eKtab
EN ع
عندما كنت وزيراً
اقرأ عينة مجانية

عندما كنت وزيراً

بقلم د. عبد الأمير رحيمة العبود

صفحة 1

مقدمة الطبعة الثانية

تصدر الطبعة الثانية من كتاب (عندما كنت وزيراً... سيرة ومشاهدات عراقية) استجابة لطلب العديد من المعارف والأصدقاء العراقيين للحصول على هذا الكتاب، بعد أن نفذ من الأسواق قبل عدة سنين، ولأنه لم يوزع في العراق في حينه.

وقد تضمنت الطبعة الثانية ثلاثة ملاحق، يحتوى الملحق الأول منها على مجموعة المقالات التي نشرت حول هذا الكتاب، منها مقالات الصديق الدكتور كاظم حبيب التي نشرت في جريدة المدى العراقية، والتي استعرض فيها أهم توجهات هذا الكتاب، منتقداً بعض الجوانب فيه، وموضحاً رأيه في الجوانب الأخرى، مضيفاً بذلك آراء قيمة إلى محتويات هذا الكتاب.

كما يحتوى على مقال للفنان الكبير يوسف العاني استعرض فيه ملاحظات جميلة حول مضمون هذا الكتاب؛ ومشيراً إلى علاقته الشخصية بالمؤلف في مجال العمل المسرحي في فترة الخمسينيات من القرن الماضي.

وكذلك مقال آخر للمخرج المعروف قاسم جول أشار فيه إلى بعض الجوانب المهمة في الكتاب، منتقداً جوانب كثيرة منه، وأخيراً مقال الدكتور عبد الجبار عبود الحلفي الأستاذ بجامعة البصرة الذي استعرض فيه محتويات هذا الكتاب وكذلك مشاعره وذكرياته عن مؤلف الكتاب حينما كان أستاذاً في جامعة البصرة.

ولعل من بين الملاحظات التي اجمع عليها هؤلاء الكتاب الأفاضل هي عدم ملائمة عنوان هذا الكتاب مع محتوياته، والمؤلف إذ يؤيد هؤلاء الكتاب كل التأييد حول هذه الملاحظة، يود أن يوضح للقارئ الكريم بأن عنوان هذا الكتاب كان بالأصل (من حزين الذكريات) وقد راودته الرغبة في حينه بتغيير هذا العنوان بناء على اقتراح أحد الأصدقاء إلى (مشاهدات عراقية) أو (أيام عراقية) إلا ان الناشر اقترح في حينه تسميته بهذا الاسم الذي يحمله حالياً، لما لهذه التسمية من دور في عملية تسويقه، وقد حصلت الاستجابة لتلك الرغبة لأن الجزء الثالث من الكتاب يحمل هذا العنوانز

ولم يتسن للمؤلف تغيير هذا العنوان في الطبعة الثانية لأن الكتاب قد عرف بهذا العنوان.

أما الملحق الثاني فهو يتضمن دراسة علمية عن (القطاع الزراعي العراقي واقعه، مشاكله، وآفاق تنميته)، وتشتمل هذه الدراسة على استعراض موجز لما تجمع عند المؤلف من خبره ومعلومات عن القطاع الزراعي العراقي وأساليب تطويره، وتأتي هذه الدراسة مكملة للجزء الثالث من الكتاب الذي استعرض تجربة المؤلف حول إدارة القطاع الزراعي عندما كان وزيراً.

بينما يتضمن الملحق الثالث مجموعة من الصور عن حياة المؤلفز

والمؤلف إذ يطرح أمام القارئ الكريم هذا الكتاب بطبعته الثانية انما يأمل بأن ما اجراه من تغييرات على محتويات هذا الكتاب، وما تضمنه من ملاحق، قد اكسبته بعضاً مما قد يفيد القارئ الكريم في مجالات المنفعة والمتعة.

والله من وراء القصد

د. عبد الأمير رحيمه العبود

10/ 8/ 2011

صفحة 2

مقدمة الطبعة الأولى

ما كنت أنوي كتابة مذكراتي، لأن المذكرات تكتب عادة من قبل المشاهير ومن عاصروا الأحداث الجسام ليدلوا بشهاداتهم وليوثقوا مسار حياتهم وليطرحوا آراءهم في الأحداث التي مرت عليهم والتي قد تكون خافية عن الآخرين، ولم أكن أنا بالتأكيد واحداً من هؤلاء، لكن الذي دفعني إلى الكتابة عن هذه الأحداث، قبل عدة شهور ثلاثة أسباب :

أولهما: أنني قمت خلال العامين المنصرمين بزيارة عدد من الدول المجاورة، وقد ذهلت حقاً لما لاحظته من التطور السريع الذي حصل في مجال الحضارة والإعمار في تلك الدول خلال السنين الأخيرة الماضية، وبخاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، والكويت والأردن.

فأينما كنت أمضي أرى العمارات الجديدة، والشوارع الجميلة، والأسواق العامرة، والناس يتحركون بحرية، والنشاط الاقتصادي بارز في كل مجال، والنظام والهدوء والاطمئنان يسود المناطق كلها، كنت ألاحظ ذلك وأتألم غاية الألم عندما أقارن ذلك بما يحصل عندنا في العراق حالياً من دمار وخراب وغياب الأمن، وكم كانت تجرني تلك المقارنة إلى مقارنة أخرى لما كنا عليه في العراق من نهوض حضاري وثقافي واقتصادي في مرحلة الخمسينات والستينات، وما كانت عليه تلك الدول خلال تلك الفترة من مستويات حضارية وثقافية واقتصادية.

****

لقد كنا خلال مرحلة الخمسينات والستينات قد تفوقنا حقاً على تلك الدول بخطوات كبيرة فيما كنا عليه من مستويات ثقافية وحضارية واقتصادية، لكن منحى التطور والتقدم كان يتجه عندنا خلال العقود الخمسة الماضية نحو الانحدار بينما كانت تلك الدول وغيرها من دول العالم تسير بخطى سريعة نحو التطور والتقدم والازدهار .

وحينما كنت أثير السؤال: لماذا لم يحصل عندنا التقدم الحضاري والاقتصادي والأمني على غرار ما حصل في تلك الدول المجاورة لنا وفي بقية دول العالم؟ في حين كانت مقومات النمو والتطور المادية والبشرية متوفرة لدينا بمستويات لا تقل بل تزيد أحياناً عن تلك الدول، ولماذا لم تكن مسيرة التطور عندنا في العراق متناغمة مع تحولات العلم والتكنولوجيا التي تجتاح العالم؟ ولماذا تتزايد عندنا أساليب العنف واختراق النظام والقانون وغياب الأمن؟ ولماذا حل في بلدنا الدمار والخراب؟

لم أجد جواباً مقنعاً عن هذا السؤال الكبير، وكم عجز غيري عن الوصول إلى ذلك الجواب !.

لكن الحصيلة التي كانت أمامي دائما هي صور كثيرة وتداعيات شخصية متنوعة وذكريات كثيرة عن الماضي البعيد والقريب تذكرني كيف كانت الأوضاع في الخمسينات والستينات تسير رويداً رويداً نحو مكافحة الجهل واحترام النظام والقانون واستتباب الأمن وتنامي سبل الحضارة والنمو والتقدم، وكيف انحدرت تلك الأوضاع بعد الستينات .

لا أدري لماذا كانت تلك الصور والحوادث والذكريات تتدفق أمامي خلال الفترة القصيرة الماضية، وقد وجدتها مثيرة وممتعة وحرصت على ان أدونها على حقيقتها دون تغيير ؛ لكي تكون شاهداً على تلك المراحل وما حصل فيها من تغيير.

والسبب الثاني هو أنني كغيري من الناس شهدت الكثير من الأحداث المثيرة وتوقفت عند الكثير من المحطات المهمة في مسيرة العمر الطويلة، وعندما كنت أتحدث عنها لأصدقائي ومعارفي كنت أجد أنها مثيرة وممتعة ومفيدة، فرأيت أن أوثقها لعلها تكون ممتعة ومفيدة لمن يطلع عليها.

****

أما السبب الثالث فهو أنني مارست تجربة العمل وزيراً للزراعة خلال الفترة من 1/9/2003 ولغاية 1/6/2004 وقد واكبت تلك التجربة الكثير من المصاعب والمشاكل، بخاصة لأن العمل في تلك الفترة كان خلال فترة الاحتلال من قبل القواه الأجنبية، وقد وجدت من الضروري أن أضع أمام القارئ الكريم تصوراً واضحاً ودقيقاً لكيفية إنجاز العمل الإداري خلال تلك الفترة، وما كانت تعانيه وزارة الزراعة من مشاكل ومصاعب، والإجراءات التي اتخذت في حينه لمعالجتها وهو ما تناوله الفصل الثالث من هذا الكتاب.

****

في الأحوال كلها فإن هذه المحاولة استقطبت الكثير من الحوادث التي مرت على كاتب هذه السطور عبر مسيرة العمر الطويلة، وقد حاولت انتقائها وتدوينها بدقة دون تغيير وصولاً إلى حزيران 2005، وهو وقت الانتهاء من كتابة هذا الكتاب لكنها، بطبيعة الحال، لم تستجمع كافة الحوادث ولم تتحدث عن كافة الشخصيات بالرغم من أهمية الكثير من تلك الحوادث والشخصيات، بقصد التركيز على ما كان ذي أهمية ودلالة، ورغبة في تفادي الإسهاب والإطناب .

لا بد من تسجيل الشكر إلى كافة الأصدقاء ممن قرأوا مسودة هذه المذكرات وأبدوا الملاحظات القيمة حولها، ومنهم بخاصة الدكتور كاظم حبيب، والأديب عبد الستار ناصر، والصديق طالب عبد الجبار حيدر.

والله من وراء القصد

د. عبد الأمير رحيمة العبود

1/10/2005

صفحة 3

ناحية المجر الكبيـر

ولدت في ناحية المجر الكبير، وهي مدينة صغيرة تابعة إلى لواء العمارة الذي سمي فيما بعد بمحافظة ميسان، وهي تقع جنوب العراق على بعد 150 كم من مدينة البصرة جنوباً و400 كم عن مدينة بغداد شمالاً. تحيط بهذه المدينة منطقة زراعية خصبة تمتد على ضفتي نهر المجر الكبير وصولاً إلى منطقة الأهوار . يخترقها ويرويها نهر المجر الكبير الذي يتفرع من نهر دجلة ويصب مياهه في منطقة الأهوار .

لم أعلم حتى الآن باليوم الذي ولدت فيه، لأن الناس في المدينة الصغيرة التي ولدت فيها لم يعيروا اهتماماً آنذاك بتاريخ ميلاد أولادهم، وأتذكر أنني عندما كنت طالباً في فترة الدراسة المتوسطة دعيت لعيد ميلاد زميل لي اسمه زيد، وحينما قدمت لنا الحلويات والمعجنات استغربت وقلت لأصدقائي بأن طقوس ميلاد النبي محمد (e) في مدينتنا الصغيرة تختلف عما تفعلونه تماماً، عندئذ علمت بأن الاحتفال الذي نحضره هو عيد ميلاد زميلنا زيد، كما علمت حينذاك، لأول مرة بأن الناس يؤرخون ميلاد أولادهم وهم يحتفلون عندما يحل هذا التاريخ .

وحقيقة فإنني لم أعلم كذلك بالعام الذي ولدت فيه إلا حينما اقتضت الحاجة لإعداد دفتر النفوس وشهادة الجنسية، وكان ذلك شرطاً لدخول مرحلة الدراسة المتوسطة، عندها احتسبت من مواليد 1937 ، ولم يكن ذلك بناء على التسجيل في المستشفى أوفي دائرة الأحوال الشخصية كما يجري حالياً، إنما بناءً على مؤشرات وحوادث يحسبها الأهل لتحديد سنة الميلاد .

****

ناحية المجر الكبير مدينة حديثة النشوء، أستحدثت في نهاية القرن التاسع عشر نتيجة لهجرة عشائر (البومحمد) والعشائر المتاخمة لها من منطقة الكحلاء قرب مدينة العمارة شرقاً إلى المنطقة الخصبة المحيطة بنهر المجر وصولاً إلى المناطق المحيطة بالأهوار ، إذ ترتب على هذه الهجرة بروز حاجة الفلاحين إلى الخدمات المهنية كأسواق السلع، وجهاز الشرطة، والمستشفى، والبريد، والخدمات المهنية المختلفة، ولهذا تدفق مئات المواطنين النشطين مهنياً والمغامرين من مختلف أنحاء العراق بقصد العمل في هذه المدينة، ولهذا نجد أن سكان هذه المدينة ليسوا مجتمعاً عشائرياً آنذاك ولا يمتون بصلة كبيرة إلى المناطق العشائرية المحيطة بهم، إنما هم في الغالب خليط متنوع من أصحاب المهن الذين جاءوا من مختلف مناطق ومدن العراق سعياً وراء العمل في المهن المختلفة التي راحت تزدهر في هذه المدينة، فمنهم من جاء من المناطق المحيطة بمدينة البصرة. وآخرون من المناطق المتاخمة للحدود الإيرانية شرق مدينة العمارة، وآخرون من مدن بغداد والبصرة والنجف وسامراء وديالى، والبعض جاءها حتى من مدينة الموصل والمناطق الكردية القريبة منها، إضافة إلى من أوفدهم نظام الحكم العثماني من موظفين أتراك لإدارة المدينة في ذلك الوقت، والذين استوطنوا فيها فيما بعد.

وعائلتي هي واحدة من العوائل التي نزحت إلى هذه المنطقة، وهي بالأصل من أفخاذ عشيرة (زبيد: البوسلطان) التي كانت تقطن في إحدى قرى محافظة ديالى.

ولطبيعة ما تفرضه الغربة من ضرورة التآلف والتآزر فيما بين الغرباء كان أهالي هذه المدينة متآلفين متآزرين في السراء والضراء، فما أن تحصل مناسبة للفرح حتى تجدهم كلهم مشاركين متحمسين لهذا الفرح، وما أن تحصل مناسبة حزن أو كارثة حتى تجدهم قلباً واحداً يهبون للمشاركة والنجدة، وكأن المناسبة مناسبتهم جميعاً.

****

صفحة 4

تمتد ناحية المجر الكبير على الجانب الأيسر من نهر المجر الكبير وهي تبعد قرابة عشرة كيلومترات عن الطريق العام الذي يربط مدينة بغداد بمدينة البصرة، كانت هذه المدينة في الأربعينات والخمسينات، مقسمة إلى قسمين رئيسيين هما محلة ((السراي)) وهي محلة يهيمن عليها الطابع المدني بحدود ضئيلة، لأن أغلب سكانها ممن كانوا يعملون في الجهاز الإداري، ومستوصف المدينة، ومدرستها، وبريدها، وقدامى تجار المدينة ممن كانوا يتعاطون تجارة الحبوب والتمور والمواد الغذائية والسلع المنزلية، وممن يعملون في الحرف المختلفة، والمحلة الثانية هي ((البدراوي)) التي بناها التاجر المعروف في المنطقة ((نجم البدراوي)) وسميت باسمه وهي تتصف بالطابع العشائري بحدود ضئيلة أيضاً، حيث يسكنها أبناء بعض العشائر الذين نزحوا من المناطق المحيطة بمدينه العمارة والبصرة، مثل الوزاوزة، والوحيلات، والبيضان، وغيرهم ممن كانوا يعملون في الأعمال المهنية والتجارية المختلفة .

يخترق محلة السراي سوق كبير ، وهو السوق القديم الذي تنتشر على جانبيه محلات الخياطين ومخازن بيع الأقمشة والمواد الغذائية والتبوغ والسكائر، وينتشر على أرصفته بائعات الخبز الطازج وبائعوا الخضراوات والفواكه يتوسطهم الحاج حسين وهو يقلي كبة الموصل، والزاير نعمة وهو ينادي لتصريف ما لديه من لبن الجاموس، وكانت هذه السوق تزدحم في الأربعينات والخمسينات بالفلاحين وسكان الريف ممن كانوا يقصدون المدينة للتزود بما يحتاجونه من السلع والخدمات، حتى إن المرء لم يجد فيها خلال فترة الضحى مكاناً للمرور من شدة الازدحام. ويرتبط هذا السوق بسوق آخر كبير كان مخصصاً لبيع الدجاج والطيور والدهون والبيض ومنتجات الألبان التي كان سكان الريف يجلبونها لغرض التسويق، أما نهاية السوق من الجهة اليسرى فيقع جامع المدينة الكبير الذي يؤمه سكان المدينة بقصد الصلاة وإقامة المناسبات الدينية، ويدير هذا الجامع آنذاك الشيخ رضا الذي يقوم بعمله كمؤذن في الجامع مجاناً، بينما يعمل هو وولده صادق اسكافيان في محل صغير يقع بالقرب من نهاية الجامع من الجهة اليمنى، وتمتد مقابل نهاية الجامع من الجهة اليسرى واليمنى محلات بيع المواد الغذائية واللحوم والفواكه والخضراوات، فتجد المنطقة الممتدة بين الجامع وهذه المخازن مزدحمة بأهالي المدينة منذ الصباح الباكر وهم يتسوقون لعوائلهم ما يحتاجونه من هذه السلع، وبموازاة هذا السوق أنشئت في نهاية الأربعينيات سوق أخرى هي سوق البدراوي التي أصبحت فيما بعد متخصصة بمحلات بيع الأقمشة والسلع المنزلية .

****

تنتشر في واجهة المدينة وعلى ضفاف نهر المجر من الجهة اليسرى محلات أصحاب المهن كالصاغة، وخياطي العباءات الرجالية، والحدادين والحلاقين والنجارين ومن يمتهنون إنتاج المعدات الزراعية البدائية كالمسحاة والفاس والمنجل، وأغلب من كانوا يعملون في مجال صياغة الذهب والفضة وإنتاج هذه المعدات كانوا من طائفة الصابئة المندائيين، وينتشر بين هذه المحلات عدد من المقاهي التي كانت تقدم الشاي وشربت النومي لمن يؤمونها.

لقد كانت عادة الجلوس في المقاهي، خاصة في الأمسيات، عادة مستحكمة عند أهالي المجر الكبير، فما أن يحل المساء حتى تجد الرجال كافة يهرعون للجلوس في المقاهي لكي يستمعوا إلى أخبار العالم التي تذاع عبر جهاز الراديوالذي يفتقدونه في بيوتهم آنذاك، وبعض هذه المقاهي كانت مزودة بجهاز ((الكرامفون اليدوي))، وكانت تكتظ بالشباب من أبناء المدينة للاستماع إلى أغاني الأسطوانات الشائعة آنذاك مثل: ((على بلد المحبوب وديني)) لأم كلثوم و((يا شراعاً وراء دجلة يجري)) لعبد الوهاب و((للناصرية .. تعطش وأشربك ماي بجفوف إيديه)) لصديقة الملاية وغيرها.

وترتبط الجهة اليسرى من المدينة بالجهة اليمنى بمعبر يدوي يستند في قاعدته إلى عوامتين كبيرتين ويرتبط هذا المعبر بجهتي المدينة بحبل معدني كبير ملفوف على عتلة دائرية يحركها السيد محمد بذراعيه المفتولتين فتتحرك العبارة منتقلة من جهة إلى جهة أخرى، وكان هذا المعبر يمتلئ من الصباح حتى المساء بالفلاحين الذين يجلبون حيواناتهم وسلعهم إلى المدينة.

****

كانت ناحية المجر الكبير من المدن الصغيرة المتميزة بنشاطها التجاري والمهني على مستوى العراق خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات، ففيها عدد من معامل جرش وطحن الحبوب التي كانت ترد إليها آلاف الأطنان من محاصيل الرز والحنطة والشعير من المناطق الزراعية المحيطة بالمدينة ومن مناطق الأهوار، والتي كانت تصنّع وتعبأ وتشحن إلى مدن البصرة وبغداد، كما كانت ترد كميات كبيرة من الأسماك والدهون والدجاج والبيض التي كانت ترسل لغرض بيعها في مدينتي البصرة وبغداد، وحيثما كنت تلقي النظر على نهر المجر الكبير تجده دائماً مليئاً بالسفن الشراعية والابلام والمشاحيف التي كانت تنقل السلع والناس بين الريف وهذه المدينة، كما يزدحم شارعها الذي يمتد على حافة النهر وقت المساء بسيارات النقل الخشبية التي كانت تستعمل لنقل السلع إلى المدن الأخرى.

أما المناطق الريفية المحيطة بهذه المدينة من جهاتها الأربع فقد كانت تكتظ بالفلاحين من عشيرة البومحمد وبطونها وأفخاذها والعشائر المتاخمة لها مثل عشائر البوعلي والبيضان والفوطوس والفريجات والشموس وغيرها. وهم جميعاً يمتهنون زراعة الشلب (الرز) صيفاً والحنطة والشعير والذرة شتاءاً، وهم ينتشرون بقراهم المبنية من القصب والبردي على ضفتي نهر المجر الكبير ابتداءً من تفرعه في منطقة ((صدور المجر)) وانتهاءً بمنطقة الأهوار التي يصب فيها النهر مياهه بعد أن يتفرع إلى نهري ((العدل)) و((الوادية)) على بعد مئات الأمتار من ناحية المجر الكبير.

وحينما ينتقل المرء في ذلك الوقت ((بالمشحوف)) من ناحية المجر الكبير إلى منطقة الأهوار يشاهد القرى الكثيرة والكبيرة والمزدحمة على حافتي النهر، ويلاحظ قطعان الجاموس والأبقار والخراف تنتشر في المزارع، كما يشاهد البساتين والمناطق الخضراء المزروعة على امتداد النظر على جانبي النهر والتي كانت شاهداً على ازدهار الإنتاج الزراعي والحيواني في ذلك الوقت . لكن ازدهار النشاط الاقتصادي في تلك المناطق أصبح يتراجع بعد الستينات نتيجة لنزوح الفلاحين بسبب المصاعب الإنتاجية التي أصبحوا يعانون منها والتي سوف نأتي على ذكرها فيما بعد، وكان لذلك بطبيعة الحال تأثير على مستوى النشاط التجاري والمهني في ناحية المجر الكبير التي كان نشاطها يعتمد أساساً على الوضع الاقتصادي في تلك المناطق الريفية المحيطة بها، وما أن حل عقد السبعينات والثمانينات حتى أصبحت هذه المدينة مدينة للمستهلكين وليست للمنتجين، وأصبح أهلها يعيشون على المواد الغذائية المستوردة التي تقدمها الدولة والتي يأتي بها التجار.

زرت هذه المدينة قبل سنوات فوجدتها خاوية منهكة وقد تلاشت واندثرت فيها كل معالم الازدهار والنشاط، فتألمت لما حلّ بها خلال السنوات الخمسين الماضية.

صفحة 5

أيام الطفولة 1937-1943

في الثلاثينيات والأربعينيات كانت عائلتي تسكن في بيت صغير، مبني من الطابوق، في محلة السراي، وكان هذا البيت يتكون من ساحة كبيرة مفتوحة في وسطه على نمط البيوت الشرقية، تحيطها أربع غرف صغيرة وإيوان، وغرفة أخرى تقع في واجهة الدار كانت عائلتي تخصصها للضيوف، إحدى هذه الغرف كانت تستعمل لنومنا سوية أنا وأخي وأبي وأمي، والأخرى تعيش فيها جدتي ((سكينة))، وعندما ماتت قبل أن أرى النور استعملتها عائلتي مخزناً للمواد الغذائية وغيرها من شؤون البيت. والغرفة الثالثة كنا نستعملها لمعيشتنا فترة الشتاء وهي تحتوي على فراش بسيط على الأرض، أما الغرفة الرابعة فكانت تستعمل مطبخاً وهي لا تحتوي إلا على التنور الحجري الذي كانت تستعمله أمي لتحضير الخبز لنا، أما إعداد الطعام فكانت والدتي تستعل الحطب للطهي وهي جالسة على الأرض حيث لا يوجد آنذاك أي جهاز نفطي أو كهربائي لطهي الطعام، ولهذا كانت أمي تستنفد جلّ يومها في غرفة المطبخ لإعداد الطعام، وكم كان هذا العمل يرهقها حينما يتدفق على دارنا الضيوف من أقاربنا الذين كانوا يترددون علينا دائماً، والضيوف الذين يدعوهم والدي بين الحين والحين.

كنا نستعمل ((الحب)) و((الحبّانة)) لشرب الماء، وهما إناءان فخاريان لخزن الماء في الحب وهو الإناء الفخاري الكبير، الذي ينضح منه الماء صافياً فيسقط على شكل قطرات في الحبّانة التي توضع تحت الحب مباشرة، وهذان الإناءان الفخاريان هما الوسيلة لتبريد الماء وقت الصيف حيث لم تستعمل الثلاجة آنذاك .

ولم يكن لدينا كغيرنا من العوائل اسالة للماء، وكان يزودنا بالماء من النهر الذي لا يبعد عن بيتنا إلا عشرات الأمتار السقّا ((بهلول)) رحمه الله وهو رجل ضرير، طويل القامة، يقوده ابنه الصغير حسن، وكان يحمل على كتفه عصا طويلة تنتهي بإناءين كبيرين يستعملهما لملء الماء ونقله.

غير أن العوائل الميسورة الحال في مدينتنا هي التي يزودها السقا بالماء، أما بقية العوائل فقد كانت نساؤهم هن اللواتي يحملن الأواني على رؤوسهن لكي يزودن عوائلهن بالماء من النهر.

أما الإنارة فقد كانت عائلتي كغيرها من العوائل تستعين بوسائل الإنارة النفطية ((كالفانوس)) و((اللمبة)) حيث لم توجد الكهرباء في مدينتنا آنذاك، والشوارع الرئيسية في المدينة كانت هي الأخرى تضاء بالفوانيس وقت الليل، وأذكر أن الموظف ((نعمة)) كان يأتي إلى شارعنا في كل مساء، حاملاً درجاً خشبياً على كتفه لكي يستعمله في الصعود لغرض تنظيف الفوانيس وإشعالها قبل أن يحل الظلام .

وكان تحوُلاً أراح والدتي وغيرها من نساء المدينة عندما دخل الأسواق جهاز ((البريمز)) وهو جهاز نفطي صغير يستعمل للطهي بدلاً من الحطب. لقد كانت والدتي رحمها الله تمضي يومها من الصباح حتى المساء في تدبير شؤون المنزل من طهي وغسل ملابس وتنظيف الدار، وكانت لا تغادر بيتنا إلا نادراً في مناسبات متباعدة إما لزيارة أهلها أو لمناسبات الأفراح والأحزان .

كانت جاراتها ((زنّوبة)) و((طيارة)) و((الحاجة طاهرة)) يترددن عليها أحيانا خلال فترة الضحى أو عند المساء، فيجلسن في فناء الدار ويتبادلن الحديث حول همومهن، وكان همّ أمي هو الخوف علينا أنا وأخي من المرض، بعد أن فقدت بسببه ثلاثة من أولادها ، ولهذا كانت تتوسل الأدعية والنذور لحمايتنا من الحسد والمرض، وكانت تستمع بآذان صاغية لنصائح صديقاتها حول أنواع النذور والأدعية والأحجار الكريمة الطاردة للحسد والواقية من المرض .

****

صفحة 6

أتذكر مرة عندما كان عمري يقارب الأربع سنوات وكنا في زيارة عائلة خالي مجيد في ناحية المجر الصغير أن عبرنا نهر المجر الصغير بأحد الزوارق الصغيرة وقد تحركت في حضنها حركة سريعة أسقطتني بين أمواج النهر، وغطست في الماء، ولولا أن قفز أحد أقاربي إلى النهر لما استطاع انتشالي من الغرق. لقد مرضت بسبب هذا الحادث ورقدت على فراش المرض أياماً طويلة. وعقب هذا الحادث أصبت بداء التايفوئيد الذي كان متفشياً في المدينة، وقد عالجني آنذاك أحد أقاربنا وهو الحاج منصور بـ (الكيّ) مستخدماً صرة مملوءة بالشعير كان يغمسها بالماء الحار ويدسها في فروة رأسي وفي أعلى عنقي ولا تزال آثار ذلك ((الكيّ)) تأخذ مساحة من فروة رأسي حتى اليوم .

ذات مرة وحينما كنت أعاني من أشد حالات المرض، كانت أمي نذرت كل ما تملك من الذهب والمصوغات لتقدمه هدية إلى ضريح العباس عليه السلام في كربلاء حينما أتماثل للشفاء، وحينما تماثلت للشفاء يبدو أن والدي الذي لم يكن مقتنعاً بجدوى هذه النذور قد عارض ذلك ومنع والدتي من الوفاء بعهدها،ولهذا بقيت أمي خائفة وكانت تفسر كل ما كنا نتعرض له من حوادث أو أمراض بعدم وفائها بعدها، ولم تستقر لها الحال إلا عندما أنقذ الموقف أحد أقاربها الذي أرسلها إلى كربلاء واتفق مع أحد خادمي الحضرة العباسية بأن يعوض تلك السبائك بأخرى غير حقيقية وضعها في قطعة من القماش، ورميناها في ضريح العباس أنا وذلك الخادم دون أن تعلم أمي، ولو علمت أمي بذلك لظلت خائفة طوال عمرها.

كانت أمي رحمها الله مسكينة، طيبة، خائفة، قانعة دائماً بما هي عليه من حال .

أما والدي رحمه الله فقد كان جميل الطلعة، متوسط القامة أبيض الوجه نشيطاً حيوياً كثير الحركة لا يستقر على حال، شغوفاً بعمله . اجتماعياً تربطه علاقات واسعة مع أغلب سكان المدينة، كان كثير السفر إلى مدينة البصرة لمتابعة أعماله التجارية، وعندما كان يحل بيننا ما كان يمكث كثيراً معنا في الدار، كان انشغال والدي يؤلمني كثيراً وأنا طفل صغير، كنت أتمنى أن يكون دائماً بيننا .

كان يصطحبني معه، أحياناً، إلى مقهى رزوقي التي لم تبعد عن دارنا سوى عشرات الأمتار، وأتذكر وأنا طفل صغير، أن حديث أبي مع أصدقائه كان يجري دائماً حول ((الحلفاء)) وما كنت أفهم من ذلك شيئاً في حينه، لكني علمت فيما بعد أنه كان يدور حول تقدم الحلفاء في الحرب العالمية الثانية إبان مطلع الأربعينيات.

****

صفحة 7

كنا نلهو أنا وأخي مع بقية أطفال الجيران في الشارع أمام بيتنا بالألعاب البدائية الشائعة، مثل ألعاب ((الدعبل)) و((الجعاب)) و((غميضة الجيجو)) وكانت هذه هي وسائل اللهو الشائعة، أذ لا توجد ألعاب للأطفال تباع في الأسواق، وكانت الفرصة الكبيرة للعب الأطفال هي الساحة الكبيرة في وسط المدينة التي تقع أمام مركز الناحية والتي كانت تجهز خلال أيام العيد ((بالمراجيح)) و((دولاب الهوا)) وغيرها من ألعاب اللهو البريء.

كنا نفرح بحلول العيد فرحاً شديداً، وننتظر أيامه بشوق ولهفة، إذ كانت لأيام العيد بهجة متميزة بالفرح والسرور يشعر بها الناس جميعاً، ففي يوم العيد يرتدي الناس ملابس جديدة، ويفتح وجهاء المدينة بيوتهم لاستقبال المهنئين بالعيد. أتذكر أن شوارع المدينة وأزقتها كانت تكتظ بمجموعات الرجال وهم يتعاقبون على تهنئة بعضهم بصباح يوم العيد وزيارة وجهاء المدينة وهم متأنقون بملابسهم النظيفة. لم تكن أيام العيد باهتة مثلما نعيشها الآن .

ما كان يؤلمني حقاً في أيام الطفولة هي حالة المعتوهين والمجانين، الذين كان في مدينتنا عدد قليل منهم ممن كانوا يجوبون أزقة المدينة في النهار ومن هؤلاء ((سليطين)) الذي كان يحمل دائماً حجراً في يده، و((غريدل)) التي كانت تجوب الأزقة بشعرها المنفوش، و((ديدو)) الذي كان يمشي بخطى واسعة وهو يردد بعض الكلمات التي لا يفهمها أحد .

ما أن يطل واحد من هؤلاء حتى تجد الأطفال الصغار يلاحقونه مرددين الأهازيج، ومنهم من كان يرميهم بالحجارة، لم تكن في المدينة رعاية لهؤلاء سوى أهاليهم، كم كنت أتألم لحال أم ديدو وهي تلاحقه أينما ذهب لحمايته من عبث الأطفال .

***

ولعل مما هو جدير بالذكر وأنا أتحدث عن صور الحياة في مدينتنا الصغيرة في ذلك الوقت، أن أشير إلى الوضع الاجتماعي وموقع المرأة في تلك الفترة، ذلك أن الرجال هم وحدهم الذين كانوا يتمتعون بحرية العمل والحركة خارج منازلهم، أما النساء فكن قابعات في منازلهن ينفردن وحدهن في تدبير شؤون المنزل وتربية الأطفال، وهن لا يغادرن منازلهن إلا في المناسبات العامة، وإذا غادرن منازلهن فإن الحجاب والعباءات السود تغطي أجسامهن بالكامل، لكن هذه الظاهرة الاجتماعية لم تكن سائدة بصورة مطلقة بل كانت لها بعض الاستثناءات القليلة، إذ أن بعض النساء ممن كن يتمتعن بالشخصية القوية والمؤثرة كن يتمتعن بحرية العمل خارج منازلهن، ومنهن على سبيل المثال القابلتين ((ناطف)) و((إم عباس)) اللاتي كن يمارسن التوليد لنساء المدينة وإلى جانبهن عدد من النساء يمارسن أعمال التجارة أسوة بالرجال داخل السوق مثل ((فهيمة)) التي كانت تتعاطى شراء الحبوب والمنتجات الحيوانية وهي جالسة وسط السوق، و((غنمة)): التي كانت تتعاطى بيع الأعشاب والأدوية الشعبية وهي تفترشها في باحة السوق، وغيرهن ممن كن يتعاطين بيع الخبز . والخضراوات، والألبان، والأسماك داخل السوق، ومن دلائل قوة الشخصية لبعض نساء المدينة أن سكان المدينة ينعتون أولادهن بأسمائهن فيقال عباس ابن ((أم عباس)) وكاظم ابن ((ناشية)) ومحمود ابن ((غدا الشر)) ومحسن ابن ((مدلولة)) وغيرهم ممن لا أتذكرهم الآن.

على أن الوضع الاجتماعي للمرأة كان يختلف تماماً في المناطق الريفية المحيطة بالمدينة، فهناك تمارس المرأة حريتها في العمل إلى جانب الرجل في الحقول والمزارع، وهي تقوم بالأعمال الزراعية وتربية الحيوان شأنها شأن الرجال تماماً.

صفحة 8

الدراسة الابتدائية 1943 – 1949

في عام 1943 أدخلني والدي المدرسة الابتدائية، وكانت هذه المدرسة من المعالم المهمة في مدينتنا الصغيرة، فهي بناية كبيرة وجديدة، تتكون من طابق واحد يحتوي على قاعات كثيرة لتدريس التلاميذ، تتوسطها ساحة كبيرة كانت تستخدم لتجمع التلاميذ في الصباح الباكر لقراءة النشيد الوطني، ولرفع العلم يوم الخميس.

وتتقدمها مساحة كبيرة من الأرض مزروعة بالنباتات والأشجار وكان مدخلها الطويل محاطاً بأشجار الزعرور واليوكالبتوس التي تتقدمها أوراد الجوري والأشرفي وسلطان الورد التي كانت تفوح منها رائحة عطرة أيام الربيع.

وإلى جوار المدرسة، على الجانب الأيسر، كانت تمتد حديقة المدينة الواسعة المملوءة بالأشجار المختلفة والأوراد الجميلة والتي تتخللها الممرات المستقيمة والواسعة، والتي كان يحرص على زراعتها والاعتناء بها الفلاح ((كاطع)) وأخوه ((زغير)) والذي كان يتردد عليها أبناء المدينة في الأمسيات مستصحبين أطفالهم ليتمشوا في ممراتها الواسعة وليتمتعوا بجمال أشجارها وأورادها .

كنت شغوفاً في النظر إلى أشجار حديقة المدرسة ونباتاتها وأورادها عندما أدخل إلى المدرسة أو أخرج منها، وقد غرس هذا الشغف والتأمل في نفسي طبيعة حب الزراعة والنباتات والأشجار والأزهار منذ ذلك الحين.

كانت هذه المدرسة من المدارس الزراعية النموذجية القليلة التي أنشئت في العراق آنذاك، ولهذا أقيمت في الجهة اليسرى من بناية المدرسة محطة لتربية الأبقار والدجاج ظلت تزود المدينة بمنتجاتها الحيوانية لسنوات عديدة .

خلف بناية المدرسة توجد ساحة ترابية كبيرة مجهزة بأدوات الرياضة المختلفة، وكانت هذه الساحة مملوءة دائماً بالتلاميذ الذين كانوا يمارسون التدريب على تمارين الرياضة خلال أوقات الدوام بإشراف المعلم القدير نعيم عبد الرزاق.

كان فريق لعبة الطائرة الخاص بهذه المدرسة من الفرق الرياضية المتميزة على مستوى المنطقة، وأتذكر أنه كان يخوض السباق مع الفرق الأخرى ويخرج منها منتصراً فائزاً بالكأس الفضي، وحينما يحصل الفوز يندفع تلاميذ المدرسة بمجموعاتهم يجوبون شوارع المدينة حاملين الكأس على رؤرسهم مرددين أهزوجتهم:

هذا الكأس الكنا نريده ....... أبو بلقيس كاسه بإيده

وأبو بلقيس هو الأستاذ محسن جار الله مدير المدرسه الابتدائية ، وكان رحمه الله هو ومن تعاقبوا قبله على إدارة المدرسة من الإداريين الحازمين ممن يحظون بالهيبة والاحترام من لدن طلبتهم .

لقد كان احترام تلاميذ المدرسة لمعلميهم واطاعتهم لهم ظاهرة شائعة في ذلك الوقت، فما ان يمر أحد المعلمين في أزقة المدينة حتى تجد من فيها من التلاميذ ينصرفون إلى بيوتهم احتراماً وإجلالاً .

لا يمكن أن أنسى من علموني في المدرسة الابتدائية الذين كان لشخصياتهم وأسلوب تعليمهم أثر كبير في تبلور شخصيتي مثل الأساتذة ((عبدالحميد خشن)) و((عبداللطيف عامر)) و((عبدالرزاق حيدر)) و((جبار الشنون))، ومنهم بصورة خاصة حسين الملا ٌ علوان الذي علمني كيف ينبغي أن يكون الإنسان واضحاً في التعبير عن أفكاره سواء في حديثه أو فيما يكتب .

كان الأستاذ ((حسين الملآ علوان)) قصير القامة، بدين الجسم واسع العينين، تعلوه إبتسامة عريضة حينما يلتقي بغيره، ما إن يدخل الصف متأبطاً ((سدارته)) حتى يبادرنا بالتحية مبتسماً كعادته، ثم يبدأ بخط برنامج الدرس على السبورة، بخطه الجميل الواضح، ثم يبدأ بشرح موضوع الدرس مستعيناً بالجملة القصيرة، والنبرة الواضحة، والصوت المسموع، والإبتسامة التي لا تفارقه .

لقد كان لاولئك المعلمين الأفاضل تأثير كبير على سلوك طلابهم وأنا واحد منهم، وهو يؤكد ما كان يتردد آنذاك بإن الإنسان يكتسب شخصيته من خلال ما يتعلمه من ذويه ومعلميه وما يقرأه في الكتب ، لكن الحال قد تغيرت في هذا الوقت فأصبح سلوك الإنسان يتأثر بعوامل كثيرة منها التلفزيون ووسائل الإعلام والانترنيت وعوامل التربية الإجتماعية الكثيرة والمتنوعة .

***

صفحة 9

لم يكن معلموا المدرسة الابتدائية هم وحدهم ممن كانوا يحظون بإحترام وتقدير اهالي المدينة، بل أن ما كان يميز هذه المدينة أنها كانت تضم عدداً كبيراً من الشخصيات المحترمة والمؤثرة في وسطها الإجتماعي. والغريب أن هؤلاء ما كانوا يتشابهون بصفاتهم وطبائعهم، بل كانت لكل منهم شخصية مؤثرة تميزه عن غيره .

فالسيد ((محمد الحلو)) الذي كان العالم الديني بالمدينة، كان هادئاً قليل الكلام يسيطر عليه الخجل أحياناً، لكنه بهذه الصفات من الهدوء والخجل كان محترما ومحبوباً عند الناس ، أما اخوه السيد ((محمود الحلو)) الذي كان يناوبه في إدارة شؤون الدين فقد كان نشيطاً، كثير الحركة، ذو نبرة عالية، ما إن يتحدث حتى تجد يديه تتحركان تلقائياً لتوضحا انفعاله، له نظرات ثاقبة، يفرض تأثيره على الآخرين من خلال ما يردده من أحاديث وأمثال . وإلى جانبهما ((عبد الحسن ملاُ منذور))، الذي كان طويل القامة، حسن الطلعة، نافذ الكلمة، ساخرا ضاحكاً في الاوقات كلها، كان يعمل خياطاً ولكن مهمته الأخرى هي قيادة المواكب الحسينية في عاشوراء وقراءة القصائد فيها، وأما ((عبد الرسول الصفار)) الذي كان يعمل في تصنيع الأواني المنزلية من معدن النحاس والقصدير فقد كان متوسط القامة، بهي الطلعة، أخضر العينين، واسع المعرفة، كثير الإهتمامات والهوايات، أقام مزرعتين خاصتين به في أطراف المدينة، وكان يزرعهما ويعتني بهما بنفسه ولوحده، وكان يُبهرك بأحاديثه ومعلوماته الغزيرة .

وأما ((عبد الجبار حيدر)) فقد كان طويل القامة، جميل الطلعة، هادئ الطبع، حلو الحديث، أنيق في الأوقات كلها، كان يقضي معظم أوقات فراغه مع صديقه ((عباس علًو)) في مقهى رزوقي يتجاذبان أطراف الحديث ويحولان مادة الحياة الى الضحك .

إلى جانب هؤلاء كان في المدينة كثيرون وكثيرون ممن كانوا يتميزون بشخصياتهم القوية والثاقبة، وكان ما يجمع هؤلاء هو أهتمامهم بالمناسبات الاجتماعية وبخاصة طقوس العزاء في شهر عاشوراء فهم القادة البارزون في هذه المناسبات .

***

ما ان يحل شهر عاشوراء حتى يتجمع الشباب طيلة أيامه العشرة الأولى أمام دار ((عبدالحسن ملاَ منذور))، منخرطين في مجموعات تضم كل منها قرابة الثلاثين شخصاً، ثم يبدأون بالتدريب على الاهازيج ((الردّات)) وايقاعاتها حسبما يرددها امامهم ((عبدالحسن ملاَ منذور))، وهو يلحنها لهم مستعيناً بحركات يديه كما يعمل المايسترو وهو يقود الفرقة الموسيقية ، وحينما يكتمل التدريب يتحرك الموكب متجهاً إلى جامع المدينة على بعد قرابة الكيلومتر الواحد، تتقدمهم الرايات السوداء والخضراء، حاملين وسائل الاناره ((اللوكسات)) على رؤوسهم يحيطهم أطفال المدينة وشيوخها، أما نساء المدينة فبعضهن يرافقن الموكب وقد غطٌين وجوهن واجسادهن بالعباءات السود فلا ترى سوى عيونهن، والبعض الآخر يتلصص على الموكب من نوافذ بيوتهن أومن أعلى السطوح المطلة على حركة الموكب.

يبلغ الحماس في المشاركة ذروته في موكب العزاء يوم العاشر من عاشوراء، فتكون حركة الموكب في النهار بدلاً من الليل وتتسع المشاركة فتشمل شيوخ المدينة واطفالها، وينضم إليهم ابناء الريف الذين يتدفقون من المناطق المحيطة بالمدينة ويطوف الموكب في ازقة المدينة، وتكون نهايته في سوق السراي، فترى السوق مليئاً بالناس حتى اطرافه المترامية، الذين يلطمون على صدورهم حسب الإيقاعات السريعه والالحان الشجية التي كان يرددها عبدالحسن ملاَ منذور وهو يعتلي منصته وسط السوق .

وفي الأمسيات من شهر عاشوراء تقام المجالس الحسينية، وهي مجالس تعقد في البيوت وفي جامع المدينة طيلة شهر عاشوراء، يحضرها جمع كبير من الناس ويتحدث فيها أحد رجال الدين ممن كانوا يفدون إلى المدينة من النجف الأشرف والذين كانوا يتحدثون عن تفاصيل واقعة كربلاء مقرونة بالنصائح والارشادات الدينية، واتذكر في ذلك الحين أن أحد المتحدثين كان شاباً نال اعجاب المستمعين لما تميزت به احاديثه من غزارة في المعلومات ونهج مؤثر في أسلوب الحديث، وكانوا يصفونه ((بالراديون)) لما تميز به صوته الشجي ونبرته الواضحة من ايقاع مشابه لما كانوا يستمعون إليه من مذيع الأخبار في راديولندن، وكان هذا القارئ هو المرحوم الشيخ أحمد الوائلي .

وكان للنساء مجلس مشابه تقيمه القارئة المرحومة ((عذيّة)) وابنتها ((قمرية)) في بيتهن، واللاتي كن يمتلكن الصوت الشجي والشخصية المحترمة عند نساء المدينة قاطبة، فما إن يحل المساء حتى ترى أزقة المدينة مليئة بمجموعات النساء اللاتي يتدفقن على دار الملاّ ((عذيّة)) بعباءاتهن السود للمشاركة في مجلس العزاء .

ومن أكثر الطقوس تأثيراً في النفس وتعبيراً عن الحزن والوقار هو ما كان يحصل في اليوم الحادي عشر من عاشوراء، والذي كان يسمى بيوم الوحشة، لأن عائلة الحسين صلى الله عليه وسلم بقيت وحيدة تهيمن عليها الوحشة بعد مقتل رجالها، ففي مساء هذا اليوم يتجمع سكان المدينة من كبار السن، في مجموعات كبيرة، وهم متأنقون بكامل ملابسهم قرب جامع المدينة يتقدمهم السيد ((محمد الحلو)) حاملين الشموع بايديهم، ومنكسي عقالاتهم على اكتافهم وهم يرددون بصوت حزين مرتفع:

يا شهيد الطف جئنا للعزاء

وما ان تنتهي المجموعة الأولى من ترديد شعارها حتى تبدأ المجموعة الثانية التي يتقدمها السيد ((محمود الحلو)) بالترديد:

كربلاء لا زالت كربا وبلاء

وعلى التوالي تردد بقية المجاميع شعارتها، كان هذا الموكب مشهداً وقوراً ومؤثراً ومعبراً عن الحزن والوفاء بأسلوب حضاري موقَر ، لما أصاب الحسين وعائلته من نكبة في واقعة كربلاء، كنت اتمنى دائماً، وما زلت، أن يكون هذا النهج هو الأسلوب الذي تعتمده طائفة الشيعة للتعبير عن حزنهم في شهر عاشوراء بدلاً من اللطم على الصدور العارية، والزنجيل، والتطبير .

***

صفحة 10

وإذا كان أغلب سكان ناحية المجر الكبير، في ذلك الوقت، من الطائفة الشيعية، فقد كان يعيش إلى جانبهم عدد كبير من أفراد الطائفة السنية الذين كانوا من الشخصيات المؤثرة والمحترمة في المدينة، وكانت تربطهم علاقات المحبة والود والأحترام مع أقرانهم من الطائفة الشيعية، بل كانت تربط الكثيرين منهم وربما أغلبهم علاقات المصاهرة مع بقية العوائل الشيعية، لم يلاحظ المرء آنذاك في محيط تلك المدينة وربما في غيرها من مدن المنطقة أي حالة من التعصب الطائفي بين أفراد الطائفتين الشيعية والسنية، بل انني شخصياً لم ألمس الفرق بين الطائفتين طوال مرحلة الطفولة، رغم أن عدداً من أبناء الطائفة السنية كانوا من أصدقائي في ذلك الحين .

***

إلى جانب هاتين الطائفتين كان يعيش في ناحية المجر الكبير في ذلك الوقت عدد من طائفة الصابئة المندائيين، يناهز عددهم الخمسين عائلة . كان بعضهم يعمل في صياغة الحلي الذهبية والفضية والبعض الآخر يعمل في مجال الحرف اليدوية كصناعة الآلات الزراعية مثل المنجل والمسحاة، وآخرون يعملون في صناعة الزوارق النهرية ((كالمشحوف)) و((البلم)) وقد بزر منهم عدد من المثقفين وأصحاب الشهادات العليا، ومما كان يميز أفراد هذه الطائفة أنهم ودودين مسالمين، فلم يسمع أحد أن صابئياً تشاجر مع مسلم حول شؤون الدين أو شؤون الحياة، بل كانت المودة وحسن الخلق تبلغ بهم في مجاملة اخوانهم المسلمين إلى حدود المشاركة في طقوس شهر عاشوراء فترى في اليوم العاشر من عاشوراء إحدى المجموعات ((الردّات)) وهي تشارك في موكب العزاء من الطائفة المندائية وهم يردوون الشعارات الحسينية ويلطمون على صدورهم كغيرهم من المسلمين .

****

أما مناسبات الأفراح في ذلك الوقت فأهمها مناسبات الزواج والاعراس، والزواج كان يحصل، في الغالب، بين الأقارب والمعارف، حيث تقوم الأم أو الاخوات بترشيح إحدى قريباتهن أو معارفهن من بنات المدينة إلى من يرغب بالزواج ولهذا تجد أن أغلب عوائل المدينة تربطهم ببعضهم علاقات النسب والمصاهرة .

ومن يتزوج لا تربطه مع من يروم الزواج منها، في ذلك الوقت، علاقة شخصية وثيقة، بل هما، في الغالب، لا يعرفان بعضهما البعض ولم يلتقيا ويرى أحدهما الآخر إلا يوم الزفاف، أما طقوس الزواج فهي بسيطة آنذاك، بخاصة بين العوائل الفقيرة، فالخطبة تبدأ بزيارة النساء من أهل الزوج للنساء من أهل الزوجة، لغرض التعارف وتثبيت ما يحدد من مبلغ مقدم الزواج ومؤخره، وهي مبالغ نمطية حسبما تحدده العشيرة أو العائلة، فالمقدم يتضمن تكاليف عدة الزواج البسيطة، والمؤخر مبلغ زهيد يكاد لا يذكر .

وبعد ذلك تذهب مجموعة من رجال أهل الزوج إلى أهل الزوجة لاجراء مراسيم الخطبة التي لا تتعدى إقرار ما اتفقت عليه النساء في زيارتهن الأولى، وتبادل عبارات الثناء والاعتزاز، وشرب العصير، وقراءة الفاتحة، والخطبة في جوهرها وسيلة للاعلان عن النية في الزواج أما عقد الزواج، في ذلك الوقت، فقد كان ينظم، حصراً من قبل رجل الدين، الذي يوثق عقد الزواج، ويعلنه بناءاً على الأسس والشعائر الدينية، ولم يجر التسجيل في المحكمة ودوائر الاحوال المدنية إلا في سنين متأخرة جداً.

وخاتمة طقوس الزواج هي اجراءات الزفاف، وكانت هذه بدورها بسيطة أيضاً، وتقتصر عند العوائل الفقيرة على طقوس الزفاف حيث تقاد الزوجة مساء ذلك اليوم إلى بيت الزوج بالأهازيج ((الهوسات)) التي يشترك فيها اهالي الزوج وأصدقائهم ومعارفهم و((الهوسة)) التي كانت تتردد دائماً في هذه المناسبة :

جبناها وجبنا أمها وياها

بمعنى جلبنا الزوجة برفقة أمها، حيث يظل الأب والأبناء في بيتهم بينما ترافق الأم أبنتها إلى بيت الزوجية لأيام معدودات، وتختتم الزفة بالوليمة التي يقيمها أهل الزوج لاقاربهم ومعارفهم ممن يشاركون في الاحتفال بالزواج .

أما مراسيم الاعراس بالنسبة لميسوري الحال من أهل المدينة، فقد كانت تقترن باحتفال كبير يشترك فيه عدد من سكان المدينة ويساهم فيه الغجر ((الكاولية)) بأداء الأغاني والرقص حتى وقت متأخر من الليل، وتتخلله الزغاريد ويتسم بالمرح والابتهاج .

ومن الراقصات والمغنيات المشهورات اللاتي كن يشاركن في احتفالات أعراس المدينة، المغنية الغجرية الشهرية ((بُته)) التي كانت تترأس مجموعة من الراقصات والمغنيات الغجريات الجميلات ضمن فريق ((عيسى بن حويلة)) وكانت ((بُته)) تصدح بصوتها الشجي بالاغاني المشهورة في ذلك الحين فتطرب كل من يشارك بالاحتفال، وأتذكر أن الفنان المعروف ((داخل حسن)) قد شارك مراراً في احتفالات الاعراس التي كانت تقام في المدينة لابناء أصدقاءه من شيوخ العشائر .

و((عيسى بن حويلة)) رئيس فريق الطرب هذا الذي كان يسمى باسم أمه ((حويلة)) هو من ابناء المدينة ويمت بالصلة إلى عائلة محافظة وعريقة، وهو فنان بفطرته، وكان يعشق الطرب والغناء منذ طفولته، وقد وقع في عشق المغنية الغجرية ((بُته)) وراح يتبعها أينما تذهب، حتى تزوجها وأصبح واحداً من مجموعتها ورئيساً لفريقها، إنه يمثل التحدي للتقاليد المألوفة، والانتصار لعاطفة الحب بأجلى صورها .

****

ومن المناسبات التي لا تغيب عن الذاكرة أيام الصيام في شهر رمضان، وأيام شهر رمضان في الأربعينيات والخمسينيات كانت تحصل في منتصف الصيف القائظ، أغلب الناس كانوا يصومون هذا الشهر برغم طول النهار وشدة الحر، فخلال النهار يهرع الأطفال والشباب إلى النهر ليستمتعوا بالسباحة، كم كانت السياحة مفرحة لنا نحن الأطفال في ذلك الوقت، فترانا طيلة وقت الظهيرة والمساء نسبح في النهر، ونجري المسابقات واللعب بالماء دون كلل أو ملل .

أما في الليل فقد كان سكان المدينة يجابهون الحرارة بالنوم على السطوح، وكانت عادة النوم على السطوح هي السائدة في ذلك الوقت، فما أن يحل المساء حتى ترى أهل البيت يقومون برش سطح البيت بالماء فيصبح بارداً في الليل، لأن السطوح كانت تُكسى بالتراب الذي يستجيب للحرارة بالتبخر فيبرد ذلك السطح، ولكثرة الحشرات والبعوض بسبب قرب البيوت من النهر يلجأ الناس إلى تغطية فراشهم ((بالكلل)) و((الكلة)) تتكون من قماش خفيف يفرش على شكل مكعب فوق سرير النوم ليحمي النائمين من لدغ الحشرات، وتنشغل النساء طيلة النهار في شهر رمضان في إعداد طعام الإفطار الذي ينبغي أن يكون متنوعاً، ومن المأكولات الشائعة التي تحتوي عليها مائدة الإفطار ((شوربة العدس)) و((كبة الحلب)) و((شربت النومي بصرة)) ومن العادات الشائعة أن عوائل المدينة تبادر قبل الأقطار بارسال ما تجيده من مأكولات إلى جيرانهم ومعارفهم، فتجد مائدة الإفطار عامرة بما تطبخه العائلة وما يأتي من العوائل الأخرى .

****

حينما يحلّ المساء تجد ساحة السوق أمام جامع المدينة تكتظ بالصائمين وهم ينتقون الحلويات من ((البقلاوة)) و((الزلابية)) و((اللقم)) التي يجيد صنعها ويعرضها ((مجيد الشكرجي)) في ساحة السوق، وكذلك كؤوس اللبن الصغيرة والنظيفة التي تعرضها بائعة اللبن ((ناجيّة أم الروبة)) التي كانت تكسي يديها وصدرها وانفها بالحلي الذهبية، وكذلك قوالب الثلج التي يقوم بتقطيعها وبيعها ((شيهاني))، وما ان يسود ظلام الليل حتى تجد ساحة السوق تزدهي بأضواء ((اللوكسات)) المسلطّة على حلويات الحاج مجيد الشكرجي . لقد كانت حقاً اجواء احتفالية مبهجة تشيع الفرح في ليالي رمضان ، وحينما يحل وقت الافطار يعتلي الشيخ رضا مئذنة المسجد معلناً بصوته المرتفع الجميل حلول وقت الافطار .

وبعد منتصف الليل يستيقظ الصائمون على أصوات الطبول التي يقرعها السقا ((بهلول)) هو وأقرانه راكضين في أزقة المدينة معلنين وقت السحور لينجزوا مهمتهم في الوقت المحدد.

****

تقدمتُ في دراستي الابتدائية حتى بلغتُ الصف الرابع، وكنت حسبما اتذكر مثابراً أحرص على تنفيذ تعليمات المدرسة وإرشاداتها، وما كان يسترعي انتباهي هو العناية الفائقة والعطف الذي كنت احظى به من لدن كافة أسرة التعليم، وهو ما كان يثير الحسد والغيرة عند زملائي، لم أكن أعرف أسباب ذلك العطف والاهتمام وهل هو بسبب الصداقة التي كانت تربط والدي بأسرة التعليم، أم بسبب ما كنت أتصف به من مثابرة واجتهاد وإطاعة للنظام ؟.

وعند اقتراب موعد الامتحانات النهائية وأنا في الصف الرابع الابتدائي اصبت بداء الملاريا الذي اقعدني في الفراش أياماً عديدة، وكان معلمنا في حينه عبد الحميد الخشن، وأتذكر أن والدي قد اصطحبني للامتحان، وانا في أشد حالات المرض، وكانت إجابتي في الامتحان لا توحي بأمكانيه النجاح اطلاقاً، لكني فوجئتُ عند اعلان نتائج الامتحان بأني قد حصلت على ذات النتائج المتفوقة التي كنت أحصل عليها في الامتحانات الشهرية، وعندما استفسرت عن ذلك من معلمي عبدالحميد الخشن بعد سنوات طويلة أخبرني بأنه يقيم طلابه حسب كفائتهم خلال العام بكامله وليس الامتحان إلا مؤشراً واحداً لتقييم تلك الكفاءة، وقد طبقت هذا النهج لاستاذي القدير عبدالحميد الخشن عندما أصبحت استاذاّ في جامعة البصرة فيما بعد .

****

وعندما أصبحت في الصف الخامس الابتدائي وعمري آنذاك يقارب الحادية عشرة اصبحت اشعر بمشاعر لم آلفها سابقاً أزاء المرأة، بخاصة حينما كانت تزور بيتنا إحدى العوائل مصطحبة معها طفلة يافعة اسمها ((ساجدة)) فحينما أعلم بوجود ((ساجدة)) في بيتنا وأسمع صوتها، كان ينتابي شعور غريب فتراني متحمساً، افتعل الاهتمام، وأحاول الاثارة، لم أكن اجرؤ على الحديث مع تلك الفتاة، وحتى النظر إليها مباشرة، وفي اللحظات التي كانت تقتضي اللقاء معها كنت أدير وجهي إلى الجهة الأخرى، فقد كان الحديث المباشر مع المرأة الغريبة عيباً على الرجال في ذلك الوقت ويوصف الرجل الذي لا يركزّ نظرة على وجه المرأة بأنه الرجل الشريف صاحب الحياء والمؤدب ، لم أدرك ما أنا عليه ولكنه كان شعوراً جميلاً يبعث البهجة والفرح في نفسي، وأصبحت أطرب وينتابني السرور والانشراح عندما كنت أستمع لأغاني فريد الاطرش وأم كلثوم وداخل حسن .

****

لقد حصل تحول في شخصيتي وأسلوب تفكيري وأنا في الصف السادس الابتدائي عندما تعرفت على صديقنا ((سامي أحمد العامري))، وحينما كنا نلتقي به أنا وأبناء عمي واصدقاؤنا كان سامي رحمه الله يكبرنا بعامين أو ثلاثة، كنا نسمع منه افكاراً جديدة لم نكن نعرفها من قبل، كان يتحدث لنا عن الاقطاع وما يعانيه الفلاحون من ظلم وفقر وعوز بسبب النظام الاقطاعي الجائر، وكان يتحدث عن الاستعمار وما يعانيه شعبنا من نهب واستغلال لثرواته، وفي لقاءات أخرى كان سامي يتحدث لنا عما قرأه من الكتب مثل كتب جبران خليل جبران وجرجي زيد والمنفلوطي ولامارتين، وكان يبهرنا بأحاديثه الشيقة وشخصيته القيادية المؤثرة، وبدأت احاول تقليده، ولأول مرة بدأت بقراءة الكتب غير المدرسية، والكتاب الأول الذي بدأت بقراءته هو كتاب ((الأجنحة المتكسرة)) لجبران خليل جبران، ثم أعقبته بقراءة ((تحت ظلال الزيزفون)) للمنفلوطي، ((وروفائيل)) للامارتين، كنت أشعر بالمتعة عندما كنت أقرأ هذه الكتب، وبدأت أشعر بجمال الطبيعة ومشاعر الحب أزاء المرأة التي كانت تصفها تلك الكتب، وكانت صورة الشابة ((ساجدة)) ترافقني وأنا أتابع مشاعر الحب التي تتحدث عنها تلك الكتب .

****

بعد منتصف الأربعينيات تحسّنت الحالة المالية لوالدي بعد الاعمال التجارية التي قام بها والأرباح التي حققها أثناء الحرب فاشترى بستاناً كبيراً مزدهراً بالنخيل في أطراف المدينة، انشأ في مقدمته وعلى ضفاف نهر المجر الكبير مشروعاً كبيراً لجرش الحبوب وطحنها، واصبحنا أنا وأخي عبد الكاظم نرافقه خلال عطلة الصيف للإشراف على بناء المشروع وكنا نشعر بالزهو والفرح حينما نشاركه في ذلك العمل !

لم يكن أهالي المجر الكبير في ذلك الوقت متطرفون متزمتون ازاء تقبل وسائل الحضارة والمدنية، ففي ذلك الوقت كان في المجر الكبير طبيب اسمه الدكتور((عزت)) وكان يسكن المدينة مع زوجته ((جوزفين)) وهما مسيحيان . وكانت ((جوزفين)) سافرة ولم يعترض على سفورها أحد، بل الأكثر من ذلك أن الزوجين ((عزت)) و((جوزفين)) كانا يمتطيان حصانين في بعض الأمسيات يتجولان بهما في الحقول المحيطة في مدينة المجر الكبير مخترفان أزقة المدينة، وهما يرتديان ملابس الفروسية، ويضعان على رأسيهما قبعتا ((الجوكي)) البيضاء، ولم يكن ذلك سبباًً لاستفزاز أهالي المدينة أو امتعاضهم، لقد مات الدكتور عزت بحادث مفجع، وهو يحاول اشعال شمعة قرب صفيحة البنزين التي انفجرت عليه وأحرقت أجزاء كبيرة من جسمه، ومات بعد يومين من ذلك الحادث متأثراً بحروقه، وبكته المدينة بكاملها، ولا يزال يتذكره سكان المدينة من كبار السن، لما كان يتصف به من أخلاق فاضلة، وكفاءة عالية ونفس ميالة للخير ومساعدة الآخرين .

****

وحينما أعود بالذاكرة إلى سنوات الاربعينيات والخمسينيات، وما تميز به الوضع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لأهالي المجر الكبير في ذلك الحين، تتكرر أمامي حالة القناعة والرضا والأبتهاج والأنشراح التي كان يتصف بها أولئك الناس على الرغم مما كانوا يعانونه من حرمان مادي وعوز وشظف في متطلبات المعيشة، فالعائلة آنذاك لا تمتلك السيارة، والتلفزيون، والثلاجة والغسالة والمبردة وسائر الأجهزة الكهربائية التي تتراكم في بيوتنا في الوقت الحاضر، ولم تكن لديها الطاقة الكهربائية ولم يصلها الماء الصافي إلى بيوتها، كانوا يسكنون في بيوت بسيطة لا تتوفر فيها وسائل الرفاه المتوفرة الآن مثل الراديو، والتلفزيون والانترنت والمروحة الكهربائية والمكيفة والاثاث الحديث المتنوع، وما كانوا يحصلون عليه من دخول لا تفي إلا بالنزر اليسير من حاجاتهم الضرورية، لكنهم على الرغم من ذلك كانوا راضين قانعين بما هم عليه من حال، بل إن الانشراح، واقتناص مناسبات البهجة والفرح كانت تراودهم في أغلب الاحيان، كانوا يمازحون بعضهم البعض وهم جالسون في المقاهي، يمرحون وهم يمارسون اعمالهم الشاقة، يحولون مادة الحياة برغم عذاباتها إلى الضحك، وهي الحالات التي يفتقدها الناس في هذا الوقت، فعلى الرغم من الرفاه المادي الذي يعيشه الناس الآن، وما يمتلكونه من وسائل الحضارة والمدنية، الحديثة والمتنوعة، التي تزخر بها بيوتهم، وعلى الرغم مما يحصلون عليه من دخول تغطي حاجاتهم الضرورية، والكمالية أحياناً، بل قد ترتقي عند البعض إلى مستويات الترف والبذخ، لكن الإنسان في الوقت الحاضر يفتقد غالباً إلى السعادة والرضا والإنشراح، بل تجده دائماً مهموماً مكلوماً قلقاً لا يستقر على حال، وما أكثر أسباب القلق والاكتئاب والخوف التي يتعرض لها الإنسان في عصرنا الراهن .

الإنسان في الوقت الحاضر يفتقد، في الغالب، إلى ما كان يحظى به أسلافه ، من السعادة والقناعة والرضا والإنشراح، وهي لعمري مزايا لا تُعوضها وسائل المدنية الحديثة أبداً .