تعريف
أثبتت التنقيبات الأثرية في تل قصرا بعنكاوا أن المنطقة كانت مأهولة منذ 3500 سنة قبل الميلاد، وأكدت أن معظم اللُّقى التي عُثِر عليها تعود إلى العهود الآشورية المتأخرة، مشيرةً إلى أنَّ هذا التّل كان قصراً لأمير أو موقعا عسكريا، يرتبط تاريخه على نحو وثيق بتاريخ أربائيلو (أربل) إذ كان باب القلعة المواجه لعنكاوا يسمى باسمها القديم عَمْكو.
وَرَدَ هذا الاسم القديم "عمكو" ضمن كتابة على صخرة اكتشفت في كنيسة مار گورگيس أثناء ترميمها تعود لعام 816 م، وهو تصغير لـ"عَمّا" السريانية بمعنى العَمْ أي أخو الأب أو بمعنى الشعب، وكلا الأسمين قابلان للتصغير بـ(عمكا أو عمكو)، أما اللاحقة "آوا" فقد أضيفت إلى الاسم في القرون الأخيرة فأصبح (عمكاباد) وهي بالأساس تصحيف من "آباد" الفارسية التي ألحقت بكثير من أسماء القرى والمواقع في العهود الساسانية، وتعرّضت هذه اللاحقة هي الأخرى لإبدال الباء بالواو وحذف الدال ومن ثم تغيير الميم بالنون لسهولة اللفظ، فتحول الاسم إلى (عنكاوا) كما هو متبع في اللغتين السريانية والكوردية لأهل المنطقة.
أمّا الياء (ي) بعد العَين فقد أضيفت إلى الاسم في الوثائق الحكومية العراقية بعد تأسيس الدولة العراقية، وأبدلت ألف المدْ الأخيرة (ا) بالتاء المدورة (ة) فأصبح الاسم عينكاوة، مثلما أُضيفت الياء إلى أربل فأصبحت أربيل، وهو تشويه لاسميهما الأصليين (عَنكاوا) و(أربل) اللذين احتفظتا بهما على مدى قرون طويلة.
دخلت المسيحية أربل وعنكاوا منذ أواسط القرن الميلادي الأول بحسب تقليد آباء كنيسة المشرق و"المجدل" لماري بن سليمان و"تاريخ أربل" لمشيحا زخا، و"تاريخ كرخ سلوخ" لبرحذبشبا عربايا. ويعتقد أن توما الرسول مرّ بالعراق أثناء ذهابه إلى الهند للتبشير بالمسيحية. وانتشرت في ذلك الوقت كنائس ومدارس دينية وأديرة كثيرة في المنطقة لم يبق منها حاليا إلا كنيسة مارگورگيس في عنكاوا التي يعود تاريخ بنائها الأول على وفق المؤرخين إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي، فهي صرح أثري وحضاري تم تجديدها عدة مرات.
ذُكِرَت عنكاوا في العديد من المصادر التاريخية، فقد أشار اليها كلّ من ابن العبري في "تاريخ الزمان" وابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" في القرن الثالث عشر، ومر بها العديد من الرحالة الأوروبيين وكتبوا عنها منهم:نيبور 1766 وأُوليفييه 1794 وبيكنغام 1816 وريج 1820 وبادجر 1822 وساوثغيت 1838 وريتوري 1878 وميجر سون 1907 وآخرون، لأنها كانت تقع على طريق الملك (الطريق السلطاني الكبير) وكان فيها خان كبير لاستراحة القوافل رسمه بيكنغام ونشره في كتابه.
هذه البلدة الصغيرة التي تتنفّس أجواء التمدّن لصْق أربِل هي المعنية بهذه الرواية.
بدلاً من المقدمةالإله والقِدّيس
سَمِعَ القَسّ أدَّيْ، الراقد في غرفةٍ من المبنى القديم للكنيسة، في عمق الليل، صوتاً كأنه يناديه من باحة الكنيسة. تقلّب في فراشه وفتح عينيه مشنّفا أذنيه علّه يسمع الصوت مرة أخرى بوضوح أكثر، مرت دقائق ليست قليلة ولم يتكرر الصوت، فاعتبره وهما أو جزءاً من حلم، وعاد إلى نومه. إلا أن هذا الصوت بدأ يتكرر في الأيام التالية فيستفيق القس من نومه على قلق، يتسمع قليلا، يختفي الصوت، فلا يسمع غير نقيق ضفادع ونباح كلاب، عندئذ يتكاسل، أو لا يرى أهمية للنهوض والتحقق من الأمر.
بعد أيام بات الأمر مغايرا تماما؛ بعد منتصف الليل سقطت في أذنه صرخة تقول:"انقذوني فأنا أحترق!" فنهض بسرعة وخرج إلى شرفة غرفته المطلة على باحة الكنيسة التي رصفت فيها قبور كثيرة، ونظر مليا في كل الأطراف، ولم ير أحداً، انتظر برهة ليسمع النداء مجددا، بيد أنه لم يسمع غير أنين الليل. عاد إلى فراشه مطمئنا، لكنه قبل أن يتمدد فيه سمع النداء من جديد:"أنقذوني فأنا أحترق!" هرع إلى الشرفة وأجال ببصره في كل الأرجاء فلم يبصر أحدا من جديد. ولما كان متأكداً من أنه سمع الصوت بأذنيه الاثنتين توقع أن يكون صاحب الاستغاثة جريحا أو مريضا ممدداً على الأرض في زاوية ما لا يقوي على النهوض. تناول الأب أدَّيْ الفانوس الخافت الضوء بيده فرفع فتيلته قليلا كي تتسع دائرة الضوء ونـزل الدرج الحجري القديم إلى صحن الكنيسة، فتش الحوش وكل زواياه جيدا، فلم يعثر على أحد، ثم نـزل إلى القبو حيث يُحفظ الخمر وبعض الأرزاق لم يعثر على أحد أيضا، فتش في بيت الشهداء حيث ذخائر القديسين، كان كل شيء على حاله. صعد من جديد إلى غرفته فصلى "أبانا الذي في السموات" و"السلام عليك يامريم" ثلاث مرات، ونام معتبرا أن ما سمعه جزءاً من وهمٍ أو خيال.
تكررت الاستغاثة نفسها "أنقذوني فأنا أحترق!" مرات ومرات، وفي أوقات مختلفة من الليل، أحيانا قبل انتصافه وأحيانا في ساعات متأخرة منه، ولاسيما في الليالي الحالكة الظلمة، وفي كل مرة يخرج فيها القسّ أدَّيْ إلى شرفة غرفته أو إلى باحة الكنيسة لا يرى أحدا أو شيئا غريبا. ومع الأيام، بدأ القلق رويدا رويدا يدب في قلبه مما يسمعه ولا يراه، وراح يراقب أية حركة تحدث في الكنيسة، وأي صوت يصدر عنها، يقلّب الفكر دائما في مصدر هذا الصوت أو تلك الحركة حتى بات يسهر أحيانا إلى ساعات متأخرة أو ينتابه الأرق فلا ينام حتى الصباح.
ذات يوم، جاء إليه أحد أبناء القرية في مساء متأخر ليعاود مريضا في حال ميئوس منها، طلبه ليمسحه بالزيت قبل وفاته، فرافقه إلى بيت المريض وعندما وصل اتضح له أن ذلك المريض لم يكن، كما إدّعى، في حال خطرة، بل حدّثه على نحو شبه طبيعي لكنه، على ما يبدو، كان خائفا من الموت ومرعوبا، فصلى عليه ومسحه، ثم طلب المريض أن يعترف فتقبل اعتراف المريض، وهذا ما جعله يتأخر قليلا. ولما رجع إلى الكنيسة وبلغ بابها الخارجي طلب من الشخص الذي رافقه بالفانوس أن يعود أدراجه. كان الليل دامسا يقترب من انتصافه. وما أن فتح درفة الباب وخطى القس خطوات قليلة في باحة الكنيسة إلا وفاجأه النداء المستغيث يصرخ "أنقذوني فأنا أحترق!"، التفت القس حواليه في الظلمة فلم ير أحدا. وفي هذه الاثناء ارتفع الصوت مرة أخرى فجأة من أحد القبور القريبة منه يصرخ "أنقذوني فأنا أحترق!"، من دون أن يرى أحدا، فجمد القس لحظتها في مكانه خائفا مرتعبا، لكنه سرعان ما رسم إشارة الصليب على وجهه سعيا منه إلى تمالك نفسه، وهو لا يدري كيف ومض بذهنه أن يلتقط حصاة كبيرة من الأرض وجدها بالقرب منه ويضعها على القبر المبني بالاسمنت.
في الصباح عندما شخص القسّ قبر صاحب الصوت تعجب من أمره وانتابه قلق كبير، فإن الراقد فيه رجل معروف في القرية، كان إنسانا متعلما ومؤمنا، كيف يصرخ من قبره أنه يحترق ويطلب أنقاذه! كانت تلك صدمة مثيرة للعديد من الأسئلة.
