صفحة 1
مقدمة
أيها القارى والقارئة العزيزين
هذا الجزء من قصص الأمثال أو أمثال القصص هو جانب من مجموعة لنا تقع في نحو ألف أقصوصة أو دون ذلك بقليل جعلتها حيناً على لسان الحيوان، وحيناً آخر على لسان الإنسان، وحيناً ثالثاً على لسان جماد أو نبات، وحيناً رابعاً جعلتها شركة بين بعض هذه الكائنات وبعضها الآخر· وقد توخيت في الجانب الأكبر منها أن أمثل خلل من الأخلاق النادرة أو خالجة من خوالج النفس الغريبة أو سلوك من سلوك الأحياء غير قريب ولا مألوف· وسيرى قارئ هذه الأقاصيص أن الندرة أو الغربة أو العد عن الألف فيما وصفت من خلق أو كشفت عن خالجه أو أظهرت من سلوك ليست ندرة القلة والشذوذ، ولا غربة الخصوص والعد من الشمول، ولا ابتعاد المغايرة والاختلاف مع خبرة الناس كافة ومشاهدتهم، وإنما هي ندرة الخفاء وغرابته وبعده ليس غير· إنني في هذه الأقاصيص أعرض على القارئ مقطعاً أفقياً من أخلاق الناس لا مقطعاً راسياً، فإذا بدت نماذجه غريبة أو بعيدة فإنما ذلك أنها تمثل طبقة خفية مستورة من أخلاق البشر وسلوكهم تغطيها وتخفيها الطبقات الظاهرة على السطح التي تشهدها كل عين ويفطن إليها كل وعي ويلتفت إليها كل انتباه ويعيها كل ذهن· غير أنني لا أزعم أنني مثلت تمثيلاً كاملاً في هذه الأقاصيص لكل الأهواء البشرية ونزعاتها المستورة وأخلاقها غير المألوفة وأشكال سلوكها النادر ومشاعرها غير المرئية، فأولئك جميعاً أعمق وأعم وأشمل من أن يضمها كتاب أو كتب أو يحصيها كاتب أو عدد من الكاتبين أو يكشفها كاشف أو عديد الكاشفين مهما بلغوا جميعاً من الشمول والإحاطة والقدرة على النفوذ وسبر الأغوار في النفس البشرية، ولكنني أزعم أنني قد ضمنت هذه الأقاصيص من شؤون الخلق والسلوك والميول والنزوات ما تستطيع أن تتضمنه ألف أقصوصة مستقلة كل أقصوصة فيها تمثل تمثيلاً مستقلاً غير معاد لواحد من هذه الأخلاق أو واحدة من هذه النزعات· وإذا رأيتما خلقاً أو عاطفة أو سلوكاً أو شعوراً أو نزعة غير ممثل في هذا الجزء فعليكما أن تنظرا الأجزاء الأخرى الباقية من هذه المجموعة وحينها ستريان ما افتقدتماه من خلق أو خالجه أو طبع أو خلة أو لا تريانها وتقولان أنها مما فات المؤلف رؤيته وتسجيله لأن الرؤية الكاملة لكل شأن من شؤون الحياة شيء ليس في وسع البشر ولا في طاقتهم·
وقصص الأمثال أو أمثال القصص ليست فناً حديثاً من فنون القول والتعبير الفني عالجه الكتاب في عصر متأخر فقط لما أمست الرواية هي اللون السائد من ألوان التعبير الفني بين الناس، فهي من أعرف فنون التعبير الفني بين الناس خاصتهم وعامتهم على السواء ومن زكثرها شيوععاً على الألسن وترديداً في المجالس، إن لم تكن أكثرها على الإطلاق· ومؤرخو الأدب العربي يرجعون بداءة الأمثال إلى لقمان ويضعونها ويضعونه في جاهلية العرب الأولى قبل آلاف السنين· ويرجع مؤرخو آداب الغرب ابتداءها إلى ايزوب اليوناني صاحب المجموعة الخالدة من الأمثال التي سميت باسمه· ولا يعرف الأدب العربي ولا الأدب الغربي عن شخصيتي المثل الأوليين هاتين غير هذا الذي ذكرت·
وفيما عدا ذلك لا نعرف عن لقمان إلا ما روي على لسانه من بضعة عشر أقصوصة حكيمة، ولا يعرف الغرب عن إيزوب حكيمه الأول إلا كتابه المذكور، وهو كتاب بلغ من الشهرة والذيوع بحيث بات أكثر تعابيره الرشيقة ومغازيه الطريفة الظريفة من ثروة الأدب الغربي التي لا يستغني عنها أديب أو كاتب كلما شاء أن نيكسب أسلوبه مسحة من الرشاقة والظرف مع حسن الإيجاز والتركيز· وتصمت آداب الشرق وآداب الغرب دهراً بعد هذين الحكيمين قبل أن تقدم لنا مثالاً آخر من حكماء القصة، وذلك حينما يبرز على ميدان الحكمة والإرشاد كتاب كلية ودمنة مترجماً بقلم ابن المقفع البليغ عن الفارسية مترجمة عن الهندسة بدورها هي الأخرى· ولولا الاستطراد الطويل الممل لاذي يتسم به الكتاب من أوله إلى آخره، ولولا شيء من البعد حيناً عن الإمكان في بعض نواحي الخبرة البشرية لكان بأسلوبه الأمثل في الابتعاد عن جانبي الإيجاز المخل والإطناب الممل خير ما ألف في هذا الباب من أبواب الأدب· أما آداب الغرب فتظل على صمتها بعد ايزوب إلى أن يترجم إليها· كتاب كليلة ودمنة، ثم يقوم لافونتين ويزخذ عنه وعن ايزوب عدداً وافراً من القصص وينظمه في تحوير قليل أو دون تحوير في شعر بلغ الذورة من سلاسة التعبير وسلامة البناء وجمال الأداء حتى قال فيه أحد نقاد الغرب، إن لافونتين هو، الشاعر الافرنسي الوحيد الذي يستطيع أن يخاطب حميع الناس ويفهمونه، ووهو الشاعر الذي لا يفوقه شاعر في تعدد نواحيه الإنسانية وصدقها· إننا نحبه حباً جماً ونضحك معه، بل ونضحك عليه الحين بعد الين ونود أبلغ الود أن نمر به يوماً من الأيام في صحبة الخالدين·
صفحة 2
وبعد هذين الحكيمين عالج هذا الضرب النفيس من ضروب الأدب نفر من الكتاب الغربيين والشرقيين نجح بعضهم بعض النجاح وأخطأه البعض الآخر، ولكن لم يستطع أحدهم على كل حال أن يبلغ ولو قريباً من المنزلة الرفيعة التي بلغها كليلة ودمنه وكتاب لافونتين·
ومن كتاب الشرق الذين عالجوا هذا الفن من فنون التعبير شوقي، عالجه فيما أذكر في بضع عشرة أقصوصة بعضها مقتبس وبعضها موضوع وكلها عليها الطابع الشرقي المألوف من حيث نصوع الديباجة ورشاقة التعبير وقرب المأخذ وعفو الأداء وسلامته· ومنهم كذلك جبران في ك تابه المجنون، وهو في رأيي خير كتبه في العربية· والانجليزية على السواء فهو يخلو من عيوب جبران في صوفيته القائمة في أكثر كتبه الانجليزية وفي بعض كتبه العربية بالرغم من عنوان الكتاب الذي يوحي بلا غراب أو الأبهام أو الشرود· وممن عالجوا هذا الفن شعراً على نطاق ضيق جداً، أبو ماضي، وله في ديوان الجداول بضع قصص كالعدير الطموح والوردة الذابلة والضفادع بلغت مبلغاً بعيداً من سداد الحكمة وصدق التجربة وسلامة التعبير· وممن عالجوا هذا الفن نثراً من كتاب الشرق كاتب هندي باسم أيار· وقد ترجم كتابه إلى العربية الأستاذ حسن عبده الزيات· وإذا كان كل الكتاب أو جله في جودة الأمثلة التي اقتبستها عنه الرسالة يومئذ في معرض تقديمه إلى القراء فهو كتاب في درجة عالية من الجودة والنفاسة· أما كتاب جنة الشوك للدكتور طه حسين فلا ندري أنستطيع أن نضيفه إلى هذا الضرب من ضروب التعبير الفني أم هو بما فيه أو في معظمه على الأقل من وعظ سافر أدنى إلى غير هذا اللون من ألوان الأدب وألصق به·
إذا أنتما تريان أيها القاريء والقارئة أن المؤلفين البارزين في هذا الباب من أبواب الأدب لا يكادون يعدون في جميع العصور وفي جميع الأمصار على أصابع اليدين معاً·
