eKtab
EN ع
عندما يزرعون الجراح
اقرأ عينة مجانية

عندما يزرعون الجراح

بقلم أروى المرشدي

صفحة 1
تقديم
 
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على أكرم البريات ، وآله وصحبه أولي المناقب والمكرمات ، وبعد
 
فقد عرفت حرف الأستاذة أروى المرشدي من زمن غير يسير ، وأوقفني من صدقه وصفاء مخرجه ما سرني ، وأشعرني بالفخار أن للكلمة النظيفة أهل وحماة ؛ يدونونها حق تدوينها ، ويذودون عنها في زمن ضيع الكثيرات والكثيرون من الأديبات والأدباء ، والمثقفات والمثقفين حق الكلمة وأمانتها ، وميعوا مسارها ومشهدها ، فاقتحم حماها كل دعية ودعي ، وأوضعوا خلال حرمها بالمكر الجلي والخفي فاغتربت اغتراب الحق بين دافعيه ومنكريه ، وفقدت حافظها وراعيَها وذوى عودها الحري بالنضارة والبهاء ، وأوحشت من أهلها الصالحات والصلحاء ؛ حتى صار النص الأدبي الرسالي بضاعة مدفوعة أو ممنوعة ، وصارت مناقبه نفس معاطبه لانتشار الجاهلين والمبدلين .
 
فليس للكلمة – وقد فرقها هذا الاغتراب شذر مذر ، وعز المجاهد في سبيلها وجالب الظفَر - من ملاذ ومُعَوَّل إلا على أمثال الأستاذة أروى المرشدي التي أبت إلا أن تصابر وتنافح ؛ بهمة الأبية القابضة على جمر الصمود ، العصية على سلطان السائد المعهود ، ومخرت بشراع ثباتها عباب بحر يمور بفتن الانحلال مورا ؛ إلى أن فسحت للكلمة الطيبة مجالا أليق وأرقى داخل الشبكة المفتوحة المتاحة للعالمين ، فكم حلت بين جبالها ووديانها وارتحلت ؛ تطلب العوالي ، وتشيم سنا برق المعالي ؛ غير حسيرة ولا كليلة ؛ إلى أن أنجب سعيها المبارك الأجمل هذا المولود السعيد المسعد الأمثل ، فهو كما قال الله عز وجل حقا وصدقا : ( وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ) .
 
فهذا التصنيف الإبداعي اللطيف الشريف بشرى لكل الأديبات والأدباء والمثقفات والمثقفين من أهل الوعي الحصيف المنيع ، والمطمح الرسالي الرفيع أن مد النور المسعد للبشرية سار سريان الضياء المنبعث بين فجر الخلاص أمانة وتمكينا ، وأن حلك الفتن ما فتئ يصقله صقلا ، ويقويه فعلا .
 
ولا يزال النقاد من أهل المعرفة والأمانة ينقبون تنقيب الخبراء الحفريين عن صنف رفيع صاف من الإبداع ؛ متين البناء ، كريم المقالة ، ثقيل الدلالة ، ذي مقاصد ساطعة الفضل والجلالة ، فهذا التأليف حري بالإشادة والتعريف ، وهو عنوان لمسار كريم ، راسخ الخطو ، عاكف على أمانة الإصلاح والتقويم ؛ دشنته الأستاذة أروى المرشدي ورفيقات دربها الصالحات المباركات بمشاريع إعلامية ناجحة ناجعة على الشبكة ؛ مثل ( منتديات روح أديب النسائية وقاعة بنان الطنطاوي الصوتية ) ؛ إصرارا على صيانة الكلمة ، وتنزيها لها عما يشوب لمعانها الرسالي ، ويكدر صفوها المقالي والدلالي (لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ) .
 
والحمد لله أولا وآخرا
 
الدكتور عبد الرزاق مرزوك
 
أستاذ دراسات إسلامية
 
كلية الآداب جامعة القاضي عياض- المغرب
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
 
لم تكن تلك الكلمات التي انثالت هنا في هذا الكتاب تعبيراً راقياً عن وجدانيات الكاتبة ،و لم تكن تلك الكلمات تحمل نقاء النصيحة البيضاء ؛ إنها استطاعت في غاية السلاسة أن تمزج بين اللونين لتفقد عنصر اللونية القاتم ،و تصبح كلمات شفافة لا يخالط شفافيتها شيء ..
 
إن نقاء الماء هذا لم يؤته إلا الراسخون في الصدق : الذين يحملون في حناياهم قلوباً من زجاج يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها شأن كل شفيف ..
 
و أحسب الأستاذة الكريمة "أروى" من أؤلئك الراسخين في الصدق الذين يعبرون عن أرواحهم في ثوب من الفائدة قشيب نحسبها و الله حسيبها و لا نزكي على الله أحد ..
 
فهنيئاً للقاريء هذه الرحلة النقية نقاء كلماتها و نقاء صدقها و نقاء هدفها النبيل ..
 
الدكتور الشاعر
 
محمد سعود السفياني
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
 
هنا أرى حرفا يبحر بضوء الفكر الراقي,, تاركا خلفه أمواج اليأس تتكسر في لجج تلتقط آخر أنفاس الليل ,ليشيّعها إلى مثوى النهايات ,,هنا أقرأ قلبا يتسع العالم, وأتنزّه في فضاءات صافية لم تلوّث,فأطير على بساط الأمل مجتازا مفاوز اليأس ,, أتعقب عبق الحرف لأشتم عطر النصر القادم الذي تزفّه نسائم إبداعكم....
 
الكاتبة /أروى المرشدي
 
. مباركٌ عطاءكم وفي ميزان حسناتكم
 
الأستاذ الشاعر أشرف محمد حشيش
 
مساء السبت 4/3/2012
 
فلسطين المحتلة / الخليل
 
بعض حروف تبحث عن وطن تكتب فيه شعرا ،
 
تمحو به حزنًا ، تنجو من أعاصير الغربة
 
فترسو على ضفاف البنفسج ..
 
أروى المرشدي
صفحة 4
(1)
 
أميرة ُ اللحظات القصيرة !
 
كان أبي يناديني " أميرتي الصغيرة "عندما كان عمري لا يتجاوز
 
بضع لحظات تغمرها البراءة
 
وقتها كانت الدنيا تعني "أبي "وكنت أظنها ستبقى كذلك
 
فسيد الرجال عندي توّجني" أميرة "على مملكته رغم أني لست الوحيدة عنده ! ولا أعلم حدودا لمملكة الحب والنقاء التي كنت أعيش حسنا ً علي الآن أن أكون أهلا ً لهذا الاسم لأليق بأن أحمل اسم أبي فقد حملت الكثير رغما ً عنّي
 
والأجدر بي حمل ما أحبه بثقة وليس ما أبغضه بقوّة
 
هكذا تدور عجلة الأيام ؛
 
وبجانب نافذة يتقافز المطر خلفها وتعانق حبّاته شباك غرفتي ؛ وعلى كرسي اعترفت عليه بالكثير يوما ً ما وكان شاهد أعلى لحظات لازالت صمّاء وجبانة داخلي رغم أنه شهد لحظات شجاعة منّي يوم أن صرخت : هاتوا وطني يا جناة ولصقت على وجوههم عبارة "أنا مسلمة" بكل فخر وتركتهم يترقبون من بعيد آثار خديجة وعائشة وفاطمة و أسماء وغيرهن كثيرات كن للتأريخ فخرا
 
لكن شجاعتي هنا لا تنفي جبني في بعض المواقف واللحظات ..
 
هأنذي أكاد أحصرها فأجدها تراوغني كثيرا....
 
طلبت نجدة المطر فهو غالبا ما يسعفني حال توقفت قريحتي فمثله رفيقا لم أجد ولا أظن أني سأجد...
 
ها هو يغمر الأرض ويغسل الجدران والقلوب معا حتى التي تكابر هاهو يدحرها
 
عجزت حتى لحظاتي الصامدة عن عوني
 
فها أنا أنصب سرادقا للعزاء بداخلي حيث إنّي
صفحة 5
قبلت العزاء في :
 
بسمة أطفال العراق ؛ وفلسطين وأفغانستان وكل بلاد كانت تسمى بلادا
 
وكانت تملك حرية
 
قبلت العزاء
 
في بعض بعضي عندما كانت تحتويني كلماتهم فأصبحت بيني وبينها
 
مسافات لا أجيد قطعها بل لا أعرف وإن عرفت فحتما لا أقدر
 
قبلت العزاء في شجاعة بعضهم عندما يصمت عن أمور
 
لا تحتاج منه إلا لكلمة حق!
 
ورغم ذلك سأحاول الكتابة
 
لأي شيء أكتب وما أكتب ؟!
 
وأنا كلما أمسكت القلم
 
تراءت أمامي طعنات بلون الدم تستجدي النسيان وكم هو جبار ومتغطرس
 
تراءت أمامي حروف بلون الثلج كانت تحلق حيثما تحب
 
فطالها حظر التجوال الذي طال جميع أهلي حيث وطن اختلط فيه المطر بالدم وما عادوا يفرقون بين ما يجب الغسل به وما يجب التطّهر منه
 
وتراءت أمامي وجوه كنت أعتبرها رفيقة ووهبتها ذات ضعف قلبي فوجدته معلقا للبيع على طرق المارّة وكم ظنوه رخيصا
 
وتراءت أمامي ليال كنت فيها أنظر إلى السماء وأنا استجدي رحمة ربّي بإخوة
 
قيدوهم ، أهانوهم ،عذبوهم
صفحة 6
وهم...
 
لاشيء سوى تلك النظرات التي تتسارع ذات اليمين وذات الشمال
 
علّ طُرقا حملت إخوتهم في الدين تعيدهم ذات شدّة
 
لكن هيهات
 
هيهات أن يجتمع الذل والكبرياء
 
أن تجتمع السيادة والعبودية
 
القوة والضعف
 
الحق والباطل !
 
الشجاعة والجبن
 
كيف لكل هذه أن تجتمع في شخص ؟
 
حتما مادامت لم تحرّكه صرخات إخوته في ليل لا يعرف إلا الصمت والرعب
 
حتما هو يدّعي عكس ما يوقن من نفسه ،، لندعهم وما يدّعون
 
فاللبيب رب يحميه ..
 
في غمرة تلك المشاعر التي ظهرت بخبث أمامي " رغبة في تدوينها
 
وجدت من خلفها تتلصص ببراءة لحظات سعيدة وجميلة
 
مرت على جسوري ذات يوم وعلِق على ذاكرتها شيء منها
صفحة 7
هي تنظر إلى بحب ووفاء ونقاء من خلف كل تلك الدهاليز المظلمة
 
لحظة كنت طفلة ذات ضفائر أقف بباب البيت أنتظر بشوق عودة أبي من مسجده فأهرع إليه وأقبّله ؛
 
ولحظة كان لي وطن يعانق السماء كبرياء ً وعزة ؛
 
ولحظة عرس الشهيد حين عانق الموت بشجاعة
 
ولحظة يوم نظرت إلى نهاية جسرِ طالما خشيت السير عليه
 
تراءت لي وحدها
 
ربما جلبها المطر
 
بل هو لا سواه
 
فلم يخذلني يوما
 
وهاهو جلبها أمامي ...
 
فجلست على مقعدي ...
 
أمسك فنجان ذاكرتي
 
وعلى ورقتي همست لأبي بعبارة "علَها تصله " :
 
"عرفت الآن يا أبي بعدك أميرة من أكون "
 
ما أنا إلا أميرة اللحظات القصيرة!
 
عمان 31/10/2010
صفحة 8
(2)
 
تخاريف الشتاء !
 
عندما أكون وحدي أحاول مراراً استبعاد لحظات الحزن تلك التي تباغتني كلما اختليت بنفسي ،
 
لا أدري لِم َ أشعر أنّها تتحين الفرص لتنقض على سويعات الصفاء ولحظات السعادة اليتيمة التي قد تكون مرت على بابي يوما ً مــا ، متوهمة أنها قد تجد لها سكناً عندي ، ربّما ترى أنه قد يكون للجبل غطاء يحميه من عواصف ورياح الأيام الهوجاء التي لا ترحم ، ربما يصمد الجبل ولا يتزحزح لكنه سيؤلمه حتما تناثر بعض من حباته هنا وهناك ،
 
وربما سقطت على رأس أحدهم فرماه بدعوة ظالمة ظنا ً منه كعادة الجميع أنه تعمد رميه بها ...
 
وهنا يبدأ الألم بالنزف مخلفاً أخاديد في الأرض لن تطمرها كثبان كل براكين التمرد الناجم عن ثورات الغضب الحانق على كل ما حوله .
 
وقفت عند الجبل وسألته مرة ألا تتألم ؟؟
 
هل لأنك جبل ٌ عليك أن تبقى بعيداً عن الهموم أم لأنك جبار ستحضن الهموم داخلك وأنت صامد
 
تمنيت أن أكون مثله لكني ما تمنيت أن يكون داخلي حجارة
 
فأنا بدون المشاعر المتحركة لاشيء ،
 
من السذاجة أن أنظر إلى نفسي والعالم وأبحث عن المثالية
 
لمْ توجد ولنْ توجد ...
 
ربما هناك من اقترب منها قليلاً لكنه أبداً لم ينلها كاملة ،
صفحة 9
إذن لِم َنكون دائما ً في موقف المتهم أمام من نحب ؟؟
 
لِم يطالبنا الغير بكل برود أن نكون فوق كل شيء ، فوق الهموم والأحزان وأكبر من كلمة عطاء وأعمق من معنى الوفاء وما نحن إلا بشر ، لِمَ يجب أن نكون أقوى من كل شيء وهل نحن كذلك ؟ وهل هم كذلك ؟
 
لكن يبقى حبنا للآخرين يحركنا ويمدّنا بالقوة ِ على تضميد جراحنا النازفة جراء غدرهم ،،
 
وعلى جبر ما تكسر فينا من مشاعر جميله كنّا نكنّها لهم ذات يوم فتحطمت تحت وطأة التحليق بعيداً أبعد من مساحاتها الخضراء وخارج أسوار الوفاء !
 
لا أعلم لِم َيؤلمني الغدر أكثر من غيره ؟!
 
الطعنات كثيرة ومتفاوتة في درجاتها ...
 
لكن للوفاء عندي منزلة خاصة ... أتحسسه بقوة
 
حد المرض ،
 
حدّ أني أتمنى لو أطالب الآخرين بوضع دستور له تحكمه بنود الأخوّة
 
ومن يخرقها !! عليه أن يهاجر إلى بلاد لا يسكنها سوى الجليد ...
 
فهو وحده يجمد المشاعر لفترة حتى يزورها شعاع الشمس فتسيل وكأن شيئا لم يكن
 
وعندما تتحول إلى ماء
 
يفرح بها صاحبها
 
فللماء فائدة مهما كان مصدره أو طريقة حصوله عليه !
 
أما أنا فأرفض وبشدة أن يتحول أي إحساس أعيشه إلى حاله لا مرئية لا لون لها ولا طعم ولا رائحة .
صفحة 10
للوفاء رائحة زكية ،
 
تصلنا ولو عن بعد وإن باعدتنا السنين والهموم
 
وإن افترقنا
 
يوماً ما سيستقل زورق النجاة ويصلنا ليقول لنا
 
هنا كنا ..هنا لعبنا .. هنا كبرنا ....هنا أحببنا ...هنا افترقنا !
 
وقتها سأعلم أنها لم تكن بِحاراً تلك التي فصلتني عن أحبتني
 
فمن كان بحّاراً سيصل !!!
 
لكن عليه أولا ً
 
أن يجيد سبر أغوار البحر
 
ويعتلي منصة الوفاء بجدارة
 
ويسلمني رسالة كتب عليها :
 
وإن كنت ِ بلا وطن
 
فسأزرع البحر نخيلاً كي لا تشعري بالغربة
 
ربما تجدون ما كتبته حالة هذيان في لحظة حزن
 
أو هلوسة قلم مطعون
 
لكن خبّروني بربّكم ...
 
كيف يكون من اغتالوا وطنه في ليلة عرس الشهيد ؟
 
بينما الناس مشغولون بالحفل