مرت الايام والاستغاثة تتكرر وتثير المزيد من القلق والشك والأسئلة في دواخل القس ولا يستطيع السيطرة عليها حتى كادت تقض مضجعه على الرغم من اكثاره من الصلاة والصوم، إلى أن تجرأ ذات ليلة صيف فذهب إلى القبر حيث مصدر الصوت وسأله بيأس وارتياب:"ماذا تريد؟" من دون أن يتوقع جوابا، لكن الصوت، وللعجب الشديد، صرخ من القبر:"انقذوني فأنا أحترق!". ارتعدت فرائص القس وضاق نفسه فأغمي عليه في الحال، وبقي فاقداً وعيه هكذا. جاء الساعور في الفجر ليدق الناقوس فرآه نائما عند القبر في الحوش، تصوره في البداية ميتا، صاح عليه ليتأكد من حاله، تحرك القس ونهض متثاقلا، قال له الساعور الذي كان شرّيبا جيدا للعرق مازحا:"أبونا أنا أشرب وأنت تسكر!" فنهره القس:"اذهب إلى عملك لا عليك مني".
كان الأب أدَّي واثقاً من أنّه سَمِعَ هذيانا ونقاشا ولغطا وهلوسات في تلك الليلة، لكنه ليس متأكدا إنْ كان كلّ ذلك في أثناء غيبوبته أم نومه أم كان حقيقة، إلا أنه يتذكر أن الميّت كان يقول لأحدهم:أنت ياشَرْبِل تخليت عنّا بسهولة؟ وذاك يقول:أنا؟ أنتم تخليتم عني ودخلتم دينا جديدا، حتى أن خادمي المطيع وسُميي شربل تركني واعتنقد دين المسيح.
وعندما حاول القس أدَّيْ إستذكار الأصوات التي سمعها في تلك الليلة بتركيز أكثر اتضح له أن الميت كان يتهم شربلاً آخر بتقديم نفسه ضحية من دون داع، بينما كان ذاك يدافع عن نفسه مدعيا أنه فعل ذلك من أجل المسيح! وشجعه هذا في البداية ليبحث في سيرة هاتين الشخصيتين المتناقضتين اللتين تحملان اسما واحدا، ويواصل الاستماع إلى تلك الأحاديث والهلوسات بمزيد من الرغبة والفضول وحب الاكتشاف. ثم بعد أيام استرعى انتباه القس أن في هلوسات هذا الميت حديث شائق منظم بدأ يخرج من فمه مدراراً وكأنه يروي حكاية آسرة بتدفّق أخّاذ. فتغير كثيرا وأصبح ينام في الظهر ليسهر في الليالي، فيذهب إلى ذلك القبر يتحدث إليه ويسجل هذيانه وهلوساته في دفتر كبير كان قد اشتراه أصلا لتسجيل المواليد الجدد.
ظل القس أياما ولياليَ يصلّي ويتضرّع إلى الله علّه يمنحه القوة والجرأة ليصرّح بما سمعه لأهل الميت ولا يستطيع. مرّت الأيام إلى أن جاء أحد أولاد ذلك الميت إلى القس يطلب منه موعدا لتعميد ابنه، عندئذ تشجّع القس وأخبره بما سمع، وحكى له كيف تقدم في الظلمة نحو القبر ووضع حجرا فوقه، وفي الصباح تأكّد له أنّه والده. صُعق الولد وكاد يغمى عليه، هدّأ القس من روعه وشجّعه على مواجهة الموقف بشجاعة. بعد ذلك استفسر من القس فيما إذا كان متأكدا من أمر الحجر ومن أمر ما سمعه؟ القس أكد له كل ذلك وقال:"يا بني، سأنام الليلة مرتاح البال لأنني تمكنت من البوح بما سمعت وأرحت ضميري".
سأله الابن:ماذا كان يتحدث ومع من؟
- أكثر حديثه كان عن القرية وناسها مع اثنين يحملان على ما يبدو الاسم نفسه:شَرْبِل.
- من يكونان؟
- يظهر من حديث الأول ومن أبحاثي الخاصة أنه كان إلهاً وثنياً، الإله الحامي لمدينة أربائيلو، التي كانت آنذاك عاصمة دينية للآشوريين، فيها المعبد الرئيس للإلهة عشتار، وهو غير معبد عشتار في نينوى المختص بالحب والجمال والترف. كانت عشتار أربائيلو مصدر النصر في المعركة، يسمى معبدها "أي كاشان كالامّا" أي بيت سيدة الأقاليم. كانت تقف منتصبة على أسدٍ حاملةً قوساً وسلاحاً معقوفاً في يد، وصولجاناً مربوطاً بسِلاحَين معقوفين تعلوهما رؤوس أُسودٍ بيد أخرى. وكانت دائما تسير في طليعة الجيوش لتكون السبب في أي نصرٍ يُحرَز، يأتي الملوك والقادة العسكريون والناس عامة للتضرّع اليها. وكان ثمة معبدان لإلهين آخرين في المدينة وهما:معبد جدها الإلَه سين (قمر) ووالدها الإلَه شَمْش (شمس) فضلاً عن معبد ابنها، الإلَه شَرْبِل. ويبدو أنه كان هناك بابان للقلعة، باب يواجه الطريق الذاهبة نحو الجنوب إلى بابل، وباب يفتح على الشمال، على بلدتنا عَمكا، ويسمى باسمها باب عمكا. وشربل كان يقف على هذا الباب، ولهذا سمّي بالإله حامي المدينة. وكان والدُكَ يحاجج شربل لماذا لم يحمِ قريته عمكا، بينما كان شربل يبرّر ذلك بأنه بقي واقفا في مكانه حتى أوائل القرن الثاني الميلادي. وكان الناس مستمرين في عبادته. وكان ثمة من يعبده حتى بعد دخول المسيحية المنطقة بقرون. وفجأة، ذات يوم، وسط لغطٍ وضوضاءٍ، تقدمت نحوه مجموعة من الناس حاملين فؤوساً ومطارق فهجموا عليه ورموه أرضا.
- والثاني؟
- الثاني قصته طويلة، مكتوبة في "سيَر أشهر شهداء الشرق القديسين". وُلِد في أربائيلو، كان والده حَبْراً في معبد الإله شربل، ولهذا سمّاه باسمه شربل، تربى في جو المعبد ومن ثم خدمه مثل أبيه، غادر إلى أورهاي (ألرها- أورفا) عبر نصيبين. وهناك خدم المعبد أيضا، ثم تدرج في وظيفته إلى أن أصبح رئيسا لأحبار المدينة. كانت الفلسفة والشعر والموسيقى منتشرة على نحو جيد في المدينة الأكثر تفتحاً. وعندما بدأت المسيحية بالظهور فيها لاقت الاستحسان لدى البعض ودخلوا إليها. في تلك الآونة، كان شربل كثير الشك بما يقوم به، فتوصل إلى قناعة بأن مهمَّته هي مهمّةٌ خادعةٌ لا طائل منها سوى جمع المال والجّاه. كان ذلك في السنة الخامسة عشرة لحكم ترايانس (تراجان) قيصر، وهي السنة الثالثة لحكم الملك أبجر السابع، أي سنة 416 يونانية (105م)، أصدر ترايانس قيصر أمراً إلى جميع حكام الولايات الخاضعة لسلطته بأن يكثروا من تقديم الذبائح للآلهة في كل المدن العائدة إليهم، ولما بلغ الأمر إلى مدينة اورهاي، أقيم عيد كبير في يوم الثلاثاء الموافق الثامن من نيسان. فاجتمع أهل المدينة كلهم للاحتفال بالتقْدِمة الكبيرة التي أقيمت في وسط المدينة حيث جُمعت الآلهة كلها بأبْهى زينتها، ومن بينها الإلَهان نابو وبيل، إلها بلاد آشور. وكان الأحبار يقدمون البخور والهدايا، وتُنحَر الأغنام والثيران وتفوح رائحة الشواء في أرجاء المدينة كلها، ترافقها أصوات الغناء وقرع الطبول. وكان شربل باعتباره رئيسا للأحْبار يلبس أفخر الحلل ويضع تاجاً ذهبياً على رأسه ويصدر الأوامر كما يشاء. وكان الملك أبجر ابن الآلهة يترأس الشعب كله، والجميع يخضع له، وشربل يقوم بدور الوسيط بين الآلهة والشعب. وبينما كانت الأمور تجري هكذا دنا منه بِرْسْمَيّا أسقف المسيحيين، يرافقه الكاهن تيردَت والشماس شالولا، وطلب منه أن يترك الأصنام المخلوقة ويسجد لله الخالق ولابنه يسوع المسيح.
كأنه كان ينتظر مثل هذا الكلام لكي يجعله يبوح بما في صدره. فقبل دعوته وقال له:"لماذا تتعب نفسك بشأن ميت لا رجاء في قيامته؟ إن الوثنية قتلتني وأصبحتُ صريع الشيطان إذ أمضيتُ حياتي كلها في تقديم القرابين الباطلة".
ولما سَمِع الأسقف بِرسمَيّا هذه الأقوال، وقع على قدميه وقال له:"إن للتائبين رجاء وللجرحى شفاء. وأنا أضمن لك مراحم المسيح الذي يغفر لك كل ما أخطأت به إليه".
وبعد يوم، نـزل ليلاً عند برسميا. فاستقبلته الكنيسة كلها بابتهاج. ومُنِح العماد وأعترفَ بالآب والابن والروح القدس. ولما شاع في المدينة كلها خبر نـزوله إلى الكنيسة، استحوذ الهلع على كثيرين، فقاموا وزاروه، فوجدوه متوشحاً زي المسيحيين. فاقتدى به جمع غفير من الرجال والنساء. وكان بينهم نابو وحَفْسي وبِركَلْبا من أعيان المدينة. ولما سمع لوسانيا حاكم المدينة ما أقدم عليه، أرسل رجالاً اختطفوه ليلاً من الكنيسة. فجلس الحاكم ليسمعه ويدينه في وسط المدينة، عند الموضع الذي فيه كان يقرِّب الذبائح للآلهة. ولما أصرّ أمام الحاكم على البقاء على دينه الجديد هدّده بالتعذيب والقتل فلم يهتم بالأمر، عندئذ أمر الحاكم بأن يُسحَب خارج مدينة الملوك عاجلاً، وأن يُنشَر بمنشار من خشب، وحينما يشرف على الموت، يُقطع رأسه بحد السيف. فمات شهيدا.
قال الأبن بصوت حزين:"غريب إنهما شخصيتان متناقضتان لا تشبه أحداهما الأخرى! ما الذي جعله يردِّد دائما اسميهما؟
أجاب القس معترضا:"أعتقد أنّ ثمة صلةً بينهما، فهما إلَه وقدّيس للشعب نفسه. ربما عندما تقرأ هذه الأوراق التي سجّلتها عن هلوساته ستتكشف لك الأمور جيدا".
كان القس قد احتار في أمر الهلوسات السردية المسطّرة في دفتره وقد احتوت على ما يشبه الأسرار أحياناً، وربما يخشى من أن تُذاع بين الناس وتقود إلى مشاكل اجتماعية أو سياسية هو في غنى عنها، فكّر أول الأمر في أن يتخلّص منها بحرقها لكنه سرعان ما عدل عن هذه الفكرة حين تذكّر أنها تنطوي على معلوماتٍ بالغة الأهمية عن بلدته ومسقط رأسه عنكاوا، وأدرك بأنّها يجب أن تُنشر لتتعرف الأجيال الجديدة على الكثير الذي لا تعرفه عن تاريخها، فضلاً عمّا تحمله من أساطير وحكايات وقصص وقضايا وأفكار طريفة لا بدّ أن تخرج إلى النور بوسيلة ما، غير أنه عدل عن هذه الفكرة مرة أخرى لأنّ بعض الأسرار التي تحتويها قد تثير حفيظة بعض الناس، ولاسيما أنّ الكثير من الشخصيات والأمكنة والأزمنة والحكايات العنكاوية كانت فيما يبدو حقيقية.
ظلّ يتأمل في هذه الورطة التي أوقع نفسه فيها، كان حسبه- لولا هذه الأوراق اللعينة- أن يسمع كلّ شيء ويعرف ما يريد من هلوسات الميت من دون تسجيلها، وكان سيذهب الكلام أدراج الرياح ولا تكون ثمة مشكلة، ولهذا قرر أخيراً أن يودعها لدى ابنه الذي سينقذه من هذه الورطة، فالتفت إليه ودسّ الدفتر بين يديه طالباً منه أن يتصرف به من دون أن يخبره عن مصيره، وهو واثق من أنه سينشر ما في داخله في يوم ما حين يعي أهمية ذلك أو خطورته.
وحدد له على الفور موعدا سريعا لتعميد ولده.
الفصل الأول :دَرْگا
كانت محلتنا ملمومة، صغيرة جدا، عبارة عن زقاق قصير، اصطفت على جانبيه، على غير انتظام، عدة بيوت طينية متكئة بأكتافها على بعضها البعض، متلاصقة، يسده بيت كبير يحرسه كلب ضخم دائم النباح كأنه يعلن أن هنا ينتهي العالم. وكان هذا الزقاق يصعد من ساحة (دَرْگا) باتجاه الغرب، بينما يتفرع منه يميناً، مقابل بيتنا بالضبط، زقاق آخر أصغر منه وأقصر، تصطف ستة بيوت فقط على جانبيه، ويلقى حتفه عند المقبرة القديمة (قصرا). لكن هذا الدرب الضيق القصير كان يستقبل أيضا من محلة (درگا)، كل صباح ومساء، المصلين الذاهبين إلى الكنيسة المحاذية للمقبرة والقادمين منها، وخاصة العجائز المدمدمات بأدعية وصلوات متواصلة في ورع ورهبة وهن خارجات من الكنيسة وحتى بلوغهن بيوتهن، فيما عدا ذلك لا يدخله أحد غريب في النهار، فنحتله نحن الصغار ليصبح ملعبا لكل ما يخطر على بال من ألعاب الطفولة. أما في الليل فيأوي الناس إلى بيوتهم التي تنفتح على بعضها البعض عبر كوّات خلفية أو جانبية، بينما يخيم في الخارج، على المحلة كلها، ظلام دامس يحولها إلى مستعمرة للكلاب والقطط السائبة والجن والأشباح والموتى الراقدين على بعد لا يزيد عن رمية عصا.
كانت ساحة درگا بالنسبة لأهل القرية مركزا للتجارة والأعمال والترفيه، أما بالنسبة لي فكانت قلب العالم كله، مثلما كانت بابل أو نِينْوَا محورا للعالم بالنسبة للبابليين أو الآشوريين، ولهذا صوروا الثور المجنح، لاماسو، رمز قوتهم وعظمتهم، بخمس قوائم، الأربع منها هي الأطراف في الاتجاهات الأربع والوسطى، الخامسة، هي أنفسهم. لأنهم كانوا يعتقدون أنهم يعيشون في مركز العالم، ويعدّون أنفسهم مِحْوره، هكذا كانت درگا؛ مركز القرية ومحورها وقلبها النابض، ساحة صغيرة تتوسط حيّاً شعبياً، تتفرع منها أربعة أزقة من جهات أربع؛ شرقاً زقاق قصير يهبط نحو الساقية وينتهي بها بعد نحو ثلاثمائة خطوة، وغرباً يصعد زقاق أقصر منه مسدود ينتهي ببيت آل عزوز حيث يقع بيتنا، لكن فرعا ضيقا وقصيرا يلتف منه يمينا نحو الكنيسة. شمالا يسير زقاق منبسط باتجاه البيادر يتفرع منه درب آخر نحو زقاق الحائكين، وجنوبا زقاق مسدود آخر، ضيق جداً، قد يبلغ طوله مائتي خطوة، يلتوي ليلتف من وراء مقهى العم گوگا (گورگيس)، وهو زقاق معظم بيوته من صانعي العرق المحلي القجغ. كان العالم بالنسبة لي ينتهي عند حافات هذه الأزقة الأربعة وفرعيها، لأن درگا كانت معزولة عن بقية عنكاوا من طرفيها الغربـي والجنوبـي ومفتوحة على البيادر والحقول وقُصلان الشعير(جمع قصيل، وهو حقل قريب من القرية ترعى فيه الخرفان والأبقار وهو أخضر) والأراضي الديم من الشمال والشرق. على الرغم من ذلك كانت البيوت تلتصق ببعضها البعض عبر حيطانها وأسطحها الطينية، فتنفتح على بعضها البعض عبر كوات صغيرة وكبيرة من هذه الحيطان ومن على الأسطح المتلاصقة إذ يتبادل الناس من خلالها الحاجات الضرورية والرسائل القصيرة بواسطة النداءات. كان من السهل أن تنتقل عبر السطح إلى عدة بيوت متلاصقة من الخلف وتهبط في باحاتها بواسطة الدرج مختصرا مسافة كان لابد أن تلتف حول نصف عنكاوا لتقطعها. وهذا ما خلق للقرية عالمان:خارجي مفتوح على الفضاء وداخلي سري منغلق على ذاته عبر الأزقة المغلقة.
لكن في أوائل الستينيات تغير كل شيء، اختلط هذان العالمان ببعضهما البعض، لا سيما بعد أن شُقّ شارع ليضرب درگا في الخاصرة بانتهائه عند حافة ساحتها ليفتحها نحو الغرب من جهة والجنوب من جهة ثانية، وليعري عالمها السري ويوصله ببقية أطراف القرية أخيرا.
كانت علامات حمراء رسمت، منذ سنوات، على أسطح بيوت كثيرة وجدرانها على شكل خط مستقيم من غرب القرية إلى شرقها تحدد موقع شارع جديد مرشح للفتح. وكان بعض تلك العلامات الحمراء قد اندثر أو زال بمرور الأيام، حتى أن الناس الذين وقعت بيوتهم على خط الشارع الجديد اطمأنوا نوعاً ما من أن المشروع بات منسياً ولن يُنَفّذ.
لكن يوم الرابع عشر من تموز 1958 الذي قلب كل الأمور على عقب، وهز العراق كله، بكل تأثيراته فيما بعد، سلبا وإيجابا، أعاد الحياة إلى ذلك المشروع شبه الميت. فجاء المساحون بعد حوالي سنة، يعيدون رسم علاماتهم الحمراء على الحيطان الطينية القديمة وينشرون الذعر في قلوب أصحاب البيوت التي سيقطعها الشارع الموعود وصولا إلى ساحة درگا.
كان بيتنا يقع قبل نهاية الزقاق القصير المسدود المنتهي ببيت آل عزوز، عزو فنش (لماذا فنش لأنه فُصِل من الخدمة العسكرية لدى الانكليز وقالوا له:يور سيرفز إز فنش) وبويا قاشا، وكانا وَلَدَيْ عَم، جاء جدّهما إلى عنكاوا من الموصل ليعلّم الأطفال القراءة والكتابة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
جاء المساحون ورسموا علامتهم الحمراء على منتصف درج بيت جدي، هذا يعني أن بيت جدي ونصف هذا الدرج سيبقى لكن الغرفتين الطينيتين اللتين شيدهما والدي قبل نحو سنتين ونصف والحوش كله سيبتلعهما الشارع. وكانت باحة البيت كبيرة جدا تسكنها عدة عائلات تنحدر من توما الجد الأكبر لعائلة المالح (جد جدي توما)، بيت العم قاقوزا القصاب وبيت العم أدو (يلدا) النجار ابنا سوريش عم جدي، وبيت فارغ لولدي عمه الآخر حنوش الذين سافرا الى كركوك، وهذا يعني أن نصف هذه البيوت أيضا سيضيع بحسب العلامة الحمراء، وسيأتي الشارع على نصف بيت الأخوين زورتا العم فرنسي والعم بهنام، المجاور لنا من الطرف الآخر، يجاوره بيت بويا بتيلوكا (تصغير بطرس) ثم بيت آخر كان ملكا لسيدة عجوز مريمتا (تصغير مريم) يؤجر بين فترة وأخرى لعائلة جاءت عنكاوا حديثا، وقد سكنته على ما اذكر لسنوات عائلة شماشا بتوس (بطرس) الكرمليسي والد سعيد وجرجيس وجيرالد وحنوكا الذين كانوا يعملون في مزارع ويردينا حسيني ويشتهرون بزراعة البصل والطماطم وغيرها من الخضراوات، ثم سكنه سعيد الكرمليشي أيضا فيلدا حنونا المعروف بيلدوكا تصغيرا وغريب بزى ومتيكا وأمه. يليه بيت حنا شماشا حتى يصل خاصرة درگا ويقف عندها. لقد كشف الشارع الجديد عن عورات بيوت المحلة، إذ بقيت لسنتين تقريبا من دون سياج انتظارا لإكمال تبليط الشارع. بعض البيوت ابتلع الشارع مساحة كبيرة منها فأرغم أهاليها على الانتقال إلى بيوت أخرى. بينما بقي الزقاق القصير المتفرع من زقاقنا المسدود نحو قصرا على حاله دون أن تصله مخالب الشارع. كان هذا الزقاق يقع مقابل بيتنا بالضبط. على الطرف الأيسر من الزقاق يقع بيت العم بويا هللاوا وأظن أنه أشترى بيته من دحو (دنحا) حسّيني ابن عمه، ثم بيت شعو گدّا وأخوه توما فشة وهما من عائلة حِسّيني أيضا، يليه بيت العم عيسى (عيسونا) الذي أصبح لفترة ساعور الكنيسة، وقاقوز مرقس كوندا الذي سكنت فيه فيما بعد شكرية قاقوزا وولديها جورج وفرنسي، وينتهي ببيت بويا شيشا كوندا على الزاوية لكن بابه يواجه قصرا. بينما على الطرف الأيمن حوش تسكنه عدة عائلات من آل كليانا شابو وأبنائه بينها بيت صديقي فاضل نوري يونان، ثم بيت بتو (بطرس) مرقس كوندا وأولاده الكثر وويردو خالا الحلاق وبطرس رُوّالا الذي يقف في مواجهة قصرا من الطرف الآخر.
وكلما مدح أحدهم "ثورة تموز" وانجازاتها قالت أمي أي انجازات هذه، لقد قتلوا الملك في بغداد وخربوا بيتنا وبيوت الآخرين في عنكاوا، وبالفعل كان لأحداث تموز نتيجة كارثية على عائلتنا الصغيرة إذ لم يتبق من بيتنا الذي لم يمض على بنائه إلا سنوات قليلة، غير بضعة أمتار مربعة ظلت خربة فترة طويلة.
هذا الحدث، كان بالفعل كارثة قصمت ظهر والدي الذي تمكن أن يوفر بعض المال من مرتبه الشحيح ويبنى لعائلته بيتا صغيرا يكون سترا لها، سيما وأن والده قد سطا على الجزء الأكبر من تعويض البلدية للبيت باعتبار أن الأرض كانت ملكه.
بيد أن هذا كله لم يعن لي شيئا. كارثتي كانت غير" كارثة عائلتي"، مع أن سببها الرئيس كان الشارع نفسه، الذي بلع عند نهايته بيتا آخر، هو البيت الذي ولدت فيه.
كان جزء من ذلك البيت الطيني القديم الواقع في مدخل زقاق خلفي، مؤجراً من قبل عائلتي قبل أن نشيد بيتنا الجديد، وفيه ولدت، كما كانت تقول لي أمي عندما تتحدث عن تواريخ ميلادنا وأماكنها التي تحفظها جيدا بالساعات والأيام مرتبطة بحال الطقس في ذلك اليوم أو بمواعيد الأعياد أو الصوم أو المناسبات الأخرى الكثيرة. ذلك البيت كان يطلّ على ساحة درگا ولا يبعد كثيرا من بيتنا ومن ذاكرتي الطفولية. لهذا كانت درگا، محور العالم ومركزه بالنسبة لي.
في الطرف الجنوبـي من الساحة جايخانة (مقهى) العم گوگا (گورگيس) ملاصقة لبيته. وهي أقدم جايخانة في القرية؛ مبنى طيني يتكون من صالتين مفتوحتين على بعضهما من الوسط فيهما فتحات كبيرة تشبه الشبابيك وفي أعلى منها فتحات أصغر؛ كوّات تسمح دائما بدخول الهواء وخروجه، وقد توزعت دِكاك (جمع دكّة) طينية في أطراف الصالتين بدلا من المصاطب مع بعض التخوت والطاولات الخشبية القديمة. على الدِكاك والتخوت حصران قديمة مصنوعة من الحلفاء، يتوزع الناس هنا وهناك يلعبون الدومينو والداما، والعم گوگا وابنه حبيب الفارعا الطول، ولعلهما أطول رجال القرية، يسقيان الزبائن الماء والشاي واللبن وبعض المشروبات الغازية آنذاك من زاوية على اليمين في الصالة الأولى حيث أباريق الشاي وحِب الماء وأحيانا سطل اللبن في الصيف. أسماء المشروبات الغازية كانت غريبة وصعبة اللفظ بالنسبة لكثير من الرجال، فيطلبونها على وفق ألوان القارورة أو السائل الذي فيها:هات الأصفر، أو الأسود، أو الأحمر وهكذا، فمن لديه عانة[1]ثمن الشاي أو عانتان ثمن القارورة الغازية يدفع ولا سيما الأفندية الذين كانوا يتقاضون رواتب شهرية، ومن ليس لديه من فقراء الفلاحين والأجَراء يقول للعم گوگا:"سجّلها على الحساب"، والعم گوگا يؤشر خطا على الحائط إلى جانب خطوط أخرى أو يحفظها عن ظهر قلبه لكي يسجلها ابنه فيما بعد في دفتر الديون حتى يأتي موسم الحصاد أو حصول الأجير على أجره أو راتبه.
في الصيف يرش العم گوگا الساحة الأمامية الترابية ذات الدكّتين الترابيتين الطويلتين بالماء الذي تجلبه له زوجته من الساقية منذ الصباح، ويُخرِج الطاولات والمصاطب إليها ليتحول المقهى إلى الباحة الأمامية ويجتمع عديد من الرجال هناك. كان هذا المقهى، مركزا لتبادل الأخبار وإجراء الصفقات ووضع الخطط ومعرفة الأنواء الجوية وموعد الحَرْث والزَّرْع والحَصْد. كيف لا وفي المقهى راديو لا يملك مثله إلا بضعة بيوت في القرية. كان صوت الراديو يلعلع في المقهى لا أحد يعير له انتباها كبيرا لا سيما عندما كان يذيع أغنية لزهور حسين أو أم كلثوم أو مائدة نـزهت. بينما عندما كان يحين موعد نشرة الأخبار كان عدد من الأفندية يقتربون منه ليصغوا جيدا إلى صوت المذيع محاولين فهم ما يقوله بذلك القدر الذي يعرفونه من اللغة العربية، ليصبحوا فيما بعد ناقلي الأخبار بالسورث (السريانية المعاصرة) لمن لا يجيد العربية ويدفعه الفضول لسماع بعضها.
