صفحة 1
1
عندما فتحت الباب كانت رائحة الشقة تشبه رائحة السردين، على الرغم من أنني وشقيقي، لا نحب السردين ولا نأكله ··
كانت ملابسنا المغسولة حديثًا منشورة على الأرائك، وقد تُركت وحدة التكييف مفتوحة لتساعد في تجفيفها، والبطانية الزرقاء المهترئة مرمية على الأرض مع وسادتين، وعلبة بسكويت صفراء، ورقائق بطاطا شيبس متكسرة، وتل من الأقراص المضغوطة، وكثيرٌ من الأسلاك المتشابكة وقد تكدّس الغبار في الفراغات بينها: غبارٌ اسفنجي تحوّل إلى ندف لفرط ما نسج حضوره حول ذاته ·· كانت شاشة التلفزيون مضاءة وعليها صورة مجمّدة لسيارة سباق تقطع شارعًا··
واضحٌ أن “أسامة” كان هنا··
شمّرتُ عن ساعديّ، أردت - للحظة - أن أرتب الفوضى، أن أقشع الرطوبة عن وجه المكان، والهواء الآسنُ القديم، ورائحة الخلّ ورقائق البطاطا و·· أردتُ ·· أن أغيّر ما ينبغي أن يتغيّر، بدا كل شيءٍ وكأنه يطفرُ من جسده ويعومُ في الفراغ بفوضى، ماهيات تتداخل بميوعة وتتجرأ بعضها على بعض، تذوّب حضورها في كلانية شرهة تغمر المكان، كان ينبغي أن أتدخل! هكذا خيّل إلي·· ولعلي لم أفكّر بالأمر حقيقة، وامتثلتُ لما بدا لي ( أو لم يبدُ ) أمرًا محتومًا، ما حدث ببساطة - في لحظة القرار بعينها - هو أنني أحبطتُ، ربما من ألوان الأثاث، الحمراء بقسوة، ربما من لون ساعديّ، الأصفر بشراهة·· كان كلّ شيءٍ بلا معنى· رميت بجسدي - دفعة واحدة - على الأريكة، تمددت فوق الملابس الباردة، أتنشق رائحة مساحيق الغسيل وأغمض··
أين أسامة الآن؟
إنه - في أحسنِ حالاته - إذا أراد أن يكون ذا فائدة، فإنه يكفّ عن الحضور، يتركُ المكان يئنّ تحت قسرية التداخلُ الهمجيّ بين مفرداته، بين رقائق البطاطا وعلب البسكويت وتلال الأقراص المضغوطة و·· الرائحة، رائحة السردين من أين تجيء؟
·· أنا وحدي، وحدي تمامًا، لا أحد يستطيع تغيير حقيقةٍ كهذه، وحدي ·· مثل خديج عثر عليه في صرّة ملابس، خديج نسيت اللقائق أن تأخذه إلى أم، أو لم ترغب بذلك أصلاً، وحدي، وسط كومة ملابس، ملابس في كلّ مكان، من فوقي ومن تحتي، وعن يميني وعن شمالي·· كم سيستغرقني الأمر لكي ألملم ملامح المكان، وأعيد له وجهه؟
اللقالق لن تمرّ من هنا
·· فقد كبرتُ·
أغطي عينيّ بساعدي، ينبغي أن تكفّ الألوان عن الحضور، والروائح المشبوهة لمساحيق الغسيل الحزينة وعلب السردين ورائحة الخلّ والملح والبطاطا و··
وكأن كلّ شيء يتحرّك في هذا العالم إلا أنا !
ربما ينبغي أن يكفّ العالم عن الحضور، ينبغي أن تضمر ملامح الأشياء، كل هذه الألوان والروائح والمهام التي ينبغي فعلها·· ليتها تنقرض، تنقرض لبعض الوقت، رفقًا بي وبكل العاجزين عن المواكبة، عن الاتساق، العاجزين عن تبرير وجودهم على أدمة العالم مثل بثرةٍ متقيّحة، قليلٌ من الانقراض النبيل، وكثيرٌ من البياض، السطور الفارغة، الإنصات و··
هناك أستطيع أن أفكّر أقل، أغمض أكثر، وأتركُ العالم يرحلُ بدوني ··
صفحة 2
2
“أسّوم” ··
يناديني “أسّوم” لأنني “أسماء”، وأناديه “أسّوم” لأنه “أسامة”، ونحن - كما يقال - توأم: لا نتشابه، هو - مثلاً - يحب اسمه، وأنا أرى بأنه من قبيل التعسف، والظلم، أن يكون اسمي “أسماء”، هكذا فقط: أسماء! ولا أستطيع أن أبرر - على أي صعيد - هذا الإرهاب الذي نقترفه بشكلٍ عشوائي، عندما نسمي الأشياء، ونضيف - بمزاجنا الخاص - كلمة “بأسمائها”، عندما نجرها كالأكباشِ المرعوبةِ، خارج الهيولى، لتحضر في التجربة، وما بعدها، ونزجها في التفرقة الكونيّة، لتخضع للناموس، وتمثل للقسطاس، فتروج كلمات متألّهة، كلمات مغرورة ومتعالية، كلمات مثل ( أفضل / أسوأ )، ( أجمل / أقبح ) ··
لا تعرفُ الأشياء لماذا هي أقل أو أكثر، لا تعرف ذلك إلا إذا سمّيناها، الأشياء تبقى سعيدة ما لم نخرجها من هيولى الحياد، ونقذف بها في جحيم الانحياز، حيث لا تعودُ الأرض مسطحة، ولا الأشياء صديقة الأشياء، وتتراتب ملامح الكونِ في طبقية سافرة··
إننا نسقطُ عدواننا على الأشياء، نجعلها - هي الأخرى - مكرهة على الوجود، على حمل رسالةٍ أبتها السماء، والأرض، وحملها الإنسان، إنه كان··
ربما نحاولُ أن نعبّر عن رعبنا؟!
هل الأسماء إرادة متجلية
أم مجرد هرطقة ؟
الأكيد، أن لا أحد يريدُ اسمًا بهذه الميوعة وهذه الحتمية، اسمٌ يتأرجحُ بين هاجس الظهور وجنة الغياب، اسمٍ متردّد، مشاع، يمكنُ أن يكون أي شيء بطول المسافة الفاصلة بين الوردة والجيفة، بين اللقلق والتابوت، بين الأمير والضفدع، بين الأغنية والدمعة، يمكنني أن أكون كل شيء، بل أنا في الحقيقة كلّ شيء، ولفرطِ اتساعي وقدرتي على مزاحمة أي اسمٍ على اسمه فأنا ما أزال، أمامي، غير مرئية، غير معروفة، مثل كتلة مائعة من الهلام··
·· عندما تكدّسنا، أنا وشقيقي، في بطنٍ واحد، أرادوا لنا اسمين متقاربين لأن موضة التوائم تقتضي ذلك، لأننا سنعرض - لاحقا ً- على العالم بصفتنا مفردتين في عبارةٍ واحدة، فنجانين من طقمٍ واحد، بصفتنا معجزة التشابه والاختلاف، والتجلي الأليف لقدرة الخالق، وخصوبة الطبيعة، إلخ! كل هذه الأمور، لأننا نذكرهم بالآياتِ الداعية إلى التدبّر، وبالبرامج العلمية على قناة “ديسكوفري”، لأننا - ببساطة شديدة - موضوع حسن السّمعة!
كانت أمي في شهرها السادس عندما عرفت بأن في بطنها توأمًا، وقد فوجئت بالخبر يجيء متأخرًا لأنني كنتُ - حسب ما قالت - مختبئة خلفه، لم ينتبه لي أحد، لم أنتبه لأحد، لم يرغب بي أو أرغب بأحد، كنتُ خلفه، وعرفوا بأمري لأن قدمًا ثالثة ظهرت على شاشة “السونار”، منذها·· وهما يبحثانِ عن اسمين متشابهين، ولكن ما حدث، بعد أن مددوني إلى جانبه في جناح المواليد، هو أنهما عرفا - بما يكفي من الرّعب - كم نحن·· لا نتشابه، كان كل ما فيه ينبئ بإمكانيةٍ فارهة للوسامة، وكلّ ما فيّ يشي بالنقيض، كنتُ زرقاء، مشعرة، بعينين جاحظتين وذقنٍ مدقوقة··
وهكذا، سيداتي سادتي! كان هو أسامة الهصور، وكنتُ أنا الشيء الذي هو - لفرط دمامته - تصعب تسميته، كنتُ “أسماء” ·
صفحة 3
- أسّوم ؟!
- هااااااااااااه ··
- قوميْ !
كان متربعًا، فوق البطانية الزرقاء البغيضة، يلعب البلي ستيشن، يمضغ بسكويتة، هل غفوتُ ؟ أتساءلُ و··
- أسّووووم !
- شنو ؟!
- يوعااااان !
- أسامة ترى مالي خلق ··
خدي الأيمن متعرّق، عليه آثار مطبوعة لكومة الملابس التي تمددت عليها، يحكني / أدعكه··
- قوميْ ، ليش نايمة ع الهدوم ؟
أدعكُ عينيّ :
- ·· ريحتها حـ ·· لوة !
يضحك، السيارة في الشاشة تنحرف عن الشارع، تحمرّ أذناه: “يا حمااااااااار لاااا!”، من تراه يشتم؟ يرمي بعصا التحكم من يده، يضربُ اللعبة بقبضته، تهتزّ الشاشة على التلفزيون، يعيد الكرة “غبي!”
أيّنا؟
ثقيلة مثل كيسٍ من الملح، عوالمي تتساقط، أنا يقظة - الآن - وهذا ليس جيدًا، أفركُ وجهي، أقرفص فوق الثياب، برأسٍ متدلية، مثل جوربٍ على حبل غسيلْ·
- رحتي حق أبلة حصة؟
- ايه·
- شقالت؟
- قالت لأ ··
- أفا!
- بروح لها مرة ثانية·
صفحة 4
وأتثاءب ··
- خلك منها “أسّوم” ·· أنا كلي لك!
- شبي فيك؟
- والله أنا شخصية عظيمة·
- شفيك زود بالله؟
- خفيف دم، وسيم، وقلبي طيّب ··
- وتقدّر الحياة الزوجية؟!
يضحك / أتثاءب / أسأله، ينظر إلى ساعته “الكاسيو” المشدودة إلى معصمه الأيسر، يخبرني :
- الساعة أربع العصرْ·
- والله؟
- طبعًا ما سويتي غدا؟
- نطلب بيتزا·
·· وأنهض، ركبي متيبّسة، أسمع طقطقات عظامي فيما أنتصبُ، أنتصبُ بقدر ما تستطيعه الروح المأزومة في الجسد المأزوم، ألقي نظرة على المكان من حولي، أتفقد الوجه الذي أعرف وأرهب، إنه هو، وكما يبدو دائمًا، المكان المفضل للأشياء عديمة القيمة، والروائح الغريبة، والأفكار الشاذة، والوحدة، إنه المكان “الآخر”، أو هو - ببساطة - المكان، حيثُ يتكثف الزمنُ ويكفّ عن المضيّ وتُتْرَك الأرواح معلّقة على المشاجبِ لتهترئ، وعلى الرغم من كل ما تحاول الفوضى أن تشي به من حياة، إلا أنها لم تزد المكانِ إلا موتًا··
الفوضى فضيحة المكان، الفوضى تقول أشياء لا يجدر بها قولها، أشياء يتغاضى الناس عن قولها في سبيل أن يكونوا لطفاء، مثل أنني أغدو في كلّ يومٍ أكثر تآكلاً، مثل أن المكان مفرّغ من الرغبة، أي ذرة من الرغبة بأي شيء، أي شيءٍ من شأنه أن يجعل مسألة تنظيف الأرض وغسل الصحون أكثر منطقية، الفوضى هنا تقول بأن الحياة عديمة المعنى، والطعم، والرائحة·· الفوضى هنا تقول بأنني غير سعيدة·
صفحة 5
3
عندما أغسل وجهي لا أنظر في المرآة، أعرفُ·· كم أنا صفراء! أتركه/رأسي متدليًا أسفل الصنبور، أدعكه و··
شيءٌ ما ينبغي أن يتغيّر في حياتي، شيءٌ ما ·· ذقني مثلاً ·· أو ··
- شتسوين ؟
إنه يتبعني ، يتبعني مثل طفلي!
