صفحة 1
لم تبصر دماراً في الضاحية
إلى آلينا وأخي فهد
بفرحٍ، بل بضيق شديد، شَعَرَتْ آلينا المغادرة إلى رومانيا، عبر مطارِ دمشق، بعد إقفال مطار بيروت، وهي في حالةٍ من النشوةِ، ممزوجة بحزنٍ تراكَمَ على امتداد مسافةٍ زمنيةٍ بَلَغَتْ ثلاثةً وثلاثين يوماً، أبصرت خلالها، آلاف المشاهدِ المأسويّة، صوراً لأناس تشبّثوا بتراب القرى والمدن والبلدات، فالتحموا بها حتى الاستشهاد، بيوتاً مدمرة، أحياءً أُزيلت عن خارطة الوطن بالكامل. جسوراً، بنايات، مؤسسات، مكتباتٍ خاصة، وعامة، احترقت فيها الكتبُ الذكريات.
هي حزينةٌ لأنَّها مضطرة لفراقِ زوجها الطبيب شهراً من الزمن. دنت منه وقالت:
ـ أتُصَدِّقُ يا عزيزي، أنني أحاولُ إخراج آلاف الصور المؤذية التي أبصرناها معاً، فلا أقدر لأنَّها تؤلمني، تدفع بي إلى النفور من شيء، أحسُّ بأنني على وشك الانتقام منه.
ـ أنا أفهم وضعَكِ، لأنَّني أشعرُ الوجعَ نفسه، ألم نذق مرارة الحرب معاً؟ لقد حاولت مراراً أن أعرف مقدار حقدِهم، وحقد أطفالهم تجاه أطفالنا، أنا أعلمُ براءةَ الطفولةِ، وأعرفُ أنَّ الطفلَ من الممكن أن يهدي وردةً لا صاروخاً، حياةً لا موتاً. لقد بحثت كثيراً عن مقدار قوة القذائف التي أتت على بناياتٍ كبيرة، فأحالتها ركاماً ممزوجاً برماد، وروائح الدخان المنسرب من أنقاضها الجاثمة مؤذٍ، يُصيب الناسَ بسعالٍ حادٍ، بتقزز بجحوظٍ في العينين العصيتين على الدمع. (قال).
ـ سأعترف لك، على الرغم من الشوقِ الذي يشدّني لرؤية الأهل، راغبةٌ بتأجيل السفر مرّة ثانية. فأنا أشعر بحنين يشدُّني للبقاء معك، ومع الأهل هنا.
ـ أنتِ أجّلتِ هذه الرحلة التي كانت مقررةً في تموز، وآن لك أن ترتاحي، وعليكِ أن تنسي وضعنا قليلاً، فأهلُكِ مشتاقون إليك. وإلى عايدة وعلي، خصوصاً بعد هذه الحرب.
هزَّت آلينا رأسها وقالت:
ـ لا أستطيع وصف المشاعر التي انتابتني، ساعة طَلَبْتَ إليّ المغادرة مع الجالية الرومانية، وقتها سألتُ نفسي: أأعود إلى أهلي لاجئةَ حربٍ من دونك، حاملةً خوفي عليك، لا سيما وأنَّك طبيب تقوم بواجبك الإنساني، معرَّضٌ للخطر في كلّ لحظة؟.
ـ أنا أعرف مقدارَ وفائِكِ وحبُّكِ لنا، وبالمقابل، أعرفُ عنادكِ وعزّة نفسك.
ولكن، ألا ترى معي، أنني حققت ذاتي، عندما أُسافر،الآن، حاملة معي ما يسعدني دهراً؟ أنا أحملُ النصرَ المتحقق في أرضنا على أعتى قوة ظلامية إرهابية في العالم.
إلى آلينا وأخي فهد
بفرحٍ، بل بضيق شديد، شَعَرَتْ آلينا المغادرة إلى رومانيا، عبر مطارِ دمشق، بعد إقفال مطار بيروت، وهي في حالةٍ من النشوةِ، ممزوجة بحزنٍ تراكَمَ على امتداد مسافةٍ زمنيةٍ بَلَغَتْ ثلاثةً وثلاثين يوماً، أبصرت خلالها، آلاف المشاهدِ المأسويّة، صوراً لأناس تشبّثوا بتراب القرى والمدن والبلدات، فالتحموا بها حتى الاستشهاد، بيوتاً مدمرة، أحياءً أُزيلت عن خارطة الوطن بالكامل. جسوراً، بنايات، مؤسسات، مكتباتٍ خاصة، وعامة، احترقت فيها الكتبُ الذكريات.
هي حزينةٌ لأنَّها مضطرة لفراقِ زوجها الطبيب شهراً من الزمن. دنت منه وقالت:
ـ أتُصَدِّقُ يا عزيزي، أنني أحاولُ إخراج آلاف الصور المؤذية التي أبصرناها معاً، فلا أقدر لأنَّها تؤلمني، تدفع بي إلى النفور من شيء، أحسُّ بأنني على وشك الانتقام منه.
ـ أنا أفهم وضعَكِ، لأنَّني أشعرُ الوجعَ نفسه، ألم نذق مرارة الحرب معاً؟ لقد حاولت مراراً أن أعرف مقدار حقدِهم، وحقد أطفالهم تجاه أطفالنا، أنا أعلمُ براءةَ الطفولةِ، وأعرفُ أنَّ الطفلَ من الممكن أن يهدي وردةً لا صاروخاً، حياةً لا موتاً. لقد بحثت كثيراً عن مقدار قوة القذائف التي أتت على بناياتٍ كبيرة، فأحالتها ركاماً ممزوجاً برماد، وروائح الدخان المنسرب من أنقاضها الجاثمة مؤذٍ، يُصيب الناسَ بسعالٍ حادٍ، بتقزز بجحوظٍ في العينين العصيتين على الدمع. (قال).
ـ سأعترف لك، على الرغم من الشوقِ الذي يشدّني لرؤية الأهل، راغبةٌ بتأجيل السفر مرّة ثانية. فأنا أشعر بحنين يشدُّني للبقاء معك، ومع الأهل هنا.
ـ أنتِ أجّلتِ هذه الرحلة التي كانت مقررةً في تموز، وآن لك أن ترتاحي، وعليكِ أن تنسي وضعنا قليلاً، فأهلُكِ مشتاقون إليك. وإلى عايدة وعلي، خصوصاً بعد هذه الحرب.
هزَّت آلينا رأسها وقالت:
ـ لا أستطيع وصف المشاعر التي انتابتني، ساعة طَلَبْتَ إليّ المغادرة مع الجالية الرومانية، وقتها سألتُ نفسي: أأعود إلى أهلي لاجئةَ حربٍ من دونك، حاملةً خوفي عليك، لا سيما وأنَّك طبيب تقوم بواجبك الإنساني، معرَّضٌ للخطر في كلّ لحظة؟.
ـ أنا أعرف مقدارَ وفائِكِ وحبُّكِ لنا، وبالمقابل، أعرفُ عنادكِ وعزّة نفسك.
ولكن، ألا ترى معي، أنني حققت ذاتي، عندما أُسافر،الآن، حاملة معي ما يسعدني دهراً؟ أنا أحملُ النصرَ المتحقق في أرضنا على أعتى قوة ظلامية إرهابية في العالم.
صفحة 2
ـ من هذه الناحية معك حق، غير أنِّي، للحقيقة، كنت خائفاً عليكم، لأنَّ عدونا غادر لا يرحم.
من الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى مطار دمشق مضى الوقت سريعاً، لأنَّ الحديث عن الحرب وصورها البشعة المؤذية لا ينتهي.
في المطار، شرع موظف الاستعلامات يعلن:
ـ على ركاب الطائرة المغادرة إلى رومانيا التوجهَ إلى الطائرة. نداءٌ قطع عليهما متابعة حديثهما، فنهض الجميع، الأمُّ مع عايدة وعلي لوداعٍ حميم، شدَّ الزوج على يدها، وربَّت على كتفها وقال:
ـ سلِّمي على الأهل، انتبهي للأولاد، اهتمي بنفسك.
ـ بل سأهتم بهم إلى حين صعود الطائرة (قال موظف في المطار عرف أنهم لبنانيون، ورغب في تقديم المساعدة على سبيل التضامن). ثم توجَّه إلى «ألينا» قائلاً:
ـ أنت من لبنان؟
ـ أنا من الجنوب. وأسكن في الضاحية الجنوبية.
ـ أراك تغادرين إلى رومانيا؟
ـ أنا رومانية ومن الجنوب.
ـ وكيف تركت الضاحية؟
ـ بخير، والحمد لله.
ـ كيف؟ والبيوت المدمّرة، والبنايات المحترقة، والشهداء والدمار؟
ـ أيّ دمار؟ أنا لم أرَ دماراً في الضاحية.
ـ ألست من سكان الضاحية؟
ـ بلى، وكنت فيها قبل ساعتين من الآن فقط.
ـ كيف تكونين كذلك، ولم تشاهدي دماراً؟ أنا لا أفهم!
ـ سأفهمك، ببساطة، عندما وطئت أقدامُنا أرضَ الضاحية، بعد عودتنا منتصرين، كانت رؤوسنا في السماء شامخةً، لذا لم نرَ ما جرى على الأرض، أَعَرفت الآن؟.. أَعرفت؟..
بعد الانتصار الدامي في حرب تموز عام 2006.
من الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى مطار دمشق مضى الوقت سريعاً، لأنَّ الحديث عن الحرب وصورها البشعة المؤذية لا ينتهي.
في المطار، شرع موظف الاستعلامات يعلن:
ـ على ركاب الطائرة المغادرة إلى رومانيا التوجهَ إلى الطائرة. نداءٌ قطع عليهما متابعة حديثهما، فنهض الجميع، الأمُّ مع عايدة وعلي لوداعٍ حميم، شدَّ الزوج على يدها، وربَّت على كتفها وقال:
ـ سلِّمي على الأهل، انتبهي للأولاد، اهتمي بنفسك.
ـ بل سأهتم بهم إلى حين صعود الطائرة (قال موظف في المطار عرف أنهم لبنانيون، ورغب في تقديم المساعدة على سبيل التضامن). ثم توجَّه إلى «ألينا» قائلاً:
ـ أنت من لبنان؟
ـ أنا من الجنوب. وأسكن في الضاحية الجنوبية.
ـ أراك تغادرين إلى رومانيا؟
ـ أنا رومانية ومن الجنوب.
ـ وكيف تركت الضاحية؟
ـ بخير، والحمد لله.
ـ كيف؟ والبيوت المدمّرة، والبنايات المحترقة، والشهداء والدمار؟
ـ أيّ دمار؟ أنا لم أرَ دماراً في الضاحية.
ـ ألست من سكان الضاحية؟
ـ بلى، وكنت فيها قبل ساعتين من الآن فقط.
ـ كيف تكونين كذلك، ولم تشاهدي دماراً؟ أنا لا أفهم!
ـ سأفهمك، ببساطة، عندما وطئت أقدامُنا أرضَ الضاحية، بعد عودتنا منتصرين، كانت رؤوسنا في السماء شامخةً، لذا لم نرَ ما جرى على الأرض، أَعَرفت الآن؟.. أَعرفت؟..
بعد الانتصار الدامي في حرب تموز عام 2006.
صفحة 3
«أملاك خاصة» (ما يشبه المقدّمة)
سامحك الله يا «هارميل ملفيل» تكتب «موبي ديك» «الحوت»، وتلحف بطلبك، تدفع بنا وبك وبه إلى الاحتراق، من أجل دوام النور. أنت تقول: «إذا لم أحترق أنا، وتحترق أنت، ويحترق هو، فمن أين يشعّ النور؟»
ـ (عال!) لمَ يُطلب منا «أنا وأنت وهو» أن نحترق؟
جوابك جاهز: ليشعَّ النور.
ـ رائع هذا التسامي، ورائعة هي الروح الجماعيّة، ولكن السؤال الذي يقضّ مضجعي هو: إن احترقت أنا وأنت، ولم يحترق هو، سيشعّ النور. وسأفنى معك ويسلم هو، ويستمتع بالنور وحيداً، لا بأس، نحن، أي أنا وأنت لسنا أنانيين، لأنَّنا عندما نهب القنديل زيتاً، من شحمنا، لا نفكِّر بمن سيستمتع بالنور، غير أنَّ استمرار شحمي وشحمك، من نسلي ونسلك. ويسلم هو مع نسله، لا يستوي ساعتئذ ميزان عدل الحقيقة، عندها أفنى معك، غير أنّا سنكون راضيين، فيما لو احترقنا، أنا وأنت، وتنعَّمَ هو مع أحفادنا. أقصد: أحفادي وأحفادك وكلّ الأحفاد.
الفرضية الثانية: إذا احترقت أنا وهو مع نسلنا، لتسلم أنت مع نسلك، ولنستفيد من النور ، فرضية مرفوضة، لأنَّها مُعادِلةٌ للأولى، وقلِ الشيء نفسه عن الفرضية الثالثة. إذا احترقت أنت وهو، وسلمتُ أنا مع نسلي لنتمتع بالنور.
إذاً؛ المسألة مسألة بذلٍ جماعي، وشعور بالمسؤولية الوطنية عظيم.
في الواقع، إنَّ البخّور المنبعثة رائحته من دم واحدٍ أو اثنين، من رجال المعادلات الثلاث، لا يكون طيباً بما فيه الكفاية. فبخور احتراق دم الجميع يرفعك إلى أعلى عليين، ويسمو بك فوق الشهوات.
في وطني لا يحترق هو، ربما لأنه يعيش في برج عاجي، بل يعيش محمولاً على أكتافنا أنا وأنت، مع أحفادنا والذراري. نحن نعرفه، غير أن زجاج البرج وامتناعه عن مقابلتنا. وخضوعنا لإرادته، مع قبولنا بعدم الإلحاف على رؤيته، يؤلّههُ، حتى إذا ما أطلَّ علينا يوماً، من علٍ، نحتفل، نعيّد، نرقص، لأنّه كلمنا، ولو كانت لغته لغة الآمر الناهي.
يا أخي، رمادي لا يحترق ثانية، ورمادك كذلك، وشحمي مقدرٌ في جسدي ومعلوم، وكذلك شحمك، والله لن يبعثنا ثانية إلَّا أحراراً. وبين يديه هو، لا غيره. فلم لا نفكّ قيود الأنا والأنت، ولم لا نحرق لمرّة واحدة فقط، شحم «الهو» فقط، لنتعرّف إلى رائحته. فقديماً قيل: عليك أن تعجم العود لتتعرّف إلى طبيعته. إلى مقدار طراوته أو صلابته، إلى مذاقه. وفي مقلع الحجارة نتعرّف إلى طبيعتها.
ثمَّ لو ألقيت أنا أعواد المحمل، وألقيتَ أنت، فسيقع الهو، من دون شكّ. دعه يقع. لعلَّ النار تصل إلى أعواده فيحترق. ثمَّ إن احترق مرّة فلا بأس. فنحن احترقنا آلاف المرّات.
وبعد، يسأل حفيد من أحفادي: ولمَ لا يسمعُ هذا الهو أصواتنا؟ لا يسمع صراخ المعوزين، وأنين المقهورين؟ ولمَ لا يرى الأرامل واليتامى وأبناء السبيل؟ فيجيبه واحد من أبنائك، ولعلّه وجد له عذراً:
«ربّما لأن أزيز احتراق الأعواد، منع عليه السمع. ولأن ألسنة اللهيب حجبت بقايانا عن بصره. ربّما، ربّما»... ثمَّ ما يفيدك لو رأى بقايانا تذوب وتذوي ليشتعل النور؟ ثم ألا ترى معي أنّنا نغالي برفع أصوات أزيز احتراقنا، إذا ما طُلب إلينا أن نلقم النار، خشية أن تنطفىء. وأن ألسنة لهيب احتراقنا تتراقص إلى الجوزاء فرحة بطلب الهو. ولو كان الطلب إلينا الزوال.
سامحك الله يا «هارميل ملفيل» تكتب «موبي ديك» «الحوت»، وتلحف بطلبك، تدفع بنا وبك وبه إلى الاحتراق، من أجل دوام النور. أنت تقول: «إذا لم أحترق أنا، وتحترق أنت، ويحترق هو، فمن أين يشعّ النور؟»
ـ (عال!) لمَ يُطلب منا «أنا وأنت وهو» أن نحترق؟
جوابك جاهز: ليشعَّ النور.
ـ رائع هذا التسامي، ورائعة هي الروح الجماعيّة، ولكن السؤال الذي يقضّ مضجعي هو: إن احترقت أنا وأنت، ولم يحترق هو، سيشعّ النور. وسأفنى معك ويسلم هو، ويستمتع بالنور وحيداً، لا بأس، نحن، أي أنا وأنت لسنا أنانيين، لأنَّنا عندما نهب القنديل زيتاً، من شحمنا، لا نفكِّر بمن سيستمتع بالنور، غير أنَّ استمرار شحمي وشحمك، من نسلي ونسلك. ويسلم هو مع نسله، لا يستوي ساعتئذ ميزان عدل الحقيقة، عندها أفنى معك، غير أنّا سنكون راضيين، فيما لو احترقنا، أنا وأنت، وتنعَّمَ هو مع أحفادنا. أقصد: أحفادي وأحفادك وكلّ الأحفاد.
الفرضية الثانية: إذا احترقت أنا وهو مع نسلنا، لتسلم أنت مع نسلك، ولنستفيد من النور ، فرضية مرفوضة، لأنَّها مُعادِلةٌ للأولى، وقلِ الشيء نفسه عن الفرضية الثالثة. إذا احترقت أنت وهو، وسلمتُ أنا مع نسلي لنتمتع بالنور.
إذاً؛ المسألة مسألة بذلٍ جماعي، وشعور بالمسؤولية الوطنية عظيم.
في الواقع، إنَّ البخّور المنبعثة رائحته من دم واحدٍ أو اثنين، من رجال المعادلات الثلاث، لا يكون طيباً بما فيه الكفاية. فبخور احتراق دم الجميع يرفعك إلى أعلى عليين، ويسمو بك فوق الشهوات.
في وطني لا يحترق هو، ربما لأنه يعيش في برج عاجي، بل يعيش محمولاً على أكتافنا أنا وأنت، مع أحفادنا والذراري. نحن نعرفه، غير أن زجاج البرج وامتناعه عن مقابلتنا. وخضوعنا لإرادته، مع قبولنا بعدم الإلحاف على رؤيته، يؤلّههُ، حتى إذا ما أطلَّ علينا يوماً، من علٍ، نحتفل، نعيّد، نرقص، لأنّه كلمنا، ولو كانت لغته لغة الآمر الناهي.
يا أخي، رمادي لا يحترق ثانية، ورمادك كذلك، وشحمي مقدرٌ في جسدي ومعلوم، وكذلك شحمك، والله لن يبعثنا ثانية إلَّا أحراراً. وبين يديه هو، لا غيره. فلم لا نفكّ قيود الأنا والأنت، ولم لا نحرق لمرّة واحدة فقط، شحم «الهو» فقط، لنتعرّف إلى رائحته. فقديماً قيل: عليك أن تعجم العود لتتعرّف إلى طبيعته. إلى مقدار طراوته أو صلابته، إلى مذاقه. وفي مقلع الحجارة نتعرّف إلى طبيعتها.
ثمَّ لو ألقيت أنا أعواد المحمل، وألقيتَ أنت، فسيقع الهو، من دون شكّ. دعه يقع. لعلَّ النار تصل إلى أعواده فيحترق. ثمَّ إن احترق مرّة فلا بأس. فنحن احترقنا آلاف المرّات.
وبعد، يسأل حفيد من أحفادي: ولمَ لا يسمعُ هذا الهو أصواتنا؟ لا يسمع صراخ المعوزين، وأنين المقهورين؟ ولمَ لا يرى الأرامل واليتامى وأبناء السبيل؟ فيجيبه واحد من أبنائك، ولعلّه وجد له عذراً:
«ربّما لأن أزيز احتراق الأعواد، منع عليه السمع. ولأن ألسنة اللهيب حجبت بقايانا عن بصره. ربّما، ربّما»... ثمَّ ما يفيدك لو رأى بقايانا تذوب وتذوي ليشتعل النور؟ ثم ألا ترى معي أنّنا نغالي برفع أصوات أزيز احتراقنا، إذا ما طُلب إلينا أن نلقم النار، خشية أن تنطفىء. وأن ألسنة لهيب احتراقنا تتراقص إلى الجوزاء فرحة بطلب الهو. ولو كان الطلب إلينا الزوال.
صفحة 4
فعلامَ هذا التصاغر؟ وإلام هذا التضاؤل؟. بالأمس بكيت، ومن دون أن تطلب إليّ، سأقصّ عليك الحكاية:
بالأمس، كنت ماراً في قرية من قرى جبل عامل (جنوب لبنان) ولفتني جمعٌ. تقدّمت، رأيت دورية عسكر، تنحّيت جانباً، وأصختُ السمعَ، فصرخ أحدهم مشيراً إلى رجال الدورية أن يتبعوا فتىً، يحمل بيده حجراً مستطيلاً قليلاً، قائلاً لهم: ها هو، مرَّ بالزرع، أتلفهُ، تقدموا تجاهه، أمسكوه من ذراعه، استنطقوه، سيعترف، سيقول الحقيقة، هو لا يكذب، أنا أعرفه، كل أهل الضيعة يعرفونه.
ـ صرخ الفتى: اتركوني، أنتم تعاملونني بوحشية.
ـ أتتلفُ زرعَ الرجل، وتطلب إلينا أن نتركك؟ من أنت؟
ـ شرق الفتى بدمعه وقال بصعوبة: أنا ابن شهيد، وجئت أتفقّد الموقع الذي سقط فيه.
نعم، والد الفتى ارتفع إلى الله، قل احترق في استشهاده، وأضحى رمادا في أرضه. لهيبُ احتراقه فلَّ حديد سلاسلِ العدوّ، صهره، وصهر أقفال المعتقلات، في أنصار وكفرمان والخيام، وصهر أقفال الوطن، لكنه أضحى رماداً، فمن الذي استفاد من رماد الاشتعال؟ هو. نعم جاء برماد الشهيد وبذره في الأرض ثم زرع، فنما زرعه كثيراً، لأن رماد الخلّص وفير العطاء، وبدلاً من إنشادة نصب لروح المشتعل، أو السماح، لأبنائه بإقامة مثل هذا النصب، حرّم على نسله المرور بمكان المحرقة، محرقة روح الفرد في سبيل الأرض والوَطن والأمّة.