في تلك الأيام سجّل الشماس سيوا من مدينة كوي بعض الأغاني باللغة الكوردية في الاذاعة العراقية واشتهر صيته بواسطتها، وكلّما سمع الشماس ججي في عنكاوا أغنية (هَرى گولى- أيتها الوردة) كان يقول إن سيوا يغني (نقوم شابير) لكن بالكوردية (ومعناها "فلنقف حسناً..."، وهي ترتيلة سريانية مشهورة ترتل أثناء القداس بلحن قديم موروث من القرن السابع)، ويغنيها معه كما هي بالسريانية، فيضحك منه الرجال، أما عندما يغني ناظم الغزالي "طالعة من بيت أبوها" فيردّد معها مدراشا ويقول:"هذا مدراش مار أفرام على اللحن السباعي"، ومع أغنية "فوك النخل فوك" يردد ترتيلة أخرى قائلا:"هذه لمار يعقوب". وكان الرجال الذين يجهلون تاريخ موسيقاهم وألحانها يتندرون عليه بتعليقاتهم ويسخرون منه، وما أن اشتهرت أغنية "يالله صبّوا هالقهوة" لسميرة توفيق المعروفة بكونها أغنية بدوية سألوه ساخرين منه:"يا شماس هذه تشبه أية ترتيلة؟" استمع جيدا للأغنية ثم راح يغني معها بالسريانية قائلا:"هذه سوغيتا على الوزن المثمن"، عندئذ ضحك الجميع متصورين أن الشماس بدأ يخرف، لكن في الحقيقة كان الشماس على حق فهذه الألحان والكثير غيرها من الألحان التي تُعد ألحانا شعبية وتراثية عربية هي بالأصل ألحان سريانية تداولها رجال الدين في الكنيسة الشرقية بالتناقل منذ القرون المسيحية الأولى، لكنه لم يكن يعرف كيف يعبر عن وجه الشبه بين هذه وتلك الألحان لأنه كان يحفظ الألحان الكنسية دون أن يعرف مصادرها ويشرح أصولها.
والدي كان يتردد إلى المقهى صيفا لكني لم أجده يلعب الداما أو الدومينو، يقف مع الرجال حيث يتبادلون الأخبار والأحاديث المنوعة، وكثيرا ما يأتي إليهم العم لورنس فيلقي نكتة أو كلمة عابثة ثم يخرج من عبه ربعية العرق ويأخذ منها مَصّة، يمسح فمه بيده ويرجعها إلى مكانها، وإذا ما أغضبه أحدهم أو ناكده أهداه واحدة من عفطاته المشهورة. العم لورنس دائم المرح أراه أحيانا بين الحقول يرفع إلى فمه ربعيته ثم يخرج ليمونة حامضة من جيبه يتمزز بها. كنا نحن الصغار نستغل وجود والدي بين شلة الرجال لنذهب إليه ونطالبه بالفلوس فيستحي ويعطينا لكنه عندما يرجع إلى البيت يعاقبنا ويعاتب أمي على السماح لنا بإحراجه أمام رجال القرية، فتقول إنها لم تعرف بما فعلنا، وفعلا كنا لا نخبرها بالأمر كي لا تمنعنا من الذهاب إليه. ومع ذلك كنا أحيانا نكرر فعلتنا هذه كلما تضايقنا وشعرنا إننا بحاجة إلى المال. كيف لا نفعل وإلى جانب هذا المقهى، وتحديدا عند حافة باحته كان يقع دكان حَنّا شماشا.
كان حَنّا يعيش في بيت مجاور مع أمه وأخته وقد توفي والده، وكان أخوه الأكبر المتزوج قد ترك البيت ليعيش في بيت مستقل. تعتاش العائلة من هذا الدكان الصغير لكنه يحتوي كل ما يحتاجه سكنة المحلة من سمن وسكر وشاي وصابون وأرز وغيره، لكن ما كان يستهويني وإخوتي ليس هذا، إنما السكاكر والحلويات والبسكويت والعلكة التي كنا نسرع لشرائها كلما توفرت في أيدينا عانة (أربعة فلوس) أو أقله تلك القطعة المعدنية الصفراء أم الفلسين التي نحصل عليها بشق الأنفس من خلال صراعنا اليومي مع والدتنا. يبدو أن حنّا تعلم الصنعة من أبيه الشماس الأعرج الذي بدأ يبيع في أيوان بيته قطعا من السكر القند وبعض الحلويات والشاي الفَلْ وبعض الحاجيات الأخرى، ولم يكن يملك المال ليطور هذه البقالة الصغيرة فتبرع له أحد أقربائه الأغنياء بعشرين دينارا في ذلك الوقت ليفتح دكانا يحوي معظم الحاجات المنـزلية. استشهد حنا شماشا أثناء انتفاضة آذار 1991 برشقات من رشاش طائرة هيليوكوبتر للجيش العراقي كانت تصوب سلاحها نحو كل هدف متحرك على الأرض، دون أن يكون له أي علاقة بالسياسة، بل أنه كان يحاول الهرب من بيته إلى ملجأ آمن يلوذ به.
في ركن آخر، على فم الزقاق المؤدي إلى البيادر (لصق بيت حَنو كَكو تماما) كان العم ميخا (ميخائيل) الأصلع العجوز الهرم يجلس بالقرب من بيته أمام طبق قديم فيه بعض الحلوى والمعجون والبسكويت والعلكة وربما حب عباد الشمس، أحيانا يتجمع الأولاد حوله، يناولونه نقودهم القليلة فيتفحصها جيدا ويضعها في علبة معدنية صغيرة ثم يسأل الطفل ماذا يريد فيعطيه. كان طبق العم ميخا أقدم من دكان حنّا شماشا لكنه أضحى أقل شهرة في تلك الأيام لتقدمه في السن وهرمه حتى أن مراهقا من عائلة ميسورة تجرأ وسرق ذات يوم العلبة المعدنية بما فيها من نقود!. وبالطبع كانت الفتيات يفضلن الشراء من حنّا الشاب غير المتزوج الذي يمزح معهن وأحيانا يعطيهن بعض الزيادة على ما يطلبنه فيما إذا كان ثمة من تجاوب مع مزحة أو حديث جميل. فضلا عن ذلك كانت رائحة النفط تفوح دائما من طبق العم ميخا لأنه في الوقت نفسه كان يبيع النفط (الكيروسين) فكلما جاء مشترٍ ينهض من أمام طبقه فيدخل أيوان البيت ليصب من تنكة نفطاً في قارورة زجاجية لأن الناس في ذلك الوقت كانوا يشترون النفط بالقوارير لاستعماله في الإنارة فقط!
وبين دكان حنا شماشا وبيت العم گوگا يقع بيت هرمز عمانا المشهور بصيد عصافير الحقول بالفخاخ المعدنية الصغيرة في الخريف، ويكون صيد العصافير عادة بين وقت حراثة الحقول وبذارها قبل سقوط المطر. كان العم هرمز يأتي عصرا مع الغروب حاملا أفخاخه وكيسا مليئا بالعصافير، فتكون زوجته بانتظاره لتنتف ريش العصافير الناعم آملة في بيعه لصنع المخدّات، وقبل أن تنتهي من مهمتها يتوافد الزبائن، هذا يريد خمسة وذاك عشرة وهذه ستة وهكذا، لأن العصافير تستخدم مازة لشاربـي العرق وأيضا تطبخ مع البرغل. أذهب مع أمي لشراء العصافير فأراها تجلس أمام الطشت تساعد في نتف ريش العصافير المسكينة الصغيرة التي قتلتها فخاخ العم هرمز. لا اتحمل المنظر فأخرج. العديد من الرجال كان يعيش على صيد العصافير، وما يزال، حتى الآن ابن أحدهم يمارس اصطياد العصافير بالفخاخ كهواية على الرغم من أنه يعمل موظفا مرموقا منذ ثلاثين سنة!
وكانت ساحة درگا في الصيف سوقا للترعوزي والبطيخ الأصفر منذ الصباح الباكر، ومركز السوق كان في ظلال بيت العم ايليا بطروزا (بطرس) وتحت حائطهم. الترعوزي هو القثاء وقد يكون انتقل إلى سهل أربل ونِينْوا من أورهاي (أورفا الحالية في تركيا) لأنه سمي باسم قرية "طرعا دْ عوزي" السريانية (باب العوز) القريبة منها والتي اشتهرت به. ويزرع ديميا في سهول عنكاوا إلى جانب البطيخ الأصفر (الشمّام). يأتي المزارعون بمحصولهم اليومي من الترعوزي والبطيخ الأصفر منذ الصباح الباكر ويضعونه أكواما على ملايات أو خُرج فارغة أو على الأرض مباشرة فيهب الناس إلى شراء ما يحتاجون. وتتحول الساحة إلى هرج ومرج الباعة والشارين والأطفال والحمير المربوطة بالقرب منهم. تقاس جودة الترعوزي بطراوته وصغر حجمه أما البطيخ بحلاوته وكبر حجمه ونوعيته. كان أحيانا يظهر صراع بين الباعة حول أي منتوج هو الأفضل وأي بطيخ هو أحلى أو أي ترعوزي هو أطرى. كانت أمي ترتاد هذه السوق قبل أن يكون لنا بستاننا الخاص فتشتري بالكيلو من هذا وذاك، لكنها أيضا كانت تشتري كومة من البطيخ على التخمين "گوترة" من دون وزن.
وتجد، بين هؤلاء الباعة، العم اسحق عمبارك، جالسا أمام كومة صغيرة من الخضار، كالطماطم والباذنجان والسلق والبصل وبعض الأعشاب، ساعة أو ساعتين، دون أن يقبل عليه الكثير من الزبائن. لأن معظم الناس يزرعون الخضار بأنفسهم، فيضطر هو بعد بعض الوقت لتحميل بضاعته في خُرج مصنوع من الحصير على حمارته ليدور بها في القرية علّه يبيع ما تبقى لديه من الخضراوات. وعندما كبُر ولداه صباح وأوسا (يوسف) أخذا يساعدان والدهما، كانا عصاميين وعملا بجد ثم فتحا دكانا تطور إلى تجارة ناجحة يضرب بها المثل.
ولأن البيوت في عنكاوا كانت تبنى باللّبِن (الطوب)، المصنوع من الطين والتبن، كانت درگا مسرحا لصناعة مثل هذا اللّبِن كلما احتاج أحدهم بناء بيت، يأتي بالتراب الأحمر من (خبّرتا) وهي حفرة كبيرة جدا تمتد لمساحة واسعة وبعمق عدة قامات تشبه المقلع في بداية القرية (بارك عنكاوا حاليا). وينقل هذا التراب بواسطة الخُرْج المحمول على دابة ويخلط بتبن ناعم وماء فيُجبل منه طينا، ويُصَبّ هذا الطين بعد تخمره في قوالب خشب مستطيلة بحدود 40 في 60 سم ثم يُسوى سطح القالب ويُزال الطين الزائد بقطعة خشبية أو باليد، ويُترك قليلا إلى أن يتماسك فيُرفع القالب وتُترك قِطَع اللّبِن لأسبوع أو أكثر لتجفّ أمام الشمس في ساحة درگا ثم تقلب على حافتها لتجفّ من الأسفل والجوانب أيضا. ويستعمل هذا اللّبِن فيما بعد للبناء بدلا من الطابوق أو البلوك الخرساني الذي نستعمله الآن. وكان يَوسب كتا أشهر لبّان وبنّاء في ذلك الوقت، ولم يكن يضاهيه في قَطْع اللّبِن غير هرمز جمعة.
على أية حال لقد توارث سريان السهول هذه الطريقة في صنع اللّبِن من أجدادهم البابليين والآشوريين لعدم وجود حجارة في السهل الفسيح الذي كانوا يسكنونه. وكانت أبعاد هذا اللّبِن أقرب إلى أبعاد اللّبِن الآشوري القديم. ومثل هذا اللّبِن اكتشف في الطبقات الوسطى والسفلى من تل قصرا في عنكاوا الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ستة آلاف سنة.
ويشهد سفر التكوين (10:2-3) على استعمال سكان بابل اللَّبِن إذ يشير إلى أن العبرانيين "فِي ارْتِحَالِهِمْ شَرْقًا أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا. فَكَانَ لَهُمُ اللّبْنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ الْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ". والبيوت المبنية من الطين كانت أدفأ شتاء وأبرد صيفا لأن جدرانها كانت عريضة بما يكفي لعدم السماح بدخول حرارة الشمس صيفا وبرودة الجو شتاء.
وكُنْتَ تجد في هذه الساحة أيضا مئات من سيقان أشجار الحور الطويلة الباسقة التي تستعمل عادة لتسقيف البيوت، فتُمَدَّد بعيدة عن بعضها البعض بحدود خطوة على عرض السقف، ثم تُرْصَف فوقها فروع أشجار أرفع منها لتغطى هذه وتلك بحصران من الخوص وبعض النباتات اليابسة، بعد ذلك تُكسى بطبقة من الطين المجبول بالتبن. لكن كل هذا لا يمنع من أن يتسرب ماء المطر إلى البيت عندما تهمل إدامة السقوف والجدران، ولهذا تجد فوق كل سقف محدلة حجرية يحدل بها السطح قبل موسم سقوط الأمطار. تصوروا لآلاف السنين لم تتغير طريقة البناء هذه إلا في النصف الثاني من القرن العشرين عندما دخل الطابوق والإسمنت والحديد صناعة البناء! كان قدماء العراقيين يصنعون بيوتهم في البداية من الحلفاء، وأصبحت تلك البيوت مضربا للمثل في بابل القديمة، إذ أن مثلا بابليا يقول:"وهل يدرأ كوخ الحلفاء الزمهرير؟" ثم استخدموا القصب، وكانت طريقة البناء تبدأ من حزم سيقان القصب الطويلة وتثبيتها في الأرض على مسافات منتظمة في خط مستقيم. ويقابل هذا الخط المركزي عند أي من جانبيه خطان آخران من القصب الذي يثبت بشكل قوي في الأرض ثم تُحنى رؤوسه لتشكل ما يشبه النفق، ومن ثمّ تربط بالخط المركزي ويشد بامتداد عمود يؤلف سقف المبنى. وتكون نتيجة ذلك بناء مأوى ذي سقف معقود. ويمكن مد هذا المأوى إلى أية مسافة مطلوبة لكن عرضه يحدد بارتفاع القصب الذي ينمو في تلك المنطقة. ولا تزال هذه الطريقة في البناء مستخدمة في بعض مناطق الجنوب العراقي.
بعد ذلك تعلموا صناعة اللّبِن وشيّدوا باللّبِن زقوراتهم وأبراجهم وقصورهم، ولم يكتفوا بذلك بل أخذوا فيما بعد يُفَخّرون هذا اللّبِن ويشوونه بالنار ليبقى قويا ويدوم سنوات طويلة. جميع بيوت عنكاوا كانت مبنية من الطين ومعظم غرفها تفتح على بعضها البعض إما بأبواب أو بفتحات، بيتان فقط في درگا كانا مبنيين باللّبِن المشوي، بيت عمي يوسف بائع العرق المعروف في أربل وبيت صليوا أوراها أحد أقدم المعلمين في القرية، لكن كليهما انتقلا إلى مساكن جمعية الخالدية التي شيدت في عام 1957 في مدخل عنكاوا من الطابوق والطين.
ونظرا لوجود الأخشاب واللّبِن في الساحة هذه ليس غريبا أن تصبح أيضا مركزا لتجمع عمال البناء وغيرهم فيأتي أصحاب العمل أو البناؤون فيختارون عمالهم منذ المساء ليبدأوا في اليوم الثاني ومنذ الصباح الباكر بنقل المواد أو البدء بالبناء. وكانت الساحة في أشهُر الحصاد تصبح أيضا مركزا لتجمع الحاصدين ونَقَلة الحصيد من الحقول إلى البيادر.
وإلى ذلك فأن ساحة درگا هي مركز شراء وبيع الحَلفاء المستخدمة في صناعة الحصران، كان في البداية أهل عنكاوا يسافرون لخمس أو ست ساعات بالحمير والبغال إلى منطقة كنديناوا لجلب الحلفاء بأحمال كبيرة على ظهور دوابهم لتباع في درگا، ومن ثم أصبحت تأتي اللوريات وأغلبها من قرى باطنايا وباقوفا وتللسقف (جوض نهر الخازر في سهل نِينْوا) أو من ألتون كوبري (الزاب الأسفل) محملة بالحَلفاء المجففة رزماً رزما ويشتريها صانعو الحصران ليتقاسموها فيما بينهم، بالأحرى كان صليوا ساكا هو الذي يشتري اللوري ويقسمه إلى حصص صغيرة يشتريها صانعو الحصران فيستفيد هو حصة أو حصتين لأن صانعي الحصران يدفعون له بالمؤجل بعد بيع حصرانهم. وهذه الحلفاء التي نسميها "برديل؟" تنبت على نحو جيد على ضفاف نهر خوصرتا (الخاصرة) الذي يسمى الآن الخازر بقلب الصاد زايا. وعلى ضفاف الخابور وغيرها من حواف الأنهر. ولولا هذه الحلفاء لما كان لنا أعظم ملك في تاريخنا ولا أول نبـي يؤسس ديانة سماوية. فها هي الكاهنة العظمى اينيتو التي ولدت ابنها (سرجون الأكدي) سراً (كان يمنع على الكاهنات آنذاك إنجاب الأطفال على وفق قوانين حمورابـي) وضعته في سلة من البردي وختمت غطائها بالقير وتركته بين الحلفاء على حافة النهر، قبل ألفين وثلاثمائة سنة، ولا أدري كيف فكرت والدة النبـي موسى العبرانية أن تفعل الأمر نفسه بعد ألف ومائتين سنة وفي مصر على مسافة تبعد آلاف الكيلومترات "فأخذَتْ لَهُ سَفَطًا مِنَ الْبَرْدِيِّ وَطَلَتْهُ بِالْحُمَرِ وَالزِّفْتِ، وَوَضَعَتِ الْوَلَدَ فِيهِ، وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ". (سفر الخروج 2:3) ويكون لكلا الطفلين المصير نفسه فيعثر عليهما بستاني في الأول وأَمَة في الثاني ويتربيان في عائلتين ملكيتين ويصبح الأول أشهر ملك في الشرق الأوسط والثاني نبيا في المنطقة نفسها!!! على المؤرخين أن يستنطقوا هذه الحلفاء اللعينة أو المقدسة (من يدري!) إن كان كلاهما واحد أو أن كليهما اختلقا قصتهما واعتديا على هذه النبتات التي صرنا نعذبها بجدلها وغزلها والجلوس عليها لكي تنطق لنا بالحقيقة! لكن هذه الحلفاء أتت اليوم على موقع برج بابل باعتراف طه باقر ففي محاضرة له تحت عنوان (برج بابل) ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للآثار الذي انعقد ببغداد في 1978 قال:"غدا برج بابل الآن عبارة عن حفرة مليئة بالمياه ونبات الحلفاء.. فقد حمل أهالي الحلة القدماء كل الطابوق الذي بُني به البرج.. وبنوا بهِ بيوتهم.. ففي بيتنا القديم بالحلة.. طالما شاهدت أسم الملك (نبوخذ نصر) محفورا بعلامات مسمارية على سطوح الطابوق الذي شيدنا بهِ دارنا"... والحلفاء أو الحلفا وأصل الكلمة "حلفتو" وهي أكدية ربما انتقلت الينا عبر السريانية.
وصناعة الحصران فن شعبـي مشهور توارثه أبناء القرى الكلدانية الآشورية السريانية من أجدادهم القدماء. وتشير الدراسات التاريخية والمكتشفات الآثارية إلى أن هذه الصناعة كانت معروفة على الأقل منذ العصور السومرية. وامتازت بها النساء بشكل خاص. تبدأ العملية بجدل ضفائر طويلة من الحَلْفاء مفتولة، بطول الحصير، ثم تربط هذه الضفائر من رأسها، وتغزل حولها أوراق الحلفاء أيضا بسرعة عجيبة ومهارة مذهلة فتشكل هذه الأخيرة متن الحصير، النسيج الذي يربط الضفائر ببعضها ويمسكها، فيمتد الحصير ويطول أصبعا أصبعا. كان بيت خالتي مسكو يشتهر بصناعة الحُصُر، أمرّ به في الصباح يكون الحصير في أيدي البنات في أوله، وأمرّ بعد الظهر يكون قد اكتمل وفرش تحت اشعة الشمس. وتتكوم الحصران واحدا فوق الآخر الى ان يأتي من يحملها إلى أربل لتباع في السوق. وللحصران أحجام وأنواع مختلفة يعرفها المختصون الذين يترددون إلى محلة درگا المشهورة بصناعة الحصران، حتى أن مطلع أغنية شعبية واسعة الانتشار في الخمسينيات يقول:
بنات درگا الجميلات
كلهن يصنعن الحصران.
وأحيانا عندما كنت أتردد على بيت خالتي في درگا وخاصة في الصيف أتناول بضعة أوراق من الحلفاء وأحاول ظفر ظفيرة أو عمل اي شيء فتضحك بناتها مني وإذا ما ألححت إما طردوني أو كلفوني بنقل حزم الحلفاء من الحوش إلى الغرفة أو برش الماء على الحلفاء اليابسة لتبقى طرية إلى حين استعمالها. وبقيت هذه الصنعة قائمة بذاتها حتى الربع الأخير من هذا القرن تعتاش عليها عائلات كثيرة.
وكلما طال شعري تأخذني أمي إلى بيت العم ويردو خالا القريب فيجلسني على الأرض في الأيوان ويربط شعري من الأعلى بخيط حتى يحصد بقية رأسي على هواه. أما تلك البقعة المشدودة بالخيط فتبقى على حالها مثل عرف الديك، وكانت هذه موضة حلاقة الأطفال في تلك الأيام. وكان في عنكاوا حلاق آخر هو العم عيسى سيدا. هذان الحلاقان يحلقان الكبار والصغار، الرؤوس واللحى، مقابل كذا وزنة من الحنطة سنويا. كانا يستعملان المقص والموسى العريضة ويحدانها بقطعة من جلد تسمى النشتر وأحيانا يستعملان رغوة صابون.
وفي نهاية الخمسينيات حدث تطور آخر في عنكاوا، إذ شيد فيها أول مشروع لإسالة الماء، لكن الماء لم يكن يصل البيوت، بل نصبت حنفيات ذات رؤوس عديدة في المحلات، وكان من حصة درگا ثلاث حنفيات، الأولى أمام بيت صليوا اوراها أفندي والثانية عند الزاوية اليسرى لبيت ايليا بطروزا، والثالثة في مدخل زقاق صانعي العرق، بالقرب من مقهى العم گوگا. يأتي الماء لهذه الحنفيات من خزان اسمنتي شيد على أرض مرتفعة قليلا بالقرب من متنـزه عنكاوا الحالي. وكان جارنا، العم فرنسي، مُشغّلا لمضخة الماء المنصوبة على بئر ارتوازية تضخ ماءً زلالاً إلى الحوض. وبما أني كنت صديقا لرمزي ابن العم فرنسي كنا احيانا نذهب مع والده إلى المضخة، وكنا نسأله أن يسمح لنا بتشغيلها، وكانت تلك متعة كبيرة فنشعر أننا وفرنا الماء لعنكاوا كلها. لكن هذه الحنفيات لم تحل مشكلة الماء في القرية كليا، لأن بعض النساء المتنفذات والمتسلطات كن يسيطرن على هذه الحنفيات ساعات طويلة دون أن يسمحن لغيرهن بأخذ الماء إلى أن يرتوين ويملأن كل ما لديهن من حِبَب وطسوت وأواني. هذا الأمر كان يخلق مشاكل كثيرة ومخاصمات خاصة بين النساء فتصل في بعض المرات إلى جر الشعر والعض والاشتباك بالأيدي، مما أدى ذات يوم أن يقوم أحد الرجال وفزعة لزوجته المغلوب على أمرها بقفل إحدى الحنفيات وإخفاء أقفالها في المزارع لينقطع ذلك الصنبور من الماء للأبد!
كانت أمي تشتري اللحم من العم يعقوب نعمتو الذي كان يثبت قنّارته على حائط بيت ايليا بطروزا ويعلق عليها قطع اللحم الكبيرة ليقطع منها لزبائنه بالأوقيات التي كان يزنها بميزان من صفيحتين من الفافون كل منها معلقة بثلاثة حبال من رأس عصا غليظة فيها ممسك في الوسط، وعندما يبقى بعض اللحم الرديء والعظم والشحم في قنارة العم يعقوب والذي قد لا يشتريه أحد ينادي:"هيوا يارجال الرديء بالرديء"، والرديء المقصود به هو العرق، فيبادل ما تبقى له من رديء اللحم بقنينة عرق محلي الصنع ليبدأ مشوار الشرب لديه منذ الظهيرة. وكان ثمة عدد من باعة اللحم، لا يذبحون بأنفسهم بل يشترون اللحم من القصاب ويتجولون به في أطباق على رؤوسهم في القرية، أي كانوا باعة متجولين. كان جدي لأبـي واحدا من هؤلاء، مزارعا فقيرا وبائعا للحم في الوقت نفسه، أنا لا أتذكره كذلك، لكن جدتي تقول إنه كان يحمل طبق اللحم على رأسه وفي إحدى يديه ميزان صغير.
سرعان ما ترك جدي هذه المهنة التي لم ينجح فيها وسببت له الكثير من المتاعب، لأنه، بحسب جدتي، كان يوزع لحمه مجانا على النساء الجميلات اللواتي يدخل بيوتهن، وكان ذلك سبب مشاجراتهما باستمرار. وكان العم گورگيس ننّي وهو من أبناء عمومة جدي أيضا يحمل طبق اللحم على رأسه متجولا في أزقة القرية وعلى ما يبدو كان بائعا ناجحا. أما العم قاقوزا ابن عم جدي اللح كان أيضا بائعا متجولا للحم ولا أتصور أنه نجح في تجارته لأني أتذكره في شيخوخته فقيرا معدما.
كان عجوزا وحيدا فقدَ زوجته منذ زمن يعيش مع ابنته الأرملة التي تعتني به.. وكان للعم قاقوزا الأصلع، الضعيف، الصغير الحجم، بدلة واحدة بقطعتين من الملابس لا غير. وربما لم يعرف ما هو الحمام منذ زمن مثل الكثير من أمثاله في ذلك الوقت. لكن كلما انتهت ابنته من صناعة الخبز في التنور أراه ينـزع بدلته ويبقى عاريا منكمشا على نفسه في الحوش إلى أن تنتهي ابنته من نفض ملابسه في التنور حيث كان القمل يقع منها ويحترق بصوت مسموع.
أما أخوه العم أدو(يلدا) النجار الذي بيته ملاصق لبيت جدي. كنت أراه يصنع بعض الأدوات الزراعية البسيطة كالمحراث والمذراة والفؤوس والشخرا(محمل خشبـي لنقل الحصيد من الحقل إلى البيدر) وبعض التخوت وغيرها ربما كانت حاله أحسن من حال أخيه. وكانت زوجة العم أدو وجدّتي على خلاف دائم وكثيرا ما تنشب بينهما معارك كلامية من الوزن الثقيل.
ولأن إمكانيات شراء اللحم كانت محدودة استغل بيت خال والدي وجود عجل صغير أجهضته بقرتهم، بحسب اعتقادهم، ليتهنّوا في ذلك اليوم بأكل اللحم. في الحقيقة كان لهم حمارة وبقرة حاملين، وكلاهما على وشك الولادة. وذات صباح استفاقوا ورأوا حيوانا حديث الولادة على وشك الموت في الإسطبل، ولما كانت الدنيا تمطر والبرد ينخر في العظام والإسطبل يلفه الظلام تصوروا أن البقرة هي التي أجهضت، فأسرعوا إلى ذبح الحيوان قبل أن ينفق، وسلخه بسرعة، ووضعه في مرجل كبير ليطبخ على النار. ظلت النار تشتعل طويلا تحت القدر إلى أن طبخ اللحم فأكلوه وكأنهم في يوم عرس، لأن الفلاحين الفقراء نادرا ما كانوا يأكلون اللحم في ذلك الوقت. مثلا كانوا يأكلون الدجاجة في حالتين أما أن تكون الدجاجة مريضة أو أن يكونوا هم مرضى ليشفوا. لكن المفاجأة كانت في اليوم الثاني عندما وجدوا في الإسطبل عجلا صغيرا ولدته أمه للتو. فأيقنوا أنهم أكلوا أتانا البارحة! كنا كلما نتذكر هذه الحادثة نقول لجدتي كيف كان طعم الأتان الذي أكلتيه فكانت تتهرب من الجواب وتقول:في ذلك اليوم كنت زعلانة ولم أنم في البيت!
