الفصل الأول
- 1 -
دُفن الخليفة، الحاكم الصديق الحبيب، وبقيتَ أنتَ تــُمسك الجمر·
هذه بلادٌ مثخنةٌ بالجراح، فقيرةٌ، معوزةٌ، تتدثرُ بالشمس المحرقة، وترقدُ على التراب، وجيوشـُها الضئيلةُ تخرجُ من بين ضلوعها اليابسة المتصلبة نحو الآفاق البعيدة الخطرة!
تقلبْ! فلن تجدَ عيناك طريقًا نحو النوم، وهي ترقدُ على جمرٍ، وتسخنُ الرمضاءُ جفونها··
أي فخٍ هائل هذا الذي يطبقُ على ضلوعك الآن، حشودٌ هائلة من الفقراء، ومصابون ومقتولون كثارٌ من حربِ الإخوة، وقبائلٌ ضاريةٌ في أرضٍ مجدبةٍ، وآفاقٌ لا تـُحدُ من الأحلامِ وراء هذه البراري، هناك حيث تتدفقُ الأنهارُ ويمسك المرءُ السحابَ وهو فوق الجبل ويعصرهُ للكروم والتفاح!
تقلبْ وأنت تفكرُ في كيف تحول هذه الحشودَ إلى حرابٍ، قد تتغلغلُ في لحمِ بشرٍ مساكين، أو توزع الثمرَ على الجياع··
تقلبْ وأنت تفكرُ بهؤلاءِ الناس الكارهين لصعودك على كرسي الخلافة، ويقولون كيف نستقبلُ الآن هذا الرجلَ الشديد الغيظ بعد الإنسان الرقيق العادل!
ويحك يا عمر، أن تعجز وتخاف من هؤلاء وتوافق على أخطائهم وشرورهم، أو تظلمهم دون وجهِ حق!
تقلبْ على الجمر والوقتِ، دون أن يطلعَ الصبحُ وترفض الشمسُ الصعودَ!
صحراءُ فقيرةٌ مليئةٌ بالرملِ والقمل والنار وفيها بضعُ جبال وعليك أن تملأها بالخير، وكلُ حبةِ قمحٍ معدودة، وكلُ ثمرةٍ من النخيلِ محسوبة، لا أن تملأ بطنك وتترك الناس جياعًا!
تقلبْ··!
وهؤلاء الفرسُ العظامُ الأقوياء، كم اندفعوا كالسيولِ الجارفة وسط الصحارى العربية محولين الخيام والبشر إلى ركام وبقايا ورماد، يبنون القصورَ والقلاعَ على الرؤوس العربية، ويحولون مسارَ الأنهار نحو قصورهم وخزائنهم، وهذه الصحراءُ جائعةٌ لأنهارها، وفي كلِ بضع سنين مجاعة تزيلُ غابات الخيام في لحظات، وكل بضع سنين تمضي القوافلُ إلى الشمال ذائبةً في الرمال والأنصال والمستنقعات الدموية، وفي كلِ بضعِ سنين تملأ جبالُ الرملِ الحدائقَ والروافد··
وسيوفُ الرومِ تصنعُ سياجًا طويلاً يمنعُ تسللَ قبيلةٍ أو زهرة··
تقلبْ فأمامك مهام جسام، لا تستطيع أن تقوم بها يا ابن الخطاب، وذكرياتُ لسعاتِ سوطِ أبيك لا تزال تؤرقك··!
(تعال أيها الصبح، تعالي أيتها المهام، أنا لكِ!)·
وينبته وإذا هو أغفى ثم أشرق شيءٌ من الضوء، وإذا الوضوءُ والصلاة، والحشودُ تتدافعُ نحو المسجد، وأيديها ثقيلةٌ له، وسلاماتها جافةٌ، باردةٌ، وكأنهم يعزونهُ بموتِ صديقه أكثر مما يهنئونه بتوليه الحكم··
راح يخطبُ بإيجاز مادحًا أبي بكر، وإذا ابنته عائشة ترسلُ آخر ما لديه من أموالٍ لبيتِ المال: خادم، وقطع قماش، وبضع دراهم··
وحدق في الأشياء المادية القليلة برعبٍ ؛ ذلك الرجل الذي ملك الجزيرةَ والمدن والصحارى يتركُ هذه الأشياءَ الهزيلة، متخليًا عن كل شيء، خارجًا مغتسلاً من وسخ الدنيا·· كيف يستطيع أن يجاريه؟! إنه لا يتركهُ مقدمًا له الدروسَ وهو حيٌ وكذلك وهو من بين التراب! أهناك موتٌ حقيقي كامل كما يزعمون؟!
لم تستطع عيونه أن تتغلب على الماءِ الساخنِ المتفجر من بين ينابيعها الحرة القاسية!
تصاعدت غمغمةُ الرجالِ وهو يتذكرُ ما لدى أبي بكر، وهو يتحسسُ القماشَ، ويمعنُ بالدراهم نظرًا!
انتبه إلى أنه لم يعد صديقًا فقط لأبي بكر بل حاكمًا مسئولاً!
سمع رجلاً يقول:
- أو ما تترك هذه الأشياء الضئيلة لبيت أبي بكر؟!
لم ينظرْ للرجل لكنه قال بصرامة لخادمه أسلم:
- خذها لبيت المال!
الغمغمةُ تتصاعد:
- سيكون عمر شديدًا صعبًا علينا يا مسلمين!
- وهل يعرف عمرُ التسامحَ أو الرقةَ أو تناسي الهفوات الصغيرة والأموال الصغيرة!
- إنها أيامٌ صعبة ولا شك!
ليقولوا ما يقولون وليتثاقلوا عن مصافحتهِ وتأييدهِ، ولكنهُ مشغولٌ بالأمورِ العظام، طرقُ فارس تحترقُ بالأسربة أمام عينيه، وخالد بن الوليد المغامر المنفوش الريش ينتقلُ من انتصارٍ إلى انتصار، والعرب نقاطٌ من الخيام والإبل الضائع في الصحارى!
قال بهدوءٍ وهو يعتلي المنبر:
- أريدكم أن تكونوا عونًا لي في كلِ شيء، في الخطأ تعينونني على تجنبه، وعلى المكارم والعدل تحثونني عليهما، فأنا ضعيفٌ بدونكم، إذا ظَلمتُ أحدًا فثوروا عليّ·· لست بخيركم·· وهذا العراقُ يسألُ عنكم، لكم إخوة وأخوات هناك يعيشون مرَ الحياةِ، ولكم إخوةٌ يندفعون بخيولهم وسيوفهم ليحرروهم من هذا الأسر الطويل، فمن منكم يساعدني وينضم لهذه الحملة·· من؟ لا أرى أي أيدٍ ترتفع!
- 2 -
يمشي في الخلاء وحيدًا· عيناه تحدقان في الشرق، حيث توارت الجيوشُ، وحيث مضى أغلبُ الرجال وخلفوا الوحشةَ والصمتَ والهجسَ، يهمسُ في نفسهِ: (هل سيعودون؟ ماذا لو اختفوا هناك وذابوا بين المياهِ الجياشةِ والتلال والمدنِ المتقنفذة بالخناجر والسيوف؟ يقولون أهلكهم عمر! يكون الحسابُ عسيرًا في ضفتي الزمن· ماذا فعلتَ بالناس يا عمر وقذفتَ بهم في لججِ النار؟ هل صمتوا وسكنوا لأن خالد بن الوليد ليس معهم؟ هكذا يقول الناس! أبو بكر رحمه الله أرسل خالدًا إلى الشام فصمت الجيشُ في العراق وكأن خالدًا هو الذي يحركُ كلَ شيء!)·
ليس سوى الرمل يمتدُ لامباليًا بجوفهِ المشتعل·
ويمضي في الكلامِ الساخن مع نفسه:
(ولكن خالدًا أثبت أنه فعلاً قائد فذ، وها هو يحقق في أجنادين نصرًا ويصفع الرومَ صفعةً شديدة بينما أنت هنا تمشي فوق الرمال! هيا كفَّ يا عمر عن هذا الحسدِ لابن عمك، أصعدْ عن هذه المشاحنات·· لا والله! لم أحسدهُ أبدًا على عملٍ نبيل يقومُ به، بل لهذه الخيلاء التي فيه، وهذا الغياب للأخلاق المثلى ولهذا الحب للصغائر والعلو الشخصي·· يا ليته ألغى هذه التفاهات من نفسه الكبيرة!·· أنت تحسدهُ يا عمر على انتصاراته الحربية الفذة·· كنتَ تراه في أُحد يتقدم شجاعًا قويًا يضرب المسلمين وأنت تهرب·· آه·· يا لها من حادثة، لكن هو كان في موقع الشرك لا في موقع النبل! وكانت كل انتصاراته الكبيرة الفذة للأسف ملطخة بصغائر ما كان أجمله لو ارتفع عنها! أأنا أريدُ له الصغر حاشا الله! أنا أحبه وهو لا يحب نفسه!)···
لكن خالدًا الموجود في الشام على جيش وربما على الجيوش الإسلامية كلها هو المذكور كالعادة وجبهة الشام اشتعلت وجبهة العراق انطفأت·· تعرفهُ منذ الصغر فهو ذكي وماهر ولكنه أناني·· لا يملك مسحةً من أخلاق رفيعة، والجمهورُ لا يرى ما هو واضح جلي، كل انتصار يرفعه أكثر فأكثر فوق الرؤوس والقيم!
(لكي أجعلهم يؤمنون أنهم هم وقود هذه المعارك وأسباب انتصاراتها لا بد أن أحركَ هذا الأفقَ العراقيَّ الصامت، الذي نامَ بعد ذهاب خالد بن الوليد! وكل يومٍ يأتي من الشام خبرٌ مجللٌ! ماذا ستفعل يا عمر هل ستترك مثل هذا المغرور يصعد ويتحكم في الناس؟ لكنني لو عزلته منذ الآن لقالوا تجنى عليه· هؤلاء الناس لا يدركون ماذا سيجري لهم غدًا؟ لو جاء على رأسِ جيشٍ وغزا المدينة من سيرده؟ اسمه صار جيشًا لوحده! أي مسائل شائكة عليك أن تحلها يا ابن الخطاب!، وجمهرةُ الرجالِ في المدينة مسترخية!)·
يحدقُ فيهم بالمسجد وهم رؤوسٌ هادئة وادعة تفكر بخبزها وأطفالها وتعود راضية بلقمتها البسيطة أو بغنائمها الجديدة، وهو يصرخ بهم:
- أقول لكم إنهضوا لقتال الفرس ومساعدة إخوانكم المحاصرين بجحافل الجيوش وأنتم تدورون بأعينكم عني خجلاً أم خوفًا أم طمعًا في هذه العيشة الهائنة التي رضيتم بها؟!
يصمتون ويعودون إلى دورهم وهو يمضي في الطرق· هذا رجلٌ أثقل راحلته بالأشياء فيصرخ به:
- خففْ عن الجمل يا هذا؟ ألا تراه يغوصُ في التراب؟!
- حسنٌ، حسنٌ يا أمير المؤمنين!
يتقدم منه شحاذٌ ملأ كيسه بالأكل:
- حسنة لله يا عمر، فقير إلى مال الله يا أمير المؤمنين!
يأخذُ كيسَه الممتلئ ويبعثرُ الأكلَ الذي فيه، للطير، ويقول:
- الآن تستطيع أن تشحذ!
صارت الأسواقُ ممتلئةً بالبضائع وثمة حشود لا تشبع من شراء القماش واللحم والدقيق وكأن الأكل سوف ينفد· ما بالهم يتهالكون على اللذاتِ والخيرات؟ لا بد أن ثمة أسبابًا عميقة؟ من بقي على حاله؟! قلة قليلة!
يرى ثلةً من الفرسان قادمةً من طريق العراق، وهي تخبُ خببًا، ولا تدل حركتها على نصر أو هزيمة، تقتربُ منه، فيعرفهُ قائدهم الذي يترجلُ فيكتوي قلبه:
- أهذا أنت أيها المثنى الشيباني، لم تأت بك انتصاراتٌ!
تقدم المثنى بهدوءٍ وقال:
- يا أمير المؤمنين أخباري لا تسر الخاطر· لقد حوصرنا من قبل الفرس وانتفض علينا الناس، فتركنا ما فتحناه!
- تعالْ استرح ولنفكر بعد ذلك ماذا نفعل··
قادهم إلى بيتٍ خال· وتركهم يستريحون، فيما كان هو يغلي ماشيًا··
يمضي إلى مرتفع، يرى نارًا فيدهش، من يعيش هناك؟ يصعد فإذا خيمة وثمة أشباحٌ غريبةٌ· يقترب فيرى امرأة تطبخ والدخان يتدفق من تحت القدر، وصياحٌ يعلو من الخيمة· يقفُ غير بعيد، لا يريد أن يزعجَ المرأةَ في طبخها، لكن الصراخ لا ينقطع، والمرأةُ مستمرةٌ في هذا الطبخ المتعب، والأكلُ لا ينضج، والصراخُ راح يدوي في روحهِ، وكأن الأطفالَ راحوا يمزقون جلدَهُ بأظافرهم، اندفعَ إلى المرأة محييًا، ثم قال:
- ما بال هذا الصراخ يا امرأة لا ينقطع؟ ألا تطعمينهم ليناموا!
تطلعت فيه المرأةُ بلا اهتمام وقالت:
- كيف جئت إليَّ يا هذا؟ و لماذا تقحمُ نفسك في شأني!
- إنني لا أستطيع أن أسمع بكاء الأطفال دون أن أتدخل!
- لو كان الخليفة مثلك!
- وما دخل الخليفة في هذا الشأن؟
- إنه ولي أمر المسلمين ويتركنا في هذا الجوع والبرد!
- إنه لا يدري!!
- ولماذا صار خليفةً إذن؟!
- سوف أحضرُ لك شيئًا للأكل··
ونزل وكأنه يتدحرج، قذفتْ به الأسئلةُ خطوات إلى الأمام دون أن يتبين موقعه: (كيف أستطيع أن أعرف شؤون كل هؤلاء الناس؟ من يموت جوعًا الآن في اليمن؟ من يُضربُ عسفًا في عُمان؟ كيف لي أن أحيطَ بكل هذا الألمِ والفقرِ والعذاب؟ هل أكون وحدي لأنقذ كل هؤلاء الناس؟ هذه امرأةٌ على مرمى حجرٍ من بيتي ولكن أطفالها يصرخون من الجوع؟! هل صُمت آذانك يا عمر أم انقطع نظرك! كلُ حادثةٍ لا بد أن تغذي حسك واهتمامك وتجعل لك ألف عين وألف أذن فتصيخُ لكلِ نأمةِ ألمٍ، بدلاً من غفواتك المستمرة···!)·
وصل إلى المخزن ورأى أسلم يكاد ينام، قال له برفق:
- أصح يا أسلم وأحضر دقيقًا وفاكهةً وقماشًا··
- في عز الليل يا أمير المؤمنين··
- هيا أسرع··
ومضى أسلم، وهو يكملُ القولَ في نفسه: (أكاد أسمعُ الصغارَ يبكون ورائي! أي حشودٍ من الأطفال في البراري وفي الخيام ووراء الصحارى؟ أكلهم يتعذبون هكذا؟ ماذا جرى لي؟ أي غفلةٍ هذه؟)·
وأحضر أسلم الأشياءَ وأراد أن يمضي به في الطريق لكن عمر حملها، فهتف أسلم:
- دعها يا أمير المؤمنين··
- أنا الذي أحملها، أنا أحمل أثقال الناس ومسئول عنها، فأي أجر لي إذا أنتَ قمتَ بذلك؟
- ولكن الحمل ثقيل··
صعد التلةَ فإذا النارُ هي نفسها والقدرُ لم ينضجْ شيئًا والبكاءُ يتصاعدُ وينشرُ لحمَه·
راح يطبخ للمرأة وينحني تحت النار وينفخ، والدخان يتخللُ لحيته، ويشعرُ بصعوبةِ عمل النساء وكيف يتعبن طوال اليوم أمام هذه النيران وقرب القدور، ورأى الصبية يخرجون من تحت ألحفتهم ويقتربون منه، وراحت أصواتهم تتغير! ياه ما أجمل الأطفال، عصافير جميلة لها زغب!
نضج الأكلُ واندفعوا، وراحت المرأةُ تدعو له وعليه!
- الله يخليك والله إنك أحسن من الخليفة فهل توليت هذه الإمارة!
كاد أسلم أن يصرخ لكنه نهره· قال:
- ألا يوجد لديكِ رجلٌ مقتدرٌ أو ابنٌ كبيرٌ؟
- لدي ابنان ذهبا للجهاد في العراق منذ سنة واحدة ولم يرجعا ولم يأت خبر منهما··
- ألا يبعثان لك شيئًا؟!!
- أبدًا والله، كأنهما ضاعا هناك في تلك الحرب!
تحجرت الكلماتُ في حنجرته· وكأنه كان يطير في المسافة الطويلة المضنية إلى العراق·· ويرى الشابين يلهوان مع النساء، والجيشُ وراء النهر محاصرٌ والجحافلُ تحيطُ به من كل جانب!
- تعالِ غدًا يا أمةَ الله إلى بيت المال لنكتب لك عطاء ونبحث لك عن دار تأوين إليها ونرسل في طلب ابنيك··
- من أنت يا هذا؟ أتكون الخليفة نفسه؟!!