أرأيت؟ لو احترق من الهو واحد لقدّس مكان الاحتراق، غير أنّا كثيراً ما نضحي أمام الهو، الذي لا يستحقّ.
سامحك الله يا «هارميل ملفيل» أرأيت طفل المحرقة؟.
أملاك خاصة
(القصّة)
«إذا لم أحترق أنا، وتحترق أنت، ويحترق هو، فمن أين يشعّ النور»؟ «هارفيل مالفيل» في «الحوت».
«موبي ديك»
لم تكنْ جلبةً عاديةً، كان صراخ الشخص في الحقل مرتفعاً جداً، أوداجه منتفخة كأنّها جلود الضفادع، حين تنقّ نقيقاً مرعباً، وعيناه جاحظتان جحوظ عيون الأفاعي لحظة التهامها آخر أعضاء ضحاياها. وشعره منفوش كأعواد شجرة الزقوم، ويداه ترسمان في الهواء خطوطاً بهلوانيةً، بينما كان يزرع الحقل جيئة وذهاباً، مثل ذئب أرخى رقبته.
الناس تجمهروا على حدود زرع، ممنوعين من الدخول إليه بفعل الحجارة التي تُلقى باتجاههم، بذريعة أنَّه أملاك خاصة. وهم حاولوا جادّين ردع الشخص عن فعله المستهجن.
بالأمس، كنت ماراً في قرية من قرى جبل عامل (جنوب لبنان) ولفتني جمعٌ. تقدّمت، رأيت دورية عسكر، تنحّيت جانباً، وأصختُ السمعَ، فصرخ أحدهم مشيراً إلى رجال الدورية أن يتبعوا فتىً، يحمل بيده حجراً مستطيلاً قليلاً، قائلاً لهم: ها هو، مرَّ بالزرع، أتلفهُ، تقدموا تجاهه، أمسكوه من ذراعه، استنطقوه، سيعترف، سيقول الحقيقة، هو لا يكذب، أنا أعرفه، كل أهل الضيعة يعرفونه.
ـ صرخ الفتى: اتركوني، أنتم تعاملونني بوحشية.
ـ أتتلفُ زرعَ الرجل، وتطلب إلينا أن نتركك؟ من أنت؟
ـ شرق الفتى بدمعه وقال بصعوبة: أنا ابن شهيد، وجئت أتفقّد الموقع الذي سقط فيه.
نعم، والد الفتى ارتفع إلى الله، قل احترق في استشهاده، وأضحى رمادا في أرضه. لهيبُ احتراقه فلَّ حديد سلاسلِ العدوّ، صهره، وصهر أقفال المعتقلات، في أنصار وكفرمان والخيام، وصهر أقفال الوطن، لكنه أضحى رماداً، فمن الذي استفاد من رماد الاشتعال؟ هو. نعم جاء برماد الشهيد وبذره في الأرض ثم زرع، فنما زرعه كثيراً، لأن رماد الخلّص وفير العطاء، وبدلاً من إنشادة نصب لروح المشتعل، أو السماح، لأبنائه بإقامة مثل هذا النصب، حرّم على نسله المرور بمكان المحرقة، محرقة روح الفرد في سبيل الأرض والوَطن والأمّة.
أرأيت؟ لو احترق من الهو واحد لقدّس مكان الاحتراق، غير أنّا كثيراً ما نضحي أمام الهو، الذي لا يستحقّ.
سامحك الله يا «هارميل ملفيل» أرأيت طفل المحرقة؟.
أملاك خاصة
(القصّة)
«إذا لم أحترق أنا، وتحترق أنت، ويحترق هو، فمن أين يشعّ النور»؟ «هارفيل مالفيل» في «الحوت».
«موبي ديك»
لم تكنْ جلبةً عاديةً، كان صراخ الشخص في الحقل مرتفعاً جداً، أوداجه منتفخة كأنّها جلود الضفادع، حين تنقّ نقيقاً مرعباً، وعيناه جاحظتان جحوظ عيون الأفاعي لحظة التهامها آخر أعضاء ضحاياها. وشعره منفوش كأعواد شجرة الزقوم، ويداه ترسمان في الهواء خطوطاً بهلوانيةً، بينما كان يزرع الحقل جيئة وذهاباً، مثل ذئب أرخى رقبته.
الناس تجمهروا على حدود زرع، ممنوعين من الدخول إليه بفعل الحجارة التي تُلقى باتجاههم، بذريعة أنَّه أملاك خاصة. وهم حاولوا جادّين ردع الشخص عن فعله المستهجن.
صفحة 5
الفتى وسط الحقل، منتصب مثل رمح، لا يدري ما يفعل، بين يديه حجر مستطيل قليلاً، حفر عليه اسم والده وتاريخ استشهاده. حاول مراراً أن يشرح للشخص الغاية من وجوده هناك، غير أنّ ذاك لم يمهله، ولم يفسح له المجال لذلك. فانفعاله كان قوياً لدرجة أنّه سيطر على عقله، فلم يسمع تسويغ الفتى، وشرع يلوّح بهاتف محمول، أدناه من أذنه، ثمَّ أبعده، وتفحّص على عجل الرقم الموجود على شاشته، وراحت الكلمات متقطعة، تخرج من فمٍ أرغى وأزبد.
ـ إنَّه هنا، نعم، إنَّه وسط الزرع، وداخل حدود الحقل. نعم سيدي، إنَّه يحمل حجراً، نعم الحجر كبير، كبير جداً ومستطيل. لا. لن أقترب منه، أخاف، قد يضربني به. نعم، نعم. سأنتظر (كان يحدّث شخصاً يبدو أنّه صاحب الحقل).
تجمّد الفتى حائراً، ماذا يفعل أمام هذه المصيبة النازلة عليه، التي لم يحسب لها حساباً البتّة؟ فتح فمه وردَّد بضع كلمات بدت للشخص الذي أدار ظهره، وانحنى يجمع حجارة صغيرة، غير مفهومة.
حاول الفتى ثانية، وبصوت أعلى: أنا لا أقصد إيذاء الزرع أبداً!
ـ إذاً، تقصد ماذا، قل؟ إنها المرّة الثانية، بل الثالثة التي أراك فيها هنا، أنا وكيل هذه الأملاك، وأرقب كلّ شاردة وواردة.
ـ أمِّي قالت.
ـ ماذا قالت لك أمّك ؟ هيا تكلم! على كلٍّ حال وفّر شهادتك، ها هم قادمون، وعندها قل كلّ ما تريد قوله.
ـ من تقصد؟
ـ رجال الدرك، اتصلت بسيدي الآن، وقال: لا تخف، سيكون رجال الدرك عندك بعد قليل.
«أغمض الفتى عينيه، وراح يستعرض مشهد سحب جثة والده، التي بقيت هنا، حيث استشهد؛ ويومها، اتصل هو وإخوته مرات عديدة بالمخفر وبقوات الطوارىء، علهم يلقون مساعدة، من دون جدوى».. فتحهما وتوجه إلى الشخص قائلاً:
ـ القضية لا تستحقّ مثل الذي تفعله، وما أنا سوى راغب بوضع هذا النصب هنا.
ـ أهي أملاك أبيك حتى تنصب الحجر هنا؟ (قال مقاطعاً).
ـ أبي رحمه الله، ليست له أملاك كهذه الأملاك، صحيح، ولكن!
ـ لكن ماذا؟ هيا، انطق.
ـ قال لي قبل آخر وداع، قبل آخر قبلة، إنَّ الأرض، كلّ الأرض لنا، وعلينا...
ـ وعليكم ماذا؟ أكان والدك يبغي وضع يده على هذه الأرض؟
ـ لا، وأنت تعرف أبي أكثر من غيرك، كان يمتلك رشيشاً فقط، حتى الرشيش لم يكن له، إنه للمقاومة، وكان هدفه تحرير الأرض.
ـ لا تخفني برشيش أبيك، فأنا الآن بحماية الأمن والقانون.
ـ إنَّه هنا، نعم، إنَّه وسط الزرع، وداخل حدود الحقل. نعم سيدي، إنَّه يحمل حجراً، نعم الحجر كبير، كبير جداً ومستطيل. لا. لن أقترب منه، أخاف، قد يضربني به. نعم، نعم. سأنتظر (كان يحدّث شخصاً يبدو أنّه صاحب الحقل).
تجمّد الفتى حائراً، ماذا يفعل أمام هذه المصيبة النازلة عليه، التي لم يحسب لها حساباً البتّة؟ فتح فمه وردَّد بضع كلمات بدت للشخص الذي أدار ظهره، وانحنى يجمع حجارة صغيرة، غير مفهومة.
حاول الفتى ثانية، وبصوت أعلى: أنا لا أقصد إيذاء الزرع أبداً!
ـ إذاً، تقصد ماذا، قل؟ إنها المرّة الثانية، بل الثالثة التي أراك فيها هنا، أنا وكيل هذه الأملاك، وأرقب كلّ شاردة وواردة.
ـ أمِّي قالت.
ـ ماذا قالت لك أمّك ؟ هيا تكلم! على كلٍّ حال وفّر شهادتك، ها هم قادمون، وعندها قل كلّ ما تريد قوله.
ـ من تقصد؟
ـ رجال الدرك، اتصلت بسيدي الآن، وقال: لا تخف، سيكون رجال الدرك عندك بعد قليل.
«أغمض الفتى عينيه، وراح يستعرض مشهد سحب جثة والده، التي بقيت هنا، حيث استشهد؛ ويومها، اتصل هو وإخوته مرات عديدة بالمخفر وبقوات الطوارىء، علهم يلقون مساعدة، من دون جدوى».. فتحهما وتوجه إلى الشخص قائلاً:
ـ القضية لا تستحقّ مثل الذي تفعله، وما أنا سوى راغب بوضع هذا النصب هنا.
ـ أهي أملاك أبيك حتى تنصب الحجر هنا؟ (قال مقاطعاً).
ـ أبي رحمه الله، ليست له أملاك كهذه الأملاك، صحيح، ولكن!
ـ لكن ماذا؟ هيا، انطق.
ـ قال لي قبل آخر وداع، قبل آخر قبلة، إنَّ الأرض، كلّ الأرض لنا، وعلينا...
ـ وعليكم ماذا؟ أكان والدك يبغي وضع يده على هذه الأرض؟
ـ لا، وأنت تعرف أبي أكثر من غيرك، كان يمتلك رشيشاً فقط، حتى الرشيش لم يكن له، إنه للمقاومة، وكان هدفه تحرير الأرض.
ـ لا تخفني برشيش أبيك، فأنا الآن بحماية الأمن والقانون.
صفحة 6
ـ كما كنت أيام الاحتلال، بحماية أمنهم وقواتهم، أليس كذلك؟ ثمَّ من أخافك من قبل حتى تقول هذا الكلام؟ حتى الذين كانوا أمثالك أصبحوا آمنين على أموالهم وأعراضهم ودمائهم، ثم من قال لك إننا ضد القانون الذي به تحتمي؟
لحظات مرّت، علا بعدها غبار، وزعق زمور سيارة قادمة في الآذان. كأنه صوت زلزال. أنوار السيارة تنهب المكان، وتخترق الغبار المتكاثف.
ضاعت وجوه الناس الذين تململوا رافضين موقف الشخص.
ـ إنها سيارة الدرك (قال الشخص وهو يهرول ويقول بانفعال) سيدي، إنَّه هناك، الحجر لا يزال بيده، اقبضوا عليه!
نزل رجال الدرك من السيارة، هاماتهم مديدة، الرشيشات مصوَّبة تجاه الفتى المتمسك بالنصب، تقدموا منه أكثر، أمروه أن يرمي الحجر ويرفع يديه إلى الأعلى.
لم يستجب الفتى، فظل منتصباً ثابتاً في مكانه، ضربوا طوقاً محكماً حوله، وقال رئيس الدورية:
ـ من أنت أيُّها الفتى؟ وما اسمك؟ ثمَّ ماذا تريد من الزرع، ومن التهديد؟
انتفض الفتى، احمر وجهه من غضب، وقال مخاطباً رئيس الدورية:
ـ بل أنت من تكون؟ وما اسمك؟ وأين كنت يوم زرع أبي دمه هنا على هذي الأرض، أيام كان الصهاينة يقصفوننا ويذيقوننا مرّ العذاب؟
ـ أنا رجل أمن!
ـ وأنا ماجد ابن الشهيد!
ـ ولِمَ تحمل حجراً، وتريد إيذاء الزرع، وتخويف الرجل وإزعاجنا بوجودك هنا، داخل أملاكٍ خاصة؟
ـ هذا ليس حجراً كما تقول، إنه نصب يؤرخ للحظة استشهاد والدي في هذا المكان، وأنا لا أبغي سوى تثبيته هنا. ثمَّ إنَّه رحمه الله، لم يقل لنا إنَّها أملاك خاصة.
ـ وماذا قال لك والدك؟
ـ إنَّها أرض الوطن. وحقّ علينا تحريرها (هذا ما لقننا إياه والدي).
ـ وماذا أوصاك بعد؟ هيا، تفلسف.
ـ قال لنا: الأملاك الخاصة عندما تكون محتلة تصبح وطناً نعمل على تحريره لئلا يصبح الوطن أملاكاً خاصة.
ـ بقي سؤال واحد، أوالدك أوصاك أن تنصب هذا النصب هنا؟
لا، فأبي، رحمه الله، لم يكن يعرف أنَّه سيستشهد هنا، غير أنَّه كان مؤمناً بأنَّ عليه أن يقاوم من هنا، لذا تراني جديراً بحمل الأمانة، أمانة دمائه التي حرّرت متجمعة مع غيرها، الوطن، الذي تتبختر الآن مع رجالك على ترابه. لذا تراني مصراً على نصب النّصب هنا، وهنا بالتحديد، لأن رحلة أبي إلى حرية الوطن كانت من هنا، كما كانت مواقع الراحلين في قافلة أبي نقاط بدايتهم إلى الوطن،
بعد التحرير
عام 2000
لحظات مرّت، علا بعدها غبار، وزعق زمور سيارة قادمة في الآذان. كأنه صوت زلزال. أنوار السيارة تنهب المكان، وتخترق الغبار المتكاثف.
ضاعت وجوه الناس الذين تململوا رافضين موقف الشخص.
ـ إنها سيارة الدرك (قال الشخص وهو يهرول ويقول بانفعال) سيدي، إنَّه هناك، الحجر لا يزال بيده، اقبضوا عليه!
نزل رجال الدرك من السيارة، هاماتهم مديدة، الرشيشات مصوَّبة تجاه الفتى المتمسك بالنصب، تقدموا منه أكثر، أمروه أن يرمي الحجر ويرفع يديه إلى الأعلى.
لم يستجب الفتى، فظل منتصباً ثابتاً في مكانه، ضربوا طوقاً محكماً حوله، وقال رئيس الدورية:
ـ من أنت أيُّها الفتى؟ وما اسمك؟ ثمَّ ماذا تريد من الزرع، ومن التهديد؟
انتفض الفتى، احمر وجهه من غضب، وقال مخاطباً رئيس الدورية:
ـ بل أنت من تكون؟ وما اسمك؟ وأين كنت يوم زرع أبي دمه هنا على هذي الأرض، أيام كان الصهاينة يقصفوننا ويذيقوننا مرّ العذاب؟
ـ أنا رجل أمن!
ـ وأنا ماجد ابن الشهيد!
ـ ولِمَ تحمل حجراً، وتريد إيذاء الزرع، وتخويف الرجل وإزعاجنا بوجودك هنا، داخل أملاكٍ خاصة؟
ـ هذا ليس حجراً كما تقول، إنه نصب يؤرخ للحظة استشهاد والدي في هذا المكان، وأنا لا أبغي سوى تثبيته هنا. ثمَّ إنَّه رحمه الله، لم يقل لنا إنَّها أملاك خاصة.
ـ وماذا قال لك والدك؟
ـ إنَّها أرض الوطن. وحقّ علينا تحريرها (هذا ما لقننا إياه والدي).
ـ وماذا أوصاك بعد؟ هيا، تفلسف.
ـ قال لنا: الأملاك الخاصة عندما تكون محتلة تصبح وطناً نعمل على تحريره لئلا يصبح الوطن أملاكاً خاصة.
ـ بقي سؤال واحد، أوالدك أوصاك أن تنصب هذا النصب هنا؟
لا، فأبي، رحمه الله، لم يكن يعرف أنَّه سيستشهد هنا، غير أنَّه كان مؤمناً بأنَّ عليه أن يقاوم من هنا، لذا تراني جديراً بحمل الأمانة، أمانة دمائه التي حرّرت متجمعة مع غيرها، الوطن، الذي تتبختر الآن مع رجالك على ترابه. لذا تراني مصراً على نصب النّصب هنا، وهنا بالتحديد، لأن رحلة أبي إلى حرية الوطن كانت من هنا، كما كانت مواقع الراحلين في قافلة أبي نقاط بدايتهم إلى الوطن،
بعد التحرير
عام 2000
صفحة 7
الطالب الجامعي يحاضر شهيداًعن ثقافة الحياة!
حين وزّعت نسخاً عن الورقة التي سُجِّلَتْ عليها الأمثلة المساعدة على فهم الدرس، أذكر أنني وضعت أوراقاً على الطاولات كافة، لأن بعض الطلاب الوافدين من القرى قد يتأخرون بضع دقائق، غير أنّهم نادراً ما يتغيبون. أحسستُ بوجوم تامّ مرتسم على وجوه الحاضرين، فلم أعر الأمر كثير اهتمام، وانصرفت أحاول بعث حيويّة في الشرح. سجّلت بعض رؤوس الأقلام المساعدة، وتوجّهت إليهم، محاولاً تلمس مقدار انجذابهم إلى الدرس، ظلوا صامتين، لم يشاركني أحد.انتابني شعور بالغربة لم أعهده من قبل. رحتُ أفكّر في مادة الدرس، ربّما تكون الأساس في انقطاع عمليّة التلقّي. عقدت في ذهني مقارنةً سريعةً، بينها وبين المحاضرة السابقة، التي كنّا، الطلاب وأنا، نشترك في صوغ أمثلة جديدة، فوجدت أنَّ لا علاقة للمحاضرة بالامتناع عن الاستجابة. لم يرق الوضع لي. توجّهت إلى الملاحظات المكتوبة، فلم أجد سبباً مقنعاً، انتقلت ببصري نحوهم، نحو وجوههم. كانت ساهمةً، متسمرةً، كأنَّها ترقب الفراغ. كانوا شاخصين إلى شيء لا أعرفه، إلى أمر عجزت عن اكتشافه تلك اللحظات.
أمسكتُ ورقةَ الأمثلة، التي من عادتي أن أنتقيها من الواقع، واقع الناس والأرض، فقد عفت المألوف من زيد وعمرو، وفلان وعلاّن، وطلبت إليهم، أن يمسك كلّ واحدٍ منهم ورقته، ويقرأ ما فيها بصمت، بقيت الأوراق على الطاولات. رحت أُسائل نفسي: «أيكون هؤلاء قد اتفقوا على تنفيذ اعتصام ما؟ ولمَ الاعتصام»؟ (همست) لحظات قاسية، ونظرات منكسرة، كدت انفجر:
ـ ما بكم قولوا؟
ظلوا صامتين. أخذت أحدّق في عيونهم، في كتبهم، في مقاعدهم والطاولات. الله ما هذا! مقعد فارغ فقط في الصف الأمامي، إنَّه مقعد حسين، وهذه طاولته تحمل أمثلة الدرس، والكل شاخص إليهما، أينهُ؟ (تمتمت).
استمروا منشدّين إلى طاولة حسين ومقعده، وشرعت عيون الطلاب والطالبات، تحبّر بدمع شفيف قصةً حزينةً، بدأت خطوط تفاصيلها ترتسم في ذهني ومخيلتي. «ربما يكون الطالب تعرض لحادث ما، أو أصاب أهله مكروه ـ لا سمح الله ـ أو استهدفه مرض مفاجىء، أو تهدّم منزله بفعل القصف الصهيوني اليومي، مَن يدري». وقطع صوت جارته في الصف عليّ حبل تساؤلاتي وقالت بصوت تخنقه الغصة:
ـ أستاذ، خذ ورقة الأمثال هذه، فحسين لم يعد بحاجة إليها!
ـ ماذا تقصدين؟
وقف عادل وقال:
ـ حسين، انتقل إلى جامعةٍ ثانيةٍ، فقد استشهد البارحة يا أستاذ، لعلك شاهدت عملية اقتحام الموقع من على شاشة التلفاز!
ـ نعم، غير أنّي لم أتوقع أن يكون المقاوم المقتحم على العدو موقعه المحصّن هو حسين. رأيته يتقدّم بخطى واثقة، يحملُ رايةً وعزماً وذخيرة.
«غامت عيناي، ورحت استعيد صورة حسين، الطالب الجامعي الوادع الجالس يستمع بشغف إلى الدرس وتفاصيله وأمثلته، ويحمل عزماً على متابعة الحياة والدراسة والتحصيل العلمي، أخذتُ أقارنها بصورة البطل المقاوم المقتحم بثبات وإيمان مواقع حصينة، يكتب بدمه درساً تطبيقياً وفي حبّ الحياة وعشق الأرض لا ينسى، بل وهو يعلّم كيف يحاضر الجامعيون غائبين، عن ذوبان في العلم، وفي حبّ التراب والحرية!
نزلت من على المنبر، وتوجّهت إلى مقعده وطاولته، حملت الورقة، احتضنتها برفق. حاولت أن أهديه بضع كلمات تليق بقامته العالية. أغمضت عينيّ، أبصرته منتصباً أمامي يهمس بكلمات:
«أستاذ، اعذرني، لم أتمكّن من الحضور، لقد نادتني الغالية فلبّيتُ، لقد نادتني الحياة الأبديّة الخالدة فعفت الدنيا الفانية».
فتحتهما، وتلفّعتُ بصمتٍ يفضل الكلام ألف مرّة، في مثل هذا الموقف الذي يغدو فيه الطالب أستاذاً في حبّ الأرض والحياة، وفي كتابة الأمثلة الحيّة المعبّرة عنهما.
بعد التحرير 2000