- يا أخي ما في شوية خصوصية بهالبيت ؟
- أسّوم خليني أغسل لك شعرك !
·· ويحبني مثل أمّي !
- تعال··
لماذا هو سعيدٌ دائمًا؟ سعيد لدرجة الإزعاج! حتى الطريقة التي يمسك بها بعلبة الشامبو، يضغطها، الطريقة التي يتأمل بها السائل الشاحب الكثيف يتجمّعُ في راحتيه، الطريقة التي يدعك بها شعري، الطريقة التي ·· تفوحُ بفرحٍ غريب، غير مبرر، فرح شاذ، وكأنه كفّ منذ مدة عن أن يكون بشرًا !
- أسوّم شعرك طال·
- بقصّه ·
- لا·· لا خلّيه، حلو!
- مالي خلق أمشطه·
- خليه، أنا أمشطه بس خلّيه ·
·· وعلى الرغم من أننا بالكاد نفترق، إلا أنه غالبًا ما يبحث عن أي فرصة، أي احتمالٍ لفرصة، أي بذرة لفرصة، أي شبح لفرصة، لنكون معًا، وكأننا لا نفعل ذلك طوال الوقت، وكأنه لم يسأم وجهي أبدًا، وكأني لم أكره وجهي قط·
·· يقول بأننا لفرط ما نتقابل لم يعد يلحظ بعضنا بعضًا، يقول بأننا لم نعد نحسّ بنا أحياء، وأتثاءبُ·· لأنني أتحوّل في كل لحظةٍ إلى شيء، أطرافي تصدأ، عظامي تتصلّب، ملمس جلدي يشبه ملمس سلحفاة، ولأنني لا أحب أن أمشط شعري فأنا أقصه كلما لامس أذنيّ، إنني أنمسخُ، وينبغي أن يتغيّر شيءٌ في حياتي·· ذقني مثلاً، أو ··
صفحة 6
لو كان لي اسم جميل / وجهٌ جميل··
- أسامة إنت شسالفتك اليوم؟
- حطيني مكان أبله حصة·
- أسّوم قفّل الموضوع وإنساه خلاص·
يلف شعري بالمنشفة، يلفه بسهولة وكأنه يفعل ذلك طوال الوقت، أنا أمام المرآة·· وأكرهني، الأعين الجاحظة، أكرهني! ويبدو هو - إلى جانبي - فارعًا مثل نخلة، وأكثر، لاسيما مع انعكاس الضوء الباهت على عينيه واشيا بالخضرة الحية الحيية، إنه لا يتألق بقدر ما يتألق لحظة يقفُ إلى جانبي، وكأنني لا أنفع في هذه اللوحة إلا لأشير إلى بهائه من خلال دمامتي، من خلال محدوديتي، هذا الشقيق النقيض ·· هذا الـ ··
أيّنا ينقضُ أيّنا؟
- وإذا ما وافَقَت ·· ؟
- أفكّر !
كان عليّ أن أمنحه أملاً كي يصمت، أريد أن يصمت، وهذا الفرح المشبوه الذي يحيط به على الدوام، الفرح البغيض، الفرح البذيء، الفرح القذر! ينبغي أن يتوقف كل شيء الآن، على الأقل ريثما ألتقط أنفاسي فيما هو يرتع ويلعب ويبحث عن طريق جديد لللذة، وكأنه لم يخرج من البطن ذاتها التي خرجت منها أنا، وينتمي إلى الكيمياء والآباء والمكان والوقت والجينات والغثاء ذاتها ·· وكأنه كذبةٌ أو ما شابه، أريدُ لكل شيءٍ فيه أن يصمت، أن ينتهي ويتقوّض ويتوقف عن تحويل حياتي - بسعادته الوقحة - إلى جحيمٍ غير مبرّر·
- يا حبي لك أسومة !
جحيمٌ غير مبرر!
لفرط ما هو مكتمل، لفرط ما يجسد - بعفوية - النقيض التام مني: حاجبٌ أزجّ، وبشرة دسمة بيضاء، وقامة شامخة·· دائمًا ما يرتدي بنطلون جينز وبلوزة زرقاء، يفعل بعفوية كل الأشياء التي تفاقم سماويّته، وتضاعف انحطاطي، لاسيما وأن ملابسي تستبسل في الإخلاص للرماديّ بكل درجاته، إنه - ببساطة - ضدّي، ضدي المسالم الذي يمثل كل ما أريد أن أكونه ولم أكنه، وكأننا عندما تكدّسنا - أنا وهو - في بطنٍ واحدة، نال هو كل الحظ الذي خُصّص لنا، وترك لي خيارات محدودة جدًا، لأجيء أنا، كما أنا، مجرد أنا·· فتاةٌ بلا امتيازات، وبذقنٍ مدقوقة·
صفحة 7
4
تقول أبله حصة: الأسماء قدر، الأسماء تختارنا، تقول - وحدها - بأن اسمي جميل، لأنه على حد تعبيرها الفريد “أكثر من حضور، أكثر من ظهور” وبأنني - بفضل اسمي - أستطيع أن أكون أي شيء، تقول بأن اسمي هو عنوان الاختيار، عنوان الحرّية، لا يحدّه إلا الصّمت، وأنا·· أهبها عينيّ وأذنيّ وصمتي، لأنها تقول الأشياء التي لا يقولها الناس، تقول الأشياء التي نسيناها·
و”الكتب قدر !”
تقولُ، الكتب التي قرأناها اختارتنا، اصطفتنا! تهمس: هل سبق وأردت قراءة كتاب وعجزتِ عن ذلك؟ إنه / الكتاب لن يهبك روحه ببساطة، لأنه يريدك أن تحبيه كفاية، وعندما يتحقق ذلك سيدلق روحه فيكِ ويمتزج بكيانكِ وهو يعرف بأن فناءه لن يكون سدى، لأن فناءه وجوده، وجوده فناؤه، وهذا هو·· جوهر الحبّ وأقصاه، إنه المعنى المنسيّ للشهادة·
تهمس: هل سبق وأمسكت بكتاب ثم رميته؟ الأمر يشبه ما تشعرين به عندما تلتقين إنسانًا للمرة الأولى ولا يعجبك، الأرواح جنودٌ مجندة، والكتبُ أرواح، والموتى ليسوا أقلّ منا حضورًا، هل تشكين؟ نحن - دون أن ندري - نتخاطر مع الأشياء، نتفاهم معها بلغةٍ نظنّ بأننا لا نجيدها، ولكن الحقيقة أن الكون كله·· كله! يتحدث هذه اللغة، الشيء الذي يربطنا بالأشباح والنمل والجوارب والملاعق وكل شيء في العالم، هو هذه اللغة·· السهلة كالماء، الكونية كالموسيقى·
أبله حصة تخلقُ من الأشياء العادية، المملة، الرتيبة، عالمًا أسطوريًا، إنها مثل عرّافةٍ طيّبة، تظهر للفتيات الحزينات، مثلها ربما، مثلي بالتأكيد، وتجعلنا نظنّ الأمر مختلفًا، عندما أراها في أحلامي، أراها حسناء، تحمل عصا جنيةٍ، وأخبرها بأنني أملكُ فستانًا جميلاً وعربة لائقة وزوجة أب، بل ثلاث زوجات أب، ولكنني - أنا نفسي - لستُ جميلة، ساعديني·· أيتها الجنية الطيّبة، حوّليني إلى فتاة الرماد، إلى سندريلا، خذي سيارتي، وفساتيني، واجعليني فتاة الرماد تلك، فتبتسمُ، تضع يدها على خدّي وتقول “كم أنتِ سندريلا” !
أبله حصة ساحرة، تخبئ عصاها في المقلمة، أو في حقيبتها الجلدية البنية، أنا متأكدة بأن هناك·· عصا، لأنها تلاحظ أشياء لا نراها لفرط ما هي أمامنا، الكتب، النخيلُ، والملابس، كل الأشياء الجميلة تحب أبلة حصة، وهي تتمادى أحيانًا وتقول، كل الأشياء جميلة، وأتمنى أن أسألها: حتى الجثث ؟!
بشرتها متوردة بإفراط، رقيقة بإفراط، عيناها لوزيّتان ناعمتان، مكللتان برموشٍ باذخة، وابتسامة قادرة على تجميد الزمن، خاصة عندما يغمرها الافتتان، وهي تشرح علاقاتها بالأشياء الغائبة، تجسر وتقول “حتى وجوهنا اختارتنا !”
الكأس في يدي ترتجف ··
تقول ·· وجوهنا ليست اعتباطية، إنها ظهور الباطن الملتبس منا، إنها تجلٍ لإرادة الحياة، إنها شيفرة الفرادة الحقة، إنها عناوين تحطّ عليها زواجل الرّوح، إنها رسائل نأخذها من قلوبنا إلى العالم و··
الكأس تسقط، تتحطم··
تبتسم : لا عليكِ ··
إنها جميلة، يحق لها أن تدّعي شيئًا كهذا ·
صفحة 8
5
قالت “أخشى أنّكِ التالية” وخبأت دموعها في صرّتها البيضاء، وهي تمشّطُ شعري ·· شعري الطويل بلونِ الزّيتِ، تعطره بالخزامى وزهور البرتقال، قالت أمي بأن زهرة البرتقال تهبُ الشعر نضارته، وقالت بأنني جميلة، وقالت أيضًا “أخشى أنّكِ التالية” ··
بعد أن مشطتني أمسكت بيدي بقوّة لدرجة أن أصابعي تعرّقت، خرجنا نمشي، كان الناس يمشون بين حقولِ الذرة، إذ الأرض ترسل شعرها الذهبي للسماء، الأرض تخبر السماء بأنها ما زالت جميلة·
بعضهم يبسبسُ ويهمسُ بأشياء غريبة، نظرتُ إلى أمي وكانت مثلهم، تصلّي، نظرت إليّ وقالت “الأحسن أن تبقي في الصفوف الخلفية”، ولمحتُ عددًا من الفتياتِ يركضن، فتخلصت من يدها وركضتُ معهن··
امتثلت للرّكض، ركضت·
انتهينا إلى زحام، نفذنا بين السيقان المنفرجة إلى صفوفٍ متقدّمة، سألتُ الفتاة “عن ماذا نبحث؟” قالت “عن الجميلة”، تسللنا بين أقدامِ رجلٍ إلى الصف الأمامي ورأيناها، تزيّنُ رأسها بتاجٍ من الزهور البرية البيضاء، ترتدي ثوبًا أخضر بأكمامٍ طويلة يبدو أكبر منها عشرات المرّات، وقد جلستْ تأكلُ العنب والتفاح وتشربُ الماء، سألتُ رفيقتي “ماذا سيحدث؟” فهزت كتفيها وراحت تنظر إلى الفتاة والرجال الواقفين عن يمينها ويسارها، كانت شفاههم تتحرّكُ، كانت شفة رفيقتي تتحرك، شفاه الجميع تتحرّك·· باستثناء شفتيّ·
قالت الفتاة “إنها أجمل فتاة في القرية”، اقترحتُ أن نقترب لنرى إن كان ذلك صحيحًا أم لا، اقتربنا بضع خطوات والتقت عينا الفتاة الجميلة بعينيّ، تجمّدتُ واقفة، وسطِ الفراغ الذي يلفه الزحام·· كان شعرها ذهبيًا كالذرة، وعيناها صفراوين كالعسل، وبشرتها حنطية كالأرض، نظرتْ إليّ وابتسمت وهي تحرّك أصابعها بتلويحة سرّية، فلوّحتُ لها ··
شعرت بيدٍ تجذبني إلى الخلف والتفتُ ، كانت أمّي تبكي : “كلهم رأوكِ” ··
صفعتني فاستيقظت ·
صفحة 9
6
صفعتها لاسعة، حبيبة، ما تزالْ·
أدعكُ خدّي، أعتدلُ جالسة، عيني على غطاء السرير المشجّر، لا أريدُ أن أنظر أمامي، أمامي وجهي / المرآة·
كانت أمي تمشطُ شعري ، كانت أمي تصفعني، كانت أمي ما تزال قريبة ودافئة و·· ليتها بقيت، ليتني بقيتُ، هناك، المكان، الأزهار، الوجوه، كل شيء حقيقي، هناك، العالم ليس مجرد كابوس، العالم أكثر من مجرد أضغاث أحلام متكدّسة في رؤوسنا·
“حياتي الثانية”
تجيئني وافرة التفاصيل، فاتنة التفاصيل، أكثر محسوسية من أيّ شيء، إنها·· واقع آخر، مكان آخر، حياةٌ تتحرك في زمنٍ أكثر سيولة وتحررًا·· زمن غير مجمد ولا صدئ، حيثُ كل شيء هو أصل ذاته، وحيث الأشياء تخلّقت لتوّها والأسماء لمّا تحتجب بالغبار، حيثُ أنا جميلة، حيثُ شعري زيتٌ وعيناي قطرتا عسل، و··
لا أريدُ أن أرفع عينيّ، عليّ أن أغيّر مكان المرآة، ليس ثمة أقبح من أن تلتقي هذا الوجه بعد الوجهِ الذي كنته، حيث العالم ليس مجرد حلم، حيث الحياة ··
حياةٌ فلكُها أنا، في جسدٍ آخر واسمٍ آخر، أو ربما بلا اسم، أعرفُ ذلك لأن الحلم لا يتكرر، بل يستكملُ نفسه، وعندما أستيقظ فهو لا يتوقف، بل يستمر في الحدوث، وفي المرة القادمة التي أعودُ فيها إليه لا أبدأ من حيثُ انتهيت، بل من حيثُ بلغَ هو، فهو زمن، وهو يمضي، وفي تسلله من بين الأصابع يغسلنا لكي نعود أكثر أصالة و
أطفئ النور، لينطفئ الوجهُ، ليعود وجهي الآخر، لتعود أمي و··
لا يمكن أن يكون هذا مجرد حلم، فإذا كانت الأحلام تصدر من عوالمنا الباطنة، فإنّه لا ينتمي إلى عوالمي الباطنة في شيء، لأنه ببساطة جميل، أجمل من إمكاناتي، لأنه يتكون من مفردات لا علاقة لي بها، يخبرني أشياء لا أعرفها، من أين لي أن أعرف بأن زهرة البرتقال تهب الشعر نضارته؟
عيني تعتادُ الظلمة، أراني ·· ما أزالُ!
أغمضُ، أشيحُ، أركضُ في داخلي، أركضُ، أسألُ، أسيلُ·· لماذا وضعت المرآة أمام السرير؟ أي ثقة؟ أي شجاعة؟ أيّ وهم؟
هذا الوجهُ·· أيّ وهم؟!
صفحة 10
صوت التلفزيون يتسلّل نحيلاًً، مزعجًا، مثل أبر تقحم رؤوسها في رأسي، لابدّ وأنه هناك/ ممددٌ على الأريكة ليحلمَ، يحلمَ بأشياء جميلة ويسميها أضغاث، يحلم بأنه يطير في السماء مع مارلين مونرو مرتديًا لباس السوبرمان، يحلمَ بأنه يفوز في مسابقة تهجي الكلمات، أو يلقي بسنّارته إلى البحر من كوكبِ عطاردْ، أو يتسلّق قمة أفرست على يديه، أو يحلمُ - الوغدُ - بأمّي تزرر له ياقته، يحلمُ بأنه يرقص حول النار مع الهنود الحُمر، أو بأنه يلعب الشطرنج مع دانزل واشنطن، أو ·· يحلمُ بكل إمكاناته! بكلّ الأشياء غير المستحيلة بالنسبة لمن هو مثله، لأن عالمه أكثر سعة، وأكثر تفتحًا، ولأنه - ببساطة - أجمل، ولكن أنا·· أنا··
في هذا المعراج النازح صوب زمنٍ أكثر أصالة، شيءٌ آلفه وما فتئ يحدث وكأنه كان يحدث دائمًا، شيءٌ يستحق أن أدافع عن وجوده، أن أجادل بشأنه على الأقل، الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أبرهن به على أنني لستُ مفلسة تمامًا·
لو كان حلمًا عاديًا لرأيت أشخاصًا من محيطي المجاور، ولكن عندما أكونُ هناك فكل الوجوه جديدة بقدر ما هي مألوفة، وأمي هناك لا تشبه أمي هنا إلا في قلبها، وأنا هناك لا أشبهني هنا حتى في قلبي، قلبي هناك أخضر، وهنا أسودْ·
بالأمس حلمتُ··
كان ذلك النوع من الأحلام الذي يسميه الناس “مجرد حلم” ، رأيتني ممددة على صفيحٍ من القصدير مثل بطة مشوية، وكثيرٌ من الديدان تخرج من جسدي·· رأيتني- ببساطة - أتفسخ، وأعرف بأن الأمر جدّي وحقيقيّ، ولكنه ليس حياتي الأخرى، إنه الآن·· الكابوسُ، الحياةُ هناك، هذه هي الحقيقة، حقيقتي الخاصة غير القابلة للمساءلة·
وجهي، وجهي الوهمُ·· معلق فوق أجفاني، هل أفتح عينيّ؟
كل تجاربي الفاشلة في العودة، في افتعال الصعود، في افتعال السفر·· حاولتُ أن أجبر نفسي على النوم، ابتلعتُ حبوبًا منوّمة وتمدّدتُ على سريري وكان المساء، ولكن ما حدث هو أنني وجدتني مربوطة إلى قطعة خشب والنار من حولي، وكنتُ بالشكل الذي لا أحب، بالاسم الذي لا أحبّ، بالقلبِ الذي لا أحب، صفراء مريضة ممرضة بأعينٍ ذابلة وذقن مدقوقة ووجهٍ يشبه خارطة، كانت النار تضحكُ عليّ وأنا أرى البط والدجاج يرقصون ويسخرون مني··
أعرف الآن بأن عليّ أن لا أفتعل الصعود، بأن ما فعلته هو تجاوز وقحٌ على عفوية العالم المحتجب، أعرف بأن علي أن أنتظر أن يأتي العالم إليّ عوضًا عن أن آتيهِ أنا، صرتُ أنامُ ببساطة، في أوقاتٍ غير منتظمة ومتى ما شعرتُ بالتعب، أترك أزرار ياقتي مفتوحة·· أتأمل وجهي يتغيّر، يصبحُ رديفًا لرغبتي، أصبح - هناك - أحبّ العالم، والعالم - هناك - يحبني·