فإذا وقعت على قرون في إحداهما، تكونين قد أصبت الهدف وعرفت الشيطان..
سألت المرأة: ما هذا الهدف؟
كان المنزل الذي يقيم فيه جيليات «مسكوناً» كما قلنا. ولكنه من ناحية أخرى لم يسكنه.. وعلى أي حال هو منزل مشكوك فيه. ليس هناك من يجهل أن الساحر عندما يحل في منزل ما، فإن الشيطان يتقرب منه مكوناً معه علاقة صداقة، ويحمله على الخروج منه وألا يعود إليه أبداً، إلا إذا ما دعي عند الحاجة إليه، كالطبيب الذي نستدعيه إذا ألمّ بنا عارضٌ أو مرض.
صفحة 4
كان المنزل معروفاً باسم «بودي لاري». يقع فوق أرض صغيرة أشبه بصخرة مستطيلة تمتد إلى مسافة ما في البحر.. بقربه بئر ماء عميقة، ويكاد المنزل يكون الوحيد خارج الجزيرة الذي توجد أمامه مساحة صغيرة تصلح لأن تكون حديقة صغيرة.
ليس في غارنسي أكثر ندرة من وجود السحرة. إنهم يقومون بوظائفهم في بعض الضواحي، ولم يكن القرن التاسع عشر ليحد من نشاطاتهم أبداً.
لقد كانوا يقومون بأعمال إجرامية بطرق ملتوية. كأن يغلوا الذهب ويقطفوا الأعشاب عند منتصف الليل، وينظرون إلى الناس من خلف النوافذ والأبواب... يحملون معهم زجاجات مملوءة بـ «مياه المرض» وكثيراً ما سمعناهم يقولون: إن الحياة تبدو كئيبة نوعاً ما. لاحظ أحدهم، في أحد أيام آذار عام 1826، وجود مريض بسبعة شياطين.. «رآه»، على حد قوله، بتلك المياه. التي يحملها دائماً. كما أن آخر «سحر» فراناً وعجينه ومخبزه. وثالثاً، من اختصاصه فض المغلفات وختمها بسرعة ومهارة وهي «فارغة».. وذهب رابع إلى القول: إن بإمكانه وضع أربع زجاجات فوق خشبة، في صف واحد، مختومة بالحرف (ب).
إن هذه الأمور الوحشية تبدو ملحوظة دائماً. كما أن بعض السحرة يبدون مرحين أحياناً؛ إذ يتكفل بعضهم بطرد الأوهام جميعها من حولك.. فتراهم يستلقون فوق السرير ويبدؤون بالصراخ فتظن أن أمراضك كلها انتقلت إليهم واسترحت منها... بينما يتكفل بعضهم الآخر بشفائك من العوارض جميعها بأن يعقد لك منديلاً حول عنقك وغالباً حول خاصرتيك.. طريقة يظن بعضهم أنها لم تكن تعرف في السابق. وتنبه البلاط الملكي، في غارنسي إلى تعويذاتهم، فكانوا يأتون بهم ويضعونهم فوق أكوام من الحطب ويحرقونهم أحياء. أما في أيامنا هذه فقد خفت العقوبة، وأصبحت ثمانية أسابيع سجن أو أربعة: غذاؤهم الوحيد، خبز يابس وماء.
كانت آخر عقوبة حَرْق شهدتها غارنسي عام 1747، فخصصت البلدة لهذا «الاحتفال» أجمل موقع فيها: مفترق البورداج، حيث أُحرق أحد عشر ساحراً منهم منذ عام 1565 إلى عام 1700.
كان لهؤلاء المجرمين، وهم يواجهون عقوبة الموت، رغبات تلبى بالعذاب. لقد أدى مفترق البورداج خدمات جلى للمدينة والمنطقة على حدٍّ سواء.. إذ شهد إعدام الكثير من الخارجين عن القانون المشعوذين... فقد أحرقت، في عهد ماري تيودور، امرأة وابنتاها: كانت المرأة تدعى بروتين ماسي.. وكانت إحدى بناتها سمينة.. حامل.. وكان وضعها فوق الجمر اللاهب.
تقول الرواية: إن بطنها «انفجر» وخرج منه ولد حي، تدحرج فوق الجمر فتلقاه رجل يدعى هوس.. ولكن الراهب الكاثوليكي غوسلين، أجبره على إعادته إلى النار من جديد.
* * *
صفحة 5
3
هذا لامرأتك التي ستتزوجها
لنعد إلى جيليات.
يقال في البلدة: إنه في أواخر أيام الثورة، أتت امرأة تحمل معها طفلاً إلى غارنسي، كانت إنكليزية إن لم تكن فرنسية. وكان الأهلون يجهلون اسمها، ولكنهم جمعوا حروفه المختلفة وأصبحت تعرف بجيليات. كانت تعيش وحيدة مع طفلها، حتى إن بعضهم قال: إنه ابن أختها، بينما قال بعضهم الآخر: إنه ابنها، ومنهم من قال: إنه حفيدها.. والبقية الباقية حكمت بأنه ليست هناك روابط بينهما. كانت تملك دراهم معدودة مما جعلها تعيش فقيرة، فاشترت قطعة أرض صغيرة في سرجينة، وكان المنزل المعروف بـ «بودي لاري» مشبوهاً في ذلك الوقت، لم يقطنه أحد منذ ثلاثين سنة.. فتداعى وتهدم وأصبح خرباً.. كما أن البستان الذي كان البحر يغمره دائماً لم يكن ليعطي شيئاً. باستثناء الأصوات الليلية الغريبة والأنوار الخافتة المتقطعة، كان لهذا المنزل ما يميزه: فلو تركت صحناً مملوءاً بالحساء على الطاولة، إلى جانب مكوك من الصوف لوجدت في الصباح أن الصحن قد فرغ والحساء قد أُكل، والصوف قد نسج وصار جوارب متقنة الصنع. عرضت هذه البقعة الملعونة للبيع بشيطانها، بثمن بخس: بضع جنيهات فقط.. اشترتها هذه السيدة: إما لأن الشيطان سيطر عليها أو لأنها وجدتها على قدر الدراهم القليلة التي تمتلكها.
لم تشتره فحسب، بل أقامت فيه مع ولدها.. ومنذ ذلك الحين «هدأ» المكان، كأنه وجد ما كان يصبو إليه.. على حد قول أهل البلد. اندثرت «المرئيات» وظن بعضهم أنّها انقرضت. لم تعد الصرخات تسمع في أول النهار ولم يعد هناك نور إلا ما تشعله المرأة المسكينة من سماد عند المساء.. وهكذا نظر الجمهور بعين الرضا إلى هذه المرأة واستكانوا لها.
لم يكن لأم جيليات من قوت إلا ما تجنيه يداها. تزرع بعض الخضراوات في بستانها، وتربي بقرة حلوباً تنتج السمن الأصفر الفاخر. لم يسبق لها أن ذهبت إلى السوق لتبيع محصولها من البصل والفجل والملفوف والقرنبيط، بل كانت تبيعه إلى جيلبرت فاليوت ويوزعه بدوره على بائعي المدينة.
أدخلت بعض التحسينات على منزلها فرممت السقف؛ لتمنع مياه الأمطار من التسرب إلى الداخل أيام الشتاء، كما أصلحت السلم المؤدي إلى الطابق الثاني، حيث كانت تنام مع وحيدها وتعلمه القراءة. لم يرها الناس تذهب إلى الكنيسة قط، بل كانت دائماً وحيدة منطوية على نفسها تتجنب الاحتكاك بالآخرين، والتعامل معهم، وتتهرب منهم. لذلك ظنها بعضهم فرنسية.. إذ إن «عدم الذهاب إلى أي مكان» يعد شيئاً مهيناً في نظرهم. لقد كانوا أناساً من الذين لا يؤمنون بشيء، ولا يعتقدون بالبراهين والدلائل.. ومن المحتمل أنها كانت فرنسية.
صفحة 6
إن البراكين تقذف حجارتها أما الثورات فتقذف الرجال. كم من الأسر شردت وكم منهم الذين لم تعرف مصائرهم.. جماعات كثيرة تفرقت وذابت.. بعضها في أميركا وبعضها الآخر في ألمانيا وإنكلترا.. مثيرين دهشة السكان الأصليين. نطلق على هؤلاء المنبوذين أسماء كثيرة فنقول عنهم: لاجئين ونقول: مشردين أو مغامرين. إذا ما سكنوا عاملناهم بالحسنى وإذا ما رحلوا فرحنا وهللنا. يبدون أشخاصاً غير مسؤولين عن الأعمال التي من أجلها شردوا واضطهدوا.. وخاصة النساء منهم.. لا يؤذون إنساناً، ولا يدرون ما حلّ بهم وكيف...
لقد نتج عن الثورة الفرنسية - كبقية الثورات - أمور كهذه. إذ إنني شاهدت كومة من العُشْب متجمعة على فوهة بركان، فما أن انفجر حتى تطايرت في الفضاء وتناثرت هنا وهناك.
كانت المرأة التي عرفتها غارنسي باسم جيليات من هؤلاء الذين قذفهم البركان ورماهم بعيداً.
أصبحت المرأة عجوزاً وكبر الفتى. كانا يعيشان وحيدين يتجنبان الاختلاط بغيرهم من الناس. يكفي أحدهما الآخر. أصبح الولد يافعاً ثم رجلاً، وآن للحياة أن تتفتح ولعينيه أن تبصرا نورها الحقيقي، فماتت الأم تاركة له الأرض في سرجينة ومنزل «بودي لاري» بالإضافة إلى مئة جنيه - حسب قول كاتب العدل - موضوعة في جذع شجرة قديمة خلف البيت..
كان أثاث المنزل مؤلفاً من خزانتين خشبيتين، وسريرين، وستة كراسيّ ومنضدة عليها بعض الكتب بالإضافة إلى طاولة للطعام وضعت في المطبخ وحولها ما يلزم من أوان وغيرها من الأدوات المنزلية.. كما كانت هناك بعض اللوحات الفنية والأثواب الحريرية وغيرها، وبينها ورقة كتب عليها فقرة بخط والدته نفسها: من أجل امرأتك، عندما تتزوج...
كانت هذه الميتة مفجعة للشاب، كان متوحشاً فأصبح مفترساً، واكتملت الصحراء القاحلة من حوله. لم يكن ذلك انطواء بل كان فراغاً. ومهما تكن الحياة شاقة فباستطاعتنا القيام بأعبائها إذا ما كنا اثنين.. ولكن.. يصعب ذلك على شخص واحد.. إنه يبدو عاجزاً ويتراجع. ولعل في ذلك أولى مراحل اليأس، ثم نفهم فيما بعد أن الواجب ليس إلا سلسلة من التسليم بالمعطيات. ننظر إلى الموت، وننظر إلى الحياة ثم نقتنع.. ولكنه إقناع مدمٍ.
كان جيليات شاباً، فاندمل جرحه بسرعة وتبدد حزنه رويداً رويداً وانغمس في الطبيعة من حوله فأصبح بذلك من مقوماتها الجميلة، فشدته إليها وأغرته بالأشياء، وأبعدته عن الإنسان وهيأت نفسه بروية للوحدة.
صفحة 7
4
بلا شعبية
سبق أن قلنا: إن جيليات لم يكن محبوباً في المحيط الذي يعيش فيه، وفي البلد الذي يقطنه ليس هناك سبب أكثر بساطة من هذا الكره. أما الأسباب الأخرى فعديدة: أولاً - كما سبق أن شرحنا - البيت الذي يعيش فيه. ثانياً، أصله. فمن كانت تلك المرأة ومن هو هذا الولد؟ إن سكان المدينة لا يودون أن يكون للأحاجي مكان في حياة الغرباء. ثم ثيابه؛ فقد كانت كثياب عامل، إذ كان بإمكانه، رغم فقره أن يبدلها، ويكسب عيشه ولو بقي مقعداً. ثم بستانه الذي يعتني به ويزرع فيه أنواعاً كثيرة من الخضراوات، كذلك الكتب الضخمة التي أمامه؛ فقد كان باستطاعته أن يقرأها.
وهنالك أسباب أخرى أيضاً.
فلماذا يعيش هكذا منعزلاً منفرداً؟ إذ إن الأهالي بدؤوا ينظرون إلى منزله كمحجر صحي هو مديره ومريضه في آنٍ واحد. ونسبوا إليه أيضاً أن كل ما يحيط بمنطقته من جمود وانعزال مرده إليه وهو مسببه الوحيد.
لم يذهب قط إلى الكنيسة. كان يقوم بنزهات طويلة في الليل فقط. ويتحدث إلى السحرة.. حتى إن بعضهم شاهده مستلقياً فوق الأعشاب بشكل غريب. يتردد إلى الحقل ويحاور الصخور الكثيرة المنتشرة في الحقل.
يعتقد أحدهم أنه رآه مرة يصافح الصخرة التي تغني. كان يشتري كل ما يأتونه به من عصافير ثم يطلق سراحها. كان يحترم الأشخاص البورجوازيين في شوارع سان سمسون ويتجنب أن يلتقي بهم ثانية. يصطاد دائماً ويعود وفي جعبته الكثير من السمك الطازج. يعمل في البستان كل يوم أحد دون انقطاع. كان يلعب على أورغون قديم الطراز اشتراه من بعض الجنود الإنكليز في أثناء مرورهم بغارنسي. يطيب له العزف بين الصخور على الشاطئ، مع هبوط الليل.
كان يقوم بحركات كذلك الفَرِحَ الذي يبذر قمحه.
كيف تريد من بلد أن ينطلق إلى العلا ورجاله من هذا الطراز؟
كانت الكتب التي ورثها عن والدته، والتي يمضي الساعات الطوال يقرأ فيها، تدعو للقلق والريبة أحياناً، لقد سبق لكاهن سان سمسون عندما دخل المنزل يجهز المرأة للدفن، أن وقع نظره على بعض هذه المؤلفات، منها: قاموس روزميه، وكانديد لفولتير، وتنبيه إلى الشعب حول صحته، لتيسو. قال أحد المهاجرين الفرنسيين، بعد أن استقر في سان سمسون: «من المحتمل أن يكون تيسو هو الذي أحبته الأميرة لامبال».
لماذا كان يقوم بتلك النزهات المسائية التي تمتد أحياناً حتى منتصف الليل، بين الهضاب؟ وعلى الشاطئ؟ طبعاً ليتحدث إلى الناس الأشرار الذين لا تحلو لهم النزهات مثله في الليل، وتحت الضباب الكثيف.
حدث له ذات مرة أن ساعد ساحرة تورتفال لتصبغ عربتها.
في الاستفتاء الذي أجرته المدينة حول وظيفة كل مواطن، أجاب جيليات عندما سئل:
- صياد، عندما يكون هناك سمك للصيد.
- تأدب، إننا لا نرغب في أسئلة كهذه.
صفحة 8
إن الفقر والغنى سيّان. كان لجيليات حقل وبيت ومع ذلك يقرنونه دائماً بالذي لا يملك شيئاً، فهو لم يكن فقيراً إذاً. إن المرأة تتزوج الشيطان إذا كان غنياً، فلماذا لم يتزوج هو؟
أجابها:
- سأتخذ زوجة عندما تتخذ الصخرة التي تغني لنفسها رجلاً.
لم تكن الصخرة التي تغني إلا حجراً كبيراً مغروساً قرب لموزيريه دي فري. حجر كبير يلفت النظر. لا أحد يعرف ما يفعل هناك، يسمع فيه ديك يغني ولكنه لا يرى، إن ذلك شيء مزعج حقاً.
كان الملك القاضي العادل فرنسوا الأول يعمد إلى طهو السحرة فيضعهم في الماء الساخن ويقول متذوقاً الطعم: إذا كانت هذه المرأة أو ذاك الرجل من السحرة أم لا. وإنه لمن المؤسف اليوم ألاّ يعمد أي ملك إلى مثل هذه الأمور.
كان جيليات - ولعل له في هذا ما يبرره - يعيش حاملاً هذا التفكير: جو السحرة. إذ حدث ذات ليلة أنه حلم بالأمواج تتقاذفه وسط بحر هائج وهو معزول في مركب صغير يصرخ منادياً ساحرة انتصبت أمامه:
- هل لي مخرج من هذا المأزق؟
أجابه الصوت: كيف لا؟ يا للتعاسة.
أليس في ذلك ما يدل على أننا مصيبون فيما نقول.
وإليك مثلاً آخر:
سمع بعضهم جيليات يسأل:
- كيف حال فيزن بوفار؟ (وكان هذا الأخير بنّاء سقط من ارتفاع شاهق ومات).
- في أحسن حال.
- يا إلهي، كيف ذلك وهو الذي سقط من ارتفاع شاهق كهذا؟
كان جيليات يتكلم وصوت يجيبه، مما لم يدع مكاناً للشك في نفوس الآخرين.
رآه بعضهم الآخر يحمل الجرة، ويسكب ماءها على الأرض فينساب الماء راسماً صورة الشيطان أمامه.
أصبح جيليات حديث السكان والمزارعين خاصة، ولنستمع إلى هذا الحوار بين اثنين منهما:
- ألا تظن يا جاري أنني أملك ثوراً كبيراً؟
- لا يا جاري، لا.
- إذن صحيح ما أقوله؟
- إنه مفيد سماداً لا لحماً.
- يا للعجب.
- ألا تعتقد أن جيليات قد نظر إليه يوماً؟
كان جيليات يقف دائماً في آخر الحقول، تحت الأشجار بالقرب من العمّال، ويحدثهم عن أشياء غريبة لا يفهمونها.
صفحة 9
كقوله مثلاً:
- عندما يورق سيف الشيطان، احصدوا شعير الشتاء.
- إذا لم تمطر في حزيران، فسيصبح القمح أبيض.
- ستورق الدالية وتظهر عناقيدها. إياكم القمر وقد أصبح بدراً.
- إذا جاء الوقت، في اليوم السادس القمري، وبان كاليوم الخامس أو الرابع، يتصرف بمعدل تسع مرات من أصل اثنتي عشرة في الحالة الأولى وإحدى عشرة مرة من أصل اثنتي عشرة في الحالة الثانية طيلة الشهر القمري.
- راقبوا جيرانكم الذين أنتم على خلاف معهم.
- احذروا الخبيثين.
- إن الخنزير إذا سقيته حليباً ساخناً يموت.
- البقرة التي تفرك أسنانها بالشمع لا تأكل أبداً.
- عندما تبدو الضفادع، ازرعوا البطيخ.
- عندما تزهر شقائق النعمان، احصدوا الحقول.
- عندما يزهر التبغ أغلقوا المناشر.
ذهب جيليات ذات مرة يتأمل مياه الآبار، وذلك مضر إذا ما كانت نظراته خبيثة ونمامة.. فقد نظر إلى بئر في أريلون فتلوثت مياهها مما دعا صاحبة البئر إلى التقدم من جيليات لتقول له: انظر هذا الماء، ثم أدنت منه كأساً مملوءة منها.
قال: إن المياه كثيفة، صحيح ما تدعينه.
قالت المرأة وقد امتلأ قلبها بالشك والريبة: إذن اشفها.
ثم طرح عليها جيليات عدة أسئلة منها:
- هل تملكين هذه الزريبة؟ وهل فيها مجرور؟ وهل يمكن أن يمر هذا المجرور بعيداً عن البئر؟
أجابته المرأة بنعم عن كل ما سأل.
صفحة 10
عند ذلك دخل جيليات إلى الزريبة، وغير مجرى المجرور عن البئر فعادت المياه صافية كالعادة.
يحدث أحياناً أن يتعهد بعضهم بجمع المعلومات عن شخص ما، فإذا أصبح لديه الكثير من المعلومات روتشها وصبها في قالب يؤدي إلى شهرة الشخص الذي عنه جمعت أو حوله حيكت.
فوجئ جيليات يوماً بالدم ينزف من أنفه، بان له ذلك على جانب عظيم من الخطورة. علق أحد البحارة على هذه الحادثة بقوله: إنه سبق له أن سافر في العالم أجمع، وتعرف إلى مثل هذه الحالات التي تدل على أن من تحدث له متضلع في علم السحرة والشعوذة. ولكن بعضهم الآخر خطأه بقوله: إن كل ما يحدث لسحرة تانكوزي لا يمكن أن يحدث لزملائهم في غارنسي.
تقول بعض النسوة في هامل: إنهن سمعن بعض طيور السنونو، عند مطلع الفجر تنادي قائلة: جيليات.
هل يحق لنا إذن أن نقول عنه: إنه رجل غير صالح؟
مر جيليات على الطريق العام، ذات يوم، فإذا برجل يضرب أتاناً ترفض أن تمشي... غضب الرجل وراح يضربها بكعب حذائه في بطنها فوقعت أرضاً، تقدم جيليات لينهضها فإذا بها ميتة. حزن حزناً شديداً وتقدم من الرجل الظالم، وانهال عليه رفساً ولكماً وضرباً.
كما حدث له أن رأى فتىً صغيراً يتسلق شجرة ويحمل بيده عشاً فيه طيور صغيرة بلا ريش فتقدم من الفتى، وأخذ العش منه وصفعه بقسوة.
لامه بعض المارة على فعلته هذه، ولكنه اكتفى بأن أراهم الأب والأم يقفان في أعلى الشجرة يبحثان عن أطفالهما.
كان يحب الحيوانات كثيراً، ويشفق عليها، فظن بعضهم أن هذه إحدى ميزات السحر البارزة.
يعشق الأطفال تخريب أعشاش الطيور وخاصة العصافير. لذلك كان جيليات دائماً يعرض حياته للخطر فيتسلق الأشجار الباسقة والصخور؛ ليمنع هذه الطيور من أن تعشش، ويجنبها عبث الأولاد وتخريبهم.
ولعل ذلك من الأسباب التي جعلت أهل البلدة يكرهون جيليات وينبذونه.