- تعالي غدًا، لقد كاد الفجر أن ينبلج وحان موعد الصلاة··
يحاول أسلم أن يمسكه وهو ينزل مبعثرًا الحصى ؛ (أعليَّ أن أحمل هم أمة محمد كلها دون حشد من المعاونين والعيون·· أأدع كل هذه الآلامُ تتفجرُ في كل مكان دون عين تراها وضمير يندفع لتلبية حاجاتها؟ من يدري ما هو مصير أطفال اليمن الآن أو البحرين؟! ما هكذا تكون الإمارة يا عمر!)·
وهو يصلي ينسى كلَ شيء خارجها، التراب والحصى والنيران التي تفحُ تحت القدور، والتلال اللامبالية بهمومهِ والطريق الطويل إلى العراق والمقفر والصامت، وعذابات الناس وسعادتهم، يذوبُ، يخضع في حضرة الإله·
في الظهيرة كان حشدٌ كبيرٌ في المسجد، ولا يزال الهدوءُ والصمتُ مخيمان على الناس، لا تزال الدكاكينُ تجذبهم، والسلعُ الملونة، والنسوةُ الفاتنات، والعيال، وتحسسُ الدراهمِ في الخزائن، والسلعُ في المخازن، وأنت المهمومُ بالجيش، المتمزقِ، المفتتِ بين الصحراء والنهر· وغدًا يكبرُ خالدٌ ويفتنُ الناسَ، وربما يظهرُ آخرون ويعيدون سيرةَ الملأ، ولا بد لهذه الجحافل البسيطة المبعثرة بين سلعِ السوقِ والظهيرةِ والرمال والجوع والإبل أن تنهض، وتملأ الآفاق!
يصيحُ بالرجال:
- إنني أدعوكم مرارًا لنجدة إخوانكم وأنتم تسدون آذانكم عني، والله إنني أموتُ كل يوم من هذه الإمارة، أبحث عن نجدتكم فلا أجدها· أتريدون أن أكون وحدي أقضي بكل شيء، فلا أجد معاونًا أو ثلةً تندفع إليّ حين آمرها لنجدة إخوان لها؟ أو لا أسمعُ أحدًا يصرخُ بي أخطأت يا عمر! ما بالكم اندفعتم لأجل هذه الدراهم التي لا تساوي ذرةً من جهاد! أي قيمة لهذا النوم والأكل الكثير؟ هناك وراء الصحارى جموعٌ محبوسة ويتامى ومساكين·· متى تنقذونهم؟
- 3 -
تطلع المثنى الشيباني في صحن عمر الصغير باستغراب، ورفع عمر رأسه إليه وقال:
- هيا تفضل، كلْ!
قال المثنى وهو ويبتسم:
- ما هذا يا عمر؟ أين الأكل؟
- ألا ترى هذا هو السمن والخبز··؟
- أتسمي هذا أكلاً؟ أحن أنا لأكلي الرائع في البحرين والجلوس في البستان·· أين أنا الآن!
- أنت في بيت أمير المؤمنين·· هيا كلْ قبل أن يختفي ما في الصحن!
مضغ المثنى شيئًا وحدق ثانية في هذا الرجل الغريب، وتساءل إن لم يكن أضاع رحلته كلها هباءً!
استعاد صوتَ حوافرَ خيله وهي تندفعُ قرب الشطآن، وحين كان بصرهُ يحدقُ في الصيادين شبه العراة الداخلين في البحر، وفي تلك الطيوف المتوهجة من المفازات التي قطعها وهي تأكلُ من لحمه، وهو جسدٌ يتقلبُ على السرج، عَطِشٌ، جائعٌ، ثملٌ من الرطوبة المشتعلة··
قال عمر وقد ترك أغلب ما في الصحن له:
- ماذا قلتَ عن حصارك في العراق؟
أخيرًا انتبه الخليفة القرشي لكلام بدوي قادم من البحرين!
- يا أمير المؤمنين نحن نكاد نهلك في العراق وإمدادات الفرس تنهالُ علينا ضربا وتقطيعًا· وما هي سوى شهور وجنودنا يأتون إليكم هنا لتطعموهم أو تخبئوهم!
- وماذا ترى أنت؟
- الأعدادُ في المدينة قليلة من الرجال، ولا بد من استنفار العرب في البوادي!
حدقَ فيه عمر بما يشبه الغضب:
- أتريدُ أن أخالفَ أمر أبي بكرٍ وأصفحَ عن هؤلاء المرتدين؟!
- لا أقول ذلك ولكن كيف سنجد الرجال؟ هذه القبائلُ المعدمةُ ازدادت فقرًا·· والمرتدون عادوا للإسلام··
- هذه نساؤهم هنا· وهناك من يتمتع بهن! وثمة أسرى ومشردون منهم والنازحون من البوادي يتكاثرون وعلي أن أوفر الطعامَ للجميع!
- أنا يهمني أن تعطيني رجالاً لأقود جيشي الذي تعصف بخيامه الرياح!
- سأفعل· لا بد أن أفعل ذلك·· بشكلٍ كبير أيضًا·· لكن كيف؟ كثيرةٌ هي الأمورُ التي تشغل بالي وتحرقني، جيوشٌ متناثرةٌ في الشام، فقراءٌ في كل مكان، والفرس يستعيدون الأراضي·· إني أعتمد عليك في توجيه الجيش بالعراق··
- بعد أن ذهب خالد بن الوليد إلى الشام صرتُ أنا القائد هناك!
- لقد أبليتَ بلاءً حسنًا··
الظهيرةُ ساخنةٌ رهيبة في الحجاز، والمشاة تسير كالدائخين إلى المسجد، أشباحٌ وظلالٌ من العظام، والباعةُ يقفلون متاجرهم، وحشدٌ من الإماء يتسلل إلى الأزقة وضحكاتهن تتعالى، وبضعةُ شبان يسيرون وراءهم·
عمر يتطلعُ بحنق· ويدخل المسجد ويندفع إليه الناس، يصافحونه ويهنئونه· ويندفع إليه رجلٌ ما:
- يا سيدي عمر··
- لستُ سيدك!
- ·· أمير المؤمنين ذلك الرجل الكهل خرب أرضي ومنع الماء عن بيتي··!
- من هو؟ أشر إليه!
- ذاك أبو سفيان بن حرب!
اندفع عمر في الدروب المتربة الحجرية، وراءه حشدٌ من الرجالِ والنساء، وصعد تلةً، وأبوسفيان خلفه، وأقدام الجمهور تدفع الحصى فتئزُ، وتطلع الناسُ إلى عمر وهو يجر أبا سفيان إلى بيته الكبير الذي احتلَّ المرتفعَ وأزاحَ البيوتَ الصغيرة واحتاز عينًا، قال:
- اذهب هناك يا أبا سفيان وانزع تلك الحصاة··
رمقه أبو سفيان بغيظٍ وصعدَ وحملَ الحصاةَ وخدمه يندفعون نحوه ويساعدونه ولكن عمر ينهرهم:
- وأيضًا تلك الحصاة وتلك الثالثة!
ابتسم المثنى وتساءل (أهذا حاكم؟ لماذا لا يدع بضعة حراس يقومون بذلك؟ أي تعب سيكون لي معه!)· ورأى الناسَ يتهامسون ويضحكون، ثم عادوا كالسيلِ الجارف نحو المسجد، حشودٌ من الملابس والرؤوس والعظام والسواعد طلعت من كل دربٍ، واصطفت للصلاة· نهض عمر خاطبًا:
- أيها الناس لقد انتدبتكم لحرب العراق وأخشى أنكم تخافون الفرس ذوي الصولجان وتتركون إخوتكم العرب تحت الذل والفقر· مالكم لا تسمعون لي وتتلكؤون في طاعتي؟!
راح الرجالُ يتطلعون إليه بأسى، وبدا كأن سحناتهم تتغير، وبدا أنهم يرون الأميرَ في ثوبه الجاف وبصلعته المتألقة في الضوء، وبجسمهِ الشامخ الذي بدا موهنًا هزيلاً، وهم يجمعون اللحم وينامون في الظهائر· وراحوا يهمسون:
لو ذهب عمر ماذا سنفعل؟!
حين أراد أن يجلس رفع المثنى يده للكلام فأذن له· قال:
- أيها الرجال لو حدثتكم عن العراق وخضرته ومدنه وحقوله لسمعتم العجب· إنه أنهار لا يظهر لها أولٌ من آخر، ثم حقولٌ وبساتينٌ لا يحدها النظرُ، الثمارُ من كثرتها شبعت منها العصافير، والعربُ تحرثُ الأرضَ وتسكنُ في بيوتٍ من خوصٍ وتأكل الطين، الفرسُ تسكنُ القصورَ يحيطُ بها الجندُ الذليل، أناخوا على المتع والخصب والنساء، يقيدون جنودهم ليحموهم ويجروهم للحروب كما تــُجر الدواب·· لا يستطيعون أن يصمدوا لكَّرةٍ من خيول عربية جريئة، يتطلعون وراءهم دومًا للرجوع لقراهم التي صفدوا فيها، يخشون الحربَ خشيتهم الطاعون، ما أسرع ما يهربون حين يــُـقتلُ رؤساؤهم، فتعجبُ في لحظة واحدة أين ذهب ذلك الجحفل من الجند الذي يملأ الآفاق!
وكأن الرجال بدأوا يصغون إلى صهيل الخيول وهي تحمحمُ وتغرقُ، يرون أفقًا كثيفًا بجنود العدو الزاحف نحوهم· فقال أبو عبيد بن مسعود الثقفي:
- إنني لها يا أمير المؤمنين!
فقال سليط بن قيس الكلام نفسه، ورفع ثالث يده، وراحت الأيدي ترتفع والأصوات تعلو!
- 4 -
جاثمٌ على كنبةٍ وحاسر الرأس، ومكفهر الوجه، يقول أبو سفيان غاضبًا:
- لم يبق سوى بلال وعمار بن ياسر وغيرهما من الصعاليك والعبيد يقدمان عليّ في مجلس عمر! غدا مجلس هذا الرجل مضحكةً، ألا يرون كيف يعيش ملوك الروم والفرس؟ صولجانٌ وقصور وحراس، والعبيد ناءون مبعدون عن كراسي الحكم وعرش السلطان!
قال المغيرة بن شعبة:
- انتظر أمرهم! هؤلاء لن يستطيعوا التغلب على ملوك الدنيا، وغدًا يعودون إلى المراعي·· ونجد خيولَ الروم تقرع أبواب المدينة، هل يتصورون معنى أن يتحد حكام روما ودمشق!
- ولكن يا مغيرة تمضي معهم ولا تعارضهم في شيءٍ؟!
- هم لديهم السلطان وأنا مع السلطان، إذا فازوا فزتُ معهم وإذا انهزموا عدتُ إلى أهلي!
تطلع أبوسفيان مقطبًا إلى شاب في المجلس:
- وأنت يا مروان ماذا ترى؟
قال مروان بن الحكم:
- أنا أرى أن نطأطئ الرؤوس الآن· أنت رأيت كيف انتصروا عليك وفتحوا مكة، وصرنا من أتباعهم·· وكما يقول المغيرةُ فإن التغلب على الفرس وحدهم أمر مستحيل دونه خرق القتاد، فلنصبر ونرى·· إذا انكسروا رفعنا رؤوسنا ثانيةً!
تنفس أبو سفيان الصعداء وقال:
- لقد رأيت عز الفرس، مدنٌ كبيرةٌ ملأى بالأسواق وقصور على امتداد النظر وحدائق غناء، وإسطبلات تــُحشدُ فيها الخيولُ فلا ترى لها آخرَ·· وملوك إذا دخلت عليهم فزَّ قلبك من صدرك، وأنت كأنك ترى نورًا في العلياء، بل شمسًا ساطعة، لا تملك سوى أن تنحني على الأرض·· ولم تكن أرضًا بل ذهبًا ولؤلؤًا وتقول ليتني أنام على هذا البساط إلى الأبد، فأي شيء لدى عمر غير الماعز والبعر!
ضحك أفرادُ المجلس بتوتر·
قال المغيرةُ:
- لا بد يا أباسفيان من الصبر الطويل، نحن أمام سيل من الأعراب الذين فتح لهم عمر سبل التدفق على العراق والشام، وهم الطامحون في الأرزاق والسلب والنهب، وما يلبثوا أن يشبعوا فيصابون بالتخمة والغطرسة، وحينئذٍ لا يستطيع عمر أو غيره كبح جماحهم فيسرقون ويملؤون بيوتهم بالنساء والغلمان وتأتي حينئذٍ ساعتنا··
يفكر أبوسفيان لحظة ثم يقول:
- ألا تفكر أن هذا الدين سوف يغيرهم، والتفكير في الجنة والنار سيمنعهم من التساقط على متاع هذه الحياة؟
- وأنت بعد طول رفضك للآخرة هل تراك قبلتَ بها أو تأثرت بجنانها أو نيرانها؟!
- أبدًا!
- وهم كذلك، هؤلاء البدو الفقراء لا يعرفون شيئًا من ذلك، فلا بد أن نكون معهم ولا أقول نطأطئ الرؤوس لهم كما قال فتانا مروان، بل أن نرى أصدقاء بينهم وأعوانًا، فمن يدري قد تنقلب الدوائر على هؤلاء··
قال أبوسفيان:
- لا أدري إلى متى يبقينا عمر هذا أحياءً وأغنياءً!
أسرع المغيرة بالقول:
- لا أظن عمرًا كامل القوة كما يبدو، ها هو قد استعان بخالد بن الوليد وهو الذي لا يطيق سيرته، وبعد أن فعل خالد ما فعل بقبيلة جذيمة وما علينا سوى أن ننفخ في صورة خالد وليعود إلى المدينة قائدًا كبيرًا، ويضع التاج على رأسه، ويقول لدولة الصعاليك اغربي!
- والله أنا أرى لا هذا ولا هذا بل ربما يكون أملنا في الروم أو حتى الفرس·· هل يمكن أن نبقى مرتهنين في أيدي هؤلاء الصعاليك وأميرهم!؟
- إنك تغمغم بهذه الكلمات والجمل حتى بين بعض الناس، الذين ربما حملوها إلى عمر فتكون واقعة خطيرة يا أبا سفيان··
- لدي ابنان بينهم·· هما ذخيرتي وأملي للقادم من الأيام·· لعلها تحبل بهما أو بأحدهما، من يدري··· وبعد بضع أيام سوف أسافر لهما وأرى أي مجد صنعاه··
- 5 -
هل يستطيع عمر أن يغفو؟ حتى بعد صلاة الفجر وفي تلك الظلمة الشاحبة والهدوء العميق كانت الأصوات تضجُ في روحه· هذا بائعُ لبنٍ يغش! وهؤلاء الناس يأكلون من اللحم كثيرًا! وأولئك البشر وراء حراب الروم والفرس يستصرخون به وأصواتهم تصل إلى فراشه اليابس! يتخيلُ القصورَ الكبرى وحدائقها والملوك بتيجانهم وملابسهم المزركشة المنتفخة وتحتهم الأكواخ والناس الذين يغوصون في الوحل ويزرعون القمحَ ثم يرقدون على الحصى وبطونهم خاوية· لديك يا عمر كل هذه الجيوش والبشر أسرى؟
يتقلبُ· بيتُ المال فيه نقودٌ كثيرة لم تـُوزع· عمل دارًا لملابس وأدوات المحتاجين· جاء أغنياءُ قريش وقالوا: قطعت عنا نصيبنا من المال يا أمير المؤمنين! يرى في عيونهم مكرًا وغضبًا مكتومًا· يصيح بهم:
- أُعطيتم المالَ والمسلمون ضعاف ولم نعد ضعافًا فاذهبوا!
يتطلع في وجهي ابنيه الجالسين معه على مائدة الفطور شبه الناضبة، أحدهما وهو عبيد الله يتطلع في الأكل بتذمر وعبدالله يبسمل ويأكل قطع الخبز بشيء من السمن· يقول:
- ماذا تريان في خالد بن الوليد؟
فيسأل عبيدالله بدوره:
- أترى فيه شيئًا يريبك؟ أهذا هو كل الأكل؟
- أنا الذي أسأل··
يقول عبدالله:
- قائد فذٌ لكنه له مزالق وأفعال غريبة··
- مثل ماذا؟
- كإسراعه في قتل الأسرى حتى بعد أن يتأكد أنهم مسلمون·· وقتل النفس بدون حق جريمة··
يعترض عبيدالله:
- أتعتقدان أن الحرب خاليةٌ من المفاجآت والغفلة والعاطفة؟ أتحسبانها مثل النزهة؟ لا تقوم الحروب العظيمة إلا على هذه الأجساد والدماء فيتغير كلُ شيء!
يقول عمر بصرامة:
- ما بالك تصرخ هكذا؟
يكمل عبدالله دون أن يلتفت إلى أخيه:
- خالد يغامر بالناس وقد يكون هذا فعل حرب حسن، لكن التمثيل بالجثث والصلب والحرق هذه ليست من أخلاقنا!
يهتف عمر:
- أحسنت، أحسنت يا لدي!
ويهتف عبيدالله بدوره:
- ما هذا برأي قائد وإنما قارئ!
- ما رأيكما إنني أفكر بعزله وتولية أبي عبيدة بن الجراح مكانه··؟
ينهضُ عبيدالله ويقول برعب:
- سوف تهدمُ كل ما بناه المسلمون يا أبي في الفتوح، سيعودون مهزومين منكسرين، إياك وهذا الأمر!
لا يلتفت عمر إلى عبيدالله ويحدق في شفتي عبدالله وكأنه ينتظر خلاصه· عبدالله يصمت ويفكر مليًا· يقول:
- هل شاورت الصحابة؟
- كثيرين منهم، وهم مختلفون أشد الاختلاف· والأمر برمته يحيرني ويخيفني ويتعبني·· أرى هذا الطاووس يمشي في البلدان بسيفه حاسبًا الانتصارات من فعله·· تعرفان الغرور وماذا يفعل بالنفوس!
يقول عبدالله:
- عزله لن يكون·· كارثة·· تعزله فقط عن منصب القيادة وتدع له مساحة من الأمر والفعل المستقل·· لا تذله··
- هذا رأي حسن كان من أفضل آراء بعض الصحابة··