ولم يكن العم يعقوب نعمتو من مشاهير محتسي العرق الوحيد، بل كان يشاركه في هذه الشهرة العديد من الرجال، أمثال بتي ششا (بطرس عبد المسيح) وگربيت ولورنس... ومعظم الرجال كانوا يحتسون العرق أيضا، ولهذا كانت صناعة العرق مهنة مشهورة وشائعة في عنكاوا تمارسها العشرات من العائلات، بعضها يتفنن في صناعته وتطيبه وتقطيره عدة مرات، وبعض آخر يقطّر العرق للاستعمالات الشخصية كالأعياد ومناسبات الزواج وغيرها. هذا العرق القجغ (المهرب من الضرائب) كان يصدر بالأساس ليباع في أوكار عدة بأربل التي كان فيها فضلا عن ذلك خمسة متاجر لبيع العرق المرخص يديرها عنكاويون، ولا يكفيها كل هذا، بل كان الاربيليون أنفسهم يأتون دائما إلى عنكاوا لشراء العرق، وأحيانا للشرب في البساتين القريبة من القرية. ومن أشهر هؤلاء كورا وموسى ومطَّلِب ومجكو، وكان هذا الأخير مطربا معروفا في أربل. يأتون من أربل بالباص عصرا حاملين معهم بعض الخيار والطماطم والطرشي والثلج فيشترون من القرية قنينة من العرق القجغ وينصبون مائدتهم في ظل قبرانا (كوخ بستان) العم ويردينا فيشربون ويغنون بالكردية والتركمانية، وقبل أن يغادروا في معظم المرات يتشاجرون فيما بينهم ويترنحون يمينا وشمالا وهم ذاهبون إلى موقف الباص مساء، وكنا، نحن الصغار، نجدها فرصة لنركض وراءهم صائحين موسى أو كورا فيلتفتوا إلينا وهم بالكاد يسندون أنفسهم وأحيانا يقعون على الارض ولا يقدرون على النهوض فيأتي بعض الرجال لمساعدتهم وإيصالهم إلى موقف الباص. ويتكرر هذا المشهد معظم أيام الربيع والصيف.
ومن السكارى الآخرين الذين يترددون بكثرة إلى عنكاوا بائع اللحم شيخيل الذي كان ما أن ينتهي من بيع طبق اللحم إلا ويشتري قنينة عرق فيبدأ بالشرب أمام أي بيت ينتهي من بيع اللحم فيه حتى الثمالة، ولا يعرف كيف يغادر القرية لكي يأتيها في اليوم الثاني لتكرار طقوسه المعتادة!
ويبدو أن عنكاوا كانت مشهورة بصناعة العرق منذ القدم، إذ ان الرحالة بيكنهام، الذي مرّ بها في تموز عام 1816 ونام في خانها، احتسى طاقم رحلته مع الفطور الصباحي العرق المحلي، فشرب مرافقاه التتريان كمية كبيرة جدا من هذا العرق فسكرا وتجاوزا على القائمين على خدمتهم بالسبّ والضرب.
ويعتقد أن تاريخ صناعة الخمور يعود إلى نحو ثمانية آلاف سنة، وقد عرفه العراقيون القدماء في الاقل منذ القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد، وكانت صناعة البيرة (الجعة) والشراب (الخمر) بِأنواعها منتشرة تستخلص من التمور والكروم، وتخصصت المرأة في إدارة محلات بيعها (صاحبة الحانة)، وتمتع صانعوها بمباركة الآلهة. ولأهمية الجعة في نظر الناس فقد اتخذ سكان بلاد الرافدين لها آلهة خاصة مسوؤلة عن تحضيرها تعد بمثابة الحامي والمشجع لممارستها، مما اضفى عليها طابعا من القدسية، وهي الالهة نينكاسي (ويعني الاسم حرفيا السيدة التي تملأ الفم بشراب قوي) الراعية لممارسة هذه المهنة، وتساعد على نضوج وتحسين جودة الشراب أثناء تخميره. وعندما يصبح جاهزاً، تُشارك انانا- عشتار نفسها في الشرب. ويورد الباحثون أن الكهنة كانوا يقدمون للآلهة الجعة السوداء والجعة الصفراء والسوداء وجعة الحنطة من بين القرابين.
وردت اول علامة مشيرة الى المشروبات في الكتابة السومرية وفي مرحلتها الصورية على شكل جرة في داخلها حبات من الشعير، كما وردت صور للولائم التي احتوت على مشاهد الشراب السائل المسكر في الاختام السومرية والمنحوتات. على سبيل المثال لقد حفرت على واجهة القيثارة، التي اكتشفت في المقابر الملكية في أور، صور عدد من الحيوانات في مواقف بشرية، وفي مؤخرتها نجد غزالا صغيرا يمسك بإبريق خمر وقدح. واكتشفت في تلك المقابر أيضا مصافي وأقماع دنان الخمر وهي من أدق الاثباتات التي تؤكد انتشار الخمر لدى السومريين.
وكذلك وصفت النصوص الطبية طريقة تحضير جرعة دواء من البيرة والخمر، حيث ورد فيها اسم البيرة القوية كدواء (300) مرة وبيرة السمسم (100) مرة والنبيذ القوي (90) مرة. ويبدو أن البيرة كانت منتشرة جدا بين الناس الى درجة أن مثلا سومريا يقول "الذي لا يعرف البيرة لا يعرف ما هو الجيد، البيرة تجعل البيت مسروراً".
ملحميا يرد ذكر الخمر للمرة الأولى في كلكامش عندما أخذت البغي المتوحش أنكيدو القادم من الغابة الى كوخ الرعاة:
"ولما وضعوا أمامه طعاما تحيّر واضطرب
وصار يطيل النظر اليه.
أجل لا يعرف أنكيدو كيف يؤكل الخبز
لأنه شَبَّ على رضاع لبن حيوان البَر
ولم يعرف أنكيدو كيف يؤكل الخبز
ولا كيف يشرب الشراب القوي
ففتحت البغي فاها وخاطبت انكيدو:
كل الخبز ياانكيدو، فانه مادة الحياة
واشرب من الشراب القوي فهذه عادة البلاد.
فأكل انكيدو من الخبز حتى شبع
وشرب من الشراب القوي سبعة أيام
فانطلقت روحه وإنشرح صدره وطرب لبه ونوٌر وجهه"
إن ذكر الخمر إلى جانب الخبز هنا يعد دليلا على أن الخمر كان من المواد الاساسية المهمة في حياة العراقيين القدماء والواجب توفرها الى جانب الخبز. وان ذكر الشراب مع الخبز وُصِف بكونه علامة من علامات التحضر وفارقا بين حياة البداوة والمدينة، فقد كانت البيرة والخبز من بين كل المنتجات الغذائية تعد اساسية بدرجة كبيرة في تفكير سكان بلاد الرافدين القدماء، وبخاصة البيرة، حيث كانت الشراب المنعش الحاضر أبدا في بيوت بلاد الرافدين القديمة.
كما نقرأ عن كلكامش نفسه وفي بحثه عن الخلود يقابل صاحبة الحانة سيدوري التي تشجعه ليتخلى عن طلبه ويتمتع بمباهج الحياة ومنها متعة الكحول:
"لقد تناول الجعة،
وقد تناولها سبع مرات
وقد تحررت روحه وراح يهتف بصوت عال
وقد امتلأ جسمه بحسن التكوين واشرق وجهه".
وعندما يبكي كلكامش صديقه انكيدو يقول:
"ليبكيك من عظَم اسمك في اريدو
ومن مسح ظهرك بالزيت المعطر وسقاك الجعة"
وفي موقع اخر يضيف:
"ويبكيك من اطعمك الخبز
ومن مسح ظهرك بالزيت
ويندبك من سقاك الجعة".
وهنا يضع الجعة بمستوى الخبز والزيت.
وفي بابل عُدّت الآلهة عشتار آلهة الخمر أيضا كما يستنتج من هذه الترنيمة:
"أمام عشتار ضعي البخور في الإناء
مع عصير السرو
اسكبـي جعة صاحبة الحانة على مهل
تسكبيها كلها، استلقي ارضا واسكبيها"
وجاء ذكر الجعة في قصة الخليقة البابلية عندما طلب الإله آنشار من خادمه كاكا أن يعمل لكي تحضر أمامه الآلهة آبائه:
"وليؤت إليّ إذن بالآلهة جميعهم
لعقد مؤتمر عام
واتخاذ أماكنهم في الوليمة
آكلين خبزهم وشاربين جعتهم
وإقرار مصير مردوخ المنتقم لهم!"
وفي نهاية القصة حين وصلت الآلهة أمام أنشار عقدوا اجتماعهم واتخذوا أماكنهم في الوليمة:
أكلوا خبزهم"
وشربوا جعتهم
وبالشراب العذب المثمل
ملأؤا مصاصات شربهم
وهم يرتشفون شرابهم المسكر
كانوا يشعرون بارتخاء أجسادهم
وبدون أي هم شاغر
كانت نفوسهم جذلة
وهكذا قرروا المصير لمردوخ المنتقم لهم".