وقد تسألان عن علة هذه القلة في معالجي هذه الناحية من نواحي التعبير عن الخبرة البشرية، أهي هوان هذه الناحية على القارئين والكاتبين أم هي شيء آخر ؟ أما الهوان فجوابه أن أروج كتاب في اللغة العربية بعد الكتب الدينية وأكثرها عدد طبعات نفيسة أو غير نفيسة وأدومها عهداً في أيدي الناشئة وأشها إلزاماً بالرجوع إليها بعد ترك طويل أو قصير لتقويم اللسان وتحسين البيان مع إفادة المتعة الطريفة تصاب خلال ذلك في كل مدرسة عربية أو غير عربية في كل قطر عربي هو كتاب كليلة ودمنه· كذلك نستطيع أن نقول أن أروج الأقاصيص وأروج الدواوين في الأدب الغربي هما مجموعة أيزوب وديوان لافونتين· فهما الكتابان اللذان ينطبق عليهما وصف الناقد الغربي من حيث النفوذ إلى كل القلوب في كل الأعمار وفي كل الأمصار، للا يترفع عنهما الكبار ولا يشقان على الصغار·
أما الشيء الآخر في تفسير هذه القلة الغريبة الملحوظة في إنتاج المنتجين في هذا المجال فنعم· وأحسب أن الذي جعل هذا الصنف م صنوف الأدب أقل الأصناف تعدداً هو أنه أشق هذه الأصناف وأكبرها مؤونة على الأدبي المفكر· فالمثل الاقصوصي يجب أن يحوي في أول ما يحويه فكرة مبتكرة وحكمة مصيبة تصور تصويراً جميلاً خبرة أو خلقاً أو مشرباً أو عادة أو مسلكاً أو هوى أو فلسفة أو خلاف هذه من شؤون النفس والحس في ما لا يتجاوز الأسطر أو الصفحة الواحدة أو الصفحات القليلة أشد القلة على الأكثر· ذلك أن المثل إذا تجاوز هذا القدر أصبح قصة تؤثر تأثيرها الآني، ولكن قلما تذكر على تطاول ا لزمن ومزاحمة المؤثرات، وهو المقصود من المثل الاقصوصي لاإضافة إلى متعة الحاضر والتأثير المباشر، وذلك لاشتباك عقد هذه القصص في أغلب الأحيان وتعدد أحداثها وكثرة أشخاصها وطول أوصافها مم لا يتيح لها ذكراً قريباً دائماً على مر الزمن وتطاول الأحداث كالذي يتاح للمثل الموجز أشد الإيجاز المركز أبلغ التركيز، ثم إن الإيجاز مع الطرافة وابتكار والعمق هي زشق ما يتصدى له المؤلفون ويعانون· ومن هنا يؤثر الأديب أن يقصر قوى الابتكار عنده على فكرة أو فلسفة واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو عشر أو عشرين ويبني على كل منها بناء ضخماً من الفروع والأوصاف والتشخيص والحوادث في رواية أو روايات قليلة مطولة على أن يصرف جهوده أجمع على مئات الفكر يشتقها من خبرته وخبرة الناس ويبني على كل منها أقصوصة الأسطر أو الصفحة أو الصفحات القليلة، فلا يتجاوز إنتاجه الأدبي والحالة هذه مدى الحياة كتاباً واحداً أو كتابين، إلا إذا كان من جبابرة الفكر الذين يستطيعون أن ينتجوا أضخم الإنتاج في كل لون من ألوان الأدب والفن والمعرفة ويكونون من المجلين فيها جميعاً·
صفحة 3
وقد يأخذ الآخذون على قصة المثل القصير أنها لا تتسع لأكثر من إبراز الفكرة، فلا مجال فيها للتلوين العاطفي وتوكيد المشاعر وتعميق الإحساس مما يكسب الفكرة قوة ونفوذاً بالغين في نفوس القارئين، وأجيب هؤلاء الآخذين المحتملين أو الواقعيين أنه كما يستطيع الشاعر من الشعراء أن يضع في المقطوعة لا تتجاوز أبياتها عدد أصابع اليد الواحدة من إحساسه وروحه ما تخطئه في المطولة من المطولات أو حتى الديوان الكامل من الدواوين المغسولة يستطيع الكاتب من الكتاب أن يشحن المثل القصير بشحنات من الإحساس لا تجدها في ألوف الصفحات المنثورة المائعة ميوعة الماء الباردة برودة الماء كذلك·
وقد يقال أيضاً أن فكرة المثل قد تجيء في أكثر الأحوال أبسط تركيباً وأضيق أفقاً من فكرة الرواية الكبيرة أو المتوسطة، فلا يصح والحالة هذه أن يقارن بين إنتاج الروائي ذي الروايات القليلة ذات التفريع والعتميق والتعقيد والبسط والتحليل وروائي الأمثال الموجزة والمركزة· والجواب السريع هنا أن كثيراً من قصص الأمثال أو القصص القصيرة جداً من غير الأمثال قد جعل أساساً ونو،اة لتمثيليات وروايات ضخمة ناجحة كل النجاح، مما يدل على أن فكرة المثل الجيد لا تقل شمولاً ولا عمق أولا صلاحاً لتكون أساساً للرواية الضخمة من الفكرة الروائية تجيء خارج نطاق المثل القصير· وأقرب مثال على ذلك وأدعاه إلى جلب أشد الانتباه رواية تهذيب الشريرة لشكسبير (او مارلو كما يريد ناقد أميركي حديث يصر على أن مارلو هو صاحب كل ما ينسب إلى شكسبير من شعر ونثر)· فأصل هذه التمثيلية أقصوصة قصيرة للروائي الاسباني جوان مانويل الذي عاش بين عامي 1282و 1349· ولست أشك أن روايته هذه ترجع بدورها إلى أصل عربي أندلسي· فأبطالها عنده من عرب الأندلس، وهي مما يرويه العامة في الأردن في مجالسهم الخاصة وسهراتهم المنزلية للتندر في ما بينهم كلما جاء ذكر الزوج القوي يخضع الزوجة السليطة المناكدة المناكفة بألوان من الشدة والعنف لا تقع عليها مباشرة وإنما تقع في مشهد منها على غيرها من الاحياء، ثم كلما جاء ذكر الزوج الضعيف الذي يرى نجاح هذا الاسلوب الطريف في تهذيب الزوجة الشريرة، فيحاول تقليده، ولكن يفشل أخجل الفشل وأزراه لما سبق لعلم زوجته من ضعفه وخنوعه· فالراجح إذاً أن أصل هذه التمثيلية هو أصل عربي من أدب الخاصة ضاعت أصوله فيما ضاع من أصول الأدب العربي، أو هو من أدب العامة انتقل فيما انتقل مع العرب إلى الأندلس، وتداولته الألسن أمداً طويلاً هناك حتى انتهت الاقصوصة إلى الأديب الإسباني المذكور، ومنه انتقلت إلى شكسبير·
هذا، وقد أخذت عدداً من مجموعت القصصية المثلية في العربية ومن مجموعتي الأخرى الشعرية المثلية في الانجليزية، وهي في عدد المجموعة العربية أو تزيد عنها قليلاً، وبنيت على حبكتها وفكرتها قصصاً مطولاً أو متوسط الحجم، وأعتقد أن ما أصبته من توفيق هناك فيما ألفت لا يقل عما وفقت فيه، مهما يكن مقداره، فيما اصطنعت له فكرة وحبكة من خارج هاتين المجموعتين· وقد جرى ايري من الكتاب المحدثين على هذا الأسلوب واصطنع رواية قصيرة له أو لغيره من الكتاب، فنجح فيها مثل نجاحه في الفكرة أو الحبكة تستجدان ولا تؤخذان من بعيد أو من قريب·
ولمناسبة الحديث عن تهذيب الشريرة ورجوعها في الأرجح إلى أصل عربي في الفصحى أو العامية أود أن أنبه أبناء البلدان العربية مرة أرى، كما نبهتهم منذ عشرين عاماً على صفحات الهلال ونلت على ذلك كالذي نال سنمار إلى أن لعامة أدباً وفناً يجب ألا نترفع عنهما ونزم الشفاه تيهاً وخيلاء كلما سمعنا أقصوصة أو مثلاً أو قصيدة عامية، فقد يكون ينها ما لا تجد له مثيلاً في الطلاوة وصدق التجربة وشمول الخبرة في كتابته الفصحاء ونتاج البلغاء من قدماء ومحدثين· وقد تنبه الغربيون إلى خطر الأدب الشعبي من حيث دلالاته النفسية والاجتماعية والتاريخية على أصحابه، ثم من جهة اتخاذه مادة حية ينسجون منها ويبنون عليها أبنية فنية خالدة، فأسسوا له في جامعاتهم الكراسي الكاملة، ورصدوا له الميزانيات الفخمة للرحلة بين العامة والدراسة والتدوين أو للتدريس والتأليف والتحليل والنشر·
صفحة 4
وفي مجموعي العربية والانجليزية نحو ستين أقصوصة أو دون ذلك بقليل كانت نواتها مثلاً عامياً سمعته أوقرأته في صحيفة أو كتاب· وفي هذا الجزء الذي أقدم الآن نحو عشر قصص ترجع إلى مثل هذه الأمثال، والذين لم ينقطعوا عن بيئتهم في الأردن يستطيعون أن يهتدوا إليها بسهولة ويروا مقدار صلاحها لتكون أساساً لحبكة ناجحة تبرز فكرة فلسفية أو أدبية أو خلافها·
وأعود بعد هذا الاستطراد القصير إلى الحديث عن مجموعتي هذه وأشير إلى أن عناوينها كلها، ما عدا قلة قليلة جاءت شطرة من بيت أو قولاً مأثوراً مشهوراً، هي مما لخصت به عبرة الاقصوصة أو حكمتها أو فلسفتها، أو ما شئت فسمها، وهذا لا يعني أن كل أقصوصة من هذه الأقاصيص أجريت هذا المجرى، فإن بعضها جاءت عبرته زو مغزاة ي ختامه كلما، جرى على ذلك ايزوب وابن المقفع ولا فونتين في أكثر ما قصوا، وبعضها الآخر تركت فيه استخراج العبرة زو الفلسفة التي أتوخى لفطنة القاري، فلا تفوته لذة الاستكشاف واصطناع الخيال للوصول إليه·
وأود قبل الانتهاء من هذه المقدمة أن أوجه كلمة إلى أبناء الأردن خاصة، وهي أنني أؤمل أن يكونوا أكبر ثقة بأنفسهم وأنقى دواخل وأشرف بواطن من أن يحسبوا كل مغزى موجهاً إليهم بالذات وكل طعنة مسددة إلى صدورهم لا إلى صدر أحد غيرهم، فلا يصدق عليهم حينئذ المثل الأردني المعروف كل وسخ في البلد ياخذ المعنى عليه، فيصدق عليهم بعده القول المأثور كاد المريب أن يقول خذوني إنني كتبت هذه الأقاصيص في العربية والانجليزية علي السواء والنماذج العالمية لا سواها وأعمالها وصفاتها أمامي، لا النماذج المحلية الأردنية· فليكن الأردنيون أكرم نفوساً وأصفى طباعاً وأنقى ضميراً من أن يحسبوا أنفسهم هم المعنيين بهذا المثل أو ذاك المثل مما سيقرأون·
وأخيراً، أو قبل الأخير، أهيب بالسارقين والمتسترين على السارقين ممن سطوا على هذه المجموعة أو سطا غيرهم عليها لحسابهم، وسطوا على شقيقتها الانجليزية كذلك، وسطوا على غيرهما من إنتاجنا الأدبي أو العلمي إن هذه فرصتكم أيها اللصوص وأعوان اللصوص، فآروني وجوهكم إن كانت بقيت لكم وجوه، واتركوا الائتمار والتدبير من وراء الأستار أو الضرب والطعن خالين إلى أنفسكم وإلى المعجبين والمعجبات ببراعتكم في اللص والاستراق دون أن تروني أو أراكم: هذه فرصتكم يا هؤلاء، فأروني وجوهكم إن كنتم تؤمنون بصدق ما تقولون وتدعون·
وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكر السيد سلوم الحلو صاحب مطابع الحسين في مدينة عمان لنبالة قصده وأريحيته لما أخذ على عاتقه بالاشتراك مع الشاب الشهم السيد يوسف سليمان عباسي طبع هذا الجزء على نفقتهما، بعد أن حفيت قدماي دون جدوى وأنا أدور بمخطوطته أو غيرها من إنتاجي الأدبي أو العلمي على مطابعنا العربية في فلسطين والأردن وسوريا أو أكلف من يدور بنماذج منها على المطابع، ثم بعد أنت أملني وأبرمني إلى حد التغثية الشديدة المتبرعون بالطبع باللسان، فإذا جد الجد وقلت هيا إن كنتم صادقين، تقاعسوا واعتذروا أو غابوا عن عياني ومشاهدتي غيبة غراب نوح فإلى هذين الشابين الشهمين شكري مرة أخرى مضاعفاً، غير مضنون به ولا مقسور
صفحة 5
أنبل الأخلاق
توفيت أم الأسد، فجاءته جميع الوحوش معزية إلا الفهد· ولم افتقده الأسد قيل له: إنه معتكف منذ أيام لا يبرح منزله· فأرسل الأسد في طلبه، ولما حضر سأله الأسد ما الذي منعه من المجيء لتعزيته بوالدته كباقي الوحوش· فأجاب الفهد: توفي لي ابن عزيز علي، فوجدت لفقده الوجد الذي ترى آثاره في وجه وخشيت إن أنا جئت معزياً وهذا حالي أن تحسب حزني على وليدي حزناً على والدتك، فأكون زيفت لك حزني وهو ما لا أحتمل ولا أسيغ·
ولما انتهى الفهد من حديثه التفت الأسد إلى سائر الوحوش حوله وقال: زه، زه! هذا واللّه أنبل الأخلاق، هذا أنبل الأخلاق·
صفحة 6
لما أخذا حذرهما
جاءت الهرة يوماً إلى أمها وقالت: يا أماه، أنت ترين أن الجرو الصغير جرو ظريف واجب صحبته· فقالت الأم: لا بأس يا بنيتي، ولكن عليك أن تأخذي حذرك، فإن من عادة الكلاب تحدينا والاعتداء علينا كما ترين أم هذا الجرو تفعل بي كلما صادفت مني غرة· فإذا صحبت هذا الجرو فلا تغفلي طرفة عين عن الحذر من نزواته وسراته المفاجئة· فأجابت الهرة الصغيرة: لا تخشي بأساً، فإنني سأظل حذرة محتاطة ولا أدع له سبيلاً لمباغتتي والاعتداء علي وأنا لاهية·
ورأى الجرو الهرة الصغيرة فاستظرفها وأحب صحبتها، فمضى إلى أمه وقال: أمه أود صحبة الهرة الصغيرة التي في بيت صاحبنا، فهي هرة ظريفة حقاً وصحبتها كسب ومتعة، فهل تأذنين لي بصحبتها، فأجابت الأم: لا بأس يا بني، ولكن عليك أن تكون حذراً محتاطاً لغدرها وإسراعها إلى الأذى· فالهرة من أكثر خلق اللّه غدراً وغيلة· فأجاب الجرو: لا تخشي سوءاً، فستظل عيناي عليها ولن أمكنها من غدري·
واصطحب الجرو والهرة أحسن اصطبحاب، ومضت أسابيع وهما على أشد ما يكونان رفقة طيبة وحسن أخاء، ونسيا التحذير الذي حذرتهما أمهما ولم يدر في خلد أحدهما خاطر من خواطر العداء أو الاعتداء·
ورأت الهرة والكلبة ابنيهما يلعبان ساهيين لاهيين ذون أن يبدو من أحدهما ريبة أو توجس، فاستدعت الهرة ابنتها وأنبتها تأنيباً شديداً على غفلتها واغترارها بمسالمة الجرو، ثم قالت لها: إذا أحببت أن لا تجيئي يوماً بكف مهيضة (مكسورة) أو فك مهشم أو شعر طائر فعليك أن لا تغفلي عن نفسك هذه الغفلة المميتة وتركني إلى ظاهر الود والطيبة والوداعة في هذا الجرو الذي تصطحبين وتلاعبين كأنه دمية لا تعتدي ولا تؤذي· فأجابت الهرة الصغيرة: سزكون هذه المرة من الحذر والحيطة كما تشائين، فلا يركبك الهم من نحوي·
واستدعت الكلبة جروها ولامته أشد اللوم على ما بدا لها من غفلته واستهتاره باتخذ الحيطة والحذر كما أوصته ثم قالت: إذا شئت أن لا تجيئني يوماً بآذان مشرطة ووجه مشوه وعيون دامعة أو دامية فعليك أن تكون حذراً محتاطاً في ملاعبتك هذه الهرة التي لا تخرج عن كونها هرة· فأجاب الجرو: سألكون هذه المرة كما تودين يا أماه، ولن أغفل عنها طرفة عين، فاطمىني ولا يأخذك الهم من قبلي·
وعاد الجرو والهرة إلى اللقاء· ولكن لم تلبث الهرة أن ذهبت إلى أمها تعول وتموء أشد المواء وفي يدها مغرز نابين قويين، ولم يلبث الجرو كذلك أن مضى إلى أمه يصرخ ويتفيث وأراها وجهاً دامياً وأذنين مشروطتين·
وقالت الهرة لانتها: ألم أحذرك مرتين أيتها الطفلة الغبية؟ فذوقي الآن نتيجة الاغترار والاستهتار بنصائح الوالدين الثمينة·
وقالت الكلبة لجروها: هذه نتيجة عصيان الوالدين وعدم المبالاة بما ينصحان ويرشدان، فذق الآن طعم العصيان والخروج على إرادة الوالدين المقدسة·
صفحة 7
السرور والإنشاد لا يقتلان الأحياء
قالت حشرة دؤوب للجدجد: ألا تكف شيئاً عن الإنشاد في هذا الصيف وتجمع لك شيئاً يقيك غائلة الموت جوعاً متى حل الشتاء ؟ وشيء آخر أود أن أنبهك إليه، فقد بت مضغة في أفواه الناس وصرت مضرب المثل في التبطل والسخف ولقد قارنوا بينك وبين النملة الدؤوب فسبوك أشنع السباب في شعرهم ونثرهم وتغزلوا بالنملة وأثنوا عليها أطيب الثناء في شعرهم ونثرهم بل وفي ك تبهم المنزلة أيضاً· فقال الجدجد: إنهم سخفاء كالنملة، ومن هنا يعجبون بها ويتغزلون أن الحياة أقصر من أن نضعها في فضول الجهاد والسعي والدؤوب كما يفعل هؤلاء الناس الذين ذكرت والذين يخرجون من الحياة دون أن ينالوا منها شيئاً· لقد أنساهم الحياة السعي في سبيل هذه الحياة: إنهم لقوم سخفاء·
وعادت الحشرة تقول: ولكنك ستموت وتنقطع ذريتك إذا لم تجد وتكد وصرفت كل وقتك في التبطل والإنشاد· فأجابها الجدجد: أما الموت فلا يجيئني وحدي ويتركك ويترك النملة ويترك هذا الإنسان الذي ذكرت· أما ذريتي واسترارها وكثرتها فلعلك لم تمري قط في حرج، ولا سيما حرج من الصنوبر ذي الرائحة الزكية الفواحة· إنك لو مررت هناك لرأيت أنه لا يكاد يعمر الحرج إلا الجداجد وأبنائها وحفدتها· فهل ثم دليل أكبر من هذا الدليل على أن الإنشاد والسرور والمتعة لا تقتل الأحياء في هذه الحياة القصيرة·
ولم تجد الحشرة ما تود به على الجدجد وانصرفت لشأنها· أما هو فقد عاد إلى الإنشاد ولسان حاله يقول: سأظل أنشد وأغني حتى لا يبقى في حنجرتي فضلة من غناء وإنشاد·
صفحة 8
بين ديك وهرة
قال الديك للهرة: أمرك عجيب أيتها الهرة: تصيبين الفارة أو العصفور أو خلافهما مما تصطادين من ذوات الأحجار أو الأشجار وتسرعين إلى صغيرك وتلقين بصيدك ذاك بين يديه دون أن يتجاوز طعمه الشهي شفتيك، ولكني أراك تصرخين وتزبئرين وتضربين بالكف إذا ألقى إليك أهل منزلك باللقمة التافهة العجفاء وجاء صغيرك يهم لكي يأخذها منك· فما ذاك الإيصار العجيب وهذه الاثرة الغريبة تمزجين بينهما هذا المزج ؟ إنني لا أفرق بين جيد صيدي ورديئه في إيثار ذوي به على نفسي· فأنا إذا وجدت حبة قمح أو حبات أو قطعة خبز أو ثمرة نسيها أهلها أو طرحوها لفسادها بادرت إلى دعوة زوجاتي وفراخي دون أن أدخر لنفسي شيئاً، فكيف تفسيرن علك ذاك إن يكن له تفسير ؟
فأجابت الهرة وقد أغمضت عينيها قليلاً: لا تنس أولاً أيها الديك أننا إلى قريب كنا من أهل الغابة والعائشين على سننها وقوانينها· وكثير منا يعود إلى عيشته تلك راضياً مختاراً ولا يفكر قط بعدها في العودة إلى الحضر لاستجداء اللقمة أو سرقتها بدل أخذها عنوة واقتداراً كما يفعل في الغابة· ثم لا تنس أيها الديك أننا من ذلك القبيل الذي يهز بصولته وجبروته وبطشه أرجاء الغابة· وأعي قبيل الأسود والنمور والفهود وما إليها، وإن كنت ترانا نقل عنها حجماً قلة بالغة، ويعترف كرام الناس والعارفون بأقدار ذوي الأقدار بأصلنا هذا، فلا يأبون أن يطلقوا على سيد الغاب لقب الهر· فأنت ترى أننا نرجع إلى أصل أصيل وعرق نبيل واننا نستطيع أن نعود إلى الغابة في غاية من السهولة واليسر، ومن هنا نستطيع أن نذكر ولا ننسى ذلك الأصل الرفيع وأخلاقه وتقاليده· فالقمة أو القم التافهة أو الدسمة تلقى إلينا إلقاء هي سداد من جوع وحسب، ولا تستحق أن ينشأ وليدي على النظر إليها كمنتهى أمله وغاية سوله، فهي مهما تكن جيدة أو رديئة لا تعدو كونها لقم التسول والاستجداء مما يعرف عنه ذوو العزة والكرامة ولا يقبلونه إلا تحت ضغط الحاجة والضرورة· أما ما يصاد صيداً ويصاب عنوة فهو طعام الحرية والكرامة الذي لا نشتهي شيئاً قبله ولا تؤثر عليه سواه، ولست أرغب في أن أرى صغيري ينظر إلى غير ذلك الصيد نظرة الاعزاز والتفضيل· فهل ترى الآن معنى ما أنصع وأمزج بين ما تدعوه اثرتي وإيثاري ؟ فأجاب الديك: أجل، إنني أرى الآن، ونعم ما نصنعين أيتها الهرة، وليتني كنت على مثل ما تقدرين قادراً، إذاً لكفيت بني وذوي وكفيتني مؤونة الاتكال على هؤلاء الناس الذين يطعموننا ويسموننا لإحبابنا وإيثاراً لنا ولكن طمعاً ببيضنا أو لحمنا أو كليهنما معاً
صفحة 9
العمل الذي لا يعد عملاً
زار صاحب المصنع مصنعه ورأى عاملاً ذكياً يحمل بعض ما يحمل عامة العمال، فسأله ما عمله الخاص وهل هو مسرور منه، فأجاب العامل بأنه لا يعمل شيئاً! فاستغرب صاحب المصنع هذا الجواب، وقال: ولكنني أراك تحمل الأثقال، وهو عمل شاق، فكيف تقول أنك لا تعمل شيئاً؟! فأجاب العامل: أجل إنني بلا عمل، وإن كنت أعمل، لأن خير كفاياتي معطل هنا في هذا العمل· ففكر صاحب المصنع قليلاً ثم قال: وماذا ترى أنك تحسن من عمل أكبر الإحسان؟ فذكر العامل فرعاً من فروع العمل في المصنع، فأمر صاحب المصنع بأن يوكل إليه ذلك العمل من يومه·
وبعد اسبوع عاد صاحب المصنع وسأل رذىس المصنع عن عمل ذلك العامل وما هو سيره في عمله الجديد· فأطراه رئيس المصنع إطراء حسناً وقال: حقاً لقد ضيعنا على العمل وعلى هذا العامل أمداً طويلاً وخيراً كثيراً من حسن العمل وحسن الجزاد بما شغلناه بعمله السابق وحجزناه عن عمله اللاحق هذا الذي يعمله الآن·
وأقبل صاحب المصنع على العامل وهو مكب على عمله مستغرق فيه جاداً منشرح الصدر، وسأله: والآن هل أراك تعمل شيئاً؟ فرد العامل مبتسماً: كلا يا سيدي، والآن كذلك لست أعمل شيئاً! فاستولى مزيد من الدهشة على صاحب المصنع لهذا الجواب، وقال: كيف تقول هذا، وأنت نفسك اخترت العمل الذي تعمل الآن لأن عملك الأول كما قلت يعطل كفايتك؟ فأجاب العامل: أجل يا سيدي هو عين ما تقول، ولكن العمل إذا صادف هوى في النفس وجاء وفق الكفاية والاستعداد عاد لهواً ومتعة فأنا لذلك لا أعمل الآن بالمعنى الشائع لكلمة العمل، إنما أتسلى واستمتع·
وسر جواب العامل صاحب المصنع سروراً شديداً وأمر بترقيته، فوجد أهلاً للترقية· ولم يمض وقت نطويل حتى أصبح وقت طويل حتى أصبح رئيساً لأحد أقسام المصنع الأساسية
صفحة 10
نجاح الأحمق
رأت النملة الأرضة تعالج الحجر لتقوضه، فقالت : يا هذه أنه الصخر الأصم، أم لا تبصرين؟ فردت الأرضة: بل لعلك لا تعلمين، فقالت النمية: بل أعلم، فانت تقرضين الخشب وتقرضين العظم وتقرضين الشجر وترضين البيوت والمدائن إن كانت من خشب مادتها، ولكنه هنا الحجر يا هذه، ولا شيء غير الحجر· فردت الأرضة: من يصنع كل الذي ذكرت والذي لم تذكري فلن يعجزه شيء· فاكفيني مؤونة تطفيلك أيتها النملة وامضي لشانك·
ولم تشأ النملة أن تطيل الوقوف بعد الذي سمعت، وانصرفت وهي تقول: أحسب أنني سأرى الحمقاء في الغد جثة باردة أو بفكين مهشمين إن سلمت من الموت على هذا القرض المبيد·
ولما مرت النملة في الصباح الباكر حيث رأت الأرضة تقرض الحجر أول الليل رأتها هي وعدداً كبيراً من الأرض جثثاً هامدة أو في نسيس (1) من الروح يوشك أن يزول· فمضت النملة وهي تقول: إن نجاح العاقل يزيده علماً بقدرته وحدود هذه القدرة، فلا يتهور ولا يتصدى لما لا يطيق ويحتمل· أما الأحمق الجاهل فيرى على النجاح يزداد غروراً وافتتاناً بقدرته ويعود لا يرى حداً لهذه القدرة تنتهي عنده ولا أمداً تقف من دونه، فيقدم حيث يجب الأحجام ويصر حيث يجب اللين والمهادنة، فيجيئه الهلاك من جانب القدرة التي لم تجد عقلاً يسدددها والنجاح الذي لا يحسن التفريق بين الإمكان والاستحالة: إن نجاح الأحمق النجاح الحليل يغريه بالمستحيل، والمستحيل أبداً أغلب·