صفحة 1
إلى محمود درويش
اكتب لأشكرك
غسان
وقفت على المحطَّة في الغروب: أَلا تزال هنالك امرأتان في امرأة تُلمِّع فَخْذها بالبرق؟ أسطورِيَّتان - عَدُوَّتان - صديقتان، وتوأمان على سطوح الريح. واحدةٌ تُغَازِلُني. وثانيةٌ تُقَاتلُني؟ وهل كَسَرَ الدمُ المسفوكُ سيفاً واحداً لأقول: إنَّ إلهتي الأُولى معي؟
صَدَّقْت أُغنيتي القديمةَ كي أُكذِّب واقعي
كان القطار سفينة بريَّة ترسو... وتحملنا إلى مُدُن الخيال الواقعيّةِ كلما احتجنا إلى اللعب البريء مع المصائر. للنوافذ في القطار مَكَانة السحريِّ في العاديِّ: يركضُ كل شيء. تركضُ الأشجارُ والأفكارُ والأمواجُ والأبراجُ تركض خلفنا. وروائحُ الليمون تركض. والهواءُ وسائر الأشياء تركضُ، والحنين إلى بعيد غامضٍ، والقلب يركضُ
كُلُّ شيء كان مختلفاً ومؤتلفاً
وقفتُ على المحطّة. كنتُ مهجوراً كغرفة حارس الأوقات في تلك المحطّة. كنتُ منهوباً يُطِلُّ على خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك الحقلُ/ ذاك الكِنْزُ لي؟ هل كان هذا اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندى الَليْليِّ لي؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام تلميذَ الفراشة في الهشاشة والجسارة تارةً، وزميلَها في الاستعارة تارةً؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام لي؟ هل تمرض الذكرى معي وتصاب بالحُمَّى؟.
محمود درويش
من قصيدة
على محطة قطار سقط عن الخريطة
صفحة 2
لا زوار اليوم
كان الخان الأحمر قد أصبح وراءه الآن، انعطف يسارا نحو الدرب الضيق تاركا الطريق السريع ليجد نفسه بمواجهة الوادي، فجأة أحاطت به طاقة المكان وغرابته، التداخل المتقن بين القسوة والاندهاش وما يشبه رحمة عميقة تحيط بكل شيء، رحمة غير مقصودة ولكنها عارفة ومطوية بحرص في مقاطع الصخور والانحدارات المتلاحقة وممرات المجرى المعتمة.
بمحاذاة الوادي امتدت طريق ضيقة متعرجة تشرف على المجرى والجدران الصخرية العالية التي تحد جانبيه، ومن العتمة كانت تندفع في تجمعات كثيفة الخضرة الداكنة وتتطاول من الهوة العميقة أشجار قصيرة وشائكة، ومن التجاويف تتدلى جذور عنيدة حيث تنقط المياه تاركة صدى متواصلا في العتمة يمنح المكان صوته الخاص، ولم يستطع أن يتفادى الرهبة التي غمرته عندما لمح، فجأة، الخط الصخري الذي اتكأ عليه دير «السان جورج» المعلق في الحافة الصخرية بقبابه في قلب الجبل تماما مثل أيقونة أرثوذكسية مدللة.
سار في الطريق الذي كان طريق المسافرين القديم بين أريحا والقدس، وكان بإمكانه تمييز فجوات الكهوف من عتمتها في تشكيلات الصخور ومنحدرات الهضاب، فكر أن هذه الكهوف هي نفسها التي التجأ إليها الرهبان في سنوات الاضطهاد الأولى للمسيحية، لقد منحهم الوادي بكهوفه وتشكيلات صخوره ووعورته الغريبة وينابيعه العذبة وقوته الغامضة التي تحيط به الآن، الحماية وعزلة التعبد، وبدا ظهوره المفاجئ ومساقط مياهه وصوته العميق المتأني ونباتاته الغريبة وطيوره وأسماكه الطيارة التي نبعت من جوف الزلازل في تلك البرية، الأقرب إلى الصحراء، مثل أعطية إلهية جارية.
عندما اجتاح الفرس الوادي في طريقهم إلى القدس قتلوا، كما تشير الرواية، متنسكي الكهوف هؤلاء، كانوا خمسة آلاف راهب مازال الدير يحتفظ بجماجم بعضهم، كان يحاول أن يضع كل ذلك أمامه الآن، الجيش الغازي الذي يصعد الهضاب البيضاء وإدغال الخضرة نحو الجبال متتبعا المجرى المنفعل للوادي منفرا الطيور وثعالب التلال، وصياح الجنود ولهاثهم أمام المغاور ومداخل الكهوف وبوابات الدير وأدراجه، الرهبان في المشهد كانوا الجهة الصامتة، لم يستطع أن يمنحهم صوتا خاصا بهم أو صيحة تذكر بمصيرهم .
كان الأمر قد أنجز عندما وصل إلى الأدراج الأولى الصاعدة نحو دير «السان جورج».
قبل أكثر من ثلاثين سنة وقف في «جبل التاج»، شرق «عمان»، أمام ملصق علّق على مدخل منجرة، ملصق بالأبيض والأسود يحمل ست عشرة صورة لستة عشر شاباً، يظن أن أصغرهم في الرابعة عشرة، وفوق في أعلى الملصق عنوان عريض: «شهداء معركة وادي القلط»، ثم بخط أصغر تفاصيل المعركة.
يعني «وادي القلط» بالنسبة له منذ تلك اللحظة ممراً معتماً يمتلئ بالنباتات القصيرة الشائكة والصخور الجارحة وكان هناك في مكان ما من المشهد صوت رتيب لتساقط مياه في العتمة.
صفحة 3
منذ تلك الصبيحة وجد نفسه يسعى خلف الوادي، كان لا يتوقف عن سؤال مدرس الجغرافية وجمع الصور والخرائط ومواصلة تكديسها في علبة صغيرة إلى جانب انطباعات لرحالة عبروا من هناك أو قصاصات صحف تتحدث عنه أو تشير إليه، وهكذا اصطدم بمذبحة الرهبان في رواية عثر عليها في احد الكتب التبشيرية، ثم تداخل مقتل الفتيان الستة عشر بكل هذا، الطبيعة المنفلتة وعتمة المكان والرواية التي تمتلئ بعزلة الرهبان وموتهم.
كان الوادي، الآن، خارج العلبة، وخارج تلك القصاصات والصور، يتنفس في مواجهته ويواصل انحداره المتفجع نحو السهل، كان يبدو أكثر وعورة وقسوة وقلقا من المخيلة التي رسمته في صبيحة عمان، تلك، أو التي تراكمت في العلبة فيما بعد، ولم يبدد مروره فيه ماشياً وعورته والتباسه وعتمته، وبين صخرة وأخرى كان يلمع توقع سرية الشباب الميتة تلك بأجسادهم المرنة ووجوههم المحايدة بالأبيض والأسود أو مسوح الرهبان التي تتوارى في الفجوات المعتمة للمجرى وانطوائه الخاص على كائناته.
يبدأ الوادي من قرية «عناتا» المحاذية للقدس، وينتهي في سهل اريحا حيث بقايا قصر هيرودس الذي وزع جناحيه على ضفتي الوادي، والى الشمال من تلك البقايا الاشارات الباهتة المتبقية من الحديقة الملكية.
المياه التي تتساقط من الصخور لتشكل جدولاً غريباً ينحدر نحو البحر الميت تبدو مياهاً مختلفة أيضاً، وبالنسبة له تتلون بصيحات الجنود و يشوبها خيط الدم الذي تركه الفتيان الستة عشر قبل أكثر من ثلاثين سنة.
واصل رحلته، نحو الجهة الغربية من أريحا تاركا الوادي ودير «السان جورج» وأجساد الفتيان ممددة في منعرجات الوادي، ومذبحة الرهبان وطيور غريبة ونباتات من الآخرة تواصل حياتها خلفه، كان الهواء يثقل ويضغط على صدره وكتفيه وعينيه بينما هو يهبط في المجرى متجاوزا إشارة سطح البحر، كان كمن يشارك في صناعة شلال تحيطه رفقة أزلية كانت هنا بانتظاره دائما، جيوش ورهبان وغزاة ونباتات وطيور ومياه وروائح وأصوات محفوظة كتمائم وأدعية وغرائز وستة عشر فتى ونساء وخيول وثعالب وضباع وأنبياء يحملون معجزاتهم ومعجزات تبحث عن أنبياء لم يهتدوا بعد ومؤمنون وضالون وشعراء وفلاسفة ونحاتون ونساجون وطواحين ومعاصر وصيادون وأيائل وجباة وكاهنات ومعابد وقمر مذهل وأسوار ودعاة وخونة وأبواق وعاهرة وحيدة متروكة في الرواية مثل أحجية..... كانت تلك رفقته وكان الشلال يندفع ويتعاظم ويتجدد مثل خط هائل من الضوء والعتمة وهو يغادر سطح البحر منحدرا نحو أريحا.
صفحة 4
كان الأمر بالنسبة له أقرب إلى تأدية أمانة تأخر في إيصالها ولم يعد ممكنا الاحتفاظ بها، والذي يقوده ويدفعه، معا، عناد يشوبه نوع من الاستسلام، وكان يعرف أن عليه أن يصعد «جبل قرنطل»، فيما الكهوف والمغاور ما زالت تتلاحق في المنحدر الشرقي للجبل، كما لو أن المذبحة نفسها تهبط من الرواية وتتبعه. عندما اتجه ببصره إلى الأعلى محاولا أن يتفادى قوة الشمس استطاع أن يتبين غرف الدير الملتصقة بالجدار الصخري ، كان هناك في الأعلى كما تركه قبل اكثر من ثلاثين سنة ، كما لو انه رسم على الجبل بيد طفل.
بدأ الصعود من جديد منعطفاً من الشارع المعبد نحو مدخل ضيق ، يؤدي بدوره إلى درب ترابي ممهد بقوة يتسلق الجبل ملتفا حول السفح باتجاه الدير المنحوت في الصخر، كانت الشمس تصعد بموازاته من الشرق، وكان كل شيء يشي بنهار قائظ آخر؛ عراء التلال الأبيض، سطح البحيرة المالحة، كتل النخيل والموز في الأسفل، البيوت الطينية، امتداد الأخدود بين سلسلتي الجبال، وكان ثمة ضباب ازرق يتكاثف في الأعلى ويغطي المشهد البعيد للقدس. كانت أريحا تتجمع تحت بصر الدير مثل انفجار من الخضرة المفاجئة، وكان يفكر بخوفها القديم و بأنها المدينة الأولى التي فكرت بتحصين نفسها.
عندما طرق باب الدير، فتحت الكوة الصغيرة، وظهر خلفها وجه شاحب لراهبة يونانية، على الأغلب، قالت باقتضاب شديد:
لا زوار اليوم.
كل ما أراد أن يراه هو المقبرة؛ مقبرة الدير، حيث يدفن الرهبان الذين بمجرد صعودهم إلى هناك تنقطع، تماماً، صلتهم بالعالم، ويبدؤون مهمتهم الوحيدة على هذه الأرض بتوقع ظهور المخلص في الردهات المعتمة التي تذهب إلى قلب الجبل، بالضبط في الكهف الذي أقيم فوقه الدير، حيث استطاع الناصري أن يهزم الغواية.
كانوا يصلون إلى الجبل فرادى متتبعين هدايتهم، متكئين على صلواتهم وامتنانهم المطلق، الامتنان الخالص الذي يأخذهم من أيديهم الممدودة نحو النقطة القصوى في الحياة، هناك حيث يمكنهم الإطلال على الموت والتعايش معه ومصادفته في الممرات الضيقة والغرف المتقشفة وهم يتحركون بخطواتهم الخفيفة ونبراتهم الهامسة.
أراد أن يتأكد من وجودها هناك؛ المقبرة، ربما ليكمل رحلة مدرسية قديمة، حين تسلل، فيما يشبه مغامرة، مع عدد من التلاميذ إلى بوابة الدير متسلقين الدرب الضيق من أقصى نقطة في الوادي، كانوا خمسة أولاد، لم ينسَ وجوههم الصغيرة ورؤوسهم الحليقة الخاضعة لنظام مدرسي صارم، لديه صورة احتفظ بها دائماً لطلاب الصف الخامس الابتدائي في نفس العلبة، صورة التقطها الأستاذ إسماعيل للمشاركين في تلك الرحلة، جمعهم تحت شجرة بنسيان ضخمة في أحد شوارع أريحا، والتقط الصورة بنفسه، ثم وزعها عليهم في نهاية العام. يستطيع أن يتذكرهم وهم يقرفصون في الصف الأمامي من الصورة متلاصقين مثل كتلة واحدة برؤوس حليقة وعيون لامعة، وكان هذا يتداخل في ذاكرته مع وجوه الفتية الستة عشر في الملصق، فكر أنه ربما يكون الحي الوحيد بينهم، الآن، الذي يحاول إنهاء تلك الرحلة.
صفحة 5
لم يفتح الباب أمام طرقاتهم في البداية، لكنهم واصلوا وقوفهم، هناك أمام بوابة الدير، بعناد صبياني تحت شمس قوية أنهكت أجسادهم، إلى أن تآكلت رغبتهم في الدخول إلى مجرد الحصول على القليل من الماء ليطفئوا العطش الذي دهمهم أمام البوابة المغلقة على بسطة الجبل المكشوفة. كانت الشمس في الضحى قوية وساطعة، وكان البحر الميت يبدو من تلك البقعة على السفح مثل مرآة هائلة من النحاس القديم، عندما انفتح الباب وظهر راهب شاب، أخذهم إلى الظل في المدخل، وأحضرت لهم راهبة ظهرت من العتمة زجاجتي ماء، كان الراهب يتحدث العربية بمشقة، وكان لطيفاً، ولم يتوقف عن وضع يده على رؤوسهم الحليقة التي سخنتها الشمس، كان لطيفاً لدرجة يصعب معها طرح أي سؤال عليه، تحديداً عن مقبرة.
الراهبة التي أطلت من الكوة بعد ثلاثين سنة، والتي، لأمر ما، يظن أنها يونانية، لم تنتظر ليطرح سؤاله أو ليشرح رغبته، أغلقت الكوة بمجرد أن أنهت جملتها القاطعة:
لا زوار اليوم.
وكان يمكن أن يسمع في ذلك الصمت المطبق خطواتها المبتعدة في طريقها إلى قلب الجبل.
كانت البحيرة هناك، متروكة في السهل بضفافها القاحلة والتماعات الجزر الملحية التي تندفع من الماء الثقيل مثل مشهد قطبي لا معنى له، إلى الشرق كان خط الخضرة الغامقة يحجب التماع النهر ولكنه استطاع أن يخمن منعطفاته الحادة عبر تعرج خط الخضرة وان يتابع مجراه القلق وان يتخيل مياهه بخضرتها العكرة ، وخلفه ينبسط الأخدود قبل أن تترامى سفوح جبال مؤاب، كان المشهد بالنسبة له اقرب إلى درس خرج من كتب الجغرافية والتاريخ ليتنفس في الفضاء المفتوح أمامه، وكان بإمكانه أن يعيد ترتيب الرواية وان يجد لأبطالها طرقا ومسالك في شواطئ البحيرة وممرات مؤاب والوديان التي تدفع مياهها نحو المجرى شتاء، وان يتتبع ببصره التلال البيضاء وهي تتلاحق في صعودها إلى الغرب نحو القدس.
كان يقف هناك أمام الكوة المغلقة وحيدا ومكشوفا تماما لشمس الضحى التي تشتد حرارتها ، وهو يحاول أن يتذكر يد الراهب على شعره المقصوص الذي سخنته الشمس، ووقفته هناك قبل أكثر من ثلاثين سنة، دون أن يتمكن من شرح رغبته غير المتحققة في مشاهدة مقبرة الرهبان، التي لم يعد واثقا من وجودها الآن.
فكر أنها المرة الأولى التي يصل فيها إلى باب الدير منذ وصوله إلى هنا، رغم أن فكرة الصعود إلى الجبل لم تفارقه، كان يجد دائما أعذارا تؤجل هذه الرحلة، بينما هو غارق في إعادة ترتيب أشيائه التي اكتشف بمجرد وصوله إلى «هنا»، انه لم يهتم يوما بترتيبها أو إعادة النظر في أنحائها، كان يمشي بموازاة ذكرياته التي تتراكم إلى جانبه مثل حصادة نشيطة، وكان يستطيع أن يراهم جميعا وهم يواصلون السير إلى جانبه، الموتى والأحياء، لا احد يموت في هذه القافلة ولا القافلة تصل، المسيرة فقط التي تواصل الحصادة دفع القادمين الجدد نحوها، وهم يحملون أمكنتهم ومصائرهم وأحلامهم وأخطائهم وحيواتهم الناقصة، دائما، وكان الأمر برمته يبدو له أحيانا، مبالغة لا قيمة لها.
عندما هبط نحو أريحا عبر وادي القلط، و منذ اللحظة التي تقدم فيها نحو الوادي وبدأت الملامح الوعرة للمجرى تتجدد في المنعطفات الحادة والصخور التي نحتتها مصبات السيول وسننت أطرافها، وصل إليه ذلك الإحساس الذي اعتقد انه فقده منذ وقت طويل، بأنه يتجول في ذكرياته نفسها، وكان عليه أن يعيد ترتيب هذه الذكريات وكائناتها تحت الضوء الذي وهبته إياه تلك الرحلة، وبدا الأمر وكأنه يستعيد ببطء شديد مقتنيات قديمة كان فقدانها يشوش ذكرياته وينسلها مثل حصائر قش، وكان عليه أن يبدأ من مكان ما.
* * *
صفحة 6
السمين الذي غش في الطابور
من موقعه في الطابور، كان يرى المجندة الجالسة خلف الحاجز الزجاجي، المنشغلة، تماماً، في رزمة أوراق ووثائق وتصاريح لعائلة مكونة من أب وأم وخمسة أطفال، كان الأب يقوم بشكل آلي، متتبعاً أسئلتها، بالتقاط أحد الأولاد ورفعه إلى مستوى الحاجز لتتمكن هي من رؤيته ومقارنته بالأوراق التي بين يديها. بينما الأم، من جهتها، تحاول السيطرة على حركة بقية الأولاد وتهيئة المطلوب منهم ليكون في متناول يدَي الأب. كانت الأم شابة تضع حجاباً ملوناً ونافدة الصبر.
بدأ بالعد من جديد، بقي أمامه تسعة أشخاص، فكر أنها بطيئة وأنها تتعمد ذلك، وستستغرق وقتاً أطول مع الشابين اللذين يقفان خلف العائلة مباشرة، عادة ما يستغرقون وقتاً أطول مع هؤلاء الفتيان.
كان الأب يرفع الابن الأصغر في تلك اللحظة، سمع صوتها وهي تسأل بعربية مكسرة، صار يميّزها الآن، عن اسم الطفل.
«يوسف» قال الأب، فيما يوسف ما زال معلقاً من إبطيه بموازاة حافة الحاجز، يحدق بوجهه الصغير في «المجندة» خلف الزجاج باستسلام ودهشة.
انتبه على الرنين المتصل للبوابة الإلكترونية في مدخل القاعة حيث يصطف طابور آخر يتقدمه رجل عجوز، كان الرجل يحاول المرور عبر البوابة بحذرٍ شديد محاطاً بإشارات كثيرة ومربكة تأتيه من العامل العربي الذي يقف بجانب البوابة، ومجندة تصرخ بنفاد صبر خلف حاجز زجاجي، وأصوات تشجعه قادمة من الطابور خلفه، ونظرات رجل المخابرات المسلح في الجهة اليسرى من البوابة، فيما الرجل يحاول أن يتخفف من عصاه التي طعّم مقبضها بمعدن فضي، ليضعها داخل الآلة بقلق شديد وكأنه يدفنها هناك.
كان الرجل يحاول جاهداً التركيز على فكرة دخوله إطار الآلة، موزعاًً تلفته بين الطابور خلفه، حيث تتصاعد عبارات التشجيع، وبين المجندة التي تواصل الصراخ والتلويح بيديها خلف الزجاج، دون أن يغفل متابعة مصير العصا المطعمة بالفضة، والتي اختفت تماماً داخل الآلة الجانبية.
صفحة 7
انتبه من مكانه إلى الحركة الخرقاء ليد الرجل العجوز وإلى الارتباك الذي يكتنف نظرته التي بدأت تفقد ثقتها، ثقة أوصلته بسلام من بوابة بيته إلى عتبة الآلة، حيث يقف ناسياً يده التي تبدو الآن ناقصة ومستقلة وفارغة على نحو مؤلم.
كما توقع، أعيد الفتى القصير إلى المقاعد المخصصة للتحقيق الأمني، ودون تردد، كمن عبر هذا الممر آلاف المرات، توجه نحو مقعد بمحاذاة أحد الأبواب المغلقة وجلس بهدوء، بدا له أن الفتى كان هنا قبل الآن، أو هكذا اعتقد، كان يعرف المقعد والممر والباب، على رغم أنها لم تطلب منه ذلك تماماً، فقط اكتفت بإشارة من يدها، فيما الفتى استطاع أن يفكك إشارتها، وأن يؤثث تلك الإشارة، التي ستبدو عفوية وبريئة، عندما استدار وأوجد، كأنما بضربة ساحر، الممر والمقعد الملاصق للجدار والباب، بينما الفتى الثاني، الطويل، يقف الآن وراء الحاجز، ويبدو مرتبكاً وحائراً وناقصاً.
عند البوابة المؤدية إلى الحافلة كانت العائلة تصطف فيما يشبه رتلاً من الكشافة، الأب في المقدمة فالأولاد الخمسة حسب أطوالهم ثم الأم في نهاية الرتل لمنعهم من التسرب، كان الأب يواصل مناداة الأولاد وتمريرهم أمام جندية أخرى تقلب الأوراق لتتأكد من الأختام، وكان يوسف يشد ثوب أمه الآن.
انتبه إلى أنه يقف على الخط الأصفر بانتظار أن تنتهي معاملة الرجل السمين، الذي غش في الطابور، وتسلل ليقف أمامه بحجة تحية صديقه. لم يرغب في مجادلته كما فعلت الفتاة التي تقف في آخر الطابور، كان يرغب في مواصلة مراقبة المجندة من موقعه، وكان هذا السمين بحركته المبتذلة سيوفر له وقتاً أطول لذلك، وكان يحاول أن يرتب كل هذه الأشياء، فيما تواصل الفتاة في آخر الطابور، الفتاة التي ترتدي الجينز، احتجاجها على حركة السمين الذي، بدوره، عزز وقفته متجاهلاً احتجاجها.
عندما رفعت عينيها عن أوراق السمين لمحته، للحظة بدا أنها تحاول أن تتذكره، الحركة التي ضيقت بها عينيها كانت تشي بتلك المحاولة، كان السمين يواصل شكرها، دون مبرر، بعبرية ركيكة، بدا أنه يحاول إسعادها بعبريته الركيكة تلك، وكانت لا تزال تنظر نحوه عندما، أخيراً، أخلى السمين المكان ووجد نفسه أمام عينيها تماماً.
* * *
صفحة 8
هل لاحظت «مدام» و«لو سمحت»؟!
بدا الوقت مناسباً ليتذكر «هند»، الفتاة المحتجة على السمين هي التي دفعتها إلى ذاكرته، الاحتجاج تحديداً، الأداء، اللهجة والضحكة الملتبسة التي ختمت بها احتجاجها. هند التي لم يستطع أن يعرف، بالضبط، أو يتكهن ما الذي تريده منه.
لهذا فقط، ربما، حافظ على دوره في علاقتهما الغريبة كمستمع صامت وفضولي. كان يجلس أمامها بعينين مفتوحتين وملامح محايدة، وبينهما صينية عليها فناجين قهوة وركوة ومنفضة سجائر ممتلئة حتى حافتها بأعقاب السجائر الملطخة بأحمر الشفاه، ولم يكن من السهل أن يمنع مخيلته من بناء مشهد مغاير تماماً، فيما هي تتحدث مستخدمةً يديها وصدرها وعينيها وجسدها، لا يمكن استخلاص أي شيء من كل هذه الاندفاعات التي تقوم بها، كانت تلقائية ومباشرة، وثمة خيط من العنف يشوب حركتها، لولا الإنهاك الدائم تحت جفنيها لبدت أصغر بعشر سنوات، كان جسدها مشدوداً، صدرها ونهداها، تحديداً، ثم تأتي ضحكتها التي لا تخلو من مجون، فالكلام المباشر والصور والتشبيهات التي لا تخلو من سوقية صادمة، فالشتائم التي تبرز في ثنايا الحديث مثل سلسلة من الجمل المعترضة...
كل ذلك كان يربكه وهو يحاول، جاهداً، أن يغلق تلك النافذة في مخيلته، النافذة التي تواصل بعثها، ودون توقف، عارية من قميصها بنهدين مندفعين وصدر مكشوف وضحكة ماجنة، بينما هي تواصل سرد حكايات لا تنتهي، وتذهب في كل الاتجاهات دون توقف، بحيث بدا أنها تزرع حركته بسلسلة طويلة من الإشارات، إشارات كان يجدها حوله أينما ذهب، ثمة حكاية تنتظر، دائماً، عند المنعطف أو إشارة في الطريق أو تشبيه، وكان عليه أن يجد طريقه وسط هذه الشبكة من الإشارات التي تؤدي كل منها إلى حكاية، كأن يسمع صوتها من مكانه أمام هذه المجندة، وهي تقول:
عندما عبرت الجسر للمرة الأولى في حياتي، بحقيبة ظهر صغيرة وخمس وثلاثين سنة، أخطأت الممر، دخلت ممراً مختلفاً على ما أظن، أنت تعرف، لا أستطيع أن أتصرف في مثل هذه المتاهات، ناداني الجندي الإسرائيلي، كان يحاول أن يكون لطيفاً، أنت تعرف كيف يحاولون دائماً أن يكونوا لطفاء، كنت أحدق في وجهه وسلاحه وملابسه وضجره، بينما هو يواصل ترداد جملته الوحيدة التي تبدأ بـ: يا مدام، كان يتكئ هنا كثيراً على «يا مدام»، قبل أن يكمل:
صفحة 9
من هون لو سمحت،
هل لاحظت «مدام» و«لو سمحت»؟! شخص بملابس عسكرية كاملة وخوذة وبندقية «إم16 » مذخرة يصوبها نحو عينيك يخاطبك:
يا مدام من هون لو سمحت!!
كان يحفظ تلك الجملة بجهد ويرددها بجهد مضاعف، ويتمسك بها كما لو أنها هي التي ستمنحه حق أن يرشدني إلى مكاني!! وكان يُكَسّر العربية، كانت الحروف المنطوقة بالعربية مهانة، تماماً، هي خلاصه ووسيلته ليس للتحدث معي، ولكن لإنشاء علاقة مع التلال الملحية البيضاء المحيطة بالمكان ومع نخلات قصيرة وسخيفة للزينة تناثرت حوله، وخلفها ووراء كل هذا أريحا القديمة...، علاقة مشروخة ومدعاة، وكان يعرف ذلك جيداً. لذلك، ربما كان يلمس بندقيته، بحركة لا إرادية، وكان يتوه تماماً بعد إكماله الجملة العربية المهدمة التي يرددها، ويكرر بعض مقاطعها وكأنما ليطيل صلته باللغة:
يا مدام.. من هون لو سمحت،
أشرتُ إلى الهواء الذي فوق كتفيه، وقلت:
ولكنهم لا يسمحون،
يا مدام.. يا مدام من هون لو سمحت،
يا مدام.. من هون.. من هون لو سمحت.
يا مدام.. من هون لو سمحت لو سمحت.
كنت أعرف أنني أعبث، ولكن ما الذي يمكن أن أفعله سوى ذلك! واصلت الإشارة إلى الهواء، وكان يحدق في الفراغ الذي أشير إليه، ثم بدأت أعدد أسماءهم واحداً واحداً؛ كل أولئك الذين قُتلوا هناك أو لم يتمكنوا من العودة وواصلوا وقوفهم على البوابات، وكان يحاول أن يفهم، ويواصل التراجع والضغط على بدن بندقيته وكأنما ليؤكد وجوده لي، أو ليتأكد من مكانته التي بدا أنها تهتز وتتفكك، وكنت أتقدم نحوه وأنا أعدد الأسماء، ثم بدأ بالصراخ بعبرية لم أفهمها، أظن أنه كان يشتمني، وكنت أصرخ بعربيتي، وأواصل مناداتهم والتشبث بهم، ولم يعد هناك أي عبث:
قتلاي لا يسمحون.
ثم أضافت فيما يشبه خاتمة موجهة له:
صدقني نحن نستحق أعداء أفضل من هؤلاء.
* * *
صفحة 10
الطريق إلى «زكريا»
وصل «زكريا» متأخراً، و«زكريا» اسم قريته المحتلة منذ العام 1948 هناك وُلد والده وولدت أمه، وثمة صورة باهتة لا تفي بشيء، كانت في أحد أدراج البيت، صورة معذّبة، تتلخص مهمتها في إسناد كل تلك الروايات التي تتراكم في منزل العائلة، طَيف بعيد من أشجار حرجية، وفي أقصى اليمين أشباح لبيوت منخفضة، هذا تقريباً كل شيء، ولهذا، ربما، بدت منهكة وباهتة ومغلقة على صبرها العجيب، ليس من السهل أن تكون مهمتها بهذه القسوة، وأن تتحمل اتكاء كل تلك الذكريات المتضاربة والحنين الذي امتلأت به الروايات.
كان لـ «زكريا» أكثر من مشهد؛ رواية الأب المبنية على الطريق والحرش وخطّ البحر المحروس من التلّ، ورواية العم المحاصرة، تماماً، في مقام النبي زكريا وحلمه المتكرر عن احتفال الجنّ تحت أقواسه، فيما كان هو بين النوم واليقظة. لقد مات الاثنان الآن، لم يعد هناك من يتذكر كل هذه الأشياء، ليست ثمة أعراس للجنّ في أحلامنا أو طرق ضيقة وشائكة تذهب إلى الحرش وتقطعه مثل خطّ زلزال، لم يعد هناك أولاد يصعدون التل ليروا خطّ البحر الذاهل، أولئك الذين كانوا آباءنا وماتوا.
رواية أمه المبنية على الوصف وليس على السرد تبدو أكثر دقة، ليس ثمة افتخارات هنا، الصمت والغياب هما النص، مقاطع قصيرة من أغنيات مرتجلة، مثل نحنحات في أطراف لوحة معنية بالتفاصيل، الحوش، العليّة، العتبات الواطئة، ورواية مبهجة عن الرجل الذي كان يسعى خلف حبيبته على الدروب الضيقة، وهو يدلق زجاجات العطر، التي أحضرها من يافا، على آثارها.
الرواية المكتوبة عن المكان تذهب ابعد من ذلك، كانت تتراكم بين التل والمقام وأطراف السهل حيث الخرائب وفيها خلق كثير، وكان عليه أن يجد متسعا من الأرض يكفي لكل هذا الخليط المتداخل من الآلهة والجيوش، كان الكنعانيون قد اختاروا التل المشرف على السهل الساحلي لمدينتهم التي سموها «أزكاح»، كانت أقرب إلى حصن للدفاع عن عمق البلاد أمام جيوش الفراعنة التي تصعد من الجنوب وقد أنهكتها غزة، كان الموقع آخر موقع يسقط في اجتياح سنحاريب الأشوري والى التل وصل يوشع، وهناك بالضبط وصل عمر بن العاص وجيشه حاملا وصايا أبو بكر، «لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة.....، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له....» كان يحب تلك الخطبة ووصاياها العشر التي جمعت الناس والشجر والحيوان وقسمتهم وسارت فوق الجيش مثل غيمة، كان التباس النخل في الخطبة يعجبه كثيرا، النخلة لم تكن شجرة تماما، كانت تقف هناك في الالتباس بين الناقة والشجرة، لقد أخرجتها الوصية من مملكتها ومنحتها روحا وقلبا وساقين يجب أن لا يعقرا، تذكر تلك الخطبة عندما تعثر بمذبحة الرهبان في وادي القلط، كما رواها الكتاب التبشيري الذي احتفظ به في العلبة، وكان يحب «إننا لم نفعل ذلك».
سأل يهوديا عراقيا مسنا من الذين احتلوا القرية، كان يجلس في الساحة المحاطة بأشجار معمرة، عن مقام الصالحي، حيث دفن المسلمون قتلى «أجنادين»، هز اليهودي العراقي كتفيه بدهشة، قبل أن يجيبه بلهجة بغدادية